النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(٢٥) كتاب الآداب
٤٨٨٢ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللهِبْنِ عَامِرٍ قَالَ: دَعَتْنِي أُمِّي يَوْماً وَرَسُولُ اللهِوَيول
قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ: ((مَا أَرَدْتِ
أَنْ تُعْطِيْهِ(١)؟)) قَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ أُعْطِيَهُ تَمْراً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَمَا إِنََّكِ
لَوْ لَمْ تُعْطِيْهِ شَيْئاً كُتِبَتْ عَلَيْكِ كَذْبَةٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبٍ
الإِيمَانِ)). [د: ٤٩٩١، شعب: ٤٤٨٢].
بالوعد ليس بواجب شرعي، بل هو من مكارم الأخلاق بعد أن كانت نيته الوفاء، وأما
جعل الخلف في الوعد من علامات النفاق كما مر في أول الكتاب، فمعناه الوعد على
نية الخلف، وقيل: الخلف في الوعد من غير مانع حرام، وهو المراد هنا، وكان
الوفاء بالوعد مأموراً به في الشرائع السابقة أيضاً.
٤٨٨٢ - [٥] (عبدالله بن عامر) قوله: (ها تعالَ أعطك): (ها) حرف تنبيه،
و(تعال) اسم فعل بمعنى جىء، و(أعطك) جواب الأمر مجزوم بحذف الياء، وقد
يروى بإثبات الياء على الاستئناف.
وقوله: (كتبت عليك كذبة) فيه أن ما يتفوّه به الناس للأطفال عند البكاء مثلاً
بكلمات هزلاً أو كذباً بإعطاء شيء أو بتخويف من شيء حرام داخل في الكذب.
وأما قوله وَير: (لو لم تعطيه شيئاً) مع أنها أرادت أن تعطيه تمراً، فالظاهر أن
يقال: لو لم تعطيه تمراً نظراً إلى ظاهر الإطلاق في قوله: أعطيك؛ لأن قولها: (أردت
أن أعطيه تمرا) كان عذراً محضاً عن سؤاله ويّيه: (ما أردت أن تعطيه؟)، والظاهر أنها
أرادت تسلية الولد هزلاً من غير إرادة إعطاء شيء معين كما هو العادة، والله أعلم.
وقوله: (أن تعطيه) بجزم الياء أصله: تعطينه.
(١) بسكون الياء؛ لأنه صيغة المخاطبة، وعلامة نصبها حذف النون.

١٨٢
(١٢) باب المزاح
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٨٨٣ - [٦] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((مَنْ وَعَدَ رَجُلاً
فَلَمْ يَأْتِ أَحَدُهُمَا إِلَى وَقْتِ الصَّلاَةِ وَذَهَبَ الَّذِي جَاءَ لِيُصَلِّيَ، فَلاَ إِثمَ
عَلَيْهِ)). رَوَاهُ رَزِينٌ.
١٢- باب المزاح
الفصل الثالث
٤٨٨٣ - [٦] (زيد بن أرقم) قوله: (من وعد رجلاً فلم يأت أحدهما إلى وقت
الصلاة وذهب الذي جاء ليصلي، فلا إثم عليه) صورته تواعد رجلان بحضورهما
واجتماعهما في مكان مثلاً، فجاء أحدهما ولم يجىء الآخر، فانتظر الذي جاء للذي
لم يجئ إلى وقت الصلاة، ثم ذهب إلى الصلاة، ثم جاء الآخر ولم يجده، لا يكون
هذا خلفاً في الوعد؛ لأن الذهاب للصلاة ضروري وعذر صحيح.
نعم ينبغي له أن ينتظر إلى وقت الصلاة؛ فإن لم ينتظر إلى هذا الوقت يكون
خلفاً، اللهم إلا أن يعترض مانع آخر، فذلك شيء آخر، وبدونه وجب التوقف إلى
وقت الصلاة، فافهم.
١٢ - باب المزاح
في (القاموس)(١): مزح كمنع، [يمزح] مزحاً ومُزاحاً ومُزاحة بضمهما، وهما
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٣٣).

١٨٣
(٢٥) كتاب الآداب
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٨٨٤ _ [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ
لِأَخِ لِي صَغِيرٍ: ((يَا أَبَّا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ الُغَيْرُ؟)) كَانَ لَهُ(١) نُغَيْرٌ يَلْعَبُ بِهِ فَمَاتَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٢٩، م: ٢١٥٠].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٨٨٥ - [٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا، ..
اسمان: دعب، ومازحه ممازحة ومِزاحاً، وفي (الصراح)(٢): مزح: لاغ كردن، من
باب فتح يفتح، والاسم المزاح بالضم، وبالكسر المصدر.
الفصل الأول
٤٨٨٤ - [١] (أنس) قوله: (ما فعل النغير؟) بالغين المعجمة على لفظ التصغير،
وواحده نغرة كهمزة، وفي الحديث جواز تصغير الأسماء، وتكنية الصغار، ورعاية
السجع في الكلام، وإباحة لعب الصبي بالطيور إذا لم يعذبه، وإباحة صيد المدينة
كما هو مذهب الحنفية من أن المدينة ليس بحرم، وإنما سمي حرماً بمعنى الاحترام
والتعظيم، لا حرمة الصيد والكلأ ولزوم الجزاء، لكن الدلالة على الأخير محل خفاء،
فلعله صيد من خارج المدينة وحد حرمها، والله أعلم.
الفصل الثاني
٤٨٨٥ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (إنك تداعبنا) وفي نسخة: (لتداعبنا)، دعب
(١) في نسخة: ((وله نغير)).
(٢) ((الصراح)) (ص: ١١٠).

