النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ (٢٥) كتاب الآداب وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةٍ أَخِيهِ كَانَ اللهُفِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةٌ مِنْ كُرُّبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٤٢، م: ٢٥٨٠]. وقوله: (ولا يسلمه) أي: لا يخذله عن النصرة، ولا یترکه مع من يؤذيه بل ينصره، قال الطيبي(١): يقال: أسلم فلان فلاناً: إذا ألقاه في الهلكة، ولم يحمه من عدوه، انتهى. وهو من الإسلام، والهمزة للسلب، أي: لا يزيل سلمه، والسلم بفتح السين وكسره وسكون اللام: الصلح، كقوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِى الْسِلْمِ كَافَةً ﴾ [البقرة: ٢٠٨]. وقوله: (من فرج عن مسلم كربة) في (القاموس)(٢): الكرب: الحزن يأخذ بالنفس كالكربة بالضم، والجمع كروب، وكربه الغم فاكترب، فهو مكروب و کریب . وقوله: (من ستر مسلماً) قالوا: الستر المندوب هو الستر على ذوي الهيئات ممن لا يعرف بالأذى والفساد، وأما المعروف به والمتلبس بالمعصية علانية فيجب إنكاره ورفع الأمر إلى الولاة إن لم يقدر على منعه، وأما جرح الرواة والشهود وأمناء الصدقات فواجب؛ صيانة للدين وحفظاً للحقوق. وقوله: (ستره الله يوم القيامة) أي: ستره عن أهل الموقف، أو ترك المحاسبة، أو ترك ذکر ذنوبه . (١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٧١). (٢) («القاموس المحيط)) (ص: ١٣٣). ٢٤٢ (١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق ٤٩٥٩ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، وَلاَ يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَهُنَا))، وَيُشِير إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَث مِرَارٍ، ((بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ ومالهُ وَعِرْضُهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٤]. ٤٩٥٩ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (ولا يحقره) بفتح الياء وسكون الحاء وكسر القاف، قال القاضي عياض في (المشارق)(١): كذا رواه السمرقندي والسجزي بالحاء المهملة والقاف من الحُقرية، أي: لا يستصغره ويذله ويتكبر عليه، ورواه العذري: (ولا يخفره) بالخاء المعجمة والفاء وضم الياء أوله، أي: لا يغدره ولا يخونه، يقال: خفرت الرجل: أجرته وأمنته، وأخفرته: لم أوف له وغدرته، وكذلك الخلاف في آخر الحديث: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر) على ما تقدم للرواة، والصواب أن يكون من الاستحقار، وهو المروي في غير مسلم، ورواه غيره: (يحتقر)، انتهى كلامه، وفي (القاموس) (٢): الحقر والحُقرية بالضم: الذلّة، والحقارة، مثلثة، والمحقرة: الإذلال، وفي بعض الحواشي: حقره واحتقره واستحقره: استصغره، وحقر بالضم حقارة فهو حقير، وفي (تاج المصادر): الحقر: خوار داشتن، من حد ضرب، والحقارة حقير شدن، من كرم، وظهر من هذا كله أنه ليست الرواية: ولا يحقره من باب التفعيل وإن كان كلام الطيبي(٣) يوهمه، فتدبر. وقوله: (التقوى ههنا، ويشير إلى صدره) الغرض من ذكر هذه الجملة تأكيد النهي (١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٣٣٢). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٥٤). (٣) ((شرح الطيبي)) (٩/ ١٧٢). ٢٤٣ (٢٥) كتاب الآداب ٤٩٦٠ - [١٤] وَعَنْ عِيَاضٍ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ متصدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، عن احتقار المسلم بأن التقوى أمر خفي مبطن، فلا ينبغي أن يحقر أحد بما يرى من هوان ظاهر حاله وذله، ويجوز أن يكون معناه محل التقوى القلب، فمن كان في قلبه التقوى فلا يحقر مسلماً؛ لأن المتقي ليس من شأنه أن يحقر المسلم، ولا شك أن المعنى الأول أظهر وأنسب بسوق الكلام، وأما على المعنى الثاني فليس في ذكر الإشارة كثير فائدة، وقول الطيبي بأن القول الثاني أوجه والنظم له أدعى لأنه ◌َّ إنما شبه المسلم بالأخ للتنبيه على المساواة وأن لا يرى لنفسه على أحد من المسلمين فضلاً ومزية، وتحقيره إياه ينافي هذه