النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ (٢٥) كتاب الآداب ((هَلَّ قُلْتَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلاَمُ الأَنْصَارِيُّ؟)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٢٣]. ٤٩٠٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ قَالَ: ((مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَهُوَ كَالْبَعِيرِ الَّذِي رَدَى فَهُوَ يُنزَعُ بِذَنَبِهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٥١١٨]. المحاربين عند إظهار الشجاعة إذا أصابوا في ضربتهم أو طعنهم أن يقولوا بها على سبيل التهكم، أي: خذ هذه العطية مني، كذا قال الطيبي(١). أقول: ويمكن أن يكون التقدير: خذ هذه الضربة أو هذه البلية والمحنة، وأمثال ذلك، فلا يكون تهكماً. وقوله: (هلا قلت: وأنا الغلام الأنصاري) لأن مولى القوم منهم، كره رسول الله ◌َي الافتخار في هذا المقام بالنسبة إلى فارس وهم المجوس، وحضه أن يفتخر بالأنصار الذين هم شجعان الدين أنصار رسول الله صل﴿ ورضي الله عنهم، هذا ويحتمل أن الغلام حقر نفسه وتواضع بأني أنا الغلام الفارسي لا تعبؤون بهم(٢)، فعظمه رسول الله وَ ورفع قدره، وقال: بل أنت أنصاري؛ لأن مولى القوم منهم، فانسب نفسك إليهم، والله أعلم . ٤٩٠٤ - [١٢] (ابن مسعود) قوله: (من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردی فھو ینزع بذنبه) ردی في البئر کرمی: سقط، کتردّى، وردي کرضي: هلك، كذا في (القاموس)(٣)، قال الطيبي(٤): أي من أراد أن يرفع نفسه بنصر قومه على الباطل، (١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٤٢). (٢) كذا فى الأصل، والظاهر: ((لا تعبؤون به)). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٨٤). (٤) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٤٣). ٢٠٢ (١٣) باب المفاخرة والعصبية ٤٩٠٥ - [١٣] وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَع قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا الْعَصَبِيَّةُ؟ قَالَ: ((أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْمِ)). رَوَاهُ أَبَّو دَاوُدَ. [د: ٥١١٩]. ٤٩٠٦ - [١٤] وَعَنْ سُراقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ فَقَالَ: فهو كبعير سقط في بئر، فما يجدي عنه أن ينزع بذنبه وإن جهد كل الجهد، انتهى. فجعل المشبه بالبعير الناصرَ، وهو الظاهر من لفظ الحديث، وهكذا نقل صاحب (مجمع البحار)(١) عن (النهاية)(٢) حيث قال: أراد أنه وقع في الإثم وهلك، كبعير تردى في بئر وأريد نزعه بذنبه، فلا يقدر عليه . وذكر في بعض الحواشي أنه شبه القوم ببعير هالك؛ لأن من كان على غير حق فهو هالك، وشبه ناصرهم بذنب هذا البعير، فكما أن نزعه بذنبه لا يخلصه من المهلكة، كذلك هذا الناصر لا يخلصهم عن بئر الهلاك التي وقعوا فيها، انتهى. فكأنه جعل المشبه به هيئة منتزعة على وتيرة قوله سبحانه تعالى: ﴿ كَمَاءِ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ [يونس: ٢٤]، وهذا الوجه أظهر عندي في بيان معنى الحديث، والله أعلم. ٤٩٠٥ - [١٣] (واثلة بن الأسقع) قوله: (ما العصبية) أي: العصبية المذمومة يعاب ويذم بها الرجل، وقد تعارفت في هذا المعنى. ٤٩٠٦ - [١٤] (سراقة بن مالك) قوله: (ابن جعشم) بضم الجيم والشين المعجمة بينهما عين مهملة . (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢/ ٣٢٢). (٢) ((النهاية)) (٢/ ٢١٦). ٢٠٣ (٢٥) كتاب الآداب (خَيْرُكُمْ الْمُدَافِعُ عَنْ عَشِيرَّتِهِ مَا لَمْ يَأْثَمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [٥: ٥١٢٠]. ٤٩٠٧ - [١٥] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَصَبِيَّةً، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٢١]. ٤٩٠٨ - [١٦] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ نَ﴿ قَالَ: ((حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٣٠]. وقوله: (خيركم المدافع عن عشيرته) أي: يدفع الظلم. وقوله: (ما لم يأثم) أي: ما لم يظلم، ويقع بالمدافعة في الإثم والظلم، وهذا الحديث جامع لقسمي العصبية: المذموم والمحمود. ٤٩٠٧ - [١٥] (جبير بن مطعم) قوله: (ليس منا من دعا إلى عصبية) أي: مذمومة باطلة، سواء بدعاء الناس وجمعهم إليه، أو بالقتال فيها، أو بالموت عليها، بأن تكون مضمرة في قلبه وإن لم يدع ولم يقاتل. ٤٩٠٨ - [١٦] (أبو الدرداء) قوله: (حبك الشيء يعمي ويصم) أي: يجعلك أعمى عن رؤية معايبه، وأصمّ عن سماع قبائحه، والحديث محتمل، وإيراده في هذا الباب يدل على أنهم حملوه على ذم العصبية، وقد تكلم بعض المحدثين في هذا الحديث بأنه موضوع، وهو وهم منهم، بل رواه أبو داود وسكت، كذا ذكر الشيخ ابن حجر الهيتمي، أقول: وما سكت عنه أبو داود من الحديث فهو محتج به، فقيل : إنه حسن، وقيل: ضعيف ليس شديد الضعف كما حقق في موضعه. وهذا الحديث مما رواه إمامنا الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى في (مسنده)(١) (١) ((مسند أبي حنيفة)) (٣١). ٢٠٤ (١٣) باب المفاخرة والعصبية * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٩٠٩ - [١٧] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ كَثِيرِ الشَّامِيِّ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ، عَن امْرَأَةٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا: فَسِيلَةُ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِعَّ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَمِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ؟ قَالَ: ((لاَ، وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يَنْصُرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤ / ١٦٠، جه: ٣٩٤٩]. ٤٩١ - [١٨] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: ((أَنْسَابُكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَسَبَّةٍ عَلَى أَحَدٍ، كُلْكُمْ بَنُو آدَمَ. عن عبدالله بن أنيس، قال: ولدت في سنة ثمانين، وقدم عبدالله بن أنيس صاحب رسول الله وَث﴿ الكوفة سنة أربع وتسعين، فرأيته وسمعت منه وأنا ابن أربع عشرة سنة، سمعته يقول: سمعت رسول الله وسلم يقول: (حبك الشيء يعمي ويصم). الفصل الثالث ٤٩٠٩ - [١٧] (عبادة بن كثير) قوله: (من أهل فلسطين) في (القاموس)(١): فلسطين وفلسطون، وقد تفتح فاؤهما: كورة بالشام، وقرية بالعراق، تقول في حال الرفع بالواو، وفي النصب والجر بالياء، والنسبة فِلَسْطِيٌّ. ٤٩١٠ - [١٨] (عقبة بن عامر) قوله: (أنسابكم هذه ليست بمسبة) في (القاموس)(٢): المسبة بالفتح، وكُهُمَزَة: من يسب الناس، وقد فسر في بعض الحواشي (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٢٨). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٢). ٢٠٥ (٢٥) كتاب الآداب طَفُّ الصَّاعِ بِالصَّاعِ، لَمْ تَمْلَؤُوهُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلَّ بِدِينٍ وَتَقْوَّى، كَفَى بِالرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ بَذِيًّا فَاحِشاً بَخِيلاً)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [حم: ٤ / ١٥٨، شعب: ٤٧٨٣]. ١٤ - باب البروالصلة المسبة بمحل السب والعار أخذاً من السبة بالضم بمعنى العار. وقوله: (طف الصاع) بالنصب على أنه حال، وبالرفع على أنه بدل، أو خبر بعد خبر، والباء في (بالصاع) للملابسة، أي: ملابساً له مقابلاً به، وطف الصاع وطفافه بالفتح والكسر: قربه من أن يمتلئ ولم يمتلئ، والطفيف: القليل الغير التام، والتطفيف: النقصان في الكيل، أي: كلكم بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية التمام؛ لكونكم أولاد من هو مخلوق من التراب الذي لم يبلغ أن يملأ مكيالاً، كذا في (النهاية)(١). وقوله: (كفى بالرجل) التمييز محذوف، أي: نقصاناً. ١٤ - باب البر والصلة المراد بالبر هنا الإحسان إلى الوالدين، ضد العقوق، وهو الإساءة إليهما وتضييع حقوقهما، بر يبر فهو بارّ، وجمعه: بررة، وبَرٌّ وجمعه أبرار، والبر في أسمائه تعالى بمعنى العطوف على عباده ببره ولطفه، ولم يجئ في اسمه تعالى البار. وبالصلة الإحسان إلى النسب من أولي الرحم، فكأنه بالإحسان [إليهم] وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة . (١) ((النهاية)) (١٣٨/٣). ٢٠٦ (١٤) باب البر والصلة * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٩١١ - [١] عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: (أُمُّكَ)). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (أُّكَ)). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ (أُمُّكَ)). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((أَبُّوكَ))، الفصل الأول ٤٩١١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (بحسن صحابتي) الصحابة بالفتح مصدر بمعنى الصحبة، في (القاموس)(١): صحبه كسمعه صحابة ويكسر، وصحبه: عاشره، وهم أصحاب وأصاحيبُ وصُحبانٌ وصِحاب وصِحابة وصَحْبٌ. وقوله: (قال: أمك) بالرفع، وهو ظاهر، وقد يروى منصوباً؛ لأن من أحق بحسن صحابتي في معنى من أبره، وهو خلاف الظاهر، استدل به من قال للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، وذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع، وهذه تنفرد بها الأم، ثم تشارك الأب في التربية، كذا ذكر السيوطي، أخذ ذلك من تكرار حق الأم ثلاث مرات، والظاهر أن يكون تأكيداً ومبالغة في رعاية حق الأم وكونه أعظم من حق الأب، وذلك لتهاون أكثر الناس في حقها بالنسبة إلى الأب، ولا يكون تعييناً لحق الأم بكونه ثلاثة أضعاف ما للأب، وذلك لأن التربية من الأب أكثر وأشد كما لا يخفى، والمذكور في كتب الفقه أن حق الوالد أعظم من حق الوالدة، وبرها أوجب، كذا في (شرعة الإسلام)، قالوا: وإذا تعذر عليه جمع مراعاة حق الوالدين؛ بأن يتأذى أحدهما بمراعاة الآخر يرجح حق الأب فيما يرجع إلى التعظيم والاحترام، وحق (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٠). ٢٠٧ (٢٥) كتاب الآداب وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: (أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثمَّ أَدْنَكَ أَدْنَكَ)(١). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٧١، م: ٢٥٤٨]. ٤٩١٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنَفُهُ»، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا ثمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٥١]. ٤٩١٣ - [٣] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي .. الأم فيما يرجع إلى الخدمة والإنعام، كذا في (القنية). وقوله: (وفي رواية: أمك، ثم أمك، ثم أمك) في هذه الرواية منصوبة، وكذا (ثم أباك) بتقدير الناصب. وقوله: (ثم أدناك أدناك) أي: أقربك، وكرره تأكيداً واهتماماً. ٤٩١٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (أحدهما أو كلاهما) بالرفع في أكثر الأصول، وقد يروى بالنصب، وهو الأظهر، أي: أدرك عند الكبر أحدهما أو كليهما، ووجه الرفع أنه فاعل الظرف، أو التقدير بكبر، أو المدرك أحدهما أو كلاهما، أو يبلغ الكبر أحدهما أو كلاهما، وهذا أوفق بنظم القرآن، و﴿إِمَّايَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] وإن كان أبعد في الحديث، وفي رواية الترمذي: (رغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة). ٤٩١٣ - [٣] (أسماء بنت أبي بكر) قوله: (قدمت عليّ أمي) اسمها قيلة بنت عبد العزى، وأسماء وعائشة أختان من أب، وأم عائشة أم رومان يَّةً . (١) في نسخة: ((فأدناك)). ٢٠٨ (١٤) باب البر والصلة وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلَهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ صِلِيهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٢٠، م: ١٠٠٣]. ٤٩١٤ - [٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّه يَقُولُ: ((إِنَّ آلَ أَبِي فُلاَنٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ . وقوله: (في عهد قريش) أي: في المدة التي عاهدهم رسول الله وَّل على ترك القتال، وهو صلح الحديبية، والقصة مشهورة. وقوله: (وهي راغبة) في أكثر الروايات بالباء الموحدة أي: ترغب في الإسلام أو عن الإسلام، وهذا أنسب بالمقام وأوفق بالرواية الأخرى: (وهي راغمة)، أي: كارهة ساخطة للإسلام، وقيل: راغبة وطامعة في مال، وراغمة، أي: ذليلة ومحتاجة، فمعنى الروايتين واحد، والله أعلم. وفي الحديث دليل على وجوب نفقة الأب والأم