النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
(٢٢) كتاب اللباس
فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ)). وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِّ ◌َِّكَانَتْ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ
بِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ ثَلاَثَةً فِي هَذِهِ، وَثَلاَثَةً فِي هَذِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٧٥٧].
٤٤٧٣ - [٥٥] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَكْتَحِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ بِالإِثْمِدِ
ثَلاَثَاً فِي كُلِّ عَيْنٍ، قَالَ: وَقَالَ: ((إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ اللَّدُودُ، وَالسُّعُوطُ،
وَالْحِجَامَةُ، وَالْمَشِئُّ،
أن الألف زائدة، وكذا في (الصحاح)(١)، ثم المشهور تفسيره بحجر یکتحل به، ونقل
عن (المهذب) أنه قال: الإثمد: سرمه، وقال: سياق الحديث يدل على أنه من نوع
خاص من الكحل، ويقال: إنه كحل أصفهاني، كذا في (شرح الشمائل).
وقوله: (فإنه يجلو البصر) أي: بالاعتياد والاستدامة، و(الشعر) بفتح العين
وقد تسكن، معروف، والمراد هنا الأهداب.
وقوله: (زعم) أي: قال ابن عباس، وقد يطلق على القول المحقق وإن غلب
استعماله في المشكوك، كذا قالوا.
وقوله: (ثلاثة في هذه) وقد جاء في رواية أبي داود: ثلاثة في اليمين واثنين
في اليسرى، وكان يبتدأ باليمنى ويختم بها، وفيه رعاية فضيلة اليمنى من وجهين،
وفي كل من الطريقين رعاية الإيتار المأمور به بقوله: (من اكتحل فليوتر)(٢)، ففي
الأول بالاكتحال في كل عين ثلاثة، وفي الآخر يكون المجموع خمسة، والأول هو
الأصح.
٤٤٧٣ - [٥٥] (وعنه) قوله: (اللدود والسعوط والحجامة والمشي) اللدود بفتح
(١) ((الصحاح)) (٢/ ٤٥١).
(٢) أخرجه أبو داود في ((سنته)) (٣٥)، وابن ماجه في ((سنن)) (٣٤٩٨).

٤٤٢
(٣) باب الترجل
وَخَيْرَ مَا اكْتَحَلْتُمْ بِهِ الإِثْمِدُ، فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ، وَإِنَّ خَيْرَ
مَا تَحْتَجِمُونَ فِهِ.
اللام ويقال: اللديد أيضاً: ما يسقى المريض من أحد شقي فيه، وفي بعض الشروح:
يعني الجانب الذي فيه العلة، واللديدان جانبا الفم بل جانبا كل شيء، ولا يخفى أن
الظاهر أن يقال: دواء يسقى من جانب الفم، ولكن عبارة أكثر الشارحين وقع هكذا:
يسقى من أحد جانبي الفم، وقال في (القاموس)(١): يصب من أحد جانبي الفم، إلا
عبارة (سفر السعادة) (٢) حيث قال: دواء يصب من جانب الفم، وأما عبارة (الصراح)(٣)
حيث قال: دارو كه در كرانه دهان ريزند، ولعل ذكر أحد الجانبين وقع على جري العادة،
وترك ذكر الدواء اعتماداً على الظهور.
وقوله: (والسعوط) بفتح السين: دواء يصب في الأنف، (والحجامة) بكسر
الحاء: إخراج الدم بالمحجم بكسر الميم: الآلة التي يجتمع فيها دم الحجامة عند
المص، ويفتحها موضع الحجامة، وفي معنى الحجامة الفصد، لكن الفصد يصلح
للديار الباردة والحجامة للحارة، والظاهر أن إخراج الدم بالدباء في حكم الفصد،
وبالسلك(٤) في معنى الحجامة، وأما (المشي) على وزن فعيل، فهو اسم للدواء المسهل،
مشتق من المشي؛ لأنه يحمل شاربه على المشي والتبرز إلى الخلاء، وقد يجيء
المشو على وزن العدو، والمشاء على وزن السماء.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠٠).
(٢) ((سفر السعادة)) (ص: ٢٨٨).
(٣) ((الصراح)) (ص: ١٤٦).
(٤) كذا في الأصل.