١٨٤
(١٢) باب المزاح
قَالَ: ((إِنِّي لاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقًّ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٩٩٠]
٤٨٨٦ - [٣] وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ رَجُلاً اسْتَحْمَلَ رَسُولَ اللهِنَّهِ فَقَالَ: ((إِنِّي
حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ؟)) فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَمِ:
((وَهَلْ تَلِدُ الإِبِلَ إِلَّ الُّوقُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٩٩١، د:
٤٩٩٨].
٤٨٨٧ - [٤] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ لَهُ: ((يَا ذَا الأُذُنَيَّنِ)). رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٥٠٠٢، ت: ١٩٩٢].
كمنع: مزح، وداعبه: مازحه، والدعابة بالضم: اللعب، رجل دعّابة مشدداً، ودعب
ككتف، وداعب: لاعب، كذا في (القاموس)(١).
قوله: (لا أقول إلا حقًّا) وإن كان في صورة الباطل عند من لا يفهم حقيقة
المقصود، وبهذا يحصل الطيبة والمزاح، وهذا هو الضابط في هذا الباب، ومع ذلك
ينبغي أن لا يكون فيه إيذاء للصاحب، ولا يعتاد ذلك؛ فإنه يذهب بالمهابة والوقار.
٤٨٨٦ - [٣] (أنس) قوله: (ما أصنع بولد الناقة؟) لما كان المتعارف عند
العامة في بادئ الرأي استعمال ولد الناقة فيما كان صغيراً لا يصلح للركوب، وإنما
يقال للصالح: الإبل، توحش الرجل على فهمه المعنى، فأشار ال# بأن ذلك صادق
في الحقيقة .
٤٨٨٧ - [٤] (وعنه) قوله: (يا ذا الأذنين) كل إنسان صاحب الأذنين، ولكنه
يفهم من ظاهر أداء هذه العبارة أن هذه صفة خاصة غريبة أسندت إليه لا توجد في
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩١).

١٨٥
(٢٥) كتاب الآداب
٤٨٨٨ - [٥] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ لإِمْرَأَةٍ عَجُوزٍ: ((إِنَّهُ لاَ تَدْخُلُ
الْجَنَّةَ عَجُوزٌ))، فَقَالَتْ: وَمَا لَهُنَّ؟ وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ. فَقَالَ لَهَا: ((أَمَا
تَقْرَئِينَ الْقُرْآنَ؟ ﴿إِنَّا أَنشَأْنَهُنَّ إِنشَاءَ ن ◌َعَلْنَهُنَّأَبْكَارًا ﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٦])). رَوَاهُ
رَزِينٌ. وَفِي ((شَرْح السُّنَّةِ)) بِلَفْظِ ((الْمَصَابِيح)). [شرح السنة: ٣٦٠٦].
٤٨٨٩ - [٦] وَعَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانَ اسْمُهُ زَاهِرَ بْنَ حَرَامِ،
وَكَانَ يُهْدِيْ لِلنَّبِيِ نَّهِ مِنَ الْبَادِيَةِ، فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللهِ وَه
غيره، فيكون مزاحاً بهذا الاعتبار، وقيل: هذا مدح منه وَّ لأنس به بتيقظه في
الاستماع، أو تنبيه له على أنه ينبغي أن يكون مستيقظاً؛ لأن من أعطاه الله آلتين مع
كفاية واحدة منها في أصل الغرض ينبغي أن يكون كذلك.
٤٨٨٨ - [٥] (وعنه) قوله: (لامرأة عجوز) في (القاموس) (١): العجوز: الشيخ
والشيخة، ولا تقول: عجوزة، أو هي لغة رديئة، والجمع العجائز والعجز، وقيل:
العجوز هنا هي صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله وسي﴿ أمّ الزبير بن العوام، والله
أعلم.
وقوله: (بلفظ ((المصابيح))) وهو روي أنه وسلم قال لعجوز: (إن الجنة لا تدخلها
العجز)، فولّت تبكي، قال: (أخبروها بأنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى
قال: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَهُنَّ إِنشَاءُ ◌ّ ◌َعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا ﴾ [الواقعة: ٣٥ -٣٦]).
٤٨٨٩ - [٦] (وعنه) قوله: (يهدي من البادية) أي: بما يوجد فيها من الثمار
والنباتات والبقول.
وقوله: (فيجهزه رسول الله وَله): أي: يعدّ ما يحتاج إليه في البادية من أمتعة
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٧٨).

