النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ (٢٣) كتاب الطب والرقى ٢- باب الكتابة * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٥٩٢ - [١] عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمْ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُمُوراً كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ، قَالَ: ((فَلاَ تَأْنُوا الْكُهَّانَ)) قَالَ: قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ قَالَ: ٢ - باب الكهانة في (القاموس)(١): كهن له، كمنع ونصر وكرم، كهانة، بالفتح، فهو كاهن، وكُهَانٌ وكَهَنَّةٌ جمعه، وحِرْفتُهُ: الكِهَانة بالكسر، وقال الكرماني(٢): بكسر الكاف وفتحها. وقال الشُّمُنِّي: كهن يكهن من باب نصر، وإذا أردت أنه صار كاهناً، قلت: كهن بالضم، والكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، فمنهم من له تابع من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام أو فعل أو حال، ويخص باسم العراف وهو الذي يتعاطى مكان المسروق ومكان الضالة ونحوهما، وحديث: (من أتى كاهناً)(٣) يشمل الكاهن والعراف والمنجم، قالوا: وينبغي للمحتسب منعهم وتأديبهم، وأن يؤدِّ الآخذَ والمعطي. الفصل الأول ٤٥٩٢ - [١] (معاوية بن الحكم) قوله: (عن معاوية بن الحكم) بفتحتين. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٣٢ - ١١٣٣). (٢) ((شرح الكرماني)) (٢١/ ٣٣). (٣) أخرجه أبو داود في («سننه)) (٣٩٠٤). ٥٤٢ (٢) باب الكهانة ((ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلاَ يَصُدَّنَّكُمْ)). قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ(١) قَالَ: (كَانَ نَبِيُّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٣٧]. وقوله: (فلا يصدنكم) أي: لا يمنعنكم عما قصدتم، أو لا يمنعنكم وقوعه عن اعتقاد الحق وحكم الشريعة . وقوله: (فمن وافق خطه) وفي رواية: (فمن وافق خطه علم مثل علمه)، والمراد بالنبي دانيال، وقيل: إدريس عليهما السلام، وبالخط ما يخطه الحازي وهو علم تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلواناً فيأمر غلاماً فيخط على الأرض الرخوة يميل خطوطاً كثيرة بالعجلة لئلا يلحقه العدد، ثم يمحو منها على مهل خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: ابني عيان اسرعا البيان، فإن بقي خطان فعلامة النجح، والواحد علامة الخيبة، وهو ضرب من الكهانة، ويستخرجون به الضمير وغيره، والحازي: الكاهن، في (القاموس)(٢): تحزى: تكهن. وقوله: (فذاك) أي: مباح، لكن لا يعلم موافقته يقيناً فلا يباح لنا، والمراد بموافقة الخط موافقته في الصورة والحالة، وهو قوة الخاط في الفراسة وكماله في العلم والعمل فذا مصيب، كذا قيل، والظاهر أن المراد بالموافقة في إصابة ذلك العمل وإدراك المقصود بأن يقع على طريقه ونهجه، و(خطه) بالنصب على المشهور، وروي بالرفع، فالمفعول محذوف، ومضى الحديث في أوائل الكتاب في (باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة) . (١) زاد في الهندية: ((خطا)) وهو سبق قلم. (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٧١). ٥٤٣ (٢٣) كتاب الطب والرقى ٤٥٩٣ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلَ أَنَاسٌ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَاناً بِالشَّيْءٍ يَكُونُ حَقًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: (( تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنٍ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ. ٤٥٩٣ - [٢] (عائشة) قوله: (ليسوا بشيء) أي: ليس