النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ (٢٥) كتاب الآداب (فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ سَرِيعَ الْغَضَبِ، سَرِيعَ الْفَيْءِ، فَإِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ بَطِي ءَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْءٍ، فَإِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى، وَخِيَارُكُمْ مَنْ يَكُونُ بَطِي ءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الْفَيْءٍ، وَشِرَارُكُمْ مَنْ يَكُونُ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِي ءَ الْغَيْءِ»، قَالَ: (اتَّقُوا الْغَضَبَ، فَإِنَّهُ جَمْرَةٌ عَلَى قَلْبٍ ابْنِ آدَمَ، أَلاَ تَرَوْنَ إِلَى انْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ؟ وَحُمْرَةٍ عَيْنَهِ؟ فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَضْطَجِعْ وَلْيَتَلَبَّدْ بِالأَرْضِ))، قَالَ: وَذَكَرَ الدَّيْنَ فَقَالَ: ((مِنْكُمْ مَنْ يَكُونُ حَسَنَ الْقَضَاءِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ أَفْحَشَ فِي الطَّلَبِ، للنبي ◌َّل، ويحتمل أن يكون ضمير (قال) أيضاً له وهله، وذكر الغضب جملة معترضة بين (قال) ومقوله، وأما قوله بعد هذا: (قال: وذكر الدين فقال) يؤيد الأول. وقوله: (فإحداهما بالأخرى) أي: إحدى الخصلتين مقابلة بالخصلة الأخرى لا يستحق فاعلها المدح ولا الذم. وقوله: (فليضطجع) قد سبق في (باب الغضب): إذا كان قائماً فليجلس؛ فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع، ولا شك أن الاضطجاع أدخل، وقد مر وجهه أيضاً. وقوله: (وليتلبد) أي: ليلتزق، في (القاموس)(١): لبد كنصر وفرح لبوداً ولبداً: أقام ولزق. وقوله: (وإذا كان) أي: الدين (له) على أحد (أفحش) أي: قال الفحش، فهذا قضاؤه حسن وطلبه سیِئ. (١) («القاموس المحيط)) (ص: ٢٩٩). ٣٨٢ (٢٢) باب الأمر بالمعروف فَإِحِدَاهُما بِالأُخْرَى، وَمِنْهُم مَن يكونُ سَيِّىَ الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَجْمَلَ فِي الطَّلَبِ، فَإِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى، وَخِيَارُكُمْ مَنْ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَحْسَنَ الْقَضَاءَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَجْمَلَ فِي الطَّلَبِ، وَشِرَارُكُمْ مَنْ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَسَاءَ الْقَضَاءَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَفْحَشَ فِي الطَّلَبِ)). حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُؤُؤْسِ النَّخْلِ وَأَطْرَافِ الْحِيطَانِ فَقَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلَّ كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٩١]. ٥١٤٦ - [١٠] وَعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لَنْ يَهْلِكَ النَّاسُ حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٤٧]. وقوله: (حتى إذا كانت الشمس) متعلق بقوله: (قام فينا خطيباً). وقوله: (فيما مضى) أي: بالنسبة إلى ما مضى . وقوله: (إلا كما بقي) الكاف بمعنى المثل، أي: لم يبق شيء إلا مثل ما بقي. ٥١٤٦ - [١٠] (أبو البختري) قوله: (أبي البختري) بفتح الموحدة والمثناة بينهما معجمة ساكنة بلفظ النسبة . وقوله: (لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم) المشهور من الرواية بضم الياء على صيغة المعلوم من الإعذار، في (القاموس) (١): أعذر فلان، أي: كثرت ذنوبه (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٠٧). ٣٨٣ (٢٥) كتاب الآداب وعيوبه، ومنه: لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم، وقال