١٨٦
(١٢) باب المزاح
إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ زَاهِراً بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ»،
وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُحِبُّهُ، وَكَانَ دَمِيماً، فَأَتَى النَّبِيُّ ◌َهِ يَوْماً وَهُوَ يَبِيِعُ مَتَاعَهُ،
فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لاَ يُبْصِرُهُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ
النَّبِيَّ ◌َّهِ، فَجعل لاَ يَأْلُواْ مَا أَلْزَقَ ظَهْرَهُ.
البلدان، وتجهيز الغازي تحميله، وإعداد ما يحتاج إليه في غزوه، ومنه تجهيز
الميت والعروس، قال الكرماني(١): الجهاز بفتح جيم وكسرها: ما يحتاج إليه في
السفر، وفي (القاموس)(٢): جهاز الميت والعروس والمسافر بالكسر، والفتح:
ما يحتاجون إليه .
وقوله: (إن زاهراً باديتنا) أي: ساكن في باديتنا، وفي بعض النسخ: (بادينا)،
والبادي: المقيم بالبادية، وهو أظهر من الأول، كذا في (شرح الشمائل).
وقوله: (ونحن حاضروه) الحاضر المقيم في المدن، من الحضر مقابل السفر،
والمعنى: إنا نستفيد منه ما يستفيد الرجل من باديته من أنواع النباتات، ونحن نعدّ له
ما يحتاج إليه من البلد، و(الدميم) بالدال المهملة، أي: قبيح الوجه، الدمامة بالفتح:
القصر والقبح.
وقوله: (فاحتضنه) أي: أخذه في حضنه، والحضن بالكسر: ما دون الإبط
إلى الكشح، أو الصدرُ، والعضدان وما بينهما، كذا في (القاموس)(٣).
وقوله: (فجعل) أي: طفق (لا يألو ما ألزق) (ما) مصدرية.
(١) ((شرح الكرماني)) (١٥ / ١١٧).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٧٠).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٩٧).

١٨٧
(٢٥) كتاب الآداب
بِصَدْرِ النَّبِّ ◌َهِ حِينَ عَرَفَهُ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ◌َّه يَقُولُ: ((مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟))
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِذاً وَاللهِ تَجِدُنِي كَاسِداً، فَقَالَ النَّبِيُّ وَهِ: ((لَكِنْ عِنْدَ اللهِ
لَسْتَ بِكَاسِدٍ)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ). [شرح السنة: ٣٦٠٤].
٤٨٩٠ - [٧] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّه
فِي غَزْوَةٍ ثَبُّوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَسَلَّمْتُ، فَرَ عَلَيَّ وَقَالَ: ((ادْخُلْ)، فَقُلْتُ:
أَكُلِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (كُلُّكَ)) فَدَخَلْتُ، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي العَاتِكَةِ:
إِنَّمَا قَالَ: أَدْخُلُ كُلِّي مِنْ صِغَرِ الْقُبَّةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٠٠].
٤٨٩١ - [٨] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى
. . ..
النَّبِيِّ نَّهِ فَسَمِعَ صَوْتَ عَائِشَةَ عَالِياً، فَلَمَّا دَخَلَ تَنَاوَلَهَا لِيَلْطِمَهَا
وقوله: (كاسداً) في (القاموس)(١): كسد كنصر وكرم، كساداً وكسوداً: لم ينفق،
فهو كاسد وكسيد، والكسيد: الدون.
٤٨٩٠ - [٧] (عوف) قوله: (فقلت أكلي) أي: التقدير أدخل كلي، فهو مرفوع،
وعلى هذا قوله: (كلك) أيضاً مرفوع، أي: يدخل كلك، أو تقديره: أدخل من الإفعال
فهو منصوب .
وقوله: (كلك) أيضاً منصوب، أي: أدخل كلك، كذا قال بعض الشارحين،
وفيه أنه كما كان رسول الله قال# يمازح الصحابة كذلك كانوا يمازحونه.
٤٨٩١ - [٨] (النعمان) قوله: (ليلطمها) اللطم: ضرب الخد بالكف، وهو
منهي عنه، ولعل هذا كان قبل النهي، أو وقع ذلك من أبي بكر لغلبة الغضب، وهو نظراته
(١) («القاموس المحيط)) (ص: ٢٩٨).

١٨٨
(١٢) باب المزاح
وَقَالَ: لاَ أَرَاكِ تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللهِوَّهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَحْجُزُهُ،
وَخَرَجَ أَبَّوْ بَكْرٍ مُغْضَباً، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ حِينَ خَرَجَ أَبَّو بَكْرٍ: «كَيْفَ رَأَنْتِي؟
أَنْقَذْتُكِ مِنَ الرَّجُلِ))، قَالَ(١): فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَتَّاماً، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ فَوَجَدَهُمَا
قَدِ اصْطَلَحَا (٢)، فَقَالَ لَهُمَا: أَدْخِلاَنِي فِي سِلْمِكُمَا كَمَا أَدْخَلْتُمَانِي فِي
حَرْبِكُمَا، فَقَالَ النَّبِىُّ ◌َهِ: ((قَدْ فَعَلْنَا، قَدْ فَعَلْنَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د:
٤٩٩٩].
٤٨٩٢ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِّ ◌ِ﴿ قَالَ: ((لاَ تُمَارِ أَخَاكَ،
وَلاَ تُمَازِحْهُ،
أراد ولم يلطم، وفي (القاموس)(٣): اللطم: ضرب الخد أو صفحة الخدّ بالكف،
فارتفع الإشكال.
وقوله: (مغضباً) بفتح الضاد؛ أي: أغضبته عائشة برفع صوتها على النبي ◌َّر.
وقوله: (كيف رأيتني؟ أنقذتك من الرجل) لعل معنى المزاح في المطايبة في
هذا، ولهذا عبر عن أبي بكر بالرجل، فهو وَل﴿ أبعده عنها تطبيباً وممازحة، ولم يقل:
عن أبيك، أو عدم التعبير بالأب؛ لأن ظاهر عنوان الأبوة ينافي الضرب.
وقال الطيبي(٤): المراد الرجل الكامل في الرجولية؛ لأنه غضب لله ولرسوله.
٤٨٩٢ - [٩] (ابن عباس) قوله: (ولا تمازحه) أي: بما يؤذيه.
(١) في نسخة: ((قالت)).
(٢) في نسخة: ((اضطجعا)).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٦٧).
(٤) (شرح الطيبي)) (٩ / ١٣٢).