قولهم بشيء صحيح يعتمد عليه، فبين ◌َّهو أن إصابتهم أحياناً بإلقاء الجني ما استرقها فيزيدوا عليها بالقياس فربما أصاب، والغالب الخطأ، وهم فيما علم بشهادة الامتحان قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطبائع نارية يفتنهم الشياطين لمناسبة بينهم ويذل الوسع في مساعفتهم، فهم يفزعون إليهم ويستفتونهم في الحوادث، وفي معناهم الشعراء، روي عن جرير ابن عبدالله: كنت في سفر في الجاهلية، وأضللنا الطريق، فصرنا إلى خيام فإذا هي من الجن، فقدموا لنا أليات الوحش فغنّى واحد من شيوخهم بيتين، فقلت: أحدهما لطرفة والآخر للأعمش، فقال: كذبا، ما قالاه، أنا الذي كنت ألقي الشعر على لسانهما. وقوله: (من الحق) في أكثر نسخ (المشكاة) المصححة هكذا بالحاء والقاف، وقال الطيبي(١): نقلا عن محيي السنة: هو بالجيم والنون في جميع نسخ مسلم في بلادنا، أي: مسموعة من الجن ألقاها إليه. وقوله: (يخطفها الجني) نسبة إلى الجن، والظاهر أنها نسبة الفرد إلى الطبيعة . وقوله: (فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة) قال القاضي عياض في (مشارق (١) ((شرح الطيبي)) (٣٢٦/٨). ٥٤٤ (٢) باب الكهانة الأنوار)(١): ويروى الزجاجة، وفي الرواية الأخرى: (فيقرقرها في أذنه كقرقرة الدجاجة)، وفي الأخرى: (كما تقر القارورة) وهي بمعنى الزجاجة، كذا ضبطه الأصيلي: (يَقُرُّها) بضم القاف وفتح الياء، وعند غيره: (يُقِرّها) بكسر القاف وضم الياء، وصوب بعضهم الأول، وكلاهما صواب، والمعنى أنه يصوت بها كما تصوت الزجاجة، يقال: قرت الدجاجة: تقر قرًّا: إذا قطعت صوتها، وقرقرت قرقرة: إذا رددته، أو كما تصوت الزجاجة: إذا حركتها على شيء، أو كما يتردد ما يصب في الآنية، والقارورة في جوانبها، ويصح هذا على الروايتين: الضم والكسر، يقال: قررت الماء في الآنية، وأقررته: إذا صيبته، وقيل: يقرها بمعنى يساره بها، ويصح هذا على رواية ضم القاف، يقال : قر الخبر في أذنه يقره قرًّا، وقيل: يقره: يودعه فيه، وهذا على رواية الكسر من أقر الشيء يقره، وقال: لم يختلف الرواية في (كتاب مسلم) في الدجاجة بالدال. واختلفت فيه الروايات في البخاري، فروى بعضهم: الزجاجة بالزاي المضمومة، وكذا جاء للمستملي وابن السكن وأبي ذر وعبدوس والقابسي في (كتاب التوحيد)، وللأصيلي هناك الدجاجة، وكذلك اختلفوا في مواضع أخر، وذكر الدار قطني أن الصواب الأول. وقد ذكر في بعض رواياته في القارورة، فمن رواه الدجاجة بالدال شبه إلقاء الشيطان ما يسترقه من السمع في أذن وليه بقر الدجاجة، أي: صوتها، وهو صوتها لصواحبها، وقيل: يقرها يسار بها، ومن قال: الزجاجة بالزاي، فقيل: يلقيها ويودعها في أذن وليه كما يقر الشيء في القارورة والزجاجة، وقيل: يقرها بصوت وحس كحس الزجاجة إذا حركتها على الصفا أو غيره. (١) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٢٩٧، ١ / ٤٠١). ٥٤٥ (٢٣) كتاب الطب والرقى فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِئَةٍ كَذْبَةٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢١٣، م: ٢٢٢٨]. ٤٥٩٤ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلِهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ - وَهُوَ السَّحَابُ - فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّماءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتُسْمِعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٢١٠]. وقيل: معناه يرددها في أذن وليه كما يتردد ما يصب في الزجاجة والقارورة فيها وفي جوانبها، لاسيما على رواية من رواه فيقرقرها، واللغة الفصيحة في الدجاج والدجاجة