النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١
(٢٥) كتاب الآداب
٥١٢٤ - [٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((إِنّ اللهَ لَيُمْلِي
لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثمَّ قَرَأْ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ
ظَلِمَةُ ﴾ الآيَة [هود: ١٠٢]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٦٨٦، م: ٢٥٨٣].
٥١٢٥ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ﴿ لَمَّا مَرَّ بِالْحِجْرِ قَالَ:
((لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ
مَا أَصَابَهُمْ))، ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى اجْتَازَ الْوَادِيَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٤٤١٩، م: ٢٩٨٠].
[الأنعام: ٦٣]، ثم جمع الظلمات إما لأن المراد بالظلم الجنس أو بالنسبة إلى المواد،
فالظلم لكل ظالم ظلمة، أو لكل واحد ظلمات؛ لشدة هذه الشنيعة، أو لأن الظلمة
لما كانت تسعى بين أيديهم وبأيمانهم جعلت كأنها متعددة، فافهم.
٥١٢٤ - [٢] (أبو موسى) قوله: (لم يفلته) من الإفلات، أي: لم يتركه ولم
يخلصه، من أفلتت الدابة: إذا نفرت.
٥١٢٥ _ [٣] (ابن عمر) قوله: (لما مر بالحجر) بكسر الحاء المهملة وسكون
الجيم - وقيل: ويكسرها -: اسم الأرض ثمود قوم صالح [{يَا]، قال تعالى:
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ اْلِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠].
وقوله: (إلا أن تكونوا باكين) أي: معتبرين ومتذكرين لحالهم، وهو مفض إلى
البكاء.
وقوله: (ثم قنع رأسه) التقنع: أخذ القناع على الرأس وستره بالطيلسان، والحمل
على المجاز؛ بأن يكون مبالغة، أي: أطرق فلم يلتفت يميناً وشمالاً مما لا يدعو إليه
دليل، اللهم إلا أن يدعى أن هذه العبارة متعارفة في هذا المعنى، والله أعلم.
٣٦٢
(٢١) باب الظلم
٥١٢٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: (مَنْ كَانَتْ
لَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ
دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ
لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيْئَاتٍ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ:
٢٤٤٩].
٥١٢٧ - [٥] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟))
قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَآ مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي
مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا،
وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ،
وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ،
والكلام في جواز التقنع وعدمه طويل مذكور في موضعه، وليس هذا فراراً من
قدر الله كما يتمسك به بعض الفارين من الطاعون في عصرنا، بل هو عبرة وتنبيه
للحاضرين على التجنب من معصية الله، وتمثيل لحالة العذاب؛ فإن البلاء والعذاب
لم یکن نازلاً حينئذ، وهو ظاهر.
٥١٢٦ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (مظلمة) قد مرّ ضبطه ومعناه في آخر (الفصل
الثالث) من (باب الرفق والحياء).
وقوله: (فليتحلله) أي: يجعله في حلّ بالاستعفاء عن صاحب الحق؛ فإن لم
يمكن التحلل ففي الغيبة يتوب ويستغفر الله ويستغفر للمغتاب له كما مر، وفي الأموال
مجملاً أو مفصلاً قولان.
٥١٢٧ - [٥] (وعنه) قوله: (ما المفلس؟) أي: ما حقيقته ومعناه، وفي بعض
٣٦٣
(٢٥) كتاب الآداب
فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِ حَتْ عَلَيْهِ،
ثُمَّ طُرِحَ فِي الَّارِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٨١].
٥١٢٨ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا
يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَذُكِرَ
حَدِيثُ جَابِرٍ: (اتَّقُوا الظُّلِمَ)) فِي (بَابِ الإِنْفَاقِ)). [م: ٢٥٨٢].
* الْفَصْلُ الثَّانِ:
٥١٢٩ - [٧] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ تَكُونُوا إِمَّعَةً ..
الروايات: (من المفلس؟).
٥١٢٨ _ [٦] (وعنه) قوله: (لتؤدّن) بصيغة المجهول للواحدة، وهو الصحيح،
وقد يقرأ بصيغة المعلوم للمخاطبين.
وقوله: (حتى يقاد) قالوا: هذا قصاص مقابلة لا قصاص تكليف، ويؤخذ من
الأطفال والمجانين والحيوانات كلها .
و(الجلحاء) على وزن حمراء، في (القاموس)(١): بقر جُلِّحٌ بتقديم الجيم على
الحاء المهملة: بلا قرون.
الفصل الثاني
٥١٢٩ - [٧] (حذيفة) قوله: (لا تكونوا إمعة) الإمع والإمعة بكسر الهمزة وفتح
الميم المشددة: الرجل يتابع كل أحد على رأيه، لا يثبت على شيء، ومتبع الناس إلى
الطعام من غير أن يدعى، ومن يقول: أنا مع الناس، ومنه أخذ الإمعة كالحوقلة والبسملة،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢١٠).