١٨٩
(٢٥) كتاب الآداب
وَلاَ تَعِدْهُ مَوْعِداً فَتُخْلِفَهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت:
١٩٩٥].
١٣ - باب المفاخرة والعصبية
وقوله: (ولا تعده موعداً) الظاهر أن المصدر للتأكيد، وحمله على النوع كما
فعله الطيبي(١) تكلف.
١٣ - باب المفاخرة والعصبية
في (القاموس)(٢): الفخر والفَخار والفَخارة بفتحهما: التمدح بالخصال
كالافتخار، فخر كمنع فهو فاخر وفَخور، وتفاخروا: فخر بعضهم على بعض، فاخره
مفاخرة وفخاراً: عارضه بالفخر ففخره، كنصره: غلبه، كالافتخار، وفخره [عليه]:
فَضَّله علی غیره، کأفخره علیه، انتهى.
وعلم من هذا أن ليس المراد بالمفاخرة في قول المؤلف معناه، أعني المعارضة
بالفخر، بل معنى الفخر، وهو التمدح بالخصال، والمفاخرة إن كان في حق ومصلحة
دينية وشكر نعمة وتحديثاً بنعمة الرب تعالى ولإظهار الجلادة على أعداء الدين فهو
جائز، وقد جاء عن بعض الصحابة وغيرهم من أهل الدين، وإن على وجه التكبر
والنفسانية فهي مذمومة .
والعصبية كون الرجل عصبيًّا، وهو الذي يعصب ويحامي ويغضب لعصبته،
(١) (شرح الطيبي)) (٩ / ١٣٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٢٣).

١٩٠
(١٣) باب المفاخرة والعصبية
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٨٩٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: أَيُّ النَّاسِ
أَكْرَمُ؟ قَالَ: ((أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللهِ أَنْقَاهُمْ))، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ:
(فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِابْنُ نَبِيِّ اللّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللهِ»، قَالُوا:
لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُك، قَالَ(١): ((فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِّي؟».
والعصبة: قوم الرجل الذين يتعصبون له، وغلب في الأقارب من جهة الأب، وفي
الفرائض: الذي لم يكن له فريضة مسماة يأخذ من الفرض، والتعصيب: التشديد، ومنه
العصب لأطناب المفاصل لشدتها، والرجل يشتد بعصبته ويتقوى بهم، والمتعصب
من يأتي بالعصبية أي: الحماية لقومه والغضب لهم، ويقال لمن يجادل بشدة في
مذهب لإظهاره القوة فيه، أو لأن أعصابه تنتفخ فيه، والعصبية أيضاً إن كانت بحق
فهي مستحسنة كما سيجيء في الحديث: (خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم)،
وإن كانت ظلماً من غير حق فهي مذمومة، وقد تعارف إطلاقها في هذا القسم الأخير
كما سئل النبي وسلّ ما العصبية؟ قال: (أن تعين قومك على الظلم) كما سيأتي.
الفصل الأول
٤٨٩٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (سئل رسول الله ولفي: أيّ الناس أكرم؟)
الحديث، تقريره على ما ذكره الطيبي أنهم إن أرادوا السؤال عن الأكرم عند الله تعالى
ذاتاً من غير اعتبار للانتساب إلى الآباء وافتخار بخصائلهم وخصائل نفسه فجوابه أنه
الأتقى، فإن أريد تحقيقاً لم يكن إلا فرداً إلا واحداً، وما هو إلا رسول الله صل * الذي
هو أكرم الأكرمين بعد الله وثّق، وإن أريد إضافيًّا يكون متعدداً، فكل من هو أتقى من
(١) في نسخة: ((فقال)).