في (الصراح)(١): اعذار بسيار عيب شدن، وفي الحديث: (لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم)، أي: تكثر ذنوبهم، وقيل في توجيهه: إن الهمزة للسلب، أي: أزالوا عذرهم بكثرة اقتراف الذنوب، فيستوجبون العقوبة من الله والمنع والزجر من الناس بالنهي عن المنكر، ويحتمل أن يكون من (أعذر)، أي: صار ذا عذر، فالهمزة للصيرورة، والمعنى: حتى يذنبوا فيعذروا، فصاروا محل الاعتذار من أنفسهم، أو يعتذرون بتأويلات زائغة وأعذار فاسدة من قبل أنفسهم، وفي (القاموس)(٢): أعذر: أبدى عذراً وأحدث، وفي (الصراح)(٣): اعذار صاحب عذر شدن، وقال الطيبي(٤): هذا الوجه أنسب بباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كأن الناهي ينكر عليه ذنبه، وهو يتبرأ من الذنب ویعذر لنفسه ولإقدامه علیه، انتهى. وقد ظهر مناسبة المعنى الأول أيضاً بالباب بما قررناه، وقد جعل أهل اللغة الحديث بهذا المعنى كما نقلنا، ويروى بفتح الياء من عذرته، أي: جعلته معذوراً، في (القاموس)(٥): عَذَره يَعذِره عُذْراً وعُذُراً وعُذْرى ومَعذِرة [ومَعذُرة]، فكأنهم بكثرة ذنوبهم عذروا من يعاتبهم ويزجرهم وينهاهم عنها، فافهم. وسيجيء في حديث آخر: (١) ((الصراح)) (ص: ١٩٦). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٠٧). (٣) ((الصراح)) (ص: ١٩٦). (٤) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٧٨). (٥) (القاموس المحيط)) (ص: ٤٠٧). ٣٨٤ (٢٢) باب الأمر بالمعروف ٥١٤٧ - [١١] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيِّ الْكِنْدِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَوْلَّى لَنَا أَنَّهُ سَمِعَ جَدِّي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلَ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوُا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَّهِمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُتْكِرُوهُ فَلاَ يُنْكِرُوا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللهُ العامَّةَ والخاصَّةَ)). رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ)). [شرح السنة: ٤١٥٥]. (لقد أعذر الله إلى من بلغ به من العمر ستين سنة) في (الفصل الأول) من (باب الأمل والحرص)، وفي (الصراح)(١): عذر بالضم والسكون: بهانه ومعذور داشتن، معذرة بکسر الذال عذری وعذرة اسم في العذر، یعني بهانه اعتذار عذر خواستن وبا عذر شدن، انتهى. ونقل في (مجمع البحار)(٢) من ((النهاية))(٣): أن حقيقة عذرت محوت الإساءة وطمستها، وكأنه أخذ هذا المعنى مما ذكر في (الصراح)(٤): عذر ناپيدا شدن اثر عمارت وجزآن، فتدبر. ٥١٤٧ - [١١] (عدي بن عدي) قوله: (إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة) أي: لا يعذب القوم كلهم بذنب عمله بعض منهم إلا بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإذا تركوا عمهم عذاب المذنبين؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بارتكاب الذنوب وغيرهم لأنهم ظلموا بترك النهي عنها، فافهم. (١) ((الصراح)) (ص: ١٩٦). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٥٥٠). (٣) ((النهاية)) (٣/ ١٩٧). (٤) ((الصراح)) (ص: ١٩٦). ٣٨٥ (٢٥) كتاب الآداب ٥١٤٨ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَمَّا وَقَعَتْ بَنُوا إِسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي نَهَنْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ وَأَكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَلَعَنَّهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدْ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ). قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ وَكَانَ مُتَكِئاً فَقَالَ: ((لاَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطِرُوهُمْ أَطْراً). ٥١٤٨ - [١٢] (عبدالله بن مسعود) قوله: (وآكلوهم) وفي بعض النسخ: (وواكلوهم)، في (الصراح) (١): مؤاكلة: باهم خردن، يقال: آكلته، أي: أطعمته وأكلت معه، فصار (أفعلت) و(فاعلت) على صورة واحدة، ولا يقال: واكلته بالواو، وفي (القاموس)(٢): آكله الشيء: أطعمه إياه ودعاه عليه، كأكّله تأكيلاً، وفلاناً مواكلة وإكالاً: أكل معه كواكله في لُغَيّة . وقوله: (فضرب الله قلوب بعضهم ببعض) في (القاموس) (٣): أضرب الشيء بالشيء: خلطه كضرّبه، والضريب: اللبن يحلب من عدّة لِقاح في إناء. وقوله: (فلعنهم على لسان داود ... إلخ)، اقتباس لقوله تعالى: ﴿ لُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِى إِسْرَِّ يلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمُ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾ [المائدة: ٧٨]. وقوله: (لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم أطرأ) الأطر: عطف الشيء (١) ((الصراح)) (ص: ٤٠٩). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٨٥). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٣). ٣٨٦ (٢٢) باب الأمر بالمعروف رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ: ((كَلَّ وَاللهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْراً، وَلَتَقْصُرَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْراً، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللهُ بِقُلُوبٍ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَّهُمْ)). [ت: ٣٠٤٧، د: ٤٣٤٧]. وإمالته، أطرته: عطفته، والفعل كضرب ونصر، كذا في (القاموس)(١)، وفي (الصحاح)(٢): كضرب، وأطرت القوس، أي: حَنَيْتَها، وورد في آدم: أنه كان طوالاً فأطر الله منه(٣)، أي: ثناه وقصره ونقص من طوله، والإطار بكسر الهمزة: الحلقة من الناس، وقضبان الكرم تلتوي للتعريش، وما يفصل بين الشفة وبين شعر الشارب، وورد في قص الشارب: حتى يبدو الإطار، يعني حرف الشفة العليا، ومنه: إطار القوس، وإطار الظفر، وهو ما أحاطه بالظفر من اللحم، وإطار الْمُنْخُل، وهو خشبته، وإطار الحافر، وكل شيء أحاط بشيء فهو إطار له. والمعنى: لا تنجون من العذاب حتى تميلوهم من جانب إلى جانب، وتأخذوا على أيديهم، وتمنعوهم من الظلم، وتميلوهم من الباطل إلى الحق، وتقصروهم على الحق، أي: تحبسوهم عليه وتلزموهم إياه، فعلى هذا كانت (لا) نفياً لقول قائل: هل يُعْذَر في تخلية الظالمين وشأنهم؟ أو هل النجاة في تركهم؟ فقال: لا حتى تأطروهم، والقسم معترض بين الغاية والمغيا، وليست (لا) التي يجيء بها القسم تأكيداً له مثل: لا والله، كما قال الطيبي(٤). (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٢٣). (٢) ((الصحاح)) (٢/ ٥٨٠). ووقع في الأصل ((الصراح))، وهو تحريف. (٣) انظر: ((النهاية)) (١ / ٥٣). (٤) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٧٩). ٣٨٧ (٢٥) كتاب الآداب ٥١٤٩ - [١٣] وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْريَ بِي رِجَالاَ تَقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جبريلُ؟ قَالَ: هَؤُلاَءٍ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَتِكَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ)). رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ)، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))، وَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ: ((خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُوْنَ، وَيَقْرَؤُوْنَ كِتَابَ اللهِ وَلاَ يَعْمَلُونَ). [شرح السنة: ٤١٥٩، شعب: ١٦٣٧]. ٥١٥٠ - [١٤] وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَنْزِلَتِ الْمَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ خُبْزاً وَلَحْماً، وَأَمِّرُوا أَنْ لاَ يَخُونُوا وَلاَ يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، ... ويحتمل أن يكون تلك، ويكون المغيا لـ (حتى) محذوفاً، والتقدير: لا والله لا تنجون حتى تأطروهم، ويؤيد التوجيه الأول قوله في رواية أبي داود: (كلا والله)، (أو ليضربن الله) أي: أحد الأمرين واقع، إما أمركم بالمعروف، وإما خلط قلوب بعضكم على بعض، وما بعد (لتأمرن) تفسيرٌ وبيانٌ له. ٥١٤٩ - [١٣] (أنس) قوله: (يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم) التعذيب لنسيان أنفسهم لا للأمر، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]: إن الإنكار راجع إلى عدم الفعل لا إلى القول، ولا ينافي جواز الأمر بالمعروف مع عدم فعله كما هو المختار. ٥١٥٠ _ [١٤] (عمار بن ياسر) قوله: (أنزلت المائدة) هي الخوان إذا كان عليه الطعام، كذا قال البيضاوي(١)، وفي (الصراح)(٢): المائدة: هي خوان عليه طعام، (١) ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ١٢٤). (٢) ((الصراح)) (ص: ١٤٨). ٣٨٨ (٢٢) باب الأمر بالمعروف فَخَانُوا وَادَّخَرُوا، وَرَفَعُوا لغَدٍ، يعني خوان آراسة؛ فإذا لم يكن عليه طعام فهي خوان، واشتقاقها من ماد يميد ميداً وميداناً: إذا تحرك، ومنه: (فدحا الله الأرض فمادت، فسكنت من الميدان برسوب الجبال)، وفي ذم الدنيا: (هي الحيود الميود) فعول منه، وماد الماء: تحرك، وماد الشراب: اضطرب، ومادت الأغصان: تمايلت، وماد الرجل: تبختر، وأصابه دوار من سكر أو ركوب بحر، وفي الحديث: (المائد في البحر له أجر شهيد) (١)، وهو من يدار برأسه من ريح البحر واضطراب السفينة، والظاهر أن اشتقاق المائدة من ماده: إذا أعطاه، وفي (القاموس)(٢): الممتَادُ: المُستَعْطِي والمُستعطَى، وهي فاعلة بمعنى مفعولة، مثل ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، وقال البيضاوي(٣): كأنها تُميد من تقدَّم إليه، ونظيرها قولهم: شجرة مطعمة، انتهى. أو هي صيغة النسبة، وقد تطلق المائدة على الطعام نفسه، قال في (القاموس) (٤): المائدة: الطعام، والخوان عليه طعام، كالميدة، والطعام هو المراد من الحديث: إذا رفعت مائدته قال: الحمد لله، على ما روي أنه سي﴿ لم يأكل على خوان، والظاهر فيما نحن فيه من الحديث أيضاً حمله على الطعام؛ لأن خبزاً ولحماً تمييزان منه. وقوله: (فخانوا) أي: فلم يمنعهم أحد منهم، ولم ينههم عن هذا المنكر، فيوافق الباب . (١) أخرجه أبو داود في ((سننه)) (٢٤٩٣). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠٣). (٣) ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ١٢٤). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠٣). ٣٨٩ (٢٥) كتاب الآداب فَمُسِخوا قِرَدَةً وخَنَازِيرَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٠٦١]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥١٥١ - [١٥] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّهُ تُصِيبُ أُمَّتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ سُلْطَانِهِمْ شَدَائِدُ، لاَ يَنْجُو مِنْهُ إِلاَّ رَجُلٌ عَرَفَ دِينَ اللهِ، فَجَاهَدَ عَلَيْهِ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَقَلْبِهِ، فَذَلِكَ الَّذِي سَبَقَتْ لَهُ السَّوَابِقُ، وَرَجُلٌ عَرَفَ دِينَ اللهِ فَصَدَّقَ. وقوله: (فمسخوا قردة وخنازير) حالان مقدرتان، كقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ اُلْجِبَالِ يُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩]، كذا قال الطيبي(١)، ويحتمل أن يضمن يمسخون معنى يجعلون(٢)، فيكون مفعولاً ثانياً له. الفصل الثالث ٥١٥١ - [١٥] (عمر بن الخطاب) قوله: (لا ينجو منه) الضمير للسلطان أو للشدائد بتأويل المذكور أو المنكر. وقوله: (سبقت له السوابق) من السعادة، والبشرى بالمثوبة، والتوفيق للطاعة، ويقال: له سابقة في هذا الأمر: إذا سبق الناس إليه، ومحصله أنه من السابقين، ﴿وَالسَّيِقُونَ السَِّقُونَ ) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]. وقوله: (عرف دين الله فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه ... إلخ)، ذكر المعرفة في ثلاث مواضع، وفسرها في الأول بما هو أكمل وأرفع المراتب، وهو الجهاد بيده ولسانه وقلبه، فلا بد أن يكون ما بعده بلا واسطة أقرب منه، وعبر عنه بقوله: (فصدق (١) (شرح الطيبي)) (٩ / ٢٨٠). (٢) كذا في الأصول، والظاهر: ((مسخوا معنى جعلوا)). ٣٩٠ (٢٢) باب الأمر بالمعروف بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ دِينَ اللهِ فَسَكَتَ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَأَى مَنْ يَعْمَلُ الْخَيْرَ أَحَبَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَأَى مَنْ يَعْمَلُ بِبَاطِلٍ أَنْغَضَهُ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ يَنْجُو عَلَى إِبْطَانِهِ كُلِّهِ». ٥١٥٢ - [١٦] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((أَوْحَى اللهُ وَكَ إِلَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنِ اقْلِبْ مَدِينَةَ كَذَا وَكَذَا بِأَهْلِهَا، فَقَالَ: يَا رَبِّ! إِنَّ فِيهِمْ عَبْدَكَ فُلاَنَاً لَمْ يَعْصِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، به) فيكون المراد به المعرفة باللسان والقلب، إذ التصديق بالقلب، واللسان مترجم عنه بقرينة مقابلة القسمين، والثالث: يكون أدنى، وعبر عنه بقوله: (فسكت)، فلا يكون إلا بالقلب فقط، فهذه ثلاث مراتب أشير إليها في كتاب الله بطريق الترقي من الأدنى إلى الأعلى بقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ،﴾ أي: ناقص في حظه، ﴿وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ﴾ أي: متوسط، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ ﴾ [فاطر: ٣٢]، وكلهم من عباد الله المصطفين بالإيمان؛ لقوله سبحانه: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالٌِّ لِّنَفْسِهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]. وقوله: (فإن رأى) بيان وتفصيل للقسم الأخير، والضمير في (إبطانه) للرجل، [من] إضافة المصدر إلى الفاعل، والمفعول محذوف، أي: محبة الخير وبغض الباطل، و(عمل) يتعدى بنفسه وبالباء، ولا يخفى ما في استعمال الأول في الخير والثاني في الباطل من اللطف والإشارة إلى مزيد شوق وحرص في عمل الخير والانجذاب إليه بلا واسطة، فافهم. ٥١٥٢ - [١٦] (جابر) قوله: (فلاناً) في (القاموس)(١): فلان وفلانة مضمومتين (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٢٧). ٣٩١ (٢٥) كتاب الآداب قَالَ: فَقَالَ: اقْلِبْهَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، فَإِنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَتَمَغَّرْ فِيَّ سَاعَةً قَطُ)). ٥١٥٣ - [١٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّ اللهَ وَكَ يَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَا لَكَ إِذَا رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ فَلَمْ تُنْكِرْهُ؟)) قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((فَيُلَقَّى حُجَّتَهُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! خِفْتُ النَّاسَ وَرَجَوْتُكَ)). رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلاثَةَ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٧١٨١، ٧١٨٩، ٧١٦٧]. كناية عن أسمائنا، وبـ (أل) عن غيرنا، وقد يقال للواحد: يا فُلُ، وللاثنين: يا فُلانِ، وللجمع: يا فُلُونَ، وفي المؤنث: يا فُلَةُ ويا فلتَانِ ويا فُلاَتُ، ومنع سيبويه أن يقال: يا فُلُ ويراد فلان إلا في الشعر، انتهى. وقوله: (لم يتمعر) في (القاموس)(١): معر وجهه: غيّره غيظاً، فتمعر، والممعور : المقطّب غضباً، وفي (الصراح)(٢): تمعر: بر گشتن رنگ روئ از خشم. ٥١٥٣ - [١٧] (أبو سعيد) قوله: (فيلقى حجته) أي: يؤتى ويعلم، قال البيضاوي(٣) في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتْلَقَى الْقُرْءَانَ﴾ [النمل: ٦] لتؤتاه، وفي (القاموس)(٤): ﴿وَإِنَّكَ لَتُكَقَى الْقُرْءَانَ﴾ يُلْقَى إليك وحياً من الله تعالى. وقوله: (فيقول: يا رب! خفت الناس ورجوتك) أي: خفت سطوتهم وشرهم ولم أكن قادراً على دفعه، ورجوت عفوك؛ فإنك تعلم ضعفي وحالي. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٤٤). (٢) ((الصراح)) (ص: ٢١٤). (٣) ((تفسير البيضاوي)) (٤ / ٤٢٩). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٢٢). ٣٩٢ (٢٢) باب الأمر بالمعروف ٥١٥٤ - [١٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ خَلِيقَتَانِ تُنْصَبَانِ لِلنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَمَّا الْمَعْرُوفُ فَيُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ وَيُوعِدُهُمُ الْخَيْرَ، وَأَمَّا الْمُنْكَرُ فَيَقُولُ: إِلَيْكُمْ إِلَيْكُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُ إِلَّ لُزُوماً). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبٍ الإِيمَانِ)). [حم: ٤ / ٣٩١، شعب: ١٠٦٦٦]. ٥١٥٤ - [١٨] (أبو موسى الأشعري) قوله: (خليقتان) أي: مخلوقتان، يعني يصوران ويمثلان في صورة إنسان. وقوله: (ويوعدهم الخير) في (القاموس)(١): وعده الأمر وبه خيراً وشرًّا؛ فإذا أسقطا قيل في الخير: وعد، وفي الشر: أوعد، وقالوا: (أوعد) الخير وبالشر، وقد مر في أوائل الكتاب في (باب الوسوسة). وقوله: (إليكم إليكم) أي: تنحوا عني، (وما يستطيعون له إلا لزوماً) أي: لا يستطيعون مفارقته. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠٨). (٢٦) كَائِ الرَّقَاق (٢٦) ◌َابِ الزقاق : الْفَضْلُ الأَوَّلُ: ٥١٥٥ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٢]. ٢٦ - كتاب الرقاق جمع رقيق، كصغار وكبار جمع صغير وكبير، ضد الغليظ، وقد يجيء رقائق كحقائق ودقائق جمع رقيقة، وموصوفها الكلمات، والرقة قد تجيء بمعنی الرحمة، ولعل وصف الكلام بذلك لكونه مؤثراً في رقة القلب وإحداثه الرحمة فيه، ولو جعل (فعيل) بمعنى (مفعل) من التفعيل كما يجيء بمعنى المفعل من الإفعال كبديع ونذير على مختار البيضاوي في تفسيره لم يبعد. الفصل الأول ٥١٥٥ _ [١] (ابن عباس) قوله: (نعمتان مغبون فيهما) الغبن بالسكون نقصان المال والخسران فيه في المعاملات، وبالتحريك في الرأي بمعنى ضعفه ونقصانه. وقوله: (نعمتان) مبتدأ، و(مغبون فيهما) صفة، و(الصحة والفراغ) خبره، وهذا لرعاية ما اشتهر من وجوب تخصيص المبتدأ النكرة، والذي ينساق الفهم ويتبادر إليه في الحديث هو أن يكون الخبر (مغبون) ويكون قوله: (الصحة والفراغ) خبر مبتدأ محذوف، وهذا المعنى جيد، فافهم وأنصف من نفسك، والصحة صحة البدن، ٣٩٦ (٢٦) كتاب الرقاق ٥١٥٦ - [٢] وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَّهُ يَقُولُ: ((وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٥٨]. ٥١٥٧ - [٣] وَعَنْ جَابِرِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ مَرَّ بِجَدْي أَسَكَّ مَيِّتٍ، قَالَ: «أَّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟)) فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، قَالَ: (فَوَاللهِ لَلُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٥٧]. ٥١٥٨ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٥٦]. والفراغ الفراغ عن المشاغل والموانع عن العمل. ٥١٥٦ - [٢] (المستورد بن شدّاد) قوله: (ما الدنيا) أي: نعيمها أو مدة بقائها. وقوله: (وأصبعه) الأصبع مثلثة الهمزة مثلثة الباء، تسع لغات، وقد تذكر، كذا في (القاموس)(١). ٥١٥٧ _ [٣] (جابر) قوله: (أسك) أفعل من السك، والسك: اصطلام الأذنين، وفي (الصراح) (٢): سك ازبن بركندن كوش، وفي الحواشي(٣): الأسك: مقطوع الأذنين أو صغیرهما، يقال للذي لا أذن له. ٥١٥٨ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) أما سجن (١) ((القاموس)) (ص: ٦٧٩). (٢) (الصراح)) (ص: ٤٠١). (٣) ((حاشية جمال الدين)) (ص: ٣٠٩). ٣٩٧ (٢٦) كتاب الرقاق ٥١٥٩ - [٥] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مُؤْمِناً حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٠٨]. المؤمن فلما يصيبه فيها من البلايا والمحن والآلام، وجنة الكافر لتنعمه وتمتعه فيها بالشهوات واللذات، أو لأنها ضيقة على المؤمن يريد الخروج منها دائماً إلى فضاء القدس وقرب رب العالمين، والكافر يتمنى الخلود فيها لركونه إليها وانهماكه في الشهوات، وقد يشتبه هذا بالمؤمن الغني المتنعم والكافر الفقيه المبتلى فيقال: إن الدنيا للمؤمن كالسجن في جنب ما أعدّ له من الثواب وإن كان له فيها تنعم، وللكافر كالجنة في جنب ما أعدّ له من العقاب، وإن كان له محنة وشدة. ٥١٥٩ - [٥] (أنس) قوله: (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة) أي: لا ينقصه إياها، متعدي إلى مفعولين، كذا قال الطيبي(١)، ويحتمل أن يكون أحد المنصوبين بالحذف والإيصال. وقوله: (يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة) الباء في الموضعين يحتمل أن تكون للسبية أو البدلية، والمفعول الثاني محذوف، أي: يعطى المؤمن بتلك الحسنة في الدنيا حسنة ويجزى بها في الآخرة حسنة، وقول الطيبي(٢): إن الباء في قوله: (يعطى بها) إن حملت على السببية فيحتاج إلى مقدر، أي: يعطى بسببها حسنة، وإن حملت على البدل فلا، وأما الباء في (يجزى بها) فهي للسببية مما لا يظهر وجهه، (١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٨٦). (٢) ((شرح الطيبي)) (٩/ ٢٨٦). ٣٩٨ (٢٦) كتاب الرقاق ٥١٦٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ». مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. إِلَّ أَنْ عِنْدَ مُسْلِمٍ: ((حُفَّتْ)) بَدَلَ ((حُجِبَتْ)). [خ: ٦٤٨٧، م: ٢٨٢٢]. ٥١٦١ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ،. ومعنى الحديث: أن المؤمن يثاب بالحسنة في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فيجزى جزاءً وافياً، وأما في الدنيا فيعطى أيضاً شيئاً منه، كطيب العيش، وفراغ الخاطر، وسلامة الحال، والكافر قد يعطى بما فعل من الحسنات في الدنيا، وأما في الآخرة فلا جزاء له، أي: من الجنة ونعيمها، وإلا فقد جاء في بعض الأخبار أنه قد يفيده تخفيفاً في العذاب، والله أعلم. ٥١٦٠ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره) أي: الشدائد من العذاب والمجاهدات، فمن وصل بها وعملها وصل إلى الجنة ودخلها، ومن وصل بالشهوات وارتكبها دخل النار؛ فإن ما كان في الحجاب وجب الوصول إليه والدخول عليه بالوصول إلى الحجاب والدخول فيه، ثم رفعه