٣٦٤
(٢١) باب الظلم
تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنًا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطُِّوا أَنْفُسَكُمْ
إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاؤُوْا فَلاَ تَظْلِمُوا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
[ت: ٢٠٠٧].
٥١٣٠ - [٨] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ: أَنِ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَاباً
تَوَصِينِي فِيهِ وَلاَ تَكْثِرِي، فَكَتَبَتْ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ : .
و
والتاء للمبالغة وهمزته أصلية، ولا يقال: امرأة إمعة، أو قد يقال: تأمَّعَ واستأمَعَ: صار
إمعة، كذا في (القاموس)(١)، والمراد بالإمعة هنا من أشار إليه بقوله: (تقولون: إن
أحسن الناس ... إلخ)، يعني هو مع الناس وتابعهم في الإحسان مع المحسن والظلم
مع الظالم.
وقوله: (ولكن وطنوا أنفسكم) وطنت نفسي على كذا فتوطنت، وحقيقته من
الوطن، وهذا مجاز، أي: قرروها وسكنوها، و(أن تحسنوا) مفعوله، أي: على أن
تحسنوا، وفي (الصراح)(٢): توطين النفس على الشيء: دل نهادن بر چیزی.
وقوله: (وإن أساؤوا فلا تظلموا) أي: إن أساؤوا فأحسنوا؛ لأن عدم الظلم
إحسان، كذا قال الطيبي(٣)، ويحتمل أن يكون معناه - والله أعلم - وإن أساؤوا فلا تعتدوا
وتجاوزوا الحد، فإما أن تكافئوهم بمثل ما فعلوا وهو مرتبة عموم المسلمين، أو تعفوا
وهو درجة الخواص، أو تحسنوا وهو مقام الصديقين أخص الخواص.
٥١٣٠ - [٨] (معاوية) قوله:
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٤٦).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٥٣٠).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٦٥).
٣٦٥
(٢٥) كتاب الآداب
فَإِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ،وَهِ يَقُولُ: ((مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ
كَفَاهُ اللهُ مَؤُوْنَةَ النَّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى
النَّاسِ)) وَالسَّلاَمُ عَلَيْك. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤١٤].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥١٣١ - [٩] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ
إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِهِ وَ قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَيْسَ ذَاكَ، إِنَّمَا هُوَ
الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ لَقْمَانَ لإِئْنِهِ: ﴿يَبُنَّلَأ ◌ُشْرِكُ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ
عَظِيمٌ﴾؟)) [لقمان: ١٣]، وَفِي رِوَايَةٍ: ((لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا
قَالَ لُقْمَانُ لإِئْنِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٣٧، م: ١٢٤].
(وَكَلَه الله) بتخفيف الكاف، أي: تركه معهم أي: خذله، ولم يدفع شرهم عنه.
الفصل الثالث
٥١٣١ - [٩] (ابن مسعود) قوله: (أينا لم يظلم نفسه؟) فهم الأصحاب من
الظلم معنى المعصية كما هو الظاهر من لبسه بالإيمان؛ فإن الشرك لا يلبس ولا يخلط
به، فنبه صلوات الله وسلامه عليه أن المراد به الشرك، وأيده بقوله تعالى: ﴿إِن
الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ولما وقع قوله: ﴿يُظُلْمٍ﴾ مطلقاً لا بد [أن] ينصرف
إلى الكامل منه مع ما في التنوين من التعظيم، وهذا تفهيم وتنبيه منه ێ له، وليس
مداره على هذا الاستدلال؛ لأن ما قال النبي ◌َّه في تفسير كتاب الله فيك يكون هو المراد
البتة .
٣٦٦
(٢١) باب الظلم
٥١٣٢ - [١٠] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((مِنْ شَرِّ النَّاسِ
مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١) عَبْدٌ أَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه:
٣٩٦٦].
٥١٣٣ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الدَّوَاوِينُ
ثَلاَثَةٌ: دِيوَانٌ لاَ يَغْفِرُهُ اللهُ: الإِشْرَاكُ بِاللهِ، يَقُولُ اللهُ مُكَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ
أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، وَدِيوَانٌ لاَ يَتْرُكُهُ اللهُ:
وأما توهم عدم لبس الظلم بهذا المعنى وخلطه بالإيمان فساقط؛ لأن المشركين
كما كانوا يعبدون الله يعبدون الأصنام، وكفى في ذلك قوله سبحانه تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ
أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وتحقيقه أن الإشراك يكون في الوجود
والخالقية والعبادة، والآية واردة في شأن عبدة الأصنام، أو المراد بالإيمان [الإيمان]
باللسان وكتم الإشراك في القلب، فتكون واردة في المنافقين، فافهم.