١٩١
(٢٥) كتاب الآداب
قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ((فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِنَِّ خِيَارُكُمْ فِي.
القوم أو من فرد يكون أكرم منه، وإن أرادوا الأكرم حسباً ونسباً، والحسب ما يعده
الرجل ويفتخر به من الفضائل الشريفة والخصائل الحميدة توجد فيه وفي آبائه،
فأجاب ◌َ ل أنه يوسف عليه وعلى آبائه التحية والسلام؛ لأنه اجتمع له شرف النبوة،
والعلم والجمال، والعفة وكرم الأخلاق، وكرم الآباء والعدل، ورياسة الدنيا والدين،
وشرف النسب؛ لأنه نبي من نبي، رابع أربعة في النبوة، وإن أرادوا الأكرم من حيث
الحسب والفضائل التي يعد ويفتخر من غير اعتبار التقوى والنسب، وهو المراد بمعادن
العرب، أي: ذواتهم ورجالهم الذين يفتخرون بفضائلهم لقوله وَله: (الناس معادن
كمعادن الذهب والفضة)، فسألوا أيهم أكرم؟ فأجاب بأن أكرمهم وخيارهم الذين كانوا
كذلك في الجاهلية؛ لأنهم إنما كانوا رؤساءهم وكبراءهم في الجاهلية لأجل صفات
عظيمة تميزوا وتفوقوا بها على غيرهم، غير أنهم كانوا مظلمين بظلمات الجهل والكفر،
منغمسين في مقتضيات أهوائهم وشهواتهم، فلما آمنوا واتصفوا بالعلوم الشرعية
والأخلاق الإيمانية ذهبت ظلماتهم وتبدلت صفاتهم العارضة على ذواتهم، وتولى
الله تعالى أمرهم وأخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين لم يؤمن منهم تركه الله
في ظلمات لا يبصرون، كالمعادن بعضها من الفضة وبعضها من الذهب وبعضها من
الحديد مثلاً متميزة بأصول ذواتها، غير أنه قد يكون الذهب أو الفضة مختلطاً بالتراب
والمواد الكثيفة، فيذاب وينقى عن الكدورات والكثافات فيصير خالصاً نقيًّا، فافهم،
وبالله التوفيق.
ثم إنه قد كتب (ابن) في (يوسف نبي الله بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله)
بدون الألف(١)، وليس واقعاً بين العلمين، اللهم إلا أن يقال: إن (نبي الله) هنا عبارة
(١) لعله وقع في نسخة الشارح رحمه الله، وأما النسخة الهندية ففيها بإثبات الألف، وكذا قال =

١٩٢
(١٣) باب المفاخرة والعصبية
الإِسْلاَمِ إِذَا فَقُهُوا)). مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٤٦٨٩، م: ٢٣٧٨].
٤٨٩٤ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: «الْكَرِيمُ ابْنُ
الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسحاقَ بْنِ إِبراهيمَ)).
رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٦٨٨].
٤٨٩٥ - [٣] وَعَنِ الَْرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: فِي يَوْمٍ حُنَيَّنٍ كَانَ أَبَّ سُفْيَانَ
ابْنُ الْحَارِثِ آخِذاً بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ - يَعْنِي بَغْلَةَ رَسُولِ اللهِنَّهِ- فَلَمَّا غَشِيَهُ
الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: (أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)) ...
عن العلم.
وقوله: (إذا فقهوا) بضم القاف وكسرها، من باب كرم وعلم، كذا في
(القاموس)(١).
٤٨٩٤ - [٢] (ابن عمر) قوله: (الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم) هنا
أيضاً كتب بدون الألف، وتوجيهه ما قلنا، وقال بعض الشراح: وصوابه أن يكتب بها؛
لوقوعها بين الصفات، بخلاف قوله: (يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)،
وعدل(٢) في إبراهيم من نبي الله إلى خليل الله لوجود صفة أخص من النبوة، وهو
لقب لإبراهيم عليّ﴾، فيكون علماً.
٤٨٩٥ - [٣] (البراء بن عازب) قوله: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)
= القاري في ((المرقاة)) (٧/ ٣٠٦٨): بإثبات ألف (ابن) في المواضع الثلاثة.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٥١).
(٢) قوله: ((وعدل في إبراهيم ... علماً)) الظاهر أن تكتب هذه العبارة في شرح الحديث السابق
قبل قوله: ((إذا فقهوا))، والله أعلم بالصواب.

١٩٣
(٢٥) كتاب الآداب
قَالَ: فَمَا رُبِيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٤٢، م:
١٧٧٦].
٤٨٩٦ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ فَقَالَ: يَا خَيْرَ
الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ)).
الكلام في كونه شعراً وصدوره منه ◌َّ كالكلام في أمثاله، ثم إنه قد نوقش في كونه
من باب الافتخار بأنه لم يصح صدور الافتخار من النبي ◌ّ، كيف وقد نفاه في قوله:
(أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، فنهى الأمة عن الافتخار بالآباء، فكيف يفتخر هو واله
بعبد المطلب؟ فالحق أنه إخبار منه ◌ّ بأنه النبي الموعود الذي كان أهل الكتاب والكهان
يخبرون بأنه سيظهر نبي من أولاد عبد المطلب، ويذكرون علامات نبوته، وأجيب بأن
الافتخار في المبارزة والحرب مع الكفار جائز؛ إظهاراً للشجاعة، وإدخالاً للروع والمهابة
في قلوب أعداء الدين، وأيضاً المذموم من الافتخار ما يكون على طريق الجاهلية من
الافتخار بالآباء سمعة ورياء؛ لا ما كان على سبيل ذكر نعمة الله والتحديث بها كما
ذكرنا، ولذا ضم مع النسب الحسب أيضاً.
٤٨٩٦ - [٤] (أنس) قوله: (يا خير البرية) البرية: الخلق، فإن أخذت من البرى
بمعنى التراب فلا يهمز، وإن أخذت من البرء بمعنى الإنشاء والخلق فمهموز، ولكن
قد تقلب الهمزة ياء وتدغم كخطيئة، قال الطيبي(١): لم تستعمل مهموزة.
وقوله: (ذاك إبراهيم) ذكروا فيه أوجهاً: الأول: أنه قاله تواضعاً واحتراماً
لإبراهيم كالذي يقدم على نفسه من هو دونه تواضعاً، الثاني: أنه قال هذا قبل أن يوحى
(١) ((شرح الطيبي)) (٩/ ١٣٧).