الفتح، وقد كسرها بعضهم، هذا كلام القاضي عياض، وقد تكرر بعض معانيه لما وقع في الموضعين في مادة الدال والجيم، وفي القاف والراء، نقلته هكذا لإيضاح المقصود، وتركت ألفاظاً اشتبهت علي، وظهر منه أن ترجيح الشيخ التُّورِبِشْتِي رواية الزجاجة بالزاي على رواية الدجاجة بالدال ليس كما ينبغي، بل كاد الأمر أن يكون على العكس كما نقله من الدار قطني الذي هو من أمهر النقاد من المتأخرين. وقيل فيه: لم يأت بعده من يعتد به في هذا الشأن، وكما نقله الطيبي من الشيخ ابن الصلاح رحمة الله عليهم أجمعين . وقوله: (أكثر من مئة كذبة) لعل المراد به المبالغة والتكثير، والله أعلم. ٤٥٩٤ - [٣] (وعنها) قوله: (وهو السحاب) في (القاموس) (١): (العنان) بالفتح: السحاب الذي لا يمسك الماء، واحدته بهاء، وبالكسر: ما بدا لك منها إذا نظرتها، انتهى. وفسر بعضهم المفتوح بهذا في حديث: (لو بلغت ذنوبه عنان السماء)(٢)، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٢٢). (٢) أخرجه الترمذي في «سننه» (٣٥٤٠). ٥٤٦ (٢) باب الكهانة ٤٥٩٥ - [٤] وَعَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَنْ أَتَى عَزَّافاً فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٣٠]. ٤٥٩٦ _ [٥] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِوَّل صَلَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَّةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ ربيّكم؟)) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَاَ بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكِبِ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٩٩١، م: ٨٣]. ويفهم من كلام الطيبي(١): أن المراد هنا السماء حيث قال: فالسحاب مجاز من السماء، وفيه أن ما في السماء إنما هو سماع الملائكة ما قضي فيها، ونزول الجن وسماعهم إنما هو تحت السماء، وهو المراد بعنان السماء المفسر بالسحاب، فافهم. ٤٥٩٥ - [٤] (حفصة) قوله: (من أتى عرافاً) قد عرفت معنى العراف وأنه أحد أنواع الكهنة، وأن المراد به في هذا الحديث ما يشمل العراف والكاهن والمنجم. وقوله: (لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) فكيف بغيرها من العبادة، والمراد بعدم القبول عدم الثواب وإن كانت جائزة تبرئ الذمة، وكذلك جاء في الأحاديث بهذا المعنى، فتدبر. ٤٥٩٦ - [٥] (زيد بن خالد الجهني) قوله: (على إثر سماء) أي: عقيب مطر نزل الليلة، و(إثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين. وقوله: (فذلك كافر بي) إن اعتقد التأثير من الكواكب فهو كفر بالاتفاق، وإلا فهو (١) ((شرح الطيبي)) (٣٧٧/٨). ٥٤٧ (٢٣) كتاب الطب والرقى ٤٥٩٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ قَالَ: ((مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّ أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللهُ الْغَيْثَ، فَيَقُولُونَ: بِكَوْكَبٍ كَذَا وَكَذَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٢]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٤٥٩٨ - [٧] عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنِ اقْتَبَسَ عِلْماً مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ١ /٣١١، د: ٣٩٠٥، جه: ٣٧٢٦]. مكروه؛ لأنه من شعار الجاهلية، فالمراد كفران النعمة . ٤٥٩٧ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من بركة) يجوز أن يراد بالبركة المطر، فيكون قوله: (ينزل الله الغيث) بياناً له، وأن يراد الأرزاق النازلة من العالم العلوي، والكفر به إسناده إلى الأسباب، فيكون قوله: (ينزل [الله] الغيث) مثالاً لذلك. الفصل الثاني ٤٥٩٨ - [٧] (ابن عباس) قوله: (من اقتبس علماً) أي: شيئاً منه وإن كان قليلاً . وقوله: (زاد ما زاد) أي: زاد من السحر ما زاد من النجوم، وقيل: معناه زاد رسول الله ◌َّ في تذميم علم النجوم على ما رواه ابن عباس ما زاد، كذا نقل من (المفاتيح شرح المصابيح)(١)، فقيل: إنه على هذا التقدير يكون هذا قول الراوي من ابن عباس وهو بعيد، إذ هو لم يسمع إلا من ابن عباس ما رواه، والظاهر على هذا الوجه أن يكون هذا قول ابن عباس يقول: زاد النبي ◌َّة في تذميم النجوم وتقبيحه ما زاد، (١) ((المفاتيح شرح المصابيح)) (٥/ ١٠٠). ٥٤٨ (٢) باب الكهانة ٤٥٩٩ _ [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((مَنْ أَتَى كَاهِناً فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ أَوْ أَتَى امْرَأَنَهُ حَائِضاً، أَوَ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُّبْرِهَا فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أَنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٤٠٨، د: ٣٩٠٤]. وما رويت ذلك كله واكتفيت بهذا المقدار، ويحتمل أن يكون على تقدير كونه قول الراوي من ابن عباس أن يكون ضمير زاد لابن عباس، فافهم. ٤٥٩٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (أو أتى امرأته حائضاً) في (القاموس)(١): حاضت المرأة تحيض حيضاً، فهي حائض وحائضة، وقال عياض (٢) في قول عائشة: وأنا حائض، جاءت في هذا الحديث في بعض روايات مسلم: وأنا حائضة، والمعروف في هذا حائض، وهو مما جاء للمؤنث بغير هاء لاختصاصه بها كطالق ومرضع، فاستغنى عن علامة التأنيث فيها، وقيل: بل المراد على النسبة والإضافة أي: ذات حيض وطلاق ورضاع كما قال تبارك وتعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَظِرٌبِهِ، ﴾ [المزمل: ١٨] أي: ذات انفطار، هذا وقد ذكر بعضهم أنه إذا كان المراد معنی الثبوت فبدون التاء، کما إذا أريد بالحائض التي في سن الحيض، أي: البلوغ، وإن كان بمعنى الحدوث فالتاء كالتي في حالة الحيض، وينتقض هذا بنحو أنت طالق في حالة التطليق، فالحق ما ذكره عياض، وقال الطيبي(٣): حائضاً حال منتقلة، ولهذا جاز حذف التاء، ولو كانت صفة لكانت التاء لازمة، انتهى. ويفهم منه الفرق بين الحال والصفة في وجوب التاء وعدمه، فتدبر، والله أعلم. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٩١). (٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٣٤٢). (٣) ((شرح الطيبي)) (٣٣١/٨). ٥٤٩ (٢٣) كتاب الطب والرقى * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٦٠٠ - [٩] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللهِوَلِ قَالَ: ((إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانَاً لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّمْ؟. ثم الظاهر أن المراد فاستحله، أو المراد بالبراءة أعم من البراءة اعتقاداً أو عملاً، أو المراد كأنه براء أو تغليظ على إتيان الحائض والإتيان من الدبر، فافهم. الفصل الثالث ٤٦٠٠ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (خضعاناً) يروى بضم الخاء وكسرها مصدر کالغفران والوجدان مفعول له، أي: خضوعاً وتذللاً، وقد یجعل جمع خاضع، ویروی : (خضعاً) فيكون حالاً، قال في (المشارق)(١): وجوز بعضهم الفتح، والخضوع: الرضا بالذل، وخضع لازم ومتعد، يقال: خضعته فخضع، انتهى. وقوله: (كأنه سلسلة على صفوان) تشبيه للقول المذكور في خفاء صوته، والصفوان: الحجر الأملس، وهذا كما جاء في صفة الوحي: مثل صلصلة الجرس، والصلصلة: الصوت المتدارك الذي يسمع