النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
(٢٥) كتاب الآداب
٤٩٣١ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّل
يُقُولُ: ((لاَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ الرَّحِمِ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي
((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٧٥٩].
٤٩٣٢ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَا مِنْ ذَنْبِ
أَحْرَى أَنْ يُعَجِّلَ اللهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ
مِنَ الْبَغْرِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٥١١، ١
٤٩٣٣ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِلَّهِ:
((لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلاَ عَاقٌ،
تلحق المصادر مثل الضربة والجلسة على أن فك الإدغام في مثله شاذ، فسكت،
فتدبر .
٤٩٣١ - [٢١] (عبدالله بن أبي أوفى) قوله: (لا تنزل الرحمة على قوم فيهم
قاطع الرحم) وهذا مثل ما يروى أنه قد ينزل البلاء على قوم فيهم تارك الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وقوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ﴾[فاطر: ٤٥] على
تأويل، وذلك للمجاورة، أي: قد يكون كذلك لأجل عدم منعهم إياه من ذلك،
ويمكن أن يراد قوم يبعثون على القطع ويرضون به، والله أعلم، وجاء في لفظ الطبراني:
(الملائكة) بدل (الرحمة).
٤٩٣٢ - [٢٢] (أبو بكرة) قوله: (من البغي وقطيعة الرحم) لما فيهما من إيذاء
الخلق وتضييع حقهم أفحش من غيرهما من الذنوب، وفي قوله: (أحرى) إشارة إلى
استحقاق أهلهما هذا الجزاء عقلاً .
٤٩٣٣ - [٢٣] (عبدالله بن عمرو) قوله: (منان) يحتمل أن يكون من المنة،

٢٢٢
(١٤) باب البر والصلة
وَلاَ مُدْمِنُ خَمْرٍ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ن: ٥٦٧٢، دي: ٢١٣٨].
٤٩٣٤ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((تَعَلَّمُوا
مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الأَهْلِ،
مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ،
أي: يمن على أولي الأرحام بما يعطيهم ويؤذيهم بذلك، أو الذي ينقص من حق ذوي
الأرحام، ويجيء المن بمعنى النقص، والتخصيص بقرينة ذكره مع العاق، وقيل: هو
من المن بمعنى القطع، أي: قاطع الرحم، ويحتمل أن يكون المراد من يمن على
الناس عموماً كما هو الظاهر المتبادر، ويدخل قاطع الرحم في العاق؛ فإن العقوق
قد يطلق في الأقربين من غير الأبوين كما ذكره الطيبي(١) في أول الباب، فافهم.
وقوله: (ولا مدمن خمر) أي: من يداوم على شرب الخمر ويعتاد به، من أدمن
الشيء: أدامه .
٤٩٣٤ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (ما تصلون به) أي: نسباً تعرفون به أقاربكم
الذين تجب صلتهم، فتعلموا أسماء آبائكم وأجدادكم وأعمامكم وأخوالكم وسائر
أقاربكم؛ لتعرفوهم فتصلوهم.
وقوله: (فإن صلة الرحم محبة) قال الطيبي(٢): هو مفعلة من الحب كالمظنة
من الظن، انتهى. فيكون بكسر الحاء كالمظنة بكسر الظاء، أي: منشأ الحب وسببه
ومكانه .
وقوله: (مثراة) بفتح الميم وسكون المثلثة من الثروة، وهي كثرة المال، في
(١) ((شرح الطيبي)) (٩ /١٤٥).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٦٠).

٢٢٣
(٢٥) كتاب الآداب
مَنْسَأَةٌ فِي الأَثَرِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٧٩].
٤٩٣٥ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ وَّهِ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْباً عَظِيماً فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: ((هَلْ لَكَ مِنْ
أُمِّ؟)) قَالَ: لاَ، قَالَ: ((وَهَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَبَرَّهَا)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٩٦٨].
٤٩٣٦ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي أُسَيْدِ السَّاعِدِيِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ
رَسُولِ اللهِنَّهِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ بَقِيَ
مِنْ.
(القاموس)(١): هذا مثراة للمال، أي: مكثرة له، و(منسأة) أيضاً بفتح الميم وسكون
النون وفتح السين وفتح الهمزة، من النسأ، وهو التأخير، أي: بسبب تأخير الأجل،
وقد مرّ.
٤٩٣٥ - [٢٥] (ابن عمر) قوله: (فهل لي من توبة) الظاهر أن المراد بالتوبة
هنا توبة الله عليه ورجوعه بالرحمة، فافهم.
وقوله: (فبرها) بفتح الباء والراء على صيغة الأمر من بر يبر كسمع يسمع.
٤٩٣٦ - [٢٦] (أبو أسيد) قوله: (وعن أبي أسيد) بلفظ التصغير وقد مر.
وقوله: (من بني سلمة) بكسر اللام، بطن من الأنصار، وليس في العرب سلمة
غيرهم، كذا في (القاموس)(٢).
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٦٥).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٣٥).