الحالة، وينشأ منه قطع وصلة المحبة، محل نظر؛ لأنه يحصل هذا الغرض على الوجهين كما لا يخفى. ٤٩٦٠ - [١٤] (عياض بن حمار) قوله: (ذو سلطان) في (القاموس)(١): السلطان: الحجة، وقدرة الملك، وتضم لَمُه، والوالي، مؤنث، لأنه جمع سليط للدهن، كأنه به يُضيء الملك، أو لأنه بمعنى الحجة، وقد يذكَّر ذهاباً إلى معنى الرجل، وفي (الصراح)(٢): سلطان: قهرمان وحجت، يذكر ويؤنث. وقوله: (مقسط) المقسط: العادل، والقاسط: الجائر، قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا اُلْفَسِطُونَ فَكَانُواْلِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]، ويقال: قسط يقسط من ضرب يضرب قسطاً بالفتح وقسوطاً: جار وعدل عن الحق، وأما القسط بالكسر فهو بمعنى العدل، من (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦١٨). (٢) ((الصراح)) (ص: ٢٩٢). ٢٤٤ (١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: المصادر الموصوف بها كالعدل، يستوي فيه الواحد والجمع، كذا في (القاموس)(١)، ولم يجىء قاسط بمعنى العادل من القسط بالكسر، بل بمعنى الجائر من القسط بالفتح . وقوله: (وعفيف متعفف) في (الصراح)(٢): عفت: پارسائي وباز ايستادن أز حرام، تعفف: پارسائي نمودن، وفي (القاموس)(٣): عف عفًّا وعفافاً وعفافة، بفتحهن وعفة بالكسر، فهو عفّ وعفيف: كف عما لا يحل، والجمع أَعِفَّاء، وهي عَقَّة وعفيفة، والجمع عفائف وعفيفات، وتعفف: تكلفها، انتهى. وقيل: أراد بالعفيف من في نفسه القوة المانعة عن الفواحش، وبالمتعفف من يبرزها بالفعل، ويظهر العفة من نفسه، فافهم. وأكثر ما يفسر التعفف بالاجتناب والتحاشي عن السؤال، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وقوله: (ذو عيال) أشار به إلى أنه مع كونه محتاجاً ذا عيال يتجنب عن السؤال ويَكِلُ أمرَه وأمرَ عياله إلى الله الرزّاق ذي القوة المتين، ثم اعلم أن الظاهر أن المراد يكون هؤلاء الثلاثة أهل الجنة دخولهم إياها مع السابقين المقربين واحتظاظهم فيها بالنعيم والفوز بالدرجات العالية، وإلا فقد يكون من المؤمنين من ليس [في] هذه الأقسام الثلاثة، وذلك ظاهر، وكذا الكلام في قوله: (وأهل النار خمسة) بأنهم يستأهلون دخولها ويحق لهم أن يدخلوها، والمقصود تقبيح هذه الأفعال والتشنيع عليها والتغليظ (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٢٩). (٢) ((الصراح)) (ص: ٣٥٨). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٧٣). ٢٤٥ (٢٥) كتاب الآداب الضَّعِيفُ الَّذِي لاَ زَبْرَ لَهُ، . والتشديد في الوعيد كما كان المراد من قرينة مدح الأفعال المذكورة وتحسينها، وقال الطيبي(١): إذا استقريت أحوال العباد على اختلافها فلعلك لم تجد أحداً يستأهل أن يدخل الجنة ويحق له أن يكون من أهلها إلا وهو مندرج تحت هذه الأقسام غير خارج عنها، انتهى. ولا يخلو هذا القول عن خفاء. وقوله: (لا زبر له) أي: لا عقل له، كذا في (الصحاح)(٢) وقال الطيبي(٣): لا زبر له، أي: لا تماسك له، وقال في (مجمع البحار) (٤): الضعيف: الذي لا زبر له، أي: لا عقل يزبره وينهاه عما لا ينبغي، ومنه حديث: (إذا رددت على السائل ثلاثاً فلا عليك أن تزبره) أي: تنهره وتغلظ عليه في القول والرد، انتهى. وعلم من هذا أن الزبر بمعنى المنع والنهي، سمي العقل به لكونه مانعاً ناهياً عما لا ينبغي كما سمي بالنهية، وقد قال في (القاموس)(٥): الزبر: العقل، والصبر، والمنع، والنهي، وقد قيل على تفسيره بالعقل: إن من لا عقل له لا تكليف عليه، فكيف يكون من أهل النار؟ فينبغي أن يفسر بالاستقامة والتماسك، وليس بشيء؛ لأن من الظاهر أن ليس المراد نفي العقل مطلقاً بل العقل الناهي عن ارتكاب ما لا ينبغي، وذلك العقل الذي يقال له: عقل المعاد، الذي يعرف به الصلاح والفساد، وذلك ظاهر. (١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٧٤). (٢) ((الصحاح)) (٢ / ٦٦٧). (٣) ((شرح الطيبي)) (٩/ ١٧٤). (٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٤١٧). (٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٧١). ٢٤٦ (١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَحٌ لاَ يَبْغُونَ أَهْلاً وَلاَ مَالاً، وَالْخَائِنُ الَّذِي لاَ يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلاَّ خَانَهُ، .. وقال الطيبي(١): لعل هذا القائل جعل قوله: (الذين هم فيكم تبع) قسماً آخر من الأقسام الخمسة وإن كان خلاف الظاهر؛ لعدم ذكره بالواو كما في قرائنه، يعني لما جعله قسماً آخر بقي نفي الزبر مطلقاً، فيرد الإشكال، ولا يخفى أنه مع ذلك قرينة التخصيص ظاهرة، والظاهر أن قوله: (الذین) بيان أو بدل من (الذي لا زبر له) بذکر نوع منه على طريق التمثيل، أو وصف ثان للضعيف، و(الذي) في معنى (الذين) كما في قوله تعالى: ﴿كَالَّذِى خَاضُواْ﴾ [التوبة: ٦٩] أراده بمعنى الجنس، أو المراد بالضعيف الجنس، فتارة وصف بالمفرد باعتبار اللفظ وأخرى بالجمع، والمراد بـ (الذين هم فيكم تبع ... إلخ) هم الذين يدورون حول الأغنياء يخدمونهم ولا يبالون من أيّ وجه يأكلون ويلبسون من الحلال أو من الحرام. وقوله: (لا يبغون) بالغين المعجمة بمعنى الطلب، أي: لا يطلبون أهلاً، فأعرضوا عن التزوج، وارتكبوا الفواحش، ولا يطلبون مالاً بكسب حلال، أو لا رغبة لهم ولا ميل إلى أهل ولا إلى مال، بل قصروا هممهم على المآكل والمشارب وحظوظ أنفسهم حلالاً كان أو حراماً، وفي بعض النسخ: (لا يتبعون) من التبع أو الاتباع. وقوله: (والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه) الطمع مصدر بمعنى المفعول، أي: مما يمكن أن يطمع فيه وإن كان شيئاً دقيقاً يسيراً، إن كان خفيًّا عليه يسعى في التفحص عنه والتطلع عليه حتى يجده ويخونه، وقيل: (ولا يخفى) بمعنى لا يظهر، وقد يجيء الخفاء بمعنى الظهور كما قيل في القول المشهور بالحديث (١) ((شرح الطيبي)) (٩ /١٧٤). ٢٤٧ (٢٥) كتاب الآداب وَرَجُلٌ لاَ يُصْبِحُ وَلاَ يُمْسِي إِلَّ وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ)). وَذَكَرَ الْبُخْلَ أَوِ الْكَذِبَ، ((وَالشِّنْظِيرُ الْفَخَاشُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٦٥]. ٤٩٦١ - [١٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣، م: ٤٥]. القدسي: (كنت كنزاً مخفياً)، ويؤيده التعدية باللام. وقوله: (يخادعك عن أهلك ومالك) أي: خداعاً صادراً عن إرادة الخداع في أهل الناس وأموالهم، والمعنى يظهر العفة والأمانة وهو بصدد الخيانة. وقوله: (وذكر) أي: النبي ◌َّ (البخل أو الكذب) أي: البخيل أو الكاذب، قال الطيبي(١): لعل الراوي نسي لفظ النبي وَّة، فذكر بهذه الصيغة، يعني أراد أنه وَّ ذكر لفظاً يفهم منه معنى البخل أو الكذب، ولا يدري قال: والبخل أو الكذب أو لفظاً غيره، ثم المذكور في أكثر الروايات (أو الكذب) بـ (أو) للشك، وفي بعضها بالواو؛ فإن كان بـ (أو) يكون (الشنظير الفحاش) أي: السيء الخلق الذي يفحش في كلامه خامساً، وإن كان بالواو تم الخمسة بهما، والشنظير الفحاش من وصف الكذب أو البخل؛ لأنهما في معنى البخيل الكاذب، وعلى الأول الأظهر أن يكون مرفوعاً عطفاً على رجل، ويحتمل أن يكون منصوباً عطفاً على البخل أو الكذب، وعلى الثاني يكون منصوباً البتة، أي: ذكر البخل والكذب، وذكر وصفهما الشنظير والفحاش، فليتدبر. ٤٩٦١ - [١٥] (أنس) قوله: (لا يؤمن عبد) أي: لا يتم ولا يكمل إيمانه (حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) أي: من الخير، وقد ذكر في بعض الروايات صريحاً، (١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٧٥). ٢٤٨ (١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق ٤٩٦٢ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَاللهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللهِ لاَ يُؤْمِنُ))، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُّهُ بَوَائِقَهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠١٦، م: ٤٦]. قالوا: هذا متعسر بل ممتنع، أي: غير واقع حصوله ولا يتصور فيما يعتاد الناس من مقتضيات طبائعهم، ولكن ينبغي أن يعلم أن الخير: خيران: خير الآخرة وخير الدنيا، أما خير الآخرة فهو النجاة من عذاب النار والفوز بدرجات الجنة وما يلزمهما من