٤٤٣
(٢٢) كتاب اللباس
يَوْمُ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَيَوْمُ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَيَوْمُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ))، وَإِنَّ
رَسُولَ اللهِلَّهِ حَيْثُ عُرِجَ بِهِ مَا مَرَّ عَلَى مَلٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِلَّ قَالُوا: عَلَيْكَ
بالْحِجَامَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٤٨].
٤٤٧٤ - [٥٦] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنْ
دُخُولِ الْحَمَّامَاتِ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوا بِالْمَيَازِرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَأَبُو دَاوُدُ. [ت: ٢٨٠٢، د: ٤٠٠٩].
وقوله: (يوم سبع عشرة، ويوم تسع عشرة، ويوم إحدى وعشرين) قالوا: إن
الدم بل جميع الرطوبات من أول الشهر إلى نصفه يكون في زيادة وغلبة وغليان، وفي
آخره في نقصان ونزول وسكونة، وفي الوسط معتدل لا سيما هذه الأيام الثلاثة التي
هي أوتار، وسيجيء تفصيل أحكام الحجامة وتعيين أوقاتها في (كتاب الطب
والرقى).
وقوله: (إن رسول الله وَيؤ) عطف على (كان النبي ◌َّ) فيكون مقول ابن عباس،
ويحتمل أن يكون عطفاً على (إن خير ما تداويتم) فيكون قول النبي وَّر على طريقة
الالتفات.
وقوله: (عليك بالحجامة) وسيجيء هذا الحديث في (كتاب الطب والرقى)،
وهناك ذكر أمر الأمة بالحجامة أيضاً ومضمون ما ذكر هنا أيضاً يشتمل عليه .
٤٤٧٤ - [٥٦] (عائشة) قوله: (عن دخول الحمامات) اعلم أنه لم يثبت
دخوله (ێ﴾ الحمام، وقد ذكر في بعض كتب الفقه، ولم يصح ذلك عند المحدثين،
والحديث المذكور فيه منسوب إلى الوضع عندهم، قال الشيخ مجد الدين الشيرازي(١):
(١) ((سفر السعادة)) (ص: ٣٣٠).

٤٤٤
(٣) باب الترجل
٤٤٧٥ - [٥٧] وَعَنْ أَبِ الْمَلِيحِ قَالَ: قَدِمَ عَلَى عَائِشَةَ نِسْوَةٌ مِنْ
أَهْلِ حِمْصٍ فَقَالَتْ: مَنْ أَيْنَ أَنْتُنَّ؟ قُلْنَ: مِنَ الشَّامِ، قَالَتْ: فَلَعَلَّكُنَّ مِنَ
الْكُورَةِ الَّتِي تَدْخُلُ نِسَاؤُهَا الْحَمَّامَاتِ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِوَِّ يَقُولُ: ((لاَ تَخْلَعُ امْرَأَةٌ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّ هَتَكَتِ
السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّ هَتَكَتْ سِتْرَهَا فِيمَا
بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ بَتْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٨٠٣، د: ٤٠١٠].
٤٤٧٦ - [٥٨] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ و أَنَّ رَسُولَ اللهِ لِ قَالَ: ((سَتُفْتَحُ
لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ ..
والصحيح أنه لو لم يدخل ولا رأى الحمام، والحمام المشهور بمكة بحمام النبي
لعله * غسل في ذلك المحل غسلاً فبنوا الحمام فيه تبركاً، انتهى. ويحتمل أن يكون
تسميته بحمام النبي؛ لأنه في ناحية مولده و 18 قريباً منه، ولكن وقع في الأحاديث ذكر
الحمام وأحكامه فنهيت النساء عن دخوله إلا لعذر، والرجال إلا بالمئزر وهو الإزار،
وقد كره العلماء قراءة القرآن وذكر الله تعالى في الحمام.
٤٤٧٥ - [٥٧] (أبو المليح) قوله: (من الكورة) بالضم: المدينة، والصقع بضم
الصاد المهملة والقاف: بمعنى الناحية .
وقوله: (قلن: بلى) يعلم من هذا الحديث استعمال (بلى) في ما سوى تصديق
ما بعد النفي، فإن كان هذا اللفظ من النساء المذكورات وهن مما يوثق بفصاحتهن،
أو كانت من عائشة في حكاية قولهن أو غيرها من بعض الرواة الموثوق بعربيتهم فهو
حجة على النحاة، وإلا فلا .
٤٤٧٦ - [٥٨] (عبدالله بن عمرو) قوله: (ستفتح لكم أرض العجم، وستجدون