٢٢٤
(١٤) باب البر والصلة
برِّ أَبَوَيِّ شَيْءٌ أَبُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، الصَّلاَةُ عَلَيْهِمَا،
وَالإِسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لاَ تُوصَلُ
إِلَّ بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٥١٤٢، جه:
٣٦٦٤].
٤٩٣٧ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي الظُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقْسِمُ لَحْماً
بالْجِعِزَّانَةِ إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَتَّى دَنَتْ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَجَلَسَتْ
عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَنْ هِيَ؟ فَقَالُوا: هِيَ أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د:
٥١٤٤].
وقوله: (صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما) ظاهر العبارة أنها صفة للرحم،
أي: الرحم التي اختصت لأجلهما كأولاد الأب والأم، فإنها آكد من صلة أولاد
الأجداد والجدات، والطيبي(١) جعلها صفة الصلة، أي: الصلة الموصوفة بأنها خالصة
لحقهما ورضاهما لا لأمر آخر، أي: لا ينبغي أن يخدم بطلب منزلة عندهما إلا من
حيث إن رضا الله في رضا الوالدين، كطاعة الله لا يريد بها إلا رضاه تعالى ولا يريد
غيره.
٤٩٣٧ - [٢٧] (أبو الطفيل) قوله: (الجعرانة) بكسر الجيم والعين المهملة
وتشديد الراء، وقد تسكن العين وتخفف الراء: موضع معروف على مرحلة من مكة،
أقام بها رسول الله وتقليل بضعة عشر يوماً لتقسيم غنائم حنين، واعتمر منها، والقصة
مشهورة .
(١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٦١).

٢٢٥
(٢٥) كتاب الآداب
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٩٣٨ - [٢٨] عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((بَيْنَمَا ثَلاَثَةُ نَفَرِ
يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارِ فِي الْجَبَلِ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَم
غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا
أَعْمَالاً عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً، فَادْعُوا اللهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ:
اللهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى
عَلَيْهِمْ،
الفصل الثالث
٤٩٣٨ - [٢٨] (ابن عمر) قوله: (صخرة) في (القاموس) (١): الصخرة: الحجر
العظيم الصلب، ويحرك.
وقوله: (أعمالاً عملتموها الله صالحة) صفة ثانية لـ (أعمالاً)، وهو كالصفة
الكاشفة؛ فإن الصالحة في الحقيقة هي التي أعملت خالصة لوجه الله تعالى، ولو
أريد بالصالحة ما كان مأموراً بها، وبكونها لله عدم مدخلية السمعة والرياء فيها؛ كان
الظاهر تقديم قوله: (صالحة) على قوله: (الله)، وقيل: قوله: (الله) متعلقة بـ (صالحة)،
أي: تصلح لقبوله، وقد جاء في رواية البخاري: (أعمالاً عملتموها صالحة لله).
وقوله: (يفرجها) أي: الصخرة، أي: الشدة التي حصلت منها.
وقوله: (صبية) بكسر الصاد وسكون الباء وفتح الياء جمع صبي.
وقوله: (أرعى عليهم) ضمن (أرعى) معنى أنفق، أي: أنفق عليهم راعياً
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٩٤).