وهتكه، وبهذا عرف لقولهم: العلم حجاب الله معنى، فافهم. ٥١٦١ - [٧] (وعنه) قوله: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة) التعس: الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد والانحطاط، والفعل كمنع وسمع، وإذا خاطبت قلت: تعست كمنع، وإذا حكيت قلت: تعس كسمع، وتعسه الله وأتعسه، ورجل تاعس وتعس، كذا في (القاموس)(١)، والخميصة: ثياب سود فيها علم، وفي (١) ((القاموس)) (ص: ٤٩٥). ٣٩٩ (٢٦) كتاب الرقاق إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتُكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتُقِشَ، (الصراح)(١): كليم سياه چهار سوء علم، أراد بها محب الثياب النفيسة والحريص على التجمل والمتكلف فيه ليري الناس ويتكبر به عليهم، وهو دعاء على من استعبده حب الدنيا، ولهذا ذكر العبد ولم يقل مالكها أو صاحبها . (إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط) قال الطيبي(٢): وهذا يؤذن بشدة حرصه في جمع الدنيا وطمعه فيما في أيدي الناس، انتهى. ويمكن أن يراد إن أعطاه الله ورزقه ذلك رضي منه، وإن لم يعطه ويرزقه(٣) سخط له تعالى، كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِىِ الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَ إِن لَّمْ يُعْطَوْ مِنْهَآَ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨]. وقوله: (تعس وانتكس) نكسه: قلبه على رأسه كنكّسه، وفي (الصراح)(٤): انتکاس: نگو نسار شدن، ناکس: سر بروفكنده، وهو تكرير وتأكيد للدعاء عليه بالهلاك والذل والخيبة والخسران. وقوله: (وإذا شيك فلا انتقش) أي: دخل شوك في عضوه، وهو كناية عن إصابة البلاء، و(انتقش) ببناء المجهول، أي: فلا أخرج منه ذلك الشوك، والنقش: استخراج الشوك، وما يخرج به مِنْقاش ومِنْقش، وهذا دعاء آخر عليه بعدم إعانة أحد (١) (الصراح)) (ص: ٢٦٨). (٢) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٨٨). (٣) كذا في الأصل، والظاهر: ((ولم يرزقه)). (٤) ((الصراح)) (ص: ٢٥٢). ٤٠٠ (٢٦) كتاب الرقاق طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ أَشْعَثُ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٌ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَة، . إياه في الشدة والبلاء ليسهل عليه ويتسلّ، وهذا أبلغ؛ لأنه أسهل ما يتصور من الإعانة؛ فإذا نفي كان ما فوقه منفيًّا بطريق الأولى، ثم إنا جرينا في حمل هذا الكلام على معنى الدعاء على طريقة الشارحين واتبعناهم، ولكن للحمل على الإخبار بسوء حالهم وهلاكهم وانكبابهم وانتكاس أمرهم مجال واسع، فيكون إشارة إلى أنهم كما خابوا وهلكوا عند الله كذلك خسروا وتضرروا عند الخلق، وصاروا بحيث إذا ابتلوا بشدة ومحنة في الدنيا لم يعنهم أحد ولم يترحم عليهم؛ لأنهم لما صاروا إلى الدنيا بخلوا ولم يحسنوا إلى الناس حتى يحبونهم ويعينوهم في الشدائد، فافهم. وقوله: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه ... إلخ)، لما ذكر قبيح حال عبيد الدنيا المتكبرين المتزينين زينة الحياة الدنيا أردفه بذكر المهتمين بأمر الدين، المجاهدين في سبيل الله، الزاهدين في الدنيا وزينتها، المتواضعين لأمر الشرع، أذلة في أعين أهل الدنيا أعزة عند الله تعالى. وقوله: (أشعث) منصوب على الحالية من (عبد)، أو مجرور صفة له، أو مرفوع على الخبرية لمحذوف، و(رأسه) فاعله، وكذلك (مغبرة قدماه). وقوله: (إن كان في الحراسة) أي: إن أمروه بكونه في أمر الحراسة كان راضياً به وممتثلاً أمر المسلمين، أو المراد إن كان في الحراسة كان فيها كاملاً؛ لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على فخامة الجزاء وكماله، مثل: شعري شعري، و(الساقة) مؤخر الجيش .