٥١٣٢ - [١٠] (أبو أمامة) قوله: (عبد أذهب آخرته بدنيا غيره) المراد من يظلم
الناس ليحصل به دنيا لأحد كما يفعله العمال وأعوان الظلمة، ويحتمل أن يراد من
يعظّم أهل الدنيا لدنياهم ويطيعهم، فيظلم نفسه بذلك، فيذهب آخرته بذلك، والأول
هو الظاهر كما لا يخفى.
٥١٣٣ - [١١] (عائشة) قوله: (الدواوين) جمع ديوان، في (القاموس)(٢):
الديوان بالكسر ويفتح: مجتمع الصحف، والكتاب يكتب فيه أهل الجيش، وأهل
(١) في نسخة: ((عند الله يوم القيامة)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٠٣).
٣٦٧
(٢٥) كتاب الآداب
ظُلْمُ الْعِبَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ حَتَّى يَقْتَصَّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَدِيوَانٌ لاَ يَعْبَأُ اللهُ
بِهِ: ظُلْمُ الْعِبَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ، فَذَاكَ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِن شَاءَ
تَجَاوَزَ عَنْهُ» .
٥١٣٤ - [١٢] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِيَّاكَ وَدَعْوَةَ
الْمَظْلُومِ، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى (١) حَقَّهُ، وَإِنَّ اللهَ لاَ يَمْنَعُ ذَا حَقٌّ حَقَّهُ).
العطية، وأول من وضعه عمر ظه، والجمع دواوين، وفي (الصحاح)(٢): أصل ديوان
دَوَّان، فعوّض من إحدى الواوين، لأنَّه يجمع على دواوين، ولو كانت الياء أصلية
لقالوا دیاوین، يقال: دونت الدواوین، انتھی.
ومادة الدون للجمع والقرب، وإنما سمي ديواناً؛ لأنه مجتمع من الأوراق،
والمراد في الحديث صحائف الأعمال.
وقوله: (حتى يقتص بعضهم من بعض) أو يرضي الله الخصماء بعضهم عن بعض
كما ورد ذلك في الحدیث.
وقوله: (لا يعبأ الله) العِبْءُ بالكسر: الحمل، والثقل من أيّ شيء كان، فمعناه
ليس له ثقل ووزن عند الله، وفي (الصراح)(٣): عبأ: باك داشتن، يقال: ما عبأت
به، أي: ما باليت به، قوله تعالى: ﴿مَا يَعْبَؤُاْ بِكُتْرَبٍ﴾ [الفرقان: ٧٧].
٥١٣٤ - [١٢] (علي) قوله: (فإنما يسأل الله تعالى حقه) فمن عفا نزل عن
حقه، وهو إيثار، وله درجة عظيمة.
(١) سقط ((تعالى)) في نسخة.
(٢) ((الصحاح)) (١ / ٢١٨).
(٣) ((الصراح)) (ص: ١١).
٣٦٨
(٢١) باب الظلم
٥١٣٥ - [١٣] وَعَنْ أَوْس بْنِ شَرَحْبِيلَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
(مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ لِيُقَوَِّهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلاَمِ).
٥١٣٦ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: إِنَّ الظَّالِمَ
لاَ يَضُرُّ إِلَّ نَفْسَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَلَى وَاللهِ حَتَّى الْحُبَارَى لَتَمُوتُ فِي
وَكْرِهَا هُزْلاً لِظُلْمِ الظَّالِمِ. رَوَى الْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الأَرْبَعَةَ فِي «شُعَبٍ
الإِيمَانِ)). [شعب: ٧٠٦٩، ٧٠٦١، ٧٢٦٩، ٧٠٧٥].
٥١٣٥ _ [١٣] (أوس بن شرحبيل) قوله: (من مشى مع ظالم) أي: وافقه وماشاه
في الرأي ويذهب مذهبه.
٥١٣٦ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فقال أبو هريرة: بلى والله) لما كان قوله:
(لا يضر إلا نفسه) في معنى قوله: ولا يضر غيره أثبته بقوله: بلى يضر غيره.
وقوله: (حتى الحبارى ... إلخ)، أي: كأن الرجل أراد أن الظالم وإن تعدى
وضرّ المظلوم في الظاهر ولكن في الحقيقة لم يضر إلا نفسه، وضرره عائد إليه،
والمظلوم يجد جزاءهُ، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلََّ أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩]، وقوله
تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَِّىُّ إِلَّا بِأَهْلِهِ،﴾ [فاطر: ٤٣]، فالحصر في قول الرجل إضافي
بالنسبة إلى من ظلمه، وهو ظه حمله على العموم كما أفاده، والغالب أنه سمعه من
رسول الله وثيقة، أو أخذه مما ورد أن القطر قد يحبس بشؤم ذنوب الناس ومظالمهم،
ويلزم منه هلاك الحيوانات، كقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمِ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ
دَآبَّةٍ ﴾ [النحل: ٦١]، وإنما خص بالحبارى لما تقرر عندهم أنها أبعد الطير نُجْعَةً، أي:
طلباً للكلا ومنابت الغيث، قالوا: إنها قد يوجد في حوصلتها الحبة الخضراء التي لا تنبت
٣٦٩
(٢٥) كتاب الآداب
٢٢ - باب الأمر بالمعروف
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥١٣٧ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدريِّ عَنْ رَسُولِ اللهِنَ ◌ِّ قَالَ: ((مَنْ
رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٩].