٤٤٥
(٢٢) كتاب اللباس
فِيهَا بُيُوتاً يُقَالُ لَهَا: الْحَمَّامَاتُ، فَلاَ يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إِلاَّ بِالأُذُرِ، وَامْنَعُوهَا
النِّسَاءَ إِلَّ مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠١١]
٤٤٧٧ - [٥٩] وَعَنْ جَابِرِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَدْخُلِ الْحَمَّمَ بِغَيْرِ إِزارٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
فَلاَ يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّمَ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَجْلِسْ
عَلَى مَائِدَةٍ تُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٨٠١، ن:
٤٠١].
فيها) أسند الوجدان إليهم دون الفتح؛ لأن الفتح ليس مضافاً إليهم، بل هو من عند
الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، وقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا
لَكَ﴾ [الفتح: ١]، وفي الحديث دلالة على أن الحمامات مخصوصة بأرض العجم ليست
في القديم في أرض العرب، وهو يؤيد عدم دخول النبي ◌َّ إياها، و(الأزر) بضم
الهمزة وسكون الزاي، جمع إزار.
وقوله: (أو نفساء) بأن لم تجد ماء مسخناً والبرد شديد، وكذا حكم الحائضة،
ولعل تخصيص النفساء بالذكر؛ لأن العذر والضعف فيه أشد وأكثر .
٤٤٧٧ - [٥٩] (جابر) قوله: (فلا يدخل) من الإدخال و(حليلته) و(الحمام)
مفعولاه.
وقوله: (على المائدة) المائدة: خوان عليه طعام، فإذا لم يكن عليه
طعام فهي خوان، وهي فاعلة بمعنى مفعولة، مثل: عيشة راضية، كذا في
(الصحاح)(١).
(١) ((الصحاح)) (٢ / ٥٤١).

٤٤٦
(٣) باب الترجل
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
*
٤٤٧٨ - [٦٠] عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ خِضَابِ النَّبِيِّ ◌َلُ
فَقَالَ: لَوْ شِئْتَ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ فَعَلْتُ، قَالَ: وَلَمْ يَخْتَضِبْ،
وَزَادَ(١) فِي رِوَايَةٍ: وَقَدِ اخْتَضَبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَاخْتَضَبَ عُمَرُ
بِالْحِنَّاءِ بَحْتاً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٩٥، م: ٢٣٤١].
٤٤٧٩ - [٦١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَفَّرُ لِحْيَتَهُ بِالصُّفْرَةِ.
الفصل الثالث
٤٤٧٨ - [٦٠] (ثابت) قوله: (أن أعد شمطات) الشمط: الشيب، والشمطات:
شعرات بيض يريد قلتها، كذا في (النهاية)(٢)، وفي (صحيح مسلم). للزركشي: هو
يفتح شين وميم: بياض يخالط السواد، وفي الحديث: ليس في أصحابه الشمط غير
أبي بكر، أي: من في شعره سواد وبياض، وفي (القاموس) (٣): الشمط: بياض الرأس
يخالط سواده، شَمِطَ، كفرح، وأشمط واشمأط كاطمأن، فهو أشمط، ومقصود
أنس نفي الاختضاب عن رسول الله وَير؛ لأنه لم يبلغ أوانه وعليه المحدثون، وقد
حقق في موضعه.
وقوله: (بالحناء والكتم) مرّ معناه في الفصل الثاني.
وقوله: (واختضب عمر بالحناء بحتاً) أي: خالصاً من غير خلطه بالكتم.
٤٤٧٩ - [٦١] (ابن عمر) قوله: (بالصفرة) قيل: هي نوع من الطيب فيه صفرة،
(١) في نسخة: ((زاد)) .
(٢) ((النهاية)) (٢ / ٥٠١).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٢١).