٢٢٦
(١٤) باب البر والصلة
فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيْهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ قَدْ نَأَى
بِي الشَّجَرُّ، فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَمَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ
أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلاَبِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ
أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا، وَالصِّيَّةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي ..
لغنيمات، أو أرعى الغنيمات منفقاً عليهم، كذا قالوا، ولعل تخصيص الغنيمات باعتبار
العادة؛ فإن أكثر أحوال الفقراء ذوي العيال رعيها، أو علم ذلك بالنقل.
وقوله: (وإنه قد نأى) وفي بعض الروايات: (ناء)، وكلاهما لغتان مشهورتان
بمعنى بعد، والأول أكثر استعمالاً، وهو قراءة أكثر القراء في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا
عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِهِ،ٌ﴾ [الإسراء: ٨٣]، وقرأ ابن عامر: ﴿نَاءَ﴾، قال البيضاوي(١):
هو على القلب، وقال الجلبي: نحو راء رأى، والصواب أنهما لغتان.
ومعنى قوله: (نأى بي الشجر) أي: ذهبت في طلب المرعى بعيداً حتى أمسيت،
والباء في (بي) للتعدية .
وقوله: (فجئت بالحلاب) هو يجيء بمعنى المحلوب، والإناء الذي يحلب فيه،
وكلاهما محتمل الإرادة هنا.
وقوله: (يتضاغون) بالضاد والغين المعجمتين، ضَغَا يَضْغو ضَغْواً وضُغاءً: إذا
صاح وزج، وتقديم الأصول في الإنفاق يكون مشروعاً جائزاً في شريعتهم، أو كانت
الصبية يطلبون الزائد على سد الرمق، كذا قالوا.
وقوله: (عند قدمي) بلفظ الإفراد والتثنية، والثاني أصح.
(١) (تفسير البيضاوي)) (٣/ ٢٦٥).

٢٢٧
(٢٥) كتاب الآداب
وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ
فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَّجَ اللهُلَهُمْ حَتَّى يَرَوْنَ السَّمَاءَ.
قَالَ الثَّانِي: اللهُمَّ إِنَّه كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمَّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ
النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتيها بِمِئَة دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى
جَمَعْتُ مِئَ دِينَارٍ، فَلَقِيْتُهَا بِهَا، فَلَمَّا تَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَاللهِ!
اتَّقِ اللهَ وَلاَ تَفْتَحِ الْخَاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْهَا، اللهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ
ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، فَفَرَّجَ لَهُمْ فُرْجَةً .
وَقَالَ الآخَرُ: اللهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيراً بِفَرْقِ أَرُزِّ،
وقوله: (فافرج) على صيغة الأمر من نصر، وقد يروى من الإفعال، والفرجة
بضم الفاء، وهذا البناء للمقدار، وقد يفتح للمرة.
وقوله: (ففرج) بالتشديد، وقد یروی بالتخفيف.
وقوله: (حتى يرون) بإثبات النون في أكثر الروايات على حكاية الحال الماضية
نحو: مرض حتى لا يرجونه في الحال المحققة، وقد یروی بحذف النون، و(حتى)
بمعنى (كي)، والأول أقوى رواية، وإن كان الثاني أظهر دراية.
وقوله: (فطلبت إليها) أي: طلبت أن تمكنني من نفسها متوجهاً إليها، أو يضمن
معنى الإرسال.
وقوله: (ولا تفتح الخاتم) كناية عن الخيانة في الأمانة، أو عن إزالة البكارة.
وقوله: (بفرق أرز) قال القاضي عياض في (المشارق)(١): في حديث الغسل
(١) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٥٥).

٢٢٨
(١٤) باب البر والصلة
فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ،
فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَراً وَرَاعِيَهَا،
من الجنابة في قوله: في إناء هو الفرق، رويناه بإسكان الراء وفتحها عن شيوخنا،
والفتح للأكثر، قال الباجي: وهو الصواب، وكذا قيدنا عن أهل اللغة، وقال: لا يقال
فيه: فرق بالإسكان، ولكن فرق بالفتح، وكذا حكى النحاس، وحكى ابن دريد أنه
قد قيل بالإسكان، ومثله في الحديث الآخر: (بفرق أرز)، وهو نحو ثلاثة آصع،
وقيل : یسع خمسة عشر رطلاً، وهو إناء معروف عندهم، انتهى.
وقال في (القاموس)(١): الفرق مكيال بالمدينة تسع ثلاثة آصع، ويحرك، أو
هو أفصح، أو تسع ستة عشر رطلاً .
و(الأرز) حب معروف بفتح الهمزة وضم الراء مع شدة الزاي وخفتها، وبضمتين
كذلك، وبضمة وسكون، وقد يجيء بمد الهمزة على وزن كابل، وقد يجيء بحذفها،
وقد يجيء مع حذفها بالنون مكان الراء، وكلها لغات فيه، وفي رواية: (ذرة) بضم
الذال وخفة الراء المفتوحة، فيجمع بأن الفرق كان من صنفين، أو أنهما لما كانا
متقاربين أطلق اسم أحدهما على الآخر، أو أنه استأجر أكثر من واحد، فكان بعضهم
بفرق أرز وبعضهم بذرة، كذا قال الشيخ ابن حجر(٢).
وقوله: (حتى جمعت منه بقراً وراعيها) لأنه الأكثر الأغلب، فلا ينافي رواية :
(فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال)، وفيها: (فقلت له: كل ما ترى من الإبل والبقر
والغنم والرقيق من أجرك)، وفيها: (فاستاقه فلم يترك منه شيئاً)، وما في رواية أنه
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٤٥).
(٢) (فتح الباري)) (٦ / ٥٠٦).