إلا بالبصرة، وبين وكرها وبين البصرة مسيرة أيام، وكذلك قد يكون وكرها في بعض
الجبال، ومكان الماء بينه على مسيرة أيام، فيكون هلاكها أدل على القحط وإمساك
المطر.
٢٢ - باب الأمر بالمعروف
(المعروف) ما عرف في الشرع، يعني أمراً معروفاً فيه بين الناس يعرفونه ولا ينكرونه
إذا رأوه، والمنكر: أمر لا يعرف في الشرع، بل منكر ينكره من رآه، كالشخص الذي
لا يعرفه الناس وينكرونه إذا رأوه، في (القاموس)(١): المعروف: ضد المنكر، وفي
(الصراح)(٢): نكرة: ناشناسي ضد معرفة، ومن العجب أن المصنف لم يعنون الباب
بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع شيوع ذكرهما معاً في القرآن والأحاديث في
مواضع كثيرة، وبعض الأحاديث المذكورة صريحة في النهي عن المنكر، فكأنه جعل
النهي عن المنكر أمراً بالمعروف الذي هو ضده، وهو تكلف.
الفصل الأول
٥١٣٧ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فإن لم يستطع فبقلبه) معنى التغيير
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٧١).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٢١٦).
٣٧٠
(٢٢) باب الأمر بالمعروف
٥١٣٨ - [٢] وَعَنِ الثَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَثَلُ
الْمُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللهِ ..
بالقلب كراهته بقلبه والتأثر منه، وبغض فاعليه، والمراد التغيير باليد واللسان لو
قدر، لا بمجرد الإنكار، فإنه ليس فيه معنى التغيير.
٥١٣٨ - [٢] (النعمان بن بشير) قوله: (مثل المدهن) من الإدهان، وهو المحاباة
في غير حق، والمساهلة في الأمر، والتليين في الكلام، والمداهنة: أن يرى منكراً
ولم يغيره مع القدرة عليه لاستحياء، أو قلة مبالاة في الدين، أو لمحافظة جانب
المرتكب، وفي (القاموس)(١): المداهنة: إظهار خلاف ما يضمر كالإدهان، وفي
(الصراح)(٢): مداهنت: چرب زباني، ومصانعت کردن، إدهان: صنعت كردن.
قوله تعالى: ﴿وَدُوْ لَوْتُدْهِنُ فَيُدْ هِنُونَ ﴾ [القلم: ٩]، انتهى.
وفي التفسير (٣): ﴿وَدُواْ لَوْتُدْهِنُ﴾ [القلم: ٩]، أي: تلاينهم؛ بأن تدع نهيهم عن
الشرك، أو توافقهم فيه أحياناً، ﴿فَيِّدْ هِنُونَ﴾ فيلاينونك بترك الطعن والموافقة،
انتھی .
والمداراة في اللغة بمعنى المداهنة، في (الصراح) (٤): مداراة: نرمي كردن،
وفي (القاموس)(٥) في فصل العين: المصانعة: الرشوة، والمداراة، والمداهنة.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٠٣).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٥٠٩).
(٣) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٥ / ٣١٢).
(٤) ((الصراح)) (ص: ٥٥٧).
(٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٨٢).
٣٧١
(٢٥) كتاب الآداب
وَالْوَاقِعِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمِ اِسْتَهَمُوا سَفِينَةً، فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا، وَصَارَ
بَعْضُهُمْ فِي أَعْلاَهَا، فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي
أَعْلاَهَا، فَتَأَنَّوْا بِهِ،
وقد وقعت الرخصة في المداراة، وهي ليست بمذمومة، بل تستحسن في بعض
المواضع، وفي كلامهم: دارهم ما دمت في دارهم، فيفرق بينها وبين المداهنة، ويقال:
المداراة ما كان لحفظ الدين من الضياع والتشوش ودفع الضرر والظلم، والمداهنة
ما يكون لحظ النفس وطلب الدنيا وجلب المنافع من الناس من غير مبالاة بالدين، وهي
مذمومة، فاعلم أنه ضرب رسول الله وَ﴿ مثلاً للمدهن في حدود الله أي: الذي يداهن
ويترك الاعتراض والإنكار على من يتعدى حدود الله، ويقع فيها بإرتكاب ما نهى الله
عنه .