ولا يثبت أول ما قرع السمع حتى يفهمه بعد . وقوله: (فإذا فزع عن قلوبهم) الفزع: الخوف، وباب التفعيل هنا للكشف والإزالة نحو التقشير، أي: سمعوا القول وأزيل عنهم الخوف الذي عرضهم عند إلقاء القول، وقد جاء في رواية أبي داود على ما نقله الطيبي (٢): إذا تكلم الله وك بالوحي سمع (١) ((مشارق الأنوار)) (١/ ٣٨٥). (٢) ((شرح الطيبي)) (٨/ ٣٣٢). ٥٥٠ (٢) باب الكهانة قَالُوا: لِلَّذِي قَالَ الْحَقُّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَسَمِعَهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا، بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ)). وَوَصَفَ سُفْيَانُ. أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبرئيل، فإذا جاء جبرئيل فزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبرئيل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق الحق، يعني سمع القول المقربون من الملائكة، فيسألهم الملائكة، ويقولون: ماذا قال ربكم؟ قال المقربون للذي قاله الله تعالى وقضى وقدر (الحق)، أي: هو الحق الكائن الثابت الذي لا يبدل، وعلى هذا فالحق مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف . وقال الطيبي(١): ويحتمل أن يكون صفة مصدر محذوف، أي: قالوا: لأجل ما قال الله تعالى القول الحق، ولكن لا يكون على هذا التقدير مقول (قالوا) مذكور إلا أن يكون (قالوا) بمعنى أجابوا لأجله، ويحتمل أن يكون (للذي قال) بمعنى الجنس، والمراد الملائكة السائلون، ويقدر الفعل، أي: قالوا للسائلين: قال الله القول الحق، ويفهم من بعض الحواشي أن يكون (الحق) مفعولاً به، أي: قالوا للذي قال الله تعالى وقضى وقدر (الحق)، أي: عبروا عنه بلفظ (الحق). وقوله: (وهو العلي الكبير) إثبات وتأكيد لكون ما قال وقدر حقاً. وقوله: (مسترقو السمع) وهم الجن والشياطين الذين صعدوا لاستماع أخبار الملكوت ليلقوها على أوليائهم من الكهنة، ثم بين بقوله: (ومسترقو السمع هكذا) ترتيبهم وقيامهم، وفسره بقوله: (بعضه فوق بعض) على سبيل البدل، ثم (وصف سفيان) وصور بعضهم فوق بعض بأصابعه، وتوحيد الضمير في بعضه باعتبار الجنس المذكور . (١) ((شرح الطيبي)) (٨/ ٣٣٢). ٥٥١ (٢٣) كتاب الطب والرقى بِكَفِّهِ فَحَرَّفَهَا، وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ((فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُّلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَامِنِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِئَّةَ كِذْبَةٍ فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٢٤]. ٤٦٠١ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ وَ﴿ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَّهُمْ بَيْنَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللهَِّهِ رُمِيَ بِنَجْمٍ وَاسْتَنَارَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُجِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟)) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((فَإِنَّهَا لاَ يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَاَ لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ رَبََّا تَبَارَكَ اسْمُهُ إِذَا قَضَى أَمْراً سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلَوْنَهُمْ، وقوله: (فربما أدرك الشهاب) بالرفع والنصب على فاعل أو مفعول، والشهاب: شعلة من نار ساطعة، كذا في (القاموس)(١). وقوله: (فيقال: أليس قد قال) أي: يقول مصدق الكاهن لمن لامه على تصديقه : أليس قد قال الكاهن (يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟) فظهر صدقه ووقوعه فكيف تنسبه إلى الكذب؟ ٤٦٠١ - [١٠] (ابن عباس) قوله : (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٩). ٥٥٢ (٢) باب الكهانة حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ الَّذِي يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبِّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَا قَالَ، فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضاً حَتَّى يَبْلَغَ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَيَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ، فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَيُرْمَوْنَ، فَمَا جَاؤُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٢٩]. ٤٦٠٢ - [١١] وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: خلقَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاَثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَاَمَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا فَمَنْ تَأَوَّلَ فیھا . (فيقذفون) الجن الخبر ما سمع. وقوله: (ويرمون) بلفظ المجهول، فهذا سبب رمي الكواكب لا ما زعموا. وقوله: (یقرفون) أي: یکذبون. ٤٦٠٢، ٤٦٠٣ - [١١، ١٢] (قتادة، والربيع) قوله: (خلق الله هذه النجوم لثلاث) يعني أن العمدة في ذلك وما ينتفع به أهل الدين والمعرفة ما نطق به كلام الله سبحانه، وأما الزوائد على ذلك فإن کان ذلك مما صحت التجربة بذلك كاختلاف الفصول، ونضج الثمار والفواكه، ونزول الأمطار، وأمثال ذلك، فلا شك أن للأجرام السماوية دخلاً في ذلك بجريان العادة وتقدير الله إياه، وأما ما يخبر به المنجمون ويحكمون بالأحكام من جريان الحوادث والكائنات والسعادة والنحوسة والتقيد بأحكامها في كل حركة وسكنة، فإن اعتقدوا تأثيرها وفاعليتها حقيقة فهو كفر بلا شبهة، وإلا فبدعة وضلال مخالف لطريقة السلف من علماء الدين، ومناف لسلوك طريق التوكل والتوحيد، هذا هو القول الفصل، وهو المختار، والله أعلم. ٥٥٣ (٢٣) كتاب الطب والرقى بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخَطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لاَ يَعْلَمُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقاً. وَفِي رِوَايَةِ رَزِينٍ: ((تَكَلَّفَ مَا لاَ يَعْنِهِ وَمَا لاَ عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَمَا عَجَزَ عَنْ عِلْمِهِ الأَنْبِيَاءُ وَالْمَلاَئِكَةُ)). [خت: ك: ٥٩، ب: ٣]. ٤٦٠٣ - [١٢] وَعَنِ الرَّبِيعِ مِثْلُهُ وَزَادَ: وَاللهِ مَا جَعَلَ اللهُفِي نَجْمٍ حَيَاةَ أَحَدٍ، وَلاَ رِزْقَهُ، وَلاَ مَوْتَهُ، وَإِنَّمَا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَيَتَعَلَّلُونَ بالنَّجُومِ. ٤٦٠٤ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنِ اقْتَبَسَ بَاباً مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ لِغَيْرِ مَا ذَكَرَ اللهُ، فَقَدِ اقْبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّخْرِ، الْمُنَجِّمُ كَاهِنٌ، وَالْكَاهِنُ سَاحِرٌ، وَالسَّاحِرُ كَافِرٌ)). رَوَاهُ رَزِينٌ. [أخرجه ابن ماجه: ٣٩٠٥]. ٤٦٠٥ - [١٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لَوْ أَمْسَكَ اللهُ الْقَطْرَ عَنْ عِبَادِهِ خَمْسَ سِنِينَ ثُمَّ أَرْسَلَهُ، وقوله: (أخطأ) أي: ضل عن طريق الصواب، ووقع في الغلط البتة، فإن الأمر عسير جداً. وقوله: (وأضاع نصيبه) أي: أضاع حظه من عمره، ووقع فيما لا يعنيه وما هو من