١٩٤
(١٣) باب المفاخرة والعصبية
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٦٩].
٤٨٩٧ - [٥] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ تُطْرُونِي كَمَا
أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُاللهِ وَرَسُولُهُ)). مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٤٥، م: ١٦٩١].
٤٨٩٨ - [٦] وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارِ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ:
(إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ: أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلاَ يَبْغِيَ
أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٦٥].
إليه بأنه سيد ولد آدم، الثالث: أن المراد خير البرية في عصره، لكن أطلق العبارة
مبالغة، ولعل الأظهر والأصوب هو الوسط من الوجوه كما لا يخفى.
٤٨٩٧ - [٥] (عمر) قوله: (لا تطروني كما أطرت) من المعتل اللام دون
المهموز، والإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه، كذا في (النهاية)(١).
٤٨٩٨ - [٦] (عياض) قوله: (وعن عياض) بكسر العين وتخفيف الياء تحتها
نقطتان وبالضاد المعجمة، (ابن حمار) بكسر الحاء المهملة، التميمي، (المجاشعي)
يعدّ في البصريين، وكان صديقاً لرسول الله إليه قديماً، روى عنه الحسن البصري
وغيره.
وقوله: (أن تواضعوا) التواضع: هو التوسط بين الكبر والضعة، والكبر: هو
رفع النفس إلى ما هو فوق مرتبتها، والضعة: وضعها في ما دون مرتبتها، والتواضع:
وقوفها في مقامها ومرتبتها، وله تفصيل مذکور في موضعه.
(١) ((النهاية)) (٣/ ١٢٣).

١٩٥
(٢٥) كتاب الآداب
* الْفَصْلُ الثَّانِي :
٤٨٩٩ - [٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ :﴿ قَالَ: ((لَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ
يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَخْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ
عَلَى اللهِ مِنَ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْقِهِ،
الفصل الثاني
٤٨٩٩ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (لينتهين أقوام ... إلخ)، حلف على أحد
الأمرين، إما الانتهاء عما هم فيه من الافتخار، وإما الهوان والذل عند الله تعالى بتعذيبه
إياهم؛ فإن كان الانتهاء لم يكن الذل، وإن لم يكن الانتهاء كان الذل، والمقصود
التأكيد في طلب وجود الانتهاء.
وقوله: (إنما هم فحم من جهنم) أي: آباؤهم يحرقون في نار جهنم فصاروا
كالفحم، والقصر من باب قصر الموصوف على الصفة إضافيًّا بالنسبة إلى ثبوت
الفضائل التي يثبتونها لهم، والمراد أنهم في جهنم حتماً إن كان الكلام في المشركين
الذين ماتوا على الشرك، أو يحتمل أن يكونوا فيها إن كان أعم، وكذا قيد بالموت
لأنه لا يعرف حقيقة الحال إلا بعد الموت.
و(الجعل) بضم الجيم وفتح العين: دويبة سوداء معروف، وأما جعل بضم
فسكون: ما جعل على العمل من الأجرة، و(يدهده) أي: يدحرج ويدير (الخرء)
بضم الخاء المعجمة: العذرة، وجمعه خروء كجند وجنود، وقد تفتح الخاء، وهو
كقرء بضم القاف وفتحها، والهمزة مكتوبة في الحديث بصورة الألف موافقة لحركتها،
أو قلبت ألفاً بنقل الحركة إلى الراء فصار ألفاً كالعصا، كذا في بعض الشروح، ويروى
(الخراء) بکسر ومد.