الإيمان والعمل الصالح، وخير الدنيا الأهل والأولاد والأسباب والأمتعة مما يكون وسيلة وواسطة لخير الآخرة، والمؤمن يحب هذا لنفسه ولجميع إخوانه المؤمنين، وأما من يريد لنفسه بتسويل الشيطان وشره النفس من المال والجاه مما يبعثه على الظلم والفساد والوبال والنكال ويحب ذلك فلا يحبه ويريده للمؤمنين، بل ينبغي أن لا يريده ويحبه لنفسه أيضاً، أو يكون رجل يكون المال في حقه سبباً للخيرات والجاه يكون باعثاً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكون رجل آخر يبعثه ذلك على الفسق والطغيان والظلم والعتو، فلا ينبغي أن يريده لذلك الرجل كما يريده لنفسه، وبالجملة الذي يكون في نفس الآدمي ضيق وضنّة من إرادة المال والجاه والخيرات لأجل خوف لحوق منقصة ومذلة بنفسه، ولما كان المؤمنون كلهم على طريقة الخير والصلاح من جهة الدين والدنيا ارتفع ذلك الخوف، فالمؤمن يطلب أن يكون كلهم على تلك الطريقة متساويين في ذلك، وهذه الإرادة ميسرة] عند أهل الدين والإنصاف، فافهم، وبالله التوفيق . ٤٩٦٢ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (والله لا يؤمن) بالله، مکرر ثلاثاً، وفيه غاية التأكيد، ومع ذلك المراد نفي الإيمان الكامل، و(بوائقه) أي: غوائله وشروره، جمع بائقة، وهي الداهية . ٢٤٩ (٢٥) كتاب الآداب ٤٩٦٣ - [١٧] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٦]. ٤٩٦٤ - [١٨] وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنٍ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ وَلِ قَالَ: ((مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ)). مُنَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠١٤، م: ٢٦٢٤]. ٤٩٦٥ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً فَلاَ يَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَحْزُنَهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٩٠، م: ٢١٨٤]. ٤٩٦٣ - [١٧] (أنس) قوله: (لا يدخل الجنة) في معنى الإيمان، وحيث أريد بالإيمان الكامل يراد بدخول الجنة مع السابقين الفائزين . ٤٩٦٤ - [١٨] (عائشة وابن عمر) قوله: (ما زال جبريل يوصيني بالجار) أي: يوصيني بأن آمر الأمة برعاية حقوق الجار، فيكون معنى قوله: (أنه سيورثه) أي: يحكم بتوريث أحد الجارين الآخر، ومن هذا لا يلزم أن يكون له وَ * ميراث، ولو سلم أن معنى الكلام يوصيني نفسي برعاية حق الجار حتى ظننت أنه سيورثه مني، يكون هذا قبل أن يوحى إليه: إن الأنبياء لا يورثون، لما ثبت ذلك في الصحيح، أو المراد كمال المبالغة في ذلك حتى إنه ظن بالتوريث فيما ليس فيه، فافهم. ٤٩٦٥ - [١٩] (عبدالله بن مسعود) قوله: (من أجل أن يحزنه) بفتح الياء وضم الزاي من الحزن، وقد يروى بضم الياء وكسر الزاي من الإحزان، حزنه الأمر حزناً بالضم، وأحزنه: جعله حزيناً، فهو محزون ومحزن، وحزين، وحزن بكسر الزاي، ولعل اللغة الفصحى هو الأول، وعليه قراءة القرآن: ﴿إِنِّ لَيَحْزُنُنِىَ أَن تَذْهَبُواْ ٢٥٠ (١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق ٤٩٦٦ - [٢٠] وَعَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهْ قَالَ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ)) ثَلَاثاً، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: ((لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٥]. بِهِ،﴾ [يوسف: ١٣]، ولم يرو البيضاوي القراءة من الإحزان ولو شاذة. ثم إن هذا يؤذن بأن العلة في النهي إيراث الحزن، لكنهم ذكروا في باعث الحزن وجهين: أحدهما: توهم تبييت رأي فيه ودسيس غائلة له، وثانيهما: التأذي من أجل الاختصاص بالتكريم، وعلى الوجه الأول حيث لا مجال لهذا التوهم لا بأس بالنجوى، حتى ذهب بعضهم [إلى] أن هذا النهي إنما هو في السفر وفي موضع لا يأمن الثالث على نفسه، وأما في الحضر وبين ظهراني العمارة فلا، وعلى الوجه الثاني ينبغي أن يكون النهي مطلقاً، ولكن لا يخفى أن هذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال أيضاً، ويدل على ذلك ما روى الطيبي أنه قد صح عن عائشة ◌َّه: إنا كنا أزواج