ضرورة أمره من العبادة وتهذيب النفس. ٤٦٠٤ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (المنجم كاهن، والكاهن ساحر، والساحر كافر) أي: لا فرق بينهم في حكم الإثم والكذب، وفيه أن عمل السحر كفر كما هو المذهب المختار. ٤٦٠٥ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (خمس سنين) كناية عن طول الزمان، يعني ٥٥٤ (٢) باب الكهانة لِأَصْبَحَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ كَافِرِينَ، يَقُولُونَ: سُقِينَا بِنَوْءِ الْمِجْدَحِ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٥٢٦]. أن النوء موجود على حاله، فلم لم يقطر إلى خمس سنين؟ فعلم أن القطر بقدرة الله یرسله متی شاء . وقوله: (بنوء المجدح) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح الدال المهملة وبالحاء المهملة، وهو عند العرب من أنواء المطر التي لا يكاد يخطئ، وفي (القاموس)(١): المِجْدَحِ: الدَبَران، أو نجم صغير بينه وبين الثريا، ومجاديح السماء: أنواؤها، وفي (الصحاح)(٢): جدحت السويق، أي: لتته، والمجدح: خشبة طرفها ذو جوانب، يجدح بها السويق . (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٠٩). (٢) ((الصحاح)) (١/ ٣٥٨). (٢٤) ، كِتَابُ التّويا (٢٤) كتّابُ الرُوَيَا ,١٠ ٠ ٢٤ - کتاب الرؤيا الرؤيا في الأصل مصدر بمعنى الرؤية، سمي به ما يرى في المنام من الصور، في (القاموس) (١): الرؤيا: ما رأيته في منامك، وهو مقصور مهموز، وقد تبدل الهمزة بالواو، وقد اختلف العقلاء في تحقيق الرؤيا لإشكال يرد هنا، وهو أن النوم ضد الإدراك، فالذي يرى فيه ما هو، فذهب جمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة إلى أنه خيال باطل. أما عند المعتزلة فلفقد شرائط الإدراك حالة النوم من المقابلة، وانبثاث الشعاع، وتوسط الهواء الشفاف إلى غير ذلك، فما يراه النائم ليس من الإدراكات في شيء، بل هي من قبيل الخيالات الفاسدة والأوهام الباطلة . وأما عند الأشاعرة إذ لم يشترطوا شيئاً من ذلك، فلأن الإدراك حالة النوم خلاف العادة، إذ لم يجر عادته تعالى بخلق الإدراك في الشخص وهو نائم، ولأن النوم ضد الإدراك فلا يجامعه، فلا تكون الرؤيا إدراكاً حقيقة، بل هي من قبيل الخيال الباطل، كذا فى (المواقف) وشرحه. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٨٢). ٥٥٨ (٢٤) كتاب الرؤيا أقول: لعل مرادهم بكونه خيالاً فاسداً أنه ليس بإدراك حقيقة، بل شيء مشابه به لا عدم الصحة والاعتبار بالتعبير أو بدونه؛ لأن صحة الرؤيا الصالحة وحقيقتها مجمع عليه عند أهل الحق، وقد نطق به الكتاب والسنة فكأنهم قالوا: إن الرؤيا ليس بإدراك حقيقة، بل هو خيال محض، ومع ذلك له تعبير واعتبار، وحينئذٍ كان الأصوب أن يقال: خيال محض أو نحوه مكان الفاسد أو الباطل. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني من الأشاعرة: إن رؤيا المنام إدراك حق بلا شبهة، إذ لا فرق بين ما يجده النائم من نفسه في نومه من أبصاره وسمعه وذوقه وغيرها من الإدراكات، وبين ما يجده اليقظان في يقظته من إدراكاته، فلو جاز التشكيك فيما يجده النائم لجاز التشكيك فيما يجده اليقظان، ولزم السفسطة والقدح في الأمور المعلومة بديهة، وقالوا: لم يخالف الأستاذ في كون النوم ضداً للإدراك، لكنه زعم أن الإدراك يقوم بجزء من أجزاء الإنسان غير ما يقوم به النوم من أجزائه، فلا يلزم اجتماع الضدين في محل واحد، ولعل الأستاذ قال هذا بطريق المنع، ولهذا لم يعين الأجزاء التي يقوم بها النوم والتي يقوم بها الإدراك، والاحتمال كاف في ذلك. وقال الطيبي(١): المذهب الحق أن حقيقة الرؤيا خلق الله تعالى في