١٩٦
(١٣) باب المفاخرة والعصبية
إِنَّ اللهَقَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْ مِنٌ تَقِيٍّ، ..
وأما ما جاء في الحديث: (إن نبيكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة) فهو بالتاء
وبالكسر والمد بمعنى التخلي والقعود للحاجة، الخطابي(١): أكثرهم يفتحون الخاء،
الجوهري(٢): خري خراءة ككره كراهة، وفي (القاموس)(٣): خرى كفرح خرءاً
وخراءةً، ويكسر، والاسم من الخراء بالكسر، وقال النووي في (شرح مسلم) (٤):
الخراءة يكسر ويمد: هيئة الحدث، وأما نفس الحدث فبلا تاء وبمد مع فتح الخاء
وكسرها، كذا في (مجمع البحار)(٥).
شبه سلة المفتخرين بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بالجعل، وآباءهم المفتخر
بهم بالعذرة، وافتخارهم بهم بالدهدهة بالأنف.
وقوله: (عبية الجاهلية) بضم العين وكسرها، وكسر الموحدة وفتح التحتانية
المشددتين، أي: فخرها وتكبرها، وفي (القاموس) (٦): العبية بالضم والكسر: الكبر
والفخر، وفي (الصراح)(٧): (عبية الجاهلية) أي: نخوتها، أوردها في المضاعف.
وقوله: (إنما هو) أي: الإنسان أو المفتخر المتكبر (مؤمن تقي) فإذنْ لا ينبغي
(١) أي: قال الخطابي في ((معالم السنن)) (١ / ١١).
(٢) أي: قال الجوهري في ((الصحاح)) (١ / ٤٦).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٠).
(٤) ((المنهاج شرح صحيح مسلم)) (٣/ ١٥٤).
(٥) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٢٤).
(٦) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٦).
(٧) ((الصراح)) (ص: ٤٢).

١٩٧
(٢٥) كتاب الآداب
أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُدَ. [ت: ٣٩٥٥، د: ٥١١٦].
٤٩٠٠ - [٨] وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخَيرِ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي
وَفْدٍ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِهِ، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: ((السَّيِّدُ اللهُ).
فَقُلْنَا :
له أن يتكبر على أحد، (أو فاجر شقي) فهو ذليل عند الله، والذليل لا يستحق التكبر،
فالتكبر منفي بكل حال.
٤٩٠٠ - [٨] (مطرف) قوله: (عن مطرف) بلفظ اسم الفاعل من التفعيل بالطاء
المهملة والفاء، (ابن عبدالله بن الشخير) بكسر الشين والخاء المعجمتين وسكون
الياء، اعلم أن عبدالله بن الشخير أبا مطرف صحابي، وفد إلى النبي ◌َّ في بني عامر،
وأما مطرف ابنه فتابعي، كذا في (جامع الأصول)(١)، وعلى هذا الضمير في قوله:
(قال: انطلقت) لأبيه عبدالله بن الشخير؛ لأنه الذي وفد في بني عامر، وذكر في بعض
الحواشي أنه هكذا ذكر في (سنن أبي داود)، فعبارة المؤلف لا تخلو عن شيء، وكان
عليه أن يقول: (عن أبيه قال)، ولقد ذكر حديثاً له في (باب ما لا يجوز من العمل في
الصلاة)، وقال: وعن مطرف بن عبدالله بن الشخير عن أبيه قال: أتيت النبي ◌َّ وهو
يصلي ولجوفه أزيز، الحديث.
وقوله: (فقال: السيد الله) قال النُّورِبِشْتِي (٢): سلك القوم في الخطاب معه
(١) ((جامع الأصول)) (١٢ / ٥٧٥).
(٢) ((كتاب الميسر)) (٣/ ١٠٦٤).

١٩٨
(١٣) باب المفاخرة والعصبية
وَأَفْضَلُنَا فَضْلاً، وَأَعْظَمُنَا طَوْلاً. فَقَالَ: ((قُولُوا قَوْلَكُمْ أَوْ بَعْضَ قَوْلِكُمْ ...
مسلكهم مع رؤساء القبائل، فإنهم كانوا يخاطبونهم بنحو هذا الخطاب، فكره ذلك؛
لأنه كان من حقه أن يخاطبوه بالنبي والرسول، فإنها المنزلة التي لا منزلة وراءها
لأحد من البشر، وحول الأمر فيه إلى الحقيقة فقال: السيد هو الله، أي: الذي يملك
نواصي الخلق، ويتولى أمرهم ويسوسهم، انتهى.
حاصل هذا الوجه أنه إنما كره طريق الخطاب وسلوكهم مسلك الخطاب مع
الرؤساء والملكوك لا أصل ثبوت السيادة، وهو سيد ولد آدم فكيف النسبة إلى أصحابه؟
ثم أشار إلى أن حقيقة السيادة والتولية والمالكية ثابتة لله تعالى، لا شريك له في
ذلك، ويمكن أن يكون ذلك قبل أن يوحى أنه سيد البشر.
وقوله: (وأفضلنا) قال الطيبي(١): إنه عطف على (سيدنا)، كأنهم قالوا: أنت
سيدنا وأفضلنا وأعظمنا طولاً، فكره رسول الله وسلّ الكل، وخصّ الرد بالسيد، فأدخل
الراوي كلامه بين المعطوف والمعطوف عليه، انتهى. أي: صرح الرد بالسيد خصوصاً،
وإلا فهو رد الكل بقوله: (قولوا قولكم ... إلى آخره)، وهذا أيضاً على تقدير أن
يكون معنى قوله: (قولوا قولكم) كقول أهل ملتكم وما هو من شعار المسلمين، وذلك
قولهم: رسول الله، ونبي الله، أو القول الذي جئتم له وقصدتموه؛ أي: دعوا هذا
المدح وائتوا بمقصودكم وحاجتكم، كما ذكر الطيبي هذين المعنيين، ولا يخفى أن
كليهما بعيد لا يلائمه قوله: (أو بعض قولكم)، بل الظاهر أن معناه كما ذكره بعضهم:
قولوا هذا القول أو أقل منه، ولا تبالغوا في مدحي بحيث تمدحوني بشيء يليق بالخالق
ولا يليق بالمخلوق، وعلى هذا لا يكون ردًّا للكل، بل الظاهر على هذا المعنى أن
(١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٤١).