الكافرين على الولد المسلم، وأن الإحسان إلى الكفار جائز. ٤٩١٤ - [٤] (عمرو بن العاص) قوله: (إن آل أبي فلان) هكذا جاء في الرواية، وقالوا: إنه ◌َّ صرح باسم فلان وكنى الراوي خوفاً من الفتنة وحذراً من ترتب المفسدة عليه، وفي بعض الأصول ترك بعد (أبي) بياضاً، ولم يذكر الاسم للعلة المذكورة، وقيل: المراد بأبي فلان أبو لهب، وقيل: أبو سفيان، وقيل: حكم بن العاص، وهذا أقرب، ولعل عمرو بن العاص لم يرد أن يذكر نفي الولاية والصلاح عنهم صريحاً وأن يظهر عيوب قومه، والله أعلم. وقوله: (بأولياء) أي: لا أوالي أحداً ولا أحبه لقرابة، وإنما أحب الله والصالحين من عباده . ٢٠٩ (٢٥) كتاب الآداب وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبِّلُّهَا بِلاَلِهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٩، : ٢١٥]. ٤٩١٥ - [٥] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ: ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وقوله: (وصالح المؤمنين) الظاهر أن المراد الجنس، وبه فسر قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَنهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤]. وقوله: (بيلالها) بكسر الباء وفتحها وقد يضم، بمعنى البلة، وقد جعل بعضهم الكسر جمع بلل، كجمل وجمال، في (القاموس)(١): البلل محركة، والبلة والبلال بكسرهما، والبلال بالضم: الندوة، وككتاب: الماء، ويثلث، وكل ما يبل به الحلق، ولما كانت الرطوبة والبلة سبب اتصال الأشياء، واليبوسة والجفاف موجب افتراقها، استعاروا البل لصلة الرحم واليبس لقطعها . وقال بعض الشارحين: شبه القطيعة بالحرارة والصلة بالماء الذي يطفئ تلك الحرارة، والمراد إعطاء شيء قليل يكفي للضرورة. ٤٩١٥ - [٥] (المغيرة) قوله: (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات) تخصيص الأمهات بالذكر إما لقوة حقوقها وغلبتها كما عرفت، أو لضعف قلوبهن، فيتأثرن ويتأذين بأدنى إيذاء، فالتوجيه في ذلك أهم وأوفر، أو لتقصير الأولاد في حقوقها، فالنهي عنه أهم وأعم، أو من جهة أن الكلام لعلة اتفق فيها، ولهذا جمع بين أشياء متفرقة غير متناسبة في الظاهر، والله أعلم. وقوله: (ووأد البنات) الوأد: دفن البنات حية كما كانوا يفعلون في الجاهلية، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٩١). ٢١٠ (١٤) باب البر والصلة وَمَنَعَ وَهَاتٍ، وَكَرَّهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُبِلَتْ جَ بِأَقِ ذَنْبٍ قُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨-٩]. وقوله: (ومنع وهات): (منع) على صيغة الماضي، ويروى بلفظ المصدر عبارة عن البخل والإمساك، و(هات) بمعنى آت - أمر من الإيتاء بمعنى الإعطاء - عبارة عن السؤال من الناس، وقيل: المراد المنع عن أداء الحقوق الواجبة في الأموال وأخذ ما لا يحل من أموال الناس، وقيل: بل منع جميع الحقوق الواجبة في الأموال وغيرها، وتكليف الناس بما لا يجب عليهم من الحقوق، وطلب ذلك منهم، ورعاية طريقة(١) الإنصاف والاعتدال فيها . وقوله: (وكره لكم قيل وقال) الرواية بتشديد الراء، وذكر الحرمة في الأول والكراهة في الثاني لشدة الإثم وقوته في الأول، ومع ذلك نبه بتشديد الراء على الشدة والكراهة قريباً من الحرمة، على أنه قد تجيء الكراهة بمعنى الحرمة، ففي العبارة تفنن، والله أعلم. و(قيل وقال) بفتح اللام على حكاية صيغة الفعل الماضي مع تضمنه الضمير على ما هو طريقة حكاية الجملة، وهي الرواية في الحديث، وقد يجري(٢) مجرى الأسماء بعدم اعتبار الضمير، فينونان أو يعرفان بالألف واللام، والمراد النهي عما هو عادة الناس في المجالسة من التحدث بفضول الكلام وأراجيفه من غير قصد إلى بحث وتحقيق، وقيل: المراد النهي عن الإكثار في الكلام المتجاوز عن الحد؛ فإنه يقسي القلب ويضيع الوقت. وقوله: (وكثرة السؤال) أراد بها كثرة السؤال عن أحوال الناس وتفتيشها والتجسس (١) كذا في الأصل، والظاهر: ((عدم رعاية طريقة ... )). (٢) كذا في الأصل، والظاهر: ((يجريان)). ٢١١ (٢٥) كتاب الآداب وَإِضَاعَةَ الْمَالِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٠٨، م: ٥٩٣]. ٤٩١٦ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَسُبُّ أَبَاهُ، ويَسُبُّ أُنَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ». مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٧٣، م: ٩٠]. عن أمورهم، أو كثرة السؤال في العلم للامتحان وإظهار الفضيلة والخصومة والجدال، أو كثرة سؤال النبي # الموجب لمشقته وتأذيه، والباعث على التضييق والتشديد في الأحكام، وقيل: أراد كثرة مسألة الناس أموالهم، ولا يفيد على هذا الوجه قيد الكثرة؛ فإنها منهي عنها مطلقاً كثيرة كانت أو قليلة من غير ضرورة، اللهم إلا أن يراد بالكثرة إشاعتها وتكثيرها؛ بأن تكون لضرورة أو لغيرها، وأيضاً النهي عن هات بإطلاقه شامل لهذا المعنى، فيلزم التكرار. وقوله: (وإضاعة المال) وهي إهلاك المال وإنفاقه على وجه الإسراف؛ فإن كان على وجه الحرام فظاهر، ويشمل عند التحقيق بعض المباحات أيضاً، كتشييد الأبنية وتزيينها وزخرفتها، ولبس الثياب الناعمة والأطعمة الشهية، وتزيين الأواني والسيوف بالفضة والذهب والجواهر، والانهماك في اللذات المباحة من غير اكتراث ومبالاة خارجاً عن حد الاعتدال، فإنها وإن كانت ترى مباحة في ظاهر الحكم لمن له وسعة ولا يضيع بها حقًّا واجباً، لكنها توجب القساوة وغلظ الطبع. ٤٩١٦ - [٦] (عبدالله بن عمرو) قوله: (فيسب أباه) فيلزم منه كأنه سب أباه بنفسه باعتبار السبب، وسب الأب كبيرة بأي وجه كان؛ لكونه عقوقاً، والعقوق كبيرة وإن لم يكن سب ذلك الرجل كبيرة؛ لكونه مما لم يوجب الحد، فافهم. ٢١٢ (١٤) باب البر والصلة ٤٩١٧ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٥٢]. ٤٩١٨ - [٨] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُيْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٨٦، م: ٢٥٥٧]. ٤٩١٩ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوَيِ الرَّحْمَنِ، . ٤٩١٧ - [٧] (ابن عمر) قوله: (بعد أن يولي) على صيغة المعلوم من التفعيل من ولى تولية: إذا أدبر، كتولى، وذلك إما بالموت أو الغيبة. ٤٩١٨ - [٨] (أنس) قوله: (وينسأ له في أثره) نسأه: أخره نسأ ومنسأة، كأنساه، فقوله: ينسأ على صيغة المجهول من النسأ أو الإنساء، و(الأثر) بقية الشيء وأثر الأقدام، والمراد هنا مدة العمر لبقائه؛ لأن أثر الأقدام إنما يكون للحي؛ فإذا مات لم يبق له أثر، وتأخير الأجل بالصلة إما بمعنى حصول البركة والتوفيق في العمر وعدم ضياع العمر فكأنه زاد، أو بمعنى أنه سبب لبقاء ذكره الجميل بعده، أو وجود الذرية الصالحة، كما يقال: الأولاد ولادة ثانية للرجل، والتحقيق أنها سبب لزيادة العمر كسائر أسباب العالم، فمن أراد الله زيادة عمره وفقه لصلة الأرحام، والزيادة إنما هي بحسب الظاهر بالنسبة إلى الخلق، وأما في علم الله فلا زيادة ولا نقصان، وهو وجه الجمع بين قوله مثلين: (جف القلم بما هو كائن)، وقوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُحْبِتٌ﴾ [الرعد: ٣٩]. ٤٩١٩ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (بحقوي الرحمن) الحقو معقد الإزار، وقد يطلق على الإزار أيضاً، وهو على عادة المستجير بأخذ ذيل المستجار، وإذا اشتد المراد ٢١٣ (٢٥) كتاب الآداب فَقَالَ: مَهْ؟ قَالَتْ: هَذَا مِقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: أَلاَ تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ! قَالَ: فَذَاكِ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٣٠، م: ٢٥٥٤]. ٤٩٢٠ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((الرَّحِمُ شَجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٩٨٨]. وأراد أن يضطر المستجار لإجارته أخذ بإزاره، أو معقد إزاره، شبهت الرحم بذلك الشخص المستجير، وقيل: أراد عظمة الله كما جاء في الحديث: (العظمة إزاري) أي: تتمسك بعظمته تعالی و کبریائه. وقوله: (فقال: مه؟) يحتمل أن يكون اسم فعل بمعنى اكفف، لكنهم حملوه على (ما) الاستفهامية أبدلت ألفه هاء، ولعل هذا أنسب بالمقام، فافهم. ٤٩٢٠ - [١٠] (عنه) قوله: (الرحم شجنة) الشجنة بتثليث المعجمة وسكون الجيم وبنون: عروق الشجر المشتبكة، والمعنى هنا أنها أخذ اسمها من اسم الرحمن فلها علقة به، كذا قال