٢٢٩
(٢٥) كتاب الآداب
فَجَاءَنِي فَقَالَ: اَّقِ اللهَ وَلاَ تَظْلِمْنِي وَأَعْطِي حَقِّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ
الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَوَلاَ تَهْزَأُ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لاَ أَهْزَأُ بِكَ، فَخُذْ
ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرَاعِيهَا، فَأَخَذَ فَانْطَلَقَ بِهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ
ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَّجَ الله عَنْهُمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢١٥، م:
٢٧٤٣].
دفع إليه عشرة آلاف درهم فمحمول على أنها كانت قيمة الأشياء المذكورة، كذا في
الحاشية للعلامة مير جمال الدين رحمة الله عليه (١).
وقوله: (فخذ ذلك البقر وراعيها) التذكير باعتبار اللفظ والتأنيث باعتبار المعنى،
وهو جائز في أسماء الأجناس والجموع، وقال الطيبي(٢): ذلك إشارة إلى البقرة باعتبار
السواد المرئي أو الشخص، نحو قولك: هند ذلك الإنسان.
ومن فوائد هذا الحديث جواز التوسل بصالح الأعمال بحال الشدة والكرب بل
استحبابه، لأنه ◌ّ ذكره في معرض الثناء عليهم، وفضل بر الوالدين وإيثارهما على
من سواهما وإن كان من الأولاد، والاحتراز والتحاشي عن إيقاعهما في الكلفة والمشقة،
وقصر الهمة على طلب الراحة لهما، وكراهة إيقاظ أحد خصوصاً في محل الأدب
والتعظيم، وأن النوم ألذ وأطيب من تناول الطعام، وفضل العفة وكف النفس عن
المحرمات عند القدرة ووجود داعية النفس وعدم المانع لا سيما في شهوة الفرج؛
لكونها أغلب الشهوات وأعصاها على العقل، وأن تصرف الفضولي جائز وينفذ عند
(١) ((حاشية جمال الدين)) (ص: ٣٠٣).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٦٣).

٢٣٠
(١٤) باب البر والصلة
٤٩٣٩ - [٢٩] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ: أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ وَه
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَالَ: ((هَلْ لَكَ
مِنْ أُمّ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَالْزَمْهَا؛ فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلِهَا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ
ء
وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [حم: ٣/ ٤٢٩، ن: ٣١٠٤، شعب:
٧٤٤٩].
٤٩٤٠ - [٣٠] وَعَنِ ابنِ عمَرَ قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا وَكَانَ عُمَرُ
يَكْرَهُهَا، فَقَالَ لِي: طَلِّقْهَا، فَأَبَيْتُ، فَأَتَى عُمَرُ رَسُولَ اللهِنَّهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ،
فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((طَلِّقْهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١١٨٩،
د: ٥١٣٨].
إذن المالك كما هو مذهب الحنفية، وفضل حسن التعهد، وأداء الأمانة، والسماحة
في المعاملات، واستجابة الدعاء، واستجابته عند الشدة والمحنة، وثبوت الكرامات
للأولياء كما هو مذهب أهل الحق.
٤٩٣٩ - [٢٩] (معاوية) قوله: (معاوية بن جاهمة) بالجيم وكسر الهاء.
وقوله: (فإن الجنة عند رجلها)(١) يعني كون الرجل عند رجل أمه موجب
للجنة، وهذا معنى كون الجنة عند رجلها .
٤٩٤٠ - [٣٠] (ابن عمر) قوله: (طلقها) إن كان الحق في جانب الوالدين
(١) قال الطيبي (٨ / ٣١٧١): كناية عن غاية الخضوع ونهاية التذلل، كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَخْفِضْ
لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، ولعله ◌َّ عرف من حاله وحال أمه حيث ألزمه
خدمتها ولزومها أن ذلك أولى به.