١٩٩
(٢٥) كتاب الآداب
وَلاَ يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢٥/٤، د: ٤٨٠٦].
٤٩٠١ - [٩] وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ:
((الْحَسَبُ الْمَالُ، وَالْكَرَمُ التَّقْوَىَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ مَاجَه. [ت: ٣٢٧١،
جه: ٤٢١٩].
يكون إثباتاً لقولهم: (وأفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً)، أي: لا تقولوا: سيدنا، بل لو
قلتم قولوا قولكم هذا، يعني أفضلنا وأعظمنا، أو بعض هذا القول، وهو أفضلنا،
فإن ترك إثبات العظمة لغير الرب تعالى أحوط كما جاء: (الكبرياء ردائي والعظمة
إزاري) الحديث، ويكون تقدير قولهم: وأفضلنا وأنت أفضلنا عدولاً عن قولهم:
(سيدنا) إلى (أفضلنا)، ولا يكون عطفاً عليه، فيكون الرد مخصوصاً بالسيادة الحقيقية
دون الفضيلة، ويناسب أيضاً قوله: (ولا يستجرينكم الشيطان) أي: لا يتخذنگم جريًّا،
أي: وكيله المطلق، والجري: الوكيل؛ لأنه يجري مجرى الموكل، أي: لا تكونوا
وكلاء الشيطان بحيث تتفوهون من قبله بكل ما أردتم، بل حافظوا واحتاطوا، وقولوا
بعض ما قلتم، كالأفضلية دون السيادة، أو لا يجعلنكم جريئاً، أي: ذوي جراءة على
التكلم بكل ما لا يجوز، ويظهر من هذا كله أن (أو) في قوله: (أو بعض قولكم) للتنويع
دون شك الراوي، فافهم ما ذكرنا، وبالله التوفيق.
٤٩٠١ - [٩] (الحسن) قوله: (الحسب المال، والكرم التقوى) الحسب: ما يعده
الرجل ويفتخر به من خصال حميدة فيه أو في آبائه، والكرم معنى شامل جامع لأنواع
الخير والفضائل، وهذا هو الحقيقة، وأما عند الناس فالحسب منحصر في المال، وبه
يكون الرجل عظيم القدر عندهم؛ فإن الفقير لا توقير له عندهم، ولا يعبأ به أهل الثروة،
و(الكرم) أي: الشيء الذي يكون الرجل عند الله تعالى عظيم القدر وكريم المنزلة هو

٢٠٠
(١٣) باب المفاخرة والعصبية
٤٩٠٢ - [١٠] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ:
(مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِهِ وَلاَ تُكُنُّوا)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ
السُّنة)). [شرح السنة: ٣٥٤١].
٤٩٠٣ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُقْبَةَ عَنْ أَبِي عُقْبَةَ - وَكَانَ
مَوْلَّى مِنْ أَهْلِ فَارِسَ - قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِِّ أُحُداً، فَضَرَبْتُ رَجُلاً
مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقُلْتُ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلاَمُ الْفَارِسِيُّ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ : ..
التقوى، وأما الافتخار بالآباء فليس ذلك في شيء منهما، فافهم.
٤٩٠٢ - [١٠] (أبي بن كعب) قوله: (من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن
أبيه ولا تكنوا) تعزى اعتزى: انتسب صدقاً أو كذباً، وعزاه إلى أبيه: نسبه إليه، والمعنى
من انتسب بنسبة الجاهلية، أي: افتخر بآبائه، وقال: أنا ابن فلان وآل فلان مفتخراً،
أو المراد من انتسب وانتمى إلى الجاهلية بإحياء سنتها السيئة في الشتم واللعن والمواجهة
بالفحشاء والمنكر، والمعنى الأول أنسب وأقرب بقوله: (فأعضوه بهن أبيه)، والعض:
أخذ الشيء بالأسنان، والإعضاض متعدية، و(الهن) بالتخفيف، وقد يشدد ويصغر
على هُنَين: الشيء القبيح الذي يستهجن ذكره من العورات والقبائح، ويطلق على
الفرج خاصة، وكلا المعنيين صحيح الإرادة؛ فالمعنى على الأول: اذكروا له قبائح
آبائه وشنائع أعمالهم من عبادة الأصنام والزنا وشرب الخمر، وصرحوا بتلك القبائح
من غير كناية وإخفاء، لعله يستحيي من الافتخار بهم، ويرتدع عن ذكر قبائح الناس
والتعرض لأعراض الناس، وعلى الثاني: قولوا له: اعضض بفرج أبيك، ولا تكنوا
في الفرج، بل صرحوا باسم آلة أبيه تشديداً وتغليظاً.
٤٩٠٣ - [١١] (عبد الرحمن) قوله: (خذها مني) هذه الكلمة جرت عادة