٤٤٧
(٢٢) كتاب اللباس
حَتَّى تَمْتَلِئَ ثِيَابُهُ مِنَ الصُّفْرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَصْبُّغُ بِالصُّفْرَةِ؟ قَالَ: إِنِّي
رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَصْبُّغُ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهَا وَقَدْ كَانَ
يَصْبُغُ ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٢١٠، ن:
٥٠٨٥].
يعني ليس المراد به الخلوق التي فيه زعفران وحمرة، ثم اختلفوا في المراد من قوله:
(رأيت رسول الله وَّ﴾ يصبغ بها) أن المراد به صبغ الشعر أو صبغ الثوب، ولا يخفى
أن الظاهر من السياق أن المراد هو الأول؛ لأنه قد بين صبغ الثياب بعد ذلك بقوله :
(وقد كان يصبغ ثيابه) فكأنه قال: كان يصبغ الشعر بل الثياب أيضاً، إلا أن يقال:
المقصود من ذلك القول تعميم الثياب بعد بيان صبغها مطلقاً، فكأنه قال: كان يصبغ
بها الثياب، ولم يكن شيء أحب إليه منها حتى إنه كان يصبغ بها ثيابه كلها، حتى
عمامته، وبقرينة قوله سابقاً: وكان يصفر لحيته بالورس والزعفران، وقال بعضهم:
الأشبه أن المراد صبغ الثوب؛ لأنه لم ينقل أنه منَّ صبغ شعره وخضب على ما هو
المقرر عند الجمهور.
وقال السيوطي في حاشية (الموطأ)(١): وهو أظهر الوجهين، وأما تصفير اللحية
فله تأويل أشرنا إليه من أن المراد بالتصفير لطخها وغسلها بها تطهيراً وتنظيفاً، وأما
ما ورد من إنه كان يصبغ بها ثيابه كلها، فإن كان المراد بالصفرة نوعاً من الطيب فلا
إشكال، ويجب أن لا يكون المراد بها الخلوق لثبوت الاجتناب عنه كل الاجتناب حتى
إنه لم يردّ السلام على من به خلوق، وأخبر بعدم قبول صلاته، ولم يمسّ من به ذلك
ونحوها، فيكون المراد به الورس ونحوه، وإن حمل هذا على زمان سابق على زمان
(١) ((تنوير الحوالك)) (١ /٢٤٤).

٤٤٨
(٣) باب الترجل
٤٤٨٠ - [٦٢] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى
أُمّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعْراً مِنْ شَعْرِ النَّبِّ ◌َّهِ مَخْضُوباً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
[خ: ٥٨٩٧].
٤٤٨١ - [٦٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهَِّهِ بِمُخَنَّثٍ قَدْ
خَضَبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَا بَالُ هَذَا؟)) .....
النهي ونسخه به لم يبعد، والله أعلم.
هذا وقد نقل عن بعض السلف من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يخضبون،
وكان بعضهم ينكرون الخضاب مطلقاً، وكان بعضهم يصفرون، وكان سعيد بن جبير
يقول: یعمد أحدكم إلى نور جعله الله تعالى في وجهه فيطفئه، وكان شديد بياض
الرأس واللحية، قال بعضهم: إن الخضاب لمن كان شيبته سمجاً في المنظر، وأما
من كانت شيبته حسنة نورانية في المنظر والجمال فلا، ونقل عن النووي أنه قال(١):
المختار أنه ◌َ صبغ في وقت وترك في معظم الأوقات، فأخبر كل بما رأى وهو
صادق، وقال: هذا التأويل كالمتعين للجمع بين الأحاديث الصحيحة، والله أعلم.
٤٤٨٠ - [٦٢] (عثمان بن عبدالله) قوله: (ابن موهب) بفتح الهاء، وهذا من
المنقولات الشاذة؛ لأن الأصل في مفعل من المثال كسر العين.
وقوله: (دخلت على أم سلمة) الحديث، وأولوه بأنه کان یری كالمخضوب
لاختلاط الطيب أو أنها خضبته ليبقى ويتقوى به، وكذلك في حديث آخر ورد فيه أنه
رأى شعره * عند أنس مخضوباً.
٤٤٨١ - [٦٣] (أبو هريرة) قوله: (بمخنث) بفتح النون وکسرها وقد مرّ معناه
(١) ((شرح النووي)) (١٥ / ٩٥).