٢٣١
(٢٥) كتاب الآداب
٤٩٤١ - [٣١] وَعَنْ أَبِى أَمَامَةَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا حَقُّ
الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا؟ قَالَ: ((هُمَا جَنّتُكَ وَنَرُكَ)). رَوَاهُ ابنُ مَاجَه. [جه:
٣٧٠٦].
٤٩٤٢ - [٣٢] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَمُوتُ
وَالِدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا وَإِنَّهُ لَهُمَا لَعَاقٌ، فَلاَ يَزَالُ يَدْعُو لَهُمَا وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمَا حَتَّى
يَكْتُبَهُ اللهُ بَارًّا)).
٤٩٤٣ - [٣٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ أَصْبَحَ
مُطِيعاً لِلَّهِ فِي وَالِدَيْهِ أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانٍ مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِداً
فَوَاحِداً، ..
فطلاقها واجب؛ للزوم العقوق، وإن كان في جانب المرأة؛ فإن طلقها لرضا الوالدين
فهو جائز.
٤٩٤١ - [٣١] (أبو أمامة) قوله: (هما جنتك ونارك) أي: برهما موجب للجنة،
وعقوقهما سبب دخول النار.
٤٩٤٢ - [٣٢] (أنس) قوله: (حتى يكتبه الله باراً) فيه أن الدعاء والاستغفار
للوالدين يزيل إثم العقوق، وذلك كالاستغفار والاعتذار في حالة الحياة.
٤٩٤٣ - [٣٣] (ابن عباس) قوله: (له بابان) يحتمل أن يكون جملة حالية،
وفي (أصبح) ضمیر فاعله، وأن یکون (له) خبر (أصبح)، و(بابان) فاعله.
وقوله: (وإن كان واحداً فواحداً) أي: إن كان المطاع واحداً فالباب المفتوح
واحد، وفي بعض النسخ: (فواحداً) أي: إن كان الباب المفتوح واحداً.

٢٣٢
(١٤) باب البر والصلة
وَمَنْ أَصْبَحَ(١) عَاصِياً لِلَّهِ فِي وَالِدَيْهِ أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانٍ مِنَ النَّارِ،
وَإِنْ كَانَ وَاحِداً فَوَاحِداً) قَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ؟ قَالَ: ((وَإِنْ ظَلَمَاءُ،
وإِن ظَلَمَاهُ، وإِنْ ظَلَمَاهُ».
٤٩٤٤ - [٣٤] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «مَا مِنْ وَلَدٍ بَارٍّ يَنْظُرُ إِلَى
وَالِدَيْهِ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ إِلَّ كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ حَجَّةً مَبْرُورَةً)، قَالُوا: وَإِنْ نَظَرَ
كُلَّ يَوْمٍ مِئَةَ مَزَّةٍ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، اللهُ أَكَبَرُ وَأَطْيَبُ)).
٤٩٤٥ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((كُلُّ الذُّنُوبِ
يَغْفِرُ اللهُ مِنْهَا مَا شَاءَ(٢) إِلَّ عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ،.
وقوله: (ومن أمسى) وفي بعض النسخ: (أصبح)، وهو أوفق بجوابه، وهو
قوله: (أصبح له بابان [مفتوحان] من النار).
وقوله: (قال: وإن ظلماه) بالتكرير ثلاثاً للمبالغة والتشديد، والمراد الظلم
في الأمور الدنياوية دون الدينية؛ لأن طاعة الوالدين فيما يخالف الدين غير جائزة.
٤٩٤٤ - [٣٤] (ابن عباس) قوله: (الله أكبر وأطيب) أي: أنزه من اعتقادك أنه
لا يعطي ذلك الجزاء العظيم.
٤٩٤٥ - [٣٥] (أبو بكرة) قوله: (إلا عقوق الوالدين) تغليظ وتشديد، ولذا عد
أكبر الكبائر بعد الإشراك، ولعله تعالى يرضي الوالدين عند يوم القيامة كما يرضي
الخصوم .
(١) في نسخة: ((أمسى)).
(٢) في نسخة: ((مَا يَشَاءُ)) .