النبي وَلّ عنده يوماً، فأقبلت فاطمة ◌َ﴾، فلما رأها رحّب بها، ثم سارّها، ففيه دليل على أن المسارة في الجمع حيث لا ريبة جائزة، وقد توجد العلة فيما زاد على الثلاثة أيضاً، فالتقييد بالثلاثة اتفاقي واكتفاء بالأدنى، وقد يقال: إن في الأربعة لا بأس بالتناجي، والله أعلم. ٤٩٦٦ - [٢٠] (تميم الداري) قوله: (الدين النصيحة) أصل النصيحة الخلوص، ويقال: ناصح للعسل الخالص، وكل شيء خلص فقد نصح، ويراد بها إرادة الخير للمنصوح، يقال: نصحته ونصحت له، وهي تجري في كل قول أو فعل فيه صلاح صاحبه، وهي والوصية متقاربتان، كذا في (مجمع البحار)(١). وقوله: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) والنصيحة لله: صحة (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٧٣٢). ٢٥١ (٢٥) كتاب الآداب ٤٩٦٧ - [٢١] وَعَنْ جَرِيْرِ بْنِ (١) عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ وَه عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. مُنَّفَقٌّ عَلَيْهِ. آخ: ٥٧، م: ٥٦]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٤٩٦٨ - [٢٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ وَّهِ يَقُولُ: الاعتقاد في وجوده، كما هو بأسمائه وصفاته، وإخلاص نيته في عبادته فيما أمر أو نهى. ولكتابه: التصديق به، والعمل بما فيه وتلاوته. ولرسوله: التصديق بنبوته وإطاعته. ولأئمتهم: أما للأمراء فبإطاعتهم في الحق وعدم الخروج وإن جاروا، وأما للعلماء فبالعمل فيما أفتوا بالحق وردوا بالصدق. ولعامتهم بإرشادهم إلى مصالح دينهم ودنياهم، ودفع الضرر عنهم، وجلب النفع إليهم، وهذا الحديث من جوامع الكلم يشتمل على علوم الأولين والآخرين إذا فصل وبين، ولو اجتمع الأولون والآخرون ما أحاطوا بتفاصيلها وفروعها. ٤٩٦٧ - [٢١] (جرير بن عبدالله) قوله: (على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم) العبادات إما حق الله أو حقوق العباد، والأولى بدنية أو مالية، فذكر منهما العمدة منهما، وأما الثانية فيشملها كلها النصح لكل مسلم، ويحتمل أنه لم يفرض في ذلك الوقت الصوم والحج، فتدبر. الفصل الثاني ٤٩٦٨ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (الصادق المصدوق) الصادق من صَدَق في (١) سقط ((ابن عبدالله)) في نسخة . ٢٥٢ (١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق ((لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّ مِنْ شَقِيِّ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٤٢٢/٢، ت: ١٩٢٤]. ٤٩٦٩ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ. قوله، والمصدوق من صدَقه غيرُه، أي: أخبره بخبر صادق، يقال: صدق زيد عمراً أي: أخبره بالصدق، والله تعالى صدق نبيه وأخبره بأخبار صادقة، وكذلك جبرئيل صدقه . وقوله: (لا تنزع الرحمة إلا من شقي) النزع يكون بعد الوضع، وفيه إشارة إلى أن سلبها عن قلب أحد بعد وجودها فيه علامة الشقاوة وأشد وأغلظ، ويحتمل أن يكون من قبيل سبحان من صغّر البعوض وعظّم الفيل، وقولهم: ضيق فم البئر وإن كان بينهما تفاوتٌ مَّا، فافهم. ٤٩٦٩ - [٢٣] (عبدالله بن عمرو) قوله: (الراحمون يرحمهم الرحمن) جمع راحم، ولم يأت بالرحماء جمع رحيم، وإن كان غالب ما ورد في الرحمة استعمال الرحيم لا الراحم؛ إيذاناً بأن الرحيم صيغة مبالغة، فلو أتى بجمعها لاقتضى الاقتصار علیه، وإنما أتى بالرحماء في خبر (إنما يرحم الله من عباده الرحماء)؛ لأن لفظ الجلالة حيث ورد يكون الكلام مسوقاً للتعظيم، فبعد ذكره يناسب ما فيه الدلالة على كثرة الرحمة، والرحمن يدل على العفو والمبالغة فيه، علم ذلك بالاستقراء، فذكر مع الرحمن كل ذي رحمة وإن قلّت، كذا ذكر السيوطي، يريد أن ذكر الله تعالى لما كان دالاً على العظمة والكبرياء دل على الرحمة الكاملة العظيمة منه تعالى، فيكون جزاء للرحمة الكاملة من العبد، وذكر الرحمن يدل على العفو، فيكفي في استحقاقه أصل الرحمة وإن لم ٢٥٣ (٢٥) كتاب الآداب يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٤٩٤١، ت: ١٩٢٤]. ٤٩٧٠ - [٢٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِرَنَا، وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٢١]. ٤٩٧١ - [٢٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخاً مِنْ أَجْلِ سِنِّهِ تكن كاملة . وقوله: (يرحمكم من في السماء) أي: الله تعالى، وقد ينسب ويخص أمره تعالى بكونه في السماء؛ تعظيماً وإجلالاً لكمال سعته وعظمته، وقد يراد به الملائكة يحفظونهم بأمر الله ويستغفرون لهم. ٤٩٧٠ - [٢٤] (ابن عباس) قوله: (من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا) الظاهر أن ضمير المتكلم كناية عن المسلمين، فالتخصيص لكمال العناية والاهتمام، وإلا فرحمة الصغير وتوقير الكبير في الجملة يشمل المسلمين وغيرهم من جهة الصغر والكبر، أو يقال: لا وعيد في غير المسلمين على ترك الرحمة والتوقير، بل مخصوص بهم أو كناية عن الآدميين، والله أعلم. وقوله: (هذا حديث غريب) وفي بعض النسخ: (حسن غريب)، وقيل: إسناده جيد . ٤٩٧١ - [٢٥] (أنس) قوله: (من أجل سنه) أي: مع قطع النظر عن إيمانه وفضله، فهذا أيضاً يشمل الكافر. ٢٥٤ (١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق إِلَّ قَيَّضَ اللهُ لَهُ عِنْدَ كِبَرِ سِنِّهِ مَنْ يُكْرِمُهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٢٢]. ٤٩٧٢ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ مِنْ إِجْلاَلِ اللهِ إِكْرامَ ذِي الشَّيةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَ الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ السُّلْطَانِ الْمُفْسِطِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [د: ٤٨٤٣، شعب: ٢٤٣١]. وقوله: (إلا قيض الله عند كبر سنه) أي: سلّط ووكّل، وفيه بشارة إلى بلوغ ذلك الشاب سن الشيخوخة . ٤٩٧٢ - [٢٦] (أبو موسى) قوله: (إن من إجلال الله) أي: تعظيمه. وقوله: (إكرام ذي الشيبة المسلم) التخصيص بالمسلم إما لكمال العناية والاهتمام، أو للفرق بين التوقير والإكرام، فتدبر. وقوله: (غير الغالي فيه ولا الجافي عنه) قيل: الغالي من يبذل جهده في تجويد قراءته من غير تفكر وتدبر وعمل بما فيه، أو المسرع في القراءة فحسب لا يصحح حروفه، والجافي عنه: المعرض عن تلاوته وعمله، من التجافي بمعنى التباعد. في (الصحاح)(١): تجافى عن الفراش أي: تباعد، ومنه قوله تعالى: ﴿نَنَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]، وفي (القاموس)(٢): تجافى: لم يلزم مكانه، وقيل: الغالي: من تجاوز الحد من حيث لفظه أو معناه بتأويل باطل، والجافي عنه: المتباعد عن العمل به، ويجوز أن يقال: الغالي من اشتغل بتلاوته ولا يشتغل أصلاً، بتعلم (١) ((الصحاح)) (٦ / ٢٣٠٣). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٦٨). ٢٥٥ (٢٥) كتاب الآداب ٤٩٧٣ - [٢٧] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ، وَشَرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِيْنَ بَيْتٌ فِیهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه. [جه: ٣٦٧٩]. ٤٩٧٤ - [٢٨] وَعَنْ أبِىِ أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَِّ: ((مَنْ مَسَحَ رَأْسَ بَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّ للهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا يَدُّهُ حَسَنَاتٌ، وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ بَنِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيَّنِ، وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٢٦٥/٥، ولم أجده في سنن الترمذي]. الفقه وسائر العبادات، والجافي الذي لا يشتغل بالقرآن أصلاً، وهو قريب من المعنى الأول. ٤٩٧٣ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (يساء إليه) يؤذى بغير حق، وإن ضربه للتأديب والتعلیم فليس ذلك بإساءة . ٤٩٧٤ - [٢٨] (أبو أمامة) قوله: (من مسح رأس يتيم) قال الطيبي(١): هو كناية عن الشفقة والتلطف به، ولما لم تكن الكناية منافية لإرادة الحقيقة لإمكان الجمع بينهما رتب عليه قوله: (بكل شعرة)، انتهى. والظاهر أن المراد حقيقة مسح الرأس على وجه الشفقة والتلطف، فافهم. وقوله: (تمر