قلب النائم علوماً وإدراكات كما في اليقظان، وهو تعالى قادر عليه، لا اليقظة موجب له، ولا النوم مانع عن ذلك الخلق، وخلق هذه الإدراكات في النائم علامة ودليل على أمور أخر تعرضه في ثاني الحال وهي تعبيرها كالسحاب دليل على وجود المطر، انتهى. فعلى هذا الرؤيا إدراك حقيقة، وليس بين النوم والإدراك تضاد، وللحكماء تحقيق - (١) ((شرح الطيبي)) (٨/ ٣٣٩). ٥٥٩ (٢٤) كتاب الرؤيا للرؤيا موقوف على بيان الحواس الباطنة وحقائقها، وليس هذا الكتاب محل ذلك، والذي يمكن أن يقال مجملاً: إن في الإنسان قوة متصرفة من شأنها التركيب والتفصيل بين الصور والمعاني بعضها مع بعض، فإن استعملها العقل يسمى متفكراً، وإن استعمل الوهم يسمى مخيلة، وهي في عملها دائماً من غير انقطاع يقظة ومناماً، وللنفس الناطقة الإنسانية اتصال معنوي روحاني بعالم الملكوت وصور جميع الكائنات أزلاً وأبداً. حاصله في الجواهر المجردة التي تسمى المبادئ العالية عندهم، وإذا حصل للنفس فراغ من الاشتغال بتدبير البدن وبما يتعلق بالعالم ارتسم فيها مما في المبادئ العالية من الصور مما يليق بها من أحوالها، وأحوال ما يقرب منها، ثم قد تليه القوة المتخيلة لما من شأنها المحاكاة والانتقال والتفصيل والتركيب صوراً قريبة أو بعيدة، تارة بالانتقال من النظير بعلاقة المماثلة، وتارة من ضد إلى ضد بعلاقة التضاد فيحتاج إلى التعبير، وقد لا يتصرف فيه المتخيلة فيؤديه كما هو بعينه، فيقع بلا حاجة إلى التعبير، وقد يرد على الحس المشترك صور من الخيال الذي هو خزانة صور المحسوسات مما ارتسم فيه في اليقظة، ولذلك من دام فكره في شيء يراه في منامه، وقد تحدث الصور من بعض الأمراض، فإن الدموي يرى في حلمه الأشياء الحمر، والصفراوي النيران، والأشقر والسوداوي الجبال والأدخنة، والبلغمي يرى المياه والألوان البيض، وهذان القسمان من قبيل أصغاث الأحلام لا يقعان ولا تعبير لهما، هذا تحقيق الفلاسفة للرؤيا، ولبعض الصوفية ممن يقول بعالم المثال تحقيق آخر مذكور في محله، وقد عمل في ذلك الولد الأعز نور الحق في هذه المسألة رسالة مفيدة جداً، وأتى بما يوضح الحق، والله أعلم. ٥٦٠ (٢٤) كتاب الرؤيا * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٦٠٦ - [١] عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّ الْمُبَشِّرَاتُ)) قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٩٠]. ٤٦٠٧ - [٢] وَزَادَ مَالِكٌ بِرِوَايَةٍ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ: ((يَرَاهَا الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ)). [ط: ٢ / ٩٥٧]. الفصل الأول ٤٦٠٦، ٤٦٠٧ - [١، ٢] (أبو هريرة، عطاء) قوله: (إلا المبشرات) بضم ميم وكسر شين مشددة من البشارة بضم الباء وكسرها: الخبر السار، ويقال لها بالفارسية: مؤده، ويفهم من كلام بعضهم اعتبار الصدق فيه، وأما البشارة بالفتح فيفهم من (الصحاح)(١) أنه بمعنى السرور، وقال في (القاموس)(٢): البشارة والبشرى بالكسر، ويضم فيهما، وبالفتح: الجمال، وهو أبشر منه، أي: أحسن وأجمل وأسمن، ويستعمل البشارة غالباً في الخير، وقد يستعمل في الشر نادراً، كذا قال الطيبي(٣)، والمفهوم من (الصحاح) أن المطلق لا يستعمل إلا في الخير، واستعماله في الشر يقع مقيداً به نحو قوله تعالى: ﴿فَبَشِرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: ٢١] وقال بعض المفسرين: إنه بطريق الاستهزاء . وقوله: (الرؤيا الصالحة) أي: الحسنة، وقالوا: الرؤيا الحسنة على أقسام، منها (١) ((الصحاح)) (٢ / ٥٩٠). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٢٩). (٣) ((شرح الطيبي)) (٨ /٣٤٠).