وقوله: (استهموا سفينة) أي: اقترعوا واقتسموا سكناها بالقرعة، أي: كل أخذ
من القوم مكاناً وعينوه بالقرعة، في (القاموس)(١): السهم: القدح يقارع به، والجمع
سهام، و(السفينة) مشتق من سفن يسفن: قشره، سمي بها لقشرها وجه الأرض.
وقوله: (يمر بالماء) أي: يجيء بالماء من أسفلها إلى أعلاها، ويأخذ الماء
ويذهب إلى موضعه، ففي ذهابه يمر عليهم بالماء ويتأذون من ذلك، وقيل: المراد
بالماء البول والغائط ليطرحه في البحر، وهذا أظهر في التأذي، ثم لا يخفى أن ما ذكر
من النقر وأخذ القوم بيده ومنعهم عنه كافٍ في التمثيل، وذكر ما قبله من القصة لبيان
ذكر الباعث على النقر، وعادة الناس في استهام السفينة ومجيء السافلين فوق السفينة
للماء، وتأذي العالين منه، وإن حملت هذه القصة على الواقع وإخباره بَّر عما وقع
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٣٧).
٣٧٢
(٢٢) باب الأمر بالمعروف
فَأَخَذَ فَأْساً فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: تَأَذَّيُمْ
بِ وَلاَ بُدَّلِي مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنَّفُسَهُمْ، وَإِنْ
تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٦٩٦].
في سالف الزمان فلا بعد، لكن الذي يتبادر إلى الذهن هو ذكره على سبيل الفرض
والتمثيل، والله أعلم.
وقوله: (فجعل ينقر أسفل السفينة) ليأخذ الماء أو ليبول.
وقوله: (ولا بد لي من الماء) أي: من شربه واستعماله على الوجه الأول، أو
من طرحه وإلقائه على الوجه الثاني؛ (فإن أخذوه على يديه) لئلا ينقر السفينة نجا
ونجوا، وإلا هلك وهلكوا، فكذلك إن منع الناس العاصي من العصيان نجوا من
عذاب الله ونجا، وإن تركوه يفعل المعاصي ولم ينهوه عن ذلك نزل عليه العذاب
بعصيانه وعليهم بالمداهنة أو بشؤم معصيته، كما قال تعالى: ﴿ وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥]، وإنما كرر الفعل في (أنجوه ونجوا أنفسهم)،
و(أهلكوه وأهلكوا أنفسهم) إشارة إلى أن كل واحد من الفريقين مستقل ومستبد في
النجاة والهلاك وارتفاع العذاب ونزوله، فافهم، فالذي في أعلى السفينة مثل للمدهن
في الحدود، والذي في أسفلها مثل للواقع فيها، والأخذ باليد للنهي، ونجاة الناهي
والمنهي لفائدة النهي، وهلاكهما لعاقبة تركه، وإنما جمع فرقة النهاة ووحّد الناقر إشارة
إلى أن المسلمين لا بد أن يتعاونوا على النهي، كذا قال الطيبي(١)، ويمكن أن يقال:
وإلى أن المعصية ينبغي أن تكون أقل وقوعاً بين المسلمين.
(١) ((شرح الطيبي)) (٩/ ٢٧١).
٣٧٣
(٢٥) كتاب الآداب
٥١٣٩ - [٣] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: ((يُجَاءُ
بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْفِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَطْحَنُ فِيهَا
كَطَحْنِ الْحِمَارِ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلاَنُ مَا شَأْنُكَ؟
أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ
بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرٍ وَآَتِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٦٧،
م: ١٩٨٩].
٥١٣٩ - [٣] (أسامة بن زيد) قوله: (فتندلق) أي: تخرج بالسرعة، دلق السيف
من غمده: أخرجه، وسيف دلق ككتف، وصبور وحمراء: سهل الخروج من غمده،
وفي (الصراح)(١): اندلاق: پيش شدن، واندلق السيف، أي: خرج من غير سل،
وكل ما يدر خارجاً فقد اندلق، و(الأقتاب) جمع قتب بالكسر: المعى، كالقتبة، وفي
(الصراح)(٢): قتب بالكسر: دوده، أقتاب جمع، وهي مؤنث عند الكسائي، قال
الأصمعي: واحدها قتبة بالهاء.
وقوله: (فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه) قال في (مجمع البحار)(٣) نقلاً عن
بعض شروح ((صحيح البخاري)): المعروف هو المعروف، وإن كان في أكثرها مجهولاً،
يعني أن المشهور من الرواية (يطحن) على لفظ المعلوم، وإن وقع في أكثر الروايات
أو في أكثر النسخ على لفظ المجهول، والضمير للرجل، وفي (فيها) للأمعاء، أي:
يدور ويتردد في أقتابه، أي: يدور حول أقتابه ويضربها برجله، وهكذا في الطيبي
(١) (الصراح)) (ص: ٣٧٤).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٤٨).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤٣٨).