السيوطي(١)، كما جاء في حديث آخر: (أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققته اسماً لها من اسمي)، ولا يخفى أنه يمكن حملها على المعنى من غير إرادة الاسم واشتقاقه، فالمعنى أن الرحم مشتبكة ومتصلة بالرحمن تعالى، كما أشار إليه الطيبي (٢) في آخر الكلام حيث قال: والمعنى الرحم أثر من آثار رحمته مشتبكة بها، فافهم. (١) انظر: ((التوشيح شرح الجامع الصحيح)) (٣٦٣٨/٨). (٢) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٥٥). ٢١٤ (١٤) باب البر والصلة ٤٩٢١ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الرَّحِمُ مُعَلّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ الله). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٨٩، م: ٢٥٥٥]. ٤٩٢٢ - [١٢] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٨٤، م: ٢٥٥٥]. ٤٩٢٣ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو (١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِىءِ، . ٤٩٢١ - [١١] (عائشة) قوله: (الرحم معلقة بالعرش) قالوا: للرحم درجات بحسب القرب والبعد، فالأول: وهو الأخذ بحقوي الرحمن لأخص الأرحام، وهي التي تكون بواسطة الولادة؛ إذ الأخذ بحقوي الرحمن أبلغ في القرب، والثاني: وهو كونها شجنة من الرحمن دونها كالإخوة والأعمام، والثالث: دونها لأن التعلق بالعرش دون التعلق بالرحمن وبحقويه. ٤٩٢٢ - [١٢] (جبير بن مطعم) قوله: (لا يدخل الجنة قاطع) أي: قاطع الرحم، وقد تعارف إطلاق القطع في قطعها كالصلة في وصلها، وهذا تشديد وتهديد، وله تأويلات ذكرت في موضعه. ٤٩٢٣ - [١٣] (ابن عمرو) قوله: (ليس الواصل) أي: الواصل للرحم الذي (١) قال القاري (٧/ ٣٠٨٦): بالواو، وفي نسخة بلا واو. قال ميرك: الصحيح أن راوي هذا الحديث عبدالله بن عمرو بن العاص لا ابن عمر، والله أعلم. قلت: وكذا أسنده السيوطي في ((الجامع الصغير)) إلى ابن عمرو. ٢١٥ (٢٥) كتاب الآداب وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٩٩١]. ٤٩٢٤ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيْتُونَ إِلَيّ، وَأَخْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِقُّهُمُ الْمَلَّ، وَلاَ يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٥٨]. يكافئ ويجزي إحساناً فعل به، (ولكن الواصل) الكامل (الذي إذا قطعت) بالتشديد، وقيل: بالتخفيف (وصلها) كما ورد في مكارم الأخلاق: (صل من قطعك، واعف عمن ظلمك، وأعط من حرمك). ٤٩٢٤ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (لئن كنت كما قلت) أي: كنت تفعل كما تقول، وفيه: إشارة إلى أن ذلك أمر بعید. وقوله: (فكأنما تسفهم) بضم تاء وكسر سين وتشديد فاء، أي: تطعمهم (المل) بفتح الميم، وهو الرماد الحار الذي يحمى، من سَفِفت الدواء وأسففته غيري، وهو السفوف - بالفتح - أي: قمحته، أو أخذته غير مَلتُوتٍ، كذا في (القاموس)(١). ونقل عن (المغرب)(٢): سف الدواء والسويق وكلَّ شيء يابس: أَكَلَه، من باب علم، شبه ما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكله من الألم، أي: إحسانك إليهم كالملّ تحرق أحشاءهم، وقيل: عبارة عن التحقير والإخزاء، أي: أنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم، فصاروا كمن سف المل، وقيل: معناه إذا لم يشكروا (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٥٦)، وانظر: ((النهاية)) (٢/ ٣٧٥). (٢) ((المغرب)) (٣/ ٥٤). ٢١٦ (١٤) باب البر والصلة * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٤٩٢٥ - [١٥] عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لاَ يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّ الدُّعَاءُ، وَلاَ يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّ الْبِرُّ،. كان عطاؤك حراماً عليهم، وناراً في بطونهم، وقيل: من أسففت الوشم، وهو أن يغرز الجلد بإبرة، ثم تحشى الْمَغَارِز كُحلاً، فالمعنى تجعل وجوههم كلون الرماد، وفي الحديث: أتي برجل فقيل: إنه سرق، فكأنما أسف وجهه ◌َّ، أي: لأجل إظهار سرقته وعدم سترها والإغضاء عنها؛ لأنه شارع لا بد أن يحكم بقطع يده، فالمناسب على المسلمين ستر