٢٣٣
(٢٥) كتاب الآداب
فَإِنَّهُ يُعَجَّلُ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ)).
٤٩٤٦ - [٣٦] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
(حَقُّ كَبِيْرِ الإِخوَةِ عَلَى صَغِيرِهِمْ حَقُّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ». رَوَى الْبَيْهَقِيُّ
٩
الأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٧٥٢٤، ٧٥٣٨، ٧٤٧٢،
٧٥٠٦، ٧٥٥٣].
١٥ - باب الشفقة والرحمة على الخلق
وقوله: (فإنه) أي: الله (يعجل) أي: العقوبة .
٤٩٤٦ - [٣٦] (سعيد بن العاص) قوله: (حق الوالد على ولده) من قبيل إلحاق
الناقص بالكامل مبالغة في الترغيب والترهيب.
١٥ - باب الشفقة والرحمة على الخلق
الإشفاق يجيء بمعنى الخوف مطلقاً، وبمعنى الخوف مع النصيحة وإرادة الخير،
والشفقة والشفق محركاً اسمان منه، ويستعملان بمعنى الرحمة مطلقاً؛ لأن المشفق
يخاف أن يصيب المشفق عليه مكروه، وفي (القاموس)(١): الشفق محركة: الخوف،
والشفقة، وحرص الناصح على صلاح المنصوح، وهو مشفق وشفيق.
والرحمة ويحرك: الرقة والمغفرة والتعطف، كالمرحمة، والرُّحم بالضم
وبضمتين، والفعل كعلم، ورحّم عليه ترحيماً، وترخَّم، والأولى الفصحى، والاسم
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٢٧).

٢٣٤
(١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٩٤٧ - [١] عَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ مَاءِ:
((لاَ يَرْحَمُ اللهُ مَنْ لاَ يَرْحَمُ النَّاسَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٧٦، م: ٢٣١٩].
٤٩٤٨ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ:
أَتْقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِي ◌َّ:
الرحمى، انتهى.
والرحمة في الإنسان: رقة وانعطاف يحصل في قلبه، وهو محال على الله تعالى،
فالمراد به في حقه تعالى الرضا والإحسان، وكذلك سائر الصفات التي من قبيل
الانفعال كالغضب ونحوه تطلق عليه تعالى باعتبار الآثار دون المبادئ، كما حقق في
موضعه، وقد يشتق منه الرحموت كالرهبوت من الرهب، والجبروت من الجبر،
والرحمن والرحيم مشتقان من الرحمة كندمان ونديم، وهما بمعنى، ويجوز تكرير
الاسمين إذا اختلف اشتقاقهما على طريق التوكيد، كما يقال: فلان جاد مجد، والرحمن
مختص به تعالى، ولذا قال: ﴿قُلِ ادْعُوْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنّ﴾ [الإسراء: ١١٠] أعاده بالاسم
ذكراً للاسمين الذين لا يشرك فيهما غيره، كذا في (الصحاح)(١).
الفصل الأول
٤٩٤٧ - [١] (جرير بن عبدالله) قوله: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس) أي:
رحمة خاصة مخصوصة بالراحمين الفائزين السابقين .
٤٩٤٨ - [٢] (عائشة) قوله: (أتقبلون الصبيان؟) من التقبيل (فما نقبلهم) الهمزة
للإنكار، وليس المراد حقيقة الاستفهام؛ لأن الظاهر من سياق الكلام أنه رأى أنهم
(١) انظر: ((مختار الصحاح)) (١ / ١١٧).

٢٣٥
(٢٥) كتاب الآداب
((أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٩٨، م:
٢٣١٧].
٤٩٤٩ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْتَتَانِ لَهَا تَسْأَلُنِي،
فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْتَتَيْهَا
وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ نَّهِ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: ((مَنِ
ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْراً مِنَ النَّارِ)). مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٩٥، م: ٢٩٨٢].
يقبلونهم، والفاء في (فما نقبلهم) للتعقيب في المرتبة نحو (ثم) يجيء للتراخي في
الرتبة، تفيد استبعاد التقبيل لكونه منكراً عنده، وقد أتي بمثل هذه الفاء في قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكْرَ بِثَايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: ٥٧]، ولهذا جاء في آية أخرى: ﴿ثُمَّ
أَعْرَضَ عَنْهَاً﴾ [السجدة: ٢
وقوله: (أن نزع) يروى بفتح الهمزة، والتقدير: لا أملك دفع نزع الله الرحمة
عن قلبك، وبكسرها على أنها شرطية .
٤٩٤٩ - [٣] (وعنها) قوله: (من ابتلي من هذه البنات بشيء): (من) إما بيانية،
و(شيء) كناية عن العدد، أي: بواحدة أو اثنتين منهن، أو ابتدائية، والمعنى ابتلي
بما صدر عنهن من كلفة وإيذاء، ثم اختلف في المراد بالإحسان هل يقتصر على قدر
الواجب أو ما زاد عليه، والظاهر هو الثاني، ولهذا أورد هذا الحديث في (باب الشفقة
والرحمة على الخلق) لا في (باب البر والصلة)، فافهم.
والمراد بالإحسان ما يوافق الشرع، وقال الشيخ ابن حجر (١): الظاهر أن الثواب
(١) (فتح الباري)) (١٠ / ٤٢٨).