٣٧٤
(٢٢) باب الأمر بالمعروف
* الفَصْلُ الثَّانِي:
٥١٤٠ - [٤] عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرٍ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ
عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ وَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٦٩].
أيضاً(١)، يعني لما كان الدوران لازماً للطحن ذكر الطحن وأريد الدوران، فمعنى
يطحن فيها: يدور فيها، أي: يدور حولها.
وأقول: يحتمل أن يكون الضمير في (فيها) للنار، ويكون مفعول (يطحن) الأقتاب
محذوفاً، ويوافقه قوله: (كطحن الحمار) بالإضافة إلى الفاعل وحذف المفعول، أي:
كطحن الحمار الدقيق، ويقل التكلف على هذا التقدير في بيان المعنى، فافهم.
وأما وجه المناسبة والمشابهة بين هذا الفعل في الآخرة وبين فعله في الدنيا فلا
يخلو عن خفاء ودقة، وبيته الطيبي(٢) وقال: إن المشبه في الدنيا الرجل يدور حول رحى
الأمر بالمعروف، ويتعب فيه ويكد كالحمار، وما له من نصيب مما يحصل إلا الكد
والتعب، وكذا في الآخرة يدور حول أقتابه التي شبهت بكلامه الذي خرج منه فيدوسها
برجله، ويطحنها كطحن الحمار الدقيق.
الفصل الثاني
٥١٤٠ - [٤] (حذيفة) قوله: (أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم) أي: أحد الأمرين
واقع البتة: إما الأمر والنهي، وإما إنزال العذاب وعدم استجابة الدعاء في دفعه بحيث
لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ فإن كان الأمر والنهي لم يكن عذاب، وإن لم يكونا كان
(١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٧٢).
(٢) (شرح الطيبي)) (٩/ ٢٧٢).
٣٧٥
(٢٥) كتاب الآداب
٥١٤١ - [٥] وَعَنِ الْعُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ِ قَالَ: ((إِذَا عُمِلَتِ
الْخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ
عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٣٥].
٥١٤٢ - [٦] وَعَنْ أَبِ بَكْرِ الصِّدِّيقِ قَالَ: يَا أَّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَؤُوْنَ
هَذِهِ الْآيَة: ﴿ يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾
[المائدة: ١٠٥]، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَراً
فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابِهِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ
وَصَخَّحَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ: ((إِذا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ بَأْخُذُوا
عذاب عظيم، وفهم عظمة العذاب إما من التنوين أو من قوله: (من عنده).
٥١٤١ - [٥] (العرس) قوله: (وعن العرس) بضم المهملة وسكون الراء ومهملة
(ابن عميرة) على وزن صغيرة.
وقوله: (في الأرض) إنما قال: في الأرض دون المجلس ليناسب ذكر الحاضر
والغائب، أي: في مكان منها بعضهم فيه حاضر، وبعضهم عنه غائب، بخلاف
المجلس، فإنه مناسب للحاضر فقط، فافهم.
وقوله: (كان كمن غاب عنها) أي: على تقدير عدم القدرة على التغيير باليد
واللسان، ويمكن أن يراد بالكراهة معنى شامل للتغيير باليد واللسان.
٥١٤٢ - [٦] (أبو بكر الصديق) قوله: (إنكم تقرؤون هذه الآية) أي: وتجرونها
على عمومها في الأشخاص والأوقات وتمتنعون عن الأمر والنهي مطلقاً، وليس كذلك
(فإني سمعت رسول الله وسلم يقول ... إلخ)، فكان يوعد على ترك تغيير المنكر،
فلا بد أن يكون مخصوصاً بما لم يسمع ويعلم عدم تأثيره، فحينئذ يسقط الوجوب؛
٣٧٦
(٢٢) باب الأمر بالمعروف
عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ)). وَفِي أُخْرَى لَهُ: ((مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ
فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لاَ يُغَيِّرُونَ إِلاَّ يُوشِكُ أَنْ
يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ)). وَفِي أُخْرَى لَهُ: ((مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي هُمْ
أَكْثَرُ مِمَّن يَعْمَلُهُ)). [جه: ٤٠٠٥، ت: ٢١٦٨، د
٥١٤٣ - [٧] وَعَن جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِاللهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّ
يَقُولُ: ((مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، يَقْدِرُونَ عَلَى
أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ وَلاَ يُغَيُِّونَ إِلاَّ أَصَابَهُمُ اللهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ ..