٤٤٩
(٢٢) كتاب اللباس
قَالُوا: يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ فَأَمَرَ بِهِ فَتُغِيَ إِلَى النَّقِيعِ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَ نَقْتُهُ؟
فَقَالَ: ((إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٢٨].
٤٤٨٢ - [٦٤] وَعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ لهِ مَكَّةَ
جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ بَأْتُونَهُ بِصِبْيانِهِمْ، فَيَدْعُو لَهُم بِالْبَرَكَةِ، وَيَمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ،
فَجِي ءَ بِي إِلَيْهِ وَأَنَا مُخَلَّقٌ، فَلَمْ يَمَسَّنِي مِنْ أَجَلِ الْخَلُوقِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[د: ٤١٨١].
٤٤٨٣ - [٦٥] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ وَلِ: إِنَّ لِي جُمَّةً
أَفَأُرَجِّلُهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا)) قَالَ: فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ رُبَّمَا
دَهَّنَهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيَّنِ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ێِ :
في الفصل الأول، وسبق ذكر هذا المخنث في (باب النظر إلى المخطوبة وبيان
العورات)، و(النقيع) بالنون موضع غير البقيع بالباء ببلاد مزينة على مرحلتين من المدينة
حماه عمر.
وقوله: (ألا نقتله) على صيغة المتكلم، هكذا في النسخ المصححة المقروءة،
ووقع في بعض النسخ على صيغة الخطاب، أي: تأمر بقتله، والأفصح هو الأول.
وقوله: (عن قتل المصلين) أي: المسلمين وإن لم يكونوا مصلين، إلا على
مذهب من يرى قتل تارك الصلاة كالشافعي لا لارتداده، وعندنا يعزر ويؤدب، وعند
مالك يسجن، ويطال سجنه حتى يتوب .
٤٤٨٢ - [٦٤] (الوليد بن عقبة) قوله: (فلم يمسني) مبالغة في الاجتناب،
فالظاهر أنه لم يدع له أيضاً، و(الخلوق) بفتح الخاء وقد مرّ معناه.
٤٤٨٣ - [٦٥] (أبو قتادة) قوله: (في اليوم مرتين) والنهي عن المبالغة والإفراط

٤٥٠
(٣) باب الترجل
(َعَمْ وَأَكْرِمْهَا)). رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢ / ٤٩.
٤٤٨٤ - [٦٦] وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ فَحَدَّثَنْنِي أُخْتِي الْمُغِيرَةُ قَالَتْ: وَأَنْتَ يَوْمَئِذٍ غُلاَمٌ وَلَكَ قَرْنَانِ أَوْ
قُصَّتَانٍ، فَمَسَحَ رَأْسَكَ وَبَرَّكَ عَلَيْكَ، وَقَالَ: ((احْلِقُوا هَذَيْنٍ أَوْ قُصُّوهُمَا فَإِنَّ
هَذَا زِيُّ الْيَهُودِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٩٧].
٤٤٨٥ - [٦٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرَأَةُ
رَأْسَهَا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٥٠٤٩].
في التدهين والترجيل إنما كان للتزيين والتبخير بذلك، وهو إنما فعل ذلك مبالغة في
الامتثال واحتياطاً فيه، وهذا كتطويل أم أنس ذؤابته؛ لأنه ◌َّ كان يمدّها ويأخذ،
فتدبر .
٤٤٨٤ - [٦٦] (الحجاج بن حسان) قوله: (فحدثتني أختي المغيرة) اسم أخت
حجاج بن حسان الراوي، وهو من الأسماء المشتركة بين الرجال والنساء كأسماء
وجويرية، والمقصود أني أذكر قضية دخولي على أنس، ولكني نسيت ما جرى في
المجلس فحدثتني أختي.
وقوله: (أو قصتان) من شك الراوي، والقصة بضم القاف وتشديد المهملة:
شعر الناصية، و(القرن) الذؤابة والخصلة من الشعر.
وقوله: (أو قصوهما) للتنويع، وقص الشعر: قطع منه بالمقص، أي :
المقراض.
٤٤٨٥ - [٦٧] (علي) قوله: (أن تحلق المرأة رأسها) حلق الرأس حرام على
النساء ولو في الخروج عن الإحرام، فالتقصير متعين لهن.