٢٣٦
(١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق
٤٩٥٠ - [٤] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ
حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ هَكَذَا))، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ٢٦٣١].
٤٩٥١ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهُ: ((السَّاعِي
عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ.
المذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر على ذلك إلى تزويجهن أو موتهن.
٤٩٥٠ - [٤] (أنس) قوله: (من عال جاريتين) أي: قام بما تحتاجان إليه من
قوت وكسوة، والصغيرة تسمى جارية كالصغير يسمى غلاماً.
وقوله: (أنا وهو هكذا) جملة حالية من فاعل (جاء)، ومنه يعلم أن تجريد
الجملة الاسمية عن الواو فصيح، ولو كان فيه ضعف لم يبلغ حدًّا يخل بالفصاحة.
وقوله: (وضم أصابعه) المراد ضم أصبعيه السبابة والوسطى ومقارنتهما واتصالهما
كما يظهر من حديث سهل بن سعد، والمراد الاقتران في دخول الجنة أو السكنى فيه،
أو الاجتماع في المحشر أو جميع المواطن، وهو الأظهر والأنسب بقوله: (يوم القيامة)،
والله أعلم.
ثم إنهم ذكروا في حديث: (بعثت أنا والساعة كهاتين) أن المراد اقترانهما أو
تقدم أحدهما على الآخر يعني أن الساعة تعقبني، ولو أريد هذا المعنى في هذا الحديث
لكان المراد التعقيب في دخول الجنة، لكنهم قالوا: إن المراد هو المقارنة والاتصال
كما لا يخفى.
٤٩٥١ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (الساعي على الأرملة) بفتح الهمزة والميم

٢٣٧
(٢٥) كتاب الآداب
كَالسَّاعِي فِي سَبِيلِ اللهِ) وَأَحْسَبُّهُ قَالَ: «كَالْقَائِمِ لاَ يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لاَ يُفْطِرُ».
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٠٧، ٢٩٨٢].
أي: الساعي في أمرها والمنفق عليها، قال الطيبي(١): الأرملة: امرأة لا زوج لها،
سواء تزوجت قبل ذلك أم لا، وقيل: هي التي فارقها زوجها، سميت أرملة لما يحصل
لها من الإرمال، وهو الفقر وذهاب الزاد، وقال في (القاموس)(٢): رجل أرمل،
وامرأة أرملة: محتاجة أو مسكينة، والجمع أرامل وأراملة، والأرمل: العزب، وهي
بهاء، ولا يقال للعزبة الموسرة: أرملة، وفي (الصراح)(٣): أرمل: مردبے زن،
أرملة: زن بے شوي، أرامل: بیوگان ودرويشان ومحتاجان از مرد وزن، أرملت
المرأة، أي: مات عنها زوجها.
وقوله: (وأحسبه) قال في بعض الشروح: أي قال أبو هريرة: أظن أن النبي ◌َلّ
قال، وفي بعض الحواشي: قائله عبدالله بن مسلمة القعنبي شيخ البخاري ومسلم الراوي
عن الإمام مالك كما صرح به البخاري، ومعناه أظن أن مالكاً قال: (كالقائم ... إلخ)،
وظاهر لفظ (المشكاة) يوهم أن قائله أبو هريرة.
وقوله: (كالقائم) أي: القائم بالليل للعبادة.
وقوله: (لا يفتر) بضم التاء من نصر ينصر، من الفتور، وأما ما هو بمعنى الافتراء
فهو بفتح التاء بحذف اللام(٤).
(١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٦٩).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٢٧).
(٣) (الصراح)) (ص: ٤٢٧).
(٤) كذا في الأصل.