عيوب الناس ودرء الحدود مهما أمكن. الفصل الثاني ٤٩٢٥ - [١٥] (ثوبان) قوله: (لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر) القدر: عبارة عما قضاه الله وحكم به من الأمور، وهو مصدر قدر يقدر، وقد سبق تحقيق معناه في أول الكتاب، ومعنى رد الدعاء القدر سببيته له بجعل الله، وذلك أيضاً تقدير، كالأدوية الطبية للشفاء، والأعمال لدخول الجنة والنار، وسائر أسباب العالم، فالأمور التي قدر الله دفعها بالدعاء لا يردها إلا الدعاء، ونقل الطيبي (١) عن أبي حاتم السجستاني: أن دوام المرء على الدعاء يطيب له ورود القضاء ويسهله عليه، فكأنما رده، ويختلج في صدري أنه يمكن أن يكون المراد المبالغة في تأثير الدعاء ومدحه وفضله بأنه لا يرد القضاء والقدر شيء، ولو رده شيء لكان هو الدعاء، على وتيرة قوله وَيلر: (لو سابق الأقدار شيء لسبقته العين)، والله أعلم. وكذا قوله: (ولا يزيد في العمر إلا البر) قد سبقت له توجيهات أيضاً. (١) ((شرح الطيبي)) (٩/ ١٥٧). ٢١٧ (٢٥) كتاب الآداب وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُّهُ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٩٠]. وأما قوله: (وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) فأوله بعضهم بأن المراد رزق الآخرة، وهو ثوابها، وبعضهم حملوه على رزق الدنيا من المال والصحة، ثم استشكلوا ذلك لما يشاهد من حال الكفار والفساق في كثرة الأموال ووجود الصحة أكثر مما للصلحاء من المؤمنين، وأجابوا بأن المراد حرمان صفاء الوقت، وطيب العيش، وفراغ البال في الرزق الحاصل للمتقين بموجب قوله تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتُحْبِيَنَّهُ، حَيَوَةً طَيِّبَةٌ ﴾ [النحل: ٩٧] بخلاف أهل الفسق والفجور؛ فإن في عيشهم كدرة من جهة هَمّ الدنيا وتعلق القلب بتحصيلها وحفظها، والحزن على خوف فواتها كما أشار إليه قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ. مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: ١٢٤]، وإن كان مؤمناً فكر في سوء عاقبة الذنب، وتكدر في صفاء رزقه و طیب عیشه . وقيل: إن هذا مخصوص ببعض المذنبين من المسلمين ممن أراد الله تعالى أن يدخله الجنة بلا عذاب يلحقه بذنبه في الآخرة، فيعاقبه بذنبه في الدنيا، بأن يصيبه عقيب ذنب ارتكبه فقر أو مرض أو ضيق أو غير ذلك، ثم يلهمه أن هذا بشؤم ذنبه، فيتنبه ويتوب عنه، أو من أراد الله أن يرفع درجته في الآخرة فيعذبه بسبب ذنبه، فيصفيه من الذنوب في الدنيا. والحاصل أن المؤمن إذا أذنب عاقبه الله بحرمان الرزق، وهو عناية ولطف خفي من الله في حقه؛ ليمحص ذنوبه ويرفع درجاته، وأما من لم يعنه ولم يلطف به فيتركه وذنوبه، وفيه مكر واستدراج منه تعالى، وقد كنت يوماً في خدمة شيخي وسيدي الشيخ موسى الحسني الجيلاني رحمة الله عليه، فاتفق ذكر حديث: (الصُّبْحَة (١) تمنع (١) وهي النوم أول النهار؛ لأنه وقت الذكر، ثم وقت طلب الكسب. ((النهاية)) (٣/ ٧). ٢١٨ (١٤) باب البر والصلة ٤٩٢٦ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ فِيهَا قِرَاءَةً فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: حَارِثَةُ بْنُ الُّعْمَانِ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ، كَذَلِكُمُ الْبِرُ))، وَكَانَ أَبََّ النَّاسِ بِأُمَّهِ. رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ»، وَالْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: ((نِمْتُ فَرَأَيْتُنِيْ فِي الْجَنَّةِ)) بَدْلَ ((دَخَلْتُ الْجَنَّةَ)). [شرح السنة: ٣٤١٨، شعب: ٧٤٦٧]. الرزق)(١)، فقلت: يا سيدي كيف هذا وقد نرى أكثر أبناء الزمان مبتلى بهذه الخطيئة وهم مرزوقون أكثر من غيرهم؟ فسكت الشيخ وأطرق مليًّا، ثم رفع رأسه وقال: يا هذا! يعلم من ذلك أن أصل الإيمان قلع من أراضي قلوبهم؛ لأن هذه الأجزية والعقوبات إنما هي في شأن المؤمنين لينتهوا ويكفوا عن سيئاتهم، وأما الكافرون فمتروكون على ما هم عليه لعدم توقع انتباههم؛ لأنه طبع على قلوبهم، كالمريض الذي يرجى شفاؤه يحمى ويمنع من تناول ما يضره، وأما المريض الذي لم يبق له رجاء وتوقع في شفائه، فيترك على ما هو عليه، يتناول ما شاء؛ لليأس عن عوده إلى الشفاء، كذلك هؤلاء لم يبق فيهم إيمان وعود، فتركوا على ما هم عليهم، نسأل الله العافية، ونعوذ بالله من غضب الله . ٤٩٢٦ - [١٦] (عائشة) قوله: (كذلكم البر) إشارة إلى ما ذكر من الدرجة العليا، أي: مثل ذلك جزاء البر، أي: بر الوالدين، والبر يستعمل في بر الوالدين كالصلة في صلة الأرحام كما قلنا، وهذا قول الرسول وَلو بدليل خطاب الجمع، إذ لو كان قول الملائكة لقيل ذلك خطاباً له وَل﴾، ولما كان هنا محل أن يقال: إن البر يشترك فيه كثير من الناس قال: (وكان أبر الناس بأمه) والزيادة في (أبر) إضافية على (١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٤٠٢). ٢١٩ (٢٥) كتاب الآداب ٤٩٢٧ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((رِضَا الربِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسُخْطُ الرَّبِّ فِي سُخْطِ الْوَالِدِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٨٩٩]. ٤٩٢٨ - [١٨] وَعَنْ أَبِىِ الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَجُلاً أَنَاهُ فَقَالَ: إِنَّ لِ امْرَأَةً وَإِنّ أُمِّي تَأْمُرُّنِي بِطَلَاَقِهَا؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: (الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَحَافِظْ عَلَى الْبَابِ أَوْ ضَبِّحْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه. [ت: ١٩٠٠، جه: ٣٦٦٣]. ما هو المتعارف في مثل هذه العبارة، ويمكن أن تكون حقيقية، ولم يكن أحد مثله في البر، علم ذلك النبي ◌َّ بالوحي، والله أعلم. ٤٩٢٧ - [١٧] (عبدالله بن عمرو) قوله: (رضا الرب في رضا الوالد) وكذلك الوالدة بطريق الأولى لزيادة حقها، وقيل: الوالد هنا صيغة النسبة، فيشمل الأم، وتخصيص ذكر اسم الرب بالذكر من أسمائه تعالى أنسب هنا؛ لوجود معنى التربية في الوالد. وقوله: (وسخط الرب) السخط بالضم وكعنق وجبل: ضد الرضا، وسخط كفرح، كذا في (القاموس)(١)، وفي (النهاية)(٢): السخط بالفتح والضم: الكراهة للشيء وعدم الرضا به، والرواية بفتحتين. ٤٩٢٨ - [١٨] (أبو الدرداء) قوله: (الوالد أوسط أبواب الجنة) أي: خيرها وأفضلها، أي: أن للجنة أبواباً وأحسنها دخولاً أوسطها، وإن سبب دخول الجنة من (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦١٧). (٢) ((النهاية)) (٢/ ٣٥٠). ٢٢٠ (١٤) باب البر والصلة ٤٩٢٩ - [١٩] وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ أَبَّ؟ قَالَ: ((أُمَّكَ)) قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (أُمَّكَ)) قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((أُمَكَ) قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((أَبَاكَ، ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٨٩٧، د: ٥١٣٩]. ٤٩٣٠ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ إِلَّه يَقُولُ: ((قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعالَى: أَنَا اللهُ، وَأَنَ الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَفَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتُّهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٩٤]. ذلك الباب هو محافظة حقوق الوالدين ورضاهما عنك، ولا بد من حمل الوالد على صيغة النسبة؛ لأن الكلام هنا في الأم قصداً، ويبعد ذكرها تبعاً كما في الحديث السابق. ٤٩٢٩ - [١٩] (بهز بن حكيم) قوله: (وعن بهز) بفتح الموحدة وسكون الهاء في آخره زاي. وقوله: (من أبر) على صيغة المتكلم، و(من) مفعوله المقدم، وهذا مثل الحديث المذكور في أول الباب، و(أمك) هنا منصوب قطعاً على المفعولية. ٤٩٣٠ - [٢٠] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (بتتّه) البت: القطع، ومنه تأكيد الفعل بقولهم: البتة مصدراً مؤكداً لغيره، مثل قولهم: زيد قائم الحق، اعلم أني سمعت أحداً من أهل العلم ينقل عن أستاذه أنه قال: إن قول الناس: افعل هذا الأمر البتة ينبغي أن يقرأ إما بالتاء مخففاً بفك الإدغام أو بدونها مدغماً، أما مع التاء مشدداً فخطأ، انتهى . فقلت له: لم لا يجوز أن يكون مع التاء مدغماً، بأن تكون التاء للوحدة التي