٤٥١
(٢٢) كتاب اللباس
٤٤٨٦ - [٦٨] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِو ◌َل﴿ فِي
الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرُ الرَّأْسِ وَاللَّحْيَةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِنَّهِ بِيَدِهِ،
كَأَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِإِصْلاَحِ شَعْرِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّ:
(أَلَيْسَ هَذَا خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ثَائِرُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ». رَوَاهُ
مَالِكٌ. [ط: ٢ / ٩٤٩].
٤٤ - [٦٩] وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ سُمِعَ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ
الطَّيبَ،
٤٤٨٦ - [٦٨] (عطاء بن يسار) قوله: (كأنه شيطان) أي: جني في قبح المنظر.
وقوله: (رواه مالك) أي مرسلاً؛ لأن عطاء بن يسار من التابعين .
٤٤٨٧ - [٦٩] (ابن المسيب) قوله: (سمع) بلفظ المجهول.
وقوله: (إن الله طيب يحب الطيب) الطيب بلفظ الصفة: الحلال، والطاهر،
والطيب بلفظ المصدر: النظافة والنقاوة، كذا في (القاموس)(١)، وقال في (الصراح)(٢):
الطيب پاك وحلال، والنظافة: باكيزكي، والنظيف نعت منه، لا شك أن الطيب
والنظافة قريبان متساويان في المعنى، فكأن الطيب طهارة الباطن والتنظيف تطهير
الظاهر، وأما توصيف الله تعالى بهما فقالوا في بيانه: إن الطيب ضد الخبيث، فإذا
وصف الله تعالى به أريد أنه منزه عن النقائص، مقدس عن الآفات والعيوب، وإذا
وصف به العبد مطلقاً أريد به التعري عن رذائل الأخلاق وقبائح الأعمال، والتحلي
بأضداد ذلك، وإذا وصف به الأموال أريد به كونه حلالاً من خيار الأموال، وقد يوصف
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٥).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٤١).

٤٥٢
(٣) باب الترجل
نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ،
به الطعام نحو قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] والمراد الحلال
وما يستطيبه الطبع السليم ويستلذه، ويوصف به العين كقولهم: طاب فلان نفساً،
والأرض بمعنى الطاهر الزكي، وأصل الطيب ما يستلذه الحواس والنفس، والطيب من
الإنسان من تزكى عن نجاسة الجهل والفسق.
وقالوا في شرح: (إن الله نظيف يحب النظافة)، إن النظافة كناية عن تنزهه عن
سمات الحدوث وعن كل نقص، ونظافة غيره خلوص عقيدته ونفي الشرك ومجانبة
الأهواء، ثم نظافة القلب عن نحو الحسد والأخلاق الذميمة، ثم نظافة المطعم والملبس
عن الحرام والشبهة، ثم نظافة الظاهر بملابسة العبادات، ومنه: (نظفوا أفواهكم فإنها
طرق القرآن)، أي: صونوها عن نحو اللغو والفحش والغيبة، وعن أكل الحرام
والقاذورات، وهو حث على تطهيرها من النجاسة والسواك(١)، كذا في (مجمع
البحار)(٢).
وبهذا ظهر أن الطيب والنظافة قريبان في المعنى كما ذكرنا، وكل منهما يشمل
الظاهر والباطن، ونحن إنما جعلنا الطيب متعلقاً بالباطن، والنظافة بالظاهر لبيان نوع
من الفرق فيما نحن فيه، ولكنهما في المآل واحد، فليفهم.
وقوله: (كريم يحب الكرم) الكرم ضد اللؤم، و(الجود) ضد البخل، قالوا:
إذا وصفت أحداً بالكرم فكأنك وصفت بمجموع الأخلاق الحميدة والأفعال الجميلة،
وفي (الصراح)(٣): كرم بفتحتين: جوان مردي وعزيزي، نقيض لؤم، والجود:
(١) كذا في ((المجمع)) و((النهاية))، وفي ((اللسان)) (٩/ ٣٣٦): ((السؤال))، فليتأمل.
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٧٥٣ - ٧٥٤).
(٣) ((الصراح)) (ص: ٤٩٠).