٢٣٨
(١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق
٤٩٥٢ - [٦] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَنَا وَكَافِلُ
الْيَِّيْمِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا))، وَأَشَارَ بِالسََّّابَةِ وَالْوُسْطَى وفرَّجَ بَيْنَهُمَا
شَيْئاً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٠٤].
٤٩٥٣ - [٧] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: («تَرَى
الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمٍ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذا اشْتَكَى عُضْواً
تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠١١، م: ٢٥٨٦].
٤٩٥٢ - [٦] (سهل بن سعد) قوله: (أنا وكافل اليتيم له ولغيره في الجنة هكذا)
الحديث، يعلم منه أن المراد المقارنة في الجنة، وأن المراد بالضم في حديث أنس
مع التفريج شيئاً فيجب حمله عليه؛ إذ الأحاديث يشرح بعضها بعضاً، اللهم إلا أن
يقال: ثواب عول الجاريتين أكثر من ثواب كفالة اليتيم، فيكون المقارنة في ذلك أشد
وأقوى من هذا، ويكون في جميع المواطن لا في الجنة خاصة، والله أعلم.
ثم المراد بكون اليتيم له أن يكون من أقاربه وأرحامه، كابن الابن أو ابن الأخ
وأمثالهما، ومن كونه لغيره أن يكون من الأجانب.
٤٩٥٣ - [٧] (النعمان بن بشير) قوله: (اشتكى عضواً) في أكثر النسخ هكذا
منصوباً على المفعولية أو التمييز، وفاعل (اشتكى) ضمير للجسد، أي: تألم من جهة
العضو، وفي بعضها مرفوع على الفاعلية، ومعنى التداعي أن يدعو القوم بعضهم بعضاً
ليتفقوا على فعل شيء، وفي (الصراح)(١): تداعت الحيطان، وللخراب أي: تهادمت،
أي: يدعو بعض الأعضاء بعضاً آخر، والمقصود التوافق في الألم والمشقة.
وقوله: (في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم) أريد بالتراحم أن يرحم بعضهم بعضاً
(١) ((الصراح)) (ص: ٥٥٧).

٢٣٩
(٢٥) كتاب الآداب
٤٩٥٤ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ
إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ٢٥٨٦].
٤٩٥٥ - [٩] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ
كَالُْنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً) ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٢٦،
م: ٢٥٨٥].
٤٩٥٦ - [١٠] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ
الْحَاجَةِ قَالَ: ((اِشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا،
بمجرد أخوة الإيمان لا بسبب شيء آخر، وبالتواد رعاية الأحوال من جهة التواصل
والتحابب بعلاقة زائدة كالتزاور والتهادي، والتعاطف إعانة بعضهم بعضاً بسبب الرقة
بمشاهدة العجز والضعف والمسكنة ونحوها .
٤٩٥٤ - [٨] (وعنه) قوله: (إن اشتكى عينه اشتكى كله) وروي (عينه) و(رأسه)
و(كله) بالنصب والرفع، لكن تذكر (اشتكى) في (اشتكى عينه) يرجح النصب، إلا
أن يجعل بدلاً على تقدير الرفع.
٤٩٥٥ - [٩] (أبو موسى) قوله: (ثم شبك بين أصابعه) قيل: هذا مما اختص
البخاري بذكره ولم يذكره مسلم.
٤٩٥٦ - [١٠] (أبو موسى) قوله: (فلتؤجروا) قال الطيبي (١): الفاء واللام
كلتاهما مقحمة للتأكيد، إذ يكفي أن يقال: تؤجروا جواباً للأمر، انتهى.
(١) ((شرح الطيبي)) (٩/ ١٧١).

٢٤٠
(١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق
وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤٧٦، م:
٢٦٢٧].
٤٩٥٧ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً
أَوْ مَظْلُوماً)، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنْصُرُهُ مَظْلُوماً فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِماً؟
قَالَ: ((تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَذَاكَ نَصْرُّكَ إِيَّاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٥٢، م:
٢٥٨٤].
٤٩٥٨ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو
الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ.
وقد صحح في بعض النسخ بكسر اللام، فتكون (أن) مقدرة بعدها، فعلى هذا
تكون الفاء مقحمة فقط .
٤٩٥٧ - [١١] (أنس) قوله: (فذلك نصرك إياه) لأنك نصرته على النفس
والشيطان الذين بعثاه على الظلم وأمراه به.
٤٩٥٨ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (لا يظلمه) خبر في معنى الأمر، والظلم في
الأصل: وضع الشيء في غير موضعه، فيتناول الصغيرة والخصلة المباحة التي لا تليق
عرفاً، ولهذا قال العباس لعلي ئها في مرافعتهما قضية صدقة بني النضير إلى عمر ته:
اقض بيني وبين هذا الظالم، ولم ينكر أحد هذه الكلمة من عباس؛ لأنهم فهموا أنه
لا يريد حقيقتها، وهذه كلمة لا يراد بها حقيقتها في العرف في أمثال هذا المقام، وقيل :
إن عليًّا كان كالولد للعباس، وللوالد أن يقول لولده ما ليس لغيره، كذا في (مجمع
البحار)(١)، وحاشا عليًّا المرتضى أن ينسب إليه الظلم، رضي الله عنه وكرم وجهه.
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣ / ٤٩٨).