عليها يده) بفتح التاء وضم الميم فاعله (يده)، ويروى بضم الياء وكسر الميم، و(يده) مفعوله. (١) شرح الطيبي)) (٩ / ١٨٢). ٢٥٦ (١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق ٤٩٧٥ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ آوَى يَتِيماً إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ الْجَنَّةَ الْبَثَّةَ إِلَّ أَنْ يَعْمَلَ ذَنْباً لاَ يُغْفَرُّ، وَمَنْ عَالَ ثَلاَثَ بَنَاتٍ أَوْ مِثْلَهُنَّ مِنَ الأَخَوَاتِ فَأَذَّبَهُنَّ وَرَحِمَهُنَّ حَتَّى يُغْنِيَهُنَّ اللّهُ أَوْجَبَ اللهُلَهُ الْجَنَّةَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! أَوِ اثْتَيْنِ؟ قَالَ: (أَوِ اثْتَيْنٍ))، حَتَّى لَوْ قَالُوا: أَوْ وَاحِدَةً؟ لَقَالَ: وَاحِدَةً، ((وَمَنْ أَذْهَبَ اللهُ بِكَرِيمَتَيْهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا كَرِيمَتَاهُ؟ قَالَ: ((عَيْنَاهُ)) . رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)). [١٣ / ٤٤]. ٤٩٧٦ - [٣٠] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ)). ٤٩٧٥ - [٢٩] (ابن عباس) قوله: (ذنباً لا يغفر) وهو الشرك. و قوله: (عال) أي: تعهد وقام بمؤنتهن . وقوله: (حتى لو قالوا) هو غاية الموافقة، أي: كان يوافقه رسول الله وَّر في هذا الباب، حتى لو قال: أو واحدة لوافقه فقال: (أو واحدة) بناء على ما وقع من أمثاله، وهذا على المذهب المختار، وهو أن الأحكام مفوضة إليه ټ﴾ یحکم بما يشاء، ويخص من شاء بما شاء، وأما على القول بعدم التفويض فيقال: أوحي إليه ◌َّ بعد التماسهم التوسيع والترخيص، ولهذا أمثلة كثيرة في الأحاديث. وقوله: (قيل: يا رسول الله! وما كريمتاه؟ قال: عيناه) في (القاموس)(١): كريمتك: أنفك، وكل جارحة شريفة، كالأذن واليد، والكريمتان: العينان. ٤٩٧٦ - [٣٠] (جابر بن سمرة) قوله: (لأن يؤدب الرجل) يعني ولو بالضرب (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٦٣ - ١٠٦٤). ٢٥٧ (٢٥) كتاب الآداب رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَنَاصِحُ الرَّاوِي لَيْسَ عِنْدَ أصْحَابٍ الحَدِيثِ بِالْقَوِيِّ. [ت: ١٩٥١]. ٤٩٧٧ - [٣١] وَعَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيِهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ْ قَالَ: ((مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ مِنْ نُخْلِ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا عِنْدِي حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. [شعب: ١٥٥٣، ت: ١٩٥٢]. والإيلام، والله أعلم. ٤٩٧٧ - [٣١] (أيوب بن موسى) قوله: (من نحل) في (الصراح)(١): نحل بالضم: عطية دادن، وفي (القاموس)(٢): النحل بالضم مصدر نحله: أعطاه، والاسم النحلة بالكسر، ويضم، وكبشرى: العطية. وقوله: (وقال الترمذي: هذا عندي حديث مرسل) اعلم أن هذا الإسناد كإسناد عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحكموا عليه بأنه إما مرسل أو منقطع؛ فإن عمرو ابن شعيب [هو] ابن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاص، فإن كان ضمير (جده) راجعاً إلى عمرو فأبوه، أعني شعيباً عن أبيه، وهو محمد جد عمرو، فالحديث مرسل؛ لأن محمداً تابعي، وإن كان راجعاً إلى أبيه فشعيب عن جده وهو عبدالله بن عمرو، وهو لم يدركه، فالحديث منقطع، ولهذا لا يوجد في الصحيحين حديث بهذا الإسناد، وهذا البیان قد مر سابقاً، وما نحن فيه كذلك، فإن أیوب هو ابن موسی بن عمرو بن سعيد ابن العاص، وسعيد بن العاص صحابي أخو عمرو بن العاص؛ فإن كان مرجع (١) ((الصراح)) (ص: ٤٥١). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٧٩). ٢٥٨ (١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق ٤٩٧٨ - [٣٢] وَعَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَذَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، وَأَوْمَأَ يَزِيدُ بْنُ ذُرَيْعٍ إِلَى الْوُسْطَى وَالسَّابَةِ، ((امْرَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، . ضمير (جده) أيوب، وهو عمرو بن سعيد، وهو تابعي، فيكون مرسلاً، وإن كان جد أبيه، وهو سعيد، صحابي، فإن صح سماع موسى عن جده عن سعيد بن العاص صار الحديث مسنداً، وإلا فمنقطع، فلعل الترمذي على أن ضمير (جده) لأيوب، وهو تابعي، فالحديث مرسل، لكن الطيبي(١) قال: إنه هو روى الحديث في (جامع الأصول)(٢): عن سعيد بن العاص، فالظاهر أن عمراً سمع من أبيه سعيد بن العاص، فتدبر . ٤٩٧٨ - [٣٢] (عوف بن مالك) قوله: (امرأة سفعاء) السفعة بضم السين المهملة: نوع من السواد ليس بالكثير، وقيل: هو سواد مع لون آخر، وفي (الصحاح) (٣): سواد مشرب بالحمرة، أراد أنها بذلت نفسها وتركت الزينة والترفه حتى تغير لونها واسودٌ لما تكابدها من المشقة والضنك إقامةً على ولدها بعد وفاة زوجها، ولم يرد أنها كانت من أصل الخلقة كذلك، لقوله: (ذات منصب وجمال). وقوله: (امرأة آمت) عطف بيان لـ (امرأة سفعاء)، أو بدل منها، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه امرأة، و(آمت) بالمدّ وتخفيف الميم، أي: صارت أيماً، أي: (١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٨٤). (٢) ((جامع الأصول)) (١ / ٤٨٦، رقم: ٢١٨). (٣) ((الصحاح)) (٢ / ١٢٣). ٢٥٩ (٢٥) كتاب الآداب حبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٤٩]. ٤٩٧٩ - [٣٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا، وَلَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا - يَعْنِي الذُّكُورَ - أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٤٦]. ٤٩٨٠ - [٣٤] وَعَنْ أَنَسِ عَنِ النَّبِّ ◌َهْ قَالَ: ((مَنِ اغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ فَتَصَرَهُ نَصَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ أَدْرَكَهُ اللهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُنَّةِ)). [شرح السنة: ١٣ / ١٠٧]. بلا زوج. وقوله: (حبست نفسها على يتاماها) أي: تركت التزوج بزوج آخر واشتغلت بتعهد أطفالها (حتى بانوا) أي: انقطعوا عنها وانفصلوا بالكبر والبلوغ، واستبدوا بالقوة والعقل والرشد؛ فإن الولد ما لم يكبر فهو ملتزق بأمه ومتصل بها غير بائن عنها . ٤٩٧٩ - [٣٣] (ابن عباس) قوله: (فلم يئدها) أي: لم يدفنها حية. وقوله: (ولم يؤثر) من الإيثار، (ولده) يعني الذكور، وإنما ذكر الولد باعتبار جهلهم أن الابن هو الولد في زعم الجاهلين، والأنثى ليس في عداد الأولاد، فافهم. ٤٩٨٠ - [٣٤] (أنس) قوله: (أدركه الله) أي: خذله وانتقم منه بسبب عدم النصر عند القدرة، والله أعلم. ٢٦٠ (١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق ٤٩٨١ - [٣٥] وَعَنْ أسماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ ذَبَّ عَنْ لَحْمٍ أَخِيهِ بِالْمَغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٧٢٣٦]. ٤٩٨٢ - [٣٦] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلِ يَقُولُ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضٍٍ أَخِيهِ إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ نَاَرَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُنَّةِ)). [شرح السنة: ٣٥٢٨]. ٤٩٨٣ - [٣٧] وَعَنْ جَابِرِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ ◌ّ قَالَ: «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَخْذُلُ امْرَأَ مُسْلِماً فِي مَوْضعٍ. ٤٩٨١ - [٣٥] (أسماء بنت يزيد) قوله: (من ذب عن لحم أخيه) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضَّأَ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا﴾ [الحجرات: ١٢]، وقوله: ﴿مَيْنًا﴾ لكمال المبالغة، أو أنه لما تناول عرضه كأنه أهلكه وأماته فيأكل لحمه، فافهم. وقوله: (بالمغيبة) إما متعلق (بذب) فيكون بمعنى الغَيبة بفتح الغين، وإما متعلق بـ (لحم) بتقدير أكل فيكون بمعنى الغيبة بكسر الغين. ٤٩٨٢ - [٣٦] (أبو الدرداء) قوله: (ثم تلا) استشهاد على قوله: (إلا كان حقاً على الله)، وفيه: أن المؤمن والمسلم واحد . ٤٩٨٣ - [٣٧] (جابر) قوله: (يخذل امرأ) أي: يترك نصره ولا يمنع من اغتیابه ونحو ذلك .