٤٥٣
(٢٢) كتاب اللباس
فَتَظِّفُوا أُرَاهُ قَالَ: أَفْنِيَكُمْ، وَلاَ تَشَبَّهُوا بِالْبُهُودِ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِك لِمُهَاجِرٍ
ابْنِ مِسْمَارٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِهِ عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِهِ عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ مِثْلَهُ إِلَّ أَنَّهُ
قَالَ: ((نَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧٩٩].
٤٤٨٨ - [٧٠] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ
يَقُولُ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ أوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ، وَأَوَّلَ النَّاسِ
اخْتَنَ، وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ شَارِبَهُ، وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ:
مَا هَذَا؟ قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَقَارٌ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: رَبِّ زِدْنِي وَقَاراً.
رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢ / ٩٢٢].
جوانمردي كردن.
وقوله: (فنظفوا) لما ذكر محبة الله النظافة أمر بالتنظيف في جميع الأشياء حتى
(الأفنية) جمع فناء بكسر الفاء، وهو ساحة البيت وما اتسع من أمامه، ثم أكده بترك
التشبه باليهود في عدم تنظيف الأفنية، وفيه أيضاً رعاية الكرم والجود فإن ساحة الدار
إذا كانت لطيفة نظيفة كان أدعى لجلب الضيفان وورودهم.
وقوله: (أراه) أي: قال الراوي عن ابن المسيب أظنه قال: أفنيتكم، أي: ذكر
مفعول (نظفوا) صريحاً كما في رواية عامر عن أبيه سعد بن وقاص.
٤٤٨٨ - [٧٠] (يحيى بن سعيد) قوله: (كان إبراهيم خليل الرحمن أول الناس
ضيف الضيف) الحديث، ونقل عن السيوطي في (حاشية الموطأ)(١): وأول من قص
(١) ((تنوير الحوالك)) (٢ / ٢٢٠).

٤٥٤
(٤) باب التصاوير
٤ - باب التصاوير
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥ / ٥
٤٤٨٩ - [١] عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((لاَ تَدْخُلُ الْمَلاَئِكَةُ
بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلاَ تَصَاوِيرٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٤٩، م: ٢١٠٦].
أظافيره، وأول من فرق، وأول من استحد، وأول من تسرول، وأول من خضب بالحناء
والكتم، وأول من خطب على المنبر، وأول من قاتل في سبيل الله، وأول من رتب
العسكر في الحرب ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة وقلباً، وأول من عانق، وأول من
ثرد الثريد، وللسيوطي كتاب في الأوائل ذكر فيها من غرائب الأمور رحمه الله.
٤ - باب التصاوير
جمع تصوير، مصدر صوّرته، والمراد هنا الصور المصنوعة ذواتها، وفي
(الصراح)(١): تصاوير صورتهائ* بر أنگیختن از چوب و گل وجزآن.
الفصل الأول
٤٤٨٩ - [١] (أبو طلحة) قوله: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تصاوير)
قالوا: المراد كلب يحرم اقتناؤه بخلاف كلب الصيد والحراسة ومحافظة الزرع
والماشية، وصورة لا تمتهن بخلاف صورة البساط والوسادة وأمثالهما، فإن وجودهما
لا يمنع دخول الملائكة، وقيل: الأظهر أنه عام في كل كلب وصورة يمنع دخول الملائكة
وإن لم يحرم لإطلاق الأحاديث الواردة في الباب، وكما يعلم من الحديث الثاني
والرابع، والمراد بالملائكة من عدا الكتبة والحفظة؛ فإنهم لا يفارقون الإنسان في
حال من الأحوال .
(١) ((الصراح)) (ص: ١٩٢).

٤٥٥
(٢٢) كتاب اللباس
٤٤٩٠ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس عَنْ مَيْمُونَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلهَ أَصْبَحَ
يَوْماً وَاحِماً، وَقَالَ: ((إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِيَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَلْقَنِي،
أَمَ وَاللهِ مَا أَخْلَفَتِي)). ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَهُ، فَأَمَرَ بِهِ
فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيدِهِ مَاءً، فَتَضَحَ مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى لَفِيَهُ جِبْرِيلَ، فَقَالَ:
(لَقَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ، قَالَ: أَجَلْ،
٤٤٩٠ - [٢] (ابن عباس) قوله: (واجماً) الواجم كصاحب، والوجم، ككتف:
العبوس المطرق لشدة الحزن، وجم يجم كوعد يعد وجماً ووجوماً: سكت على
غيظ، كذا في (القاموس)(١).
وقوله: (أم) مرخم (أما) حرف التنبيه.
وقوله: (ما أخلفني) معناه لم يخلفني قط، فهو تحسر على إخلافه الآن، أو
لا يخلفني من غير عذر وعلة، فلا جرم يكون هنا ما منعه، فتفكر فيه (فوقع في نفسه
جرو كلب) وهو مثلثة: ولد الكلب والأسد، و(الفسطاط) في الأصل اسم للقبة تكون
في السفر، والمراد هنا ستر كان في البيت بحجلة ونحوها، وفي بعض الروايات:
(تحت سريره).
وقوله: (فقال: لقد كنت وعدتني) فإن قلت: قد علم ◌َّ أن المانع من ملاقاته
وجود الجرو، ثم ما فائدة سؤاله عنه؟ قلت: كأنه غلب على ظنه ◌َّ مانعية الكلب،
ثم بعد سؤال عنه حصل الجزم، ولم يوح إليه ذلك بعد، والله أعلم.
وقوله: (البارحة) إذا ذكرت الليلة التي مضت قبل الزوال يقال: الليلة بالفارسية
إمشب، وبعد الزوال يعبر بالبارحة يعني دي شب .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٧٤).