لما قيل: إن الآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة ويتمنون إيمانهم،
كما قال ◌َّ لنبيه ◌َّهِ: ﴿فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ
◌َخِعُ نَّفْسَكَ عَ ءَاشَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ [الكهف: ٦] أو بزمان يأتي من بعد، كما روي أنها
قرئت عند ابن مسعود فقال: إن هذا ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة، ولكن يوشك أن
يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم، كذا في ((الكشاف)) (١)، ويدل على هذا حديث ثعلبة
الآتي، وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك فنزلت، وقيل: من الاهتداء
أن ينكر المنكر حسب طاقته، فمعنى الآية: لا يضركم ضلالة من ضل إذا نهيتم عن
ذلك، وعلى هذا فالحديث واقع تفسيراً للآية، فالضرر هو عموم العذاب على تقدير
ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقدير الكلام: إنكم تقرؤون هذه الآية
وتفهمون أن معناها عدم وجوب الأمر والنهي، وليس كذلك، فإني سمعت ... إلخ،
فيكون مدلول الآية وجوب الأمر والنهي، فافهم.
٥١٤٣ - [٧] (جرير بن عبدالله) قوله: (إلا أصابهم الله) أي: القوم (منه) أي:
(١) ((الكشاف)) (١/ ٦٨٥).
٣٧٧
(٢٥) كتاب الآداب
قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٤٣٣٩، جه: ٤٠٠٩].
٥١٤٤ - [٨] وَعَنْ أَبِ ثَعْلَبَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ
أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ ﴾ [المائدة: ١٠٥] فَقَالَ: أَمَا وَاللهِ لَقَدْ
سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللهِنَّهِ فَقَالَ: (بَلِ اثْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ،
حَتَّى إِذَا رأيتَ شُخًا مُطَاعاً وَهَوَّى مُتَّبَعاً، وَدُنْيا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي
رَأْيٍ بِرَأْبِهِ، وَرَأَنْتَ أَمْراً لاَ بُدَّ لَكَ مِنْهُ، فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَوَامِّ،
فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ أَّامَ الصَّبْرِ، فَمَنْ صَبَرَ فِيهِنَّ قَبَضَ عَلَى الْجَمْرِ،
من عدم تغييرهم، أو من الرجل الذي يعمل المعاصي لأجل عدم تغييرهم؛ فلا يتوهم
أن هذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُ ﴾ [الزمر: ٧]، فإن ترك التغيير
وزر صدر منهم أو من عند الله، والباء في (بعقاب) للتعدية، ومعنى (قبل أن يموتوا)
أي: في الدنيا.
٥١٤٤ - [٨] (أبو ثعلبة) قوله: (فقال) التقدير أنه سئل عن ذلك القول فقال.
وقوله: (بل ائتمروا، وتناهوا) أي: مروا وانهوا، ذكر اللازم مقام المتعدي،
والأثر مقام المؤثر، (شخًّا مطاعاً وهوى متبعاً) عرف معناهما في آخر (الفصل الثالث)
من (باب الغضب والكبر)، (ودنيا مؤثرة) أي: مختارة على الآخرة، من الإيثار،
(وإعجاب) بكسر الهمزة: وجدان الشيء حسناً، أي: أن يجد كل واحد رأيه ومذهبه
حسناً، (ورأيت أمراً لابد لك منه) البد: التفرق، كالتبديد، بدده تبديداً: فرقه،
فتبدد، في (القاموس)(١): لا بد: لا فراق ولا محالة.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٥٦).
٤٠
٣٧٨
(٢٢) باب الأمر بالمعروف
لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ!
أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُم؟» قَالَ:
والمعنى: رأيت أمراً يميل إليه طبعك من الصفات الذميمة، حتى إن أقمت بين
الناس وقعت فيه لا محالة، فاعتزلهم لئلا تقع فيه، كذا قال الطيبي(١).
ويحتمل أن يكون معناه: رأيت في نفسك أمراً لابد لك منه، وتحتاج وتضطر
إليه، فإن أمرتهم فاتك ذلك الأمر الضروري، فلابد من السكوت للضرورة والاحتياج.
وفي بعض الحواشي(٢): أو المعنى: رأيت من الناس لا بد لك من السكوت عليه لعجزك
وعدم قدرتك، وهذا المعنى وإن كان بعيداً من اللفظ لكن يؤيده الرواية بالياء التحتانية،
أي: لا يد لك.
وقوله: (أجر خمسين) أي: الذين لم يبتلوا ببلائه.
وقوله: (فإن وراءكم) فسروه في الحواشي بقدامكم، وفي (الصراح)(٣):
وراء: سپس وبيش وهو من الأضداد، وفي (القاموس)(٤): الوراء: خلف، وقدام،
ضد .
وقوله: (قبض على الجمر) في (القاموس)(٥): قبضه بيده يقبضه: تناوله بيده،
وعليه بيده: أمسكه، ويده عنه: امتنع، والجمر والجمرة: النار المتقدة.
(١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٧٥).
(٢) انظر: ((شرح مصابيح السنة)» (٥/ ٣٦٩).
(٣) ((الصراح)) (ص: ٥٩٤).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٣٢).
(٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٠٠).
٣٧٩
(٢٥) كتاب الآداب
((أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه. [ت: ٣٠٥٨، جه: ٤٠١٤].
٥١٤٥ - [٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ وَول
خَطِباً بَعْدَ الْعَصْرِ، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئاً يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّ ذَكَرَهُ، حَفِظَهُ
مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: ((إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ
مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلاَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ))،
وَذَكَرَ: ((إِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرٍ غَدْرَتِهِ فِي الدُّنْيَا،
وقوله: (أجر خمسين منكم) يدل على فضل هؤلاء في الأجر على الصحابة من
هذه الحيثية، وقد جاء أمثال هذا [في] أحاديث أخر، وتوجيهه كما ذكروا أن الفضل
الجزئي لا ينافي الفضل الكلي، وقد تكلم ابن عبد البر في هذه المسألة وقال: يمكن
أن يجيء من بعد الصحابة من هو في درجة بعض منهم، أو أفضل، ومختار العلماء
خلافه .
٥١٤٥ - [٩] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فلم يدع شيئاً) أي: مما يتعلق
بالدين، أي: كلياته، أو هو مبالغة إقامة للأكثر مقام الكل، والله أعلم.
وقوله: (حلوة خضرة) أي: لذيذة في قلوب الناس وناعمة طرية في أعينهم،
والعرب تسمي الشيء الناعم خضراً تشبيهاً له بالخضراوات في سرعة زوالها، ففيه بيان
أنها غَدَّارَةٌ تَفْتِنُ الناس بحسنها ولذتها، نعوذ بالله منها .
وقوله: (مستخلفكم) أي: جاعلكم خلفاء، أي: وكلاء، ففيه أن أموالكم ليست
لكم بل لله سبحانه، جعلكم في التصرف فيها بمنزلة الوكلاء، أو جاعلكم خلفاء الأرض
ممن كان قبلكم، وأعطاكم ما كان في أيديهم، (فناظر كيف) تتصرفون وتعتبرون.
وقوله: (لكل غادر) الغدر ضد الوفاء، ونقض العهد، كضرب ونصر وسمع.
٣٨٠
(٢٢) باب الأمر بالمعروف
وَلاَ غَدْرَ أَكْبَرُ مِنْ غَدْرِ أَمِيرِ الْعَامَّةِ يُغْرَزُ لِوَاؤُهُ عِنْدَ اسْتِهِ». قَالَ: ((وَلاَ يَمْنَعَنَّ
أَحَداً مِنْكُمْ هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقِّ إِذَا عَلِمَهُ))، وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِنْ رَأَى مُنْكَراً
أَنْ يُغَيِّرَهُ»، فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْنَهُ، فَمَنَعَنْنَا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ نَتَكَلَّمَ
فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: ((أَ إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَن يُولَدُ
مُؤْمِناً وَيَحْيَا مُؤْمِناً وَيَمُوتُ مُؤْمِناً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِراً وَيَحْيَا كَافِراً وَيَمُوتُ
كَافِراً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِناً وَيَحْيَا مُؤْمِناً وَيَمُوتُ كَافِراً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ
كَافِراً وَيَحْيَا كَافِراً وَيَمُوتُ مُؤْمِناً))، قَالَ: وَذَكَرَ الْغَضَبَ.
وقوله: (من غدر أمير العامة) إضافة (غدر) إلى (أمير العامة) إلى الفاعل، وأمير
العامة: المتغلب الذي استولى على بلاد المسلمين بمعاضدة العامة خارجاً على الإمام
الحق .
وقوله: (يغرز لواؤه عند استه) الاست: حلقة الدبر، وأصله سته، ولذا جاء
جمعه أستاه، وإنما يغرز لواؤه على استه إهانة له وتشهيراً به .
وقوله: (أن يقول بحق) مفعول (لا يمنعن)، و(هيبة الناس) فاعله، وذكر القول
بناءً على ما هو الغالب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمراد تغييره ولو باليد،
وقوله: (رأيناه) أي: المنكر، وذلك في إمارة أمراء الجور من بني أمية.
وقوله: (ومنهم من يولد مؤمناً، ويحيا مؤمناً، ويموت كافراً ... إلخ)،
الأقسام تزيد على هذا؛ فإن الحالات ثلاثة: الولادة والحياة والموت، والإيمان،
والكفر، ولكن المقصد بيان الخاتمة أنه على الإيمان أو الكفر، فذكر ما ذكر وترك
ما وراءه، فافهم.
وقوله: (قال: وذكر الغضب) الظاهر أن ضمير (قال) لأبي سعيد، و(ذكر)