٤٥٦
(٤) باب التصاوير
وَلَكِنَّا لَاَ نَدْخُلُ بَيْاً فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ صُورَةٌ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِوَّهِ يَوْمَئِذٍ، فَأَمَرَ
بِقَتْلِ الْكلاب حَتَّى إِنَّ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْخَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْخَائِطِ
الْكَبِيرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٠٥].
٤٤٩١ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِّ ◌َ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْنِهِ شَيْئاً
فِيهِ تَصَالِیبُ .
وقوله: (ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب) يعلم من هذا الحديث أن وجود الكلب
مانع عن دخول الملائكة وإن لم يحرم؛ لأن اختفاء الكلب تحت الفسطاط من غير علم
به يكون عذراً صحيحاً في تركه فلا يحرم، ومع ذلك منع جبرئيل عن الدخول.
وقوله: (حتى إنه يأمر) والظاهر حتى إنه أمر، وأتي بصيغة المضارع حكاية عن
الحال الماضية استحضاراً لتلك الصورة.
وقوله: (كلب الحائط الصغير) لعدم شدة الاحتياج إلى اقتنائه بخلاف الحائط
الكبير .
٤٤٩١ - [٣] (عائشة) قوله: (فيه تصاليب) جمع تصليب بمعنى تصوير صورة
الصليب، ثم أطلق على الصليب نفسه كتسمية المصور بالتصوير، ثم جمعه على
التصاوير، والصليب بفتح الصاد وكسر اللام: هو الذي للنصارى، وصورته: أن يوضع
خشبة على أخرى بصورة التقاطع يحدث منه المثلثان على صورة المصلوب، وأصله
أن النصارى يزعمون أن اليهود صلبوا عيسى عليه فحفظوا هذا الشكل تذكراً لتلك الصورة
الغريبة الفظيعة وتحسراً عليها وعبدوه، وفي (الصراح)(١): الصليب: جلباي ترسايان،
ويقال: ثوب مصلب للذي فيه صور الصليب، وقيل: المراد بالتصاليب: التصاوير،
(١) (الصراح)) (ص: ٣٩).

٤٥٧
(٢٢) كتاب اللباس
إِلَّ نَقَضَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٩٥٢].
٤٤٩٢ - [٤] وَعَنْهَا أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا
رَسُولُ اللهِنَّهِ قَامَ عَلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفْثُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ،
قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، مَاذَا أَذْنَبَّتُ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟)) قُلْتُ(١): اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا
وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ)). وَقَالَ: (إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّورَةُ
لاَ تَدْخُلُهُ الْمَلاَئِكَةُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٦١، م: ٢١٠٧].
كذا اختاره الطيبي (٢)، وفي (مجمع البحار)(٣): التصاليب جمع تصليب وهو تصوير
الصليب، وهو مثلث كالتمثال يعبده النصارى، والمراد هنا الصور.
وقوله: (إلا نقضه) أي: قطعه وأزاله.
٤٤٩٢ - [٤] (وعنها) قوله: (نمرقة) بضم النون والراء وبكسرهما، وفي بعض
الحواشي نقلاً عن السيوطي: مثلثة النون والراء: الوسادة، وجمعه نمارق، قوله تعالى:
﴿وَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ﴾ [الغاشية: ١٥].
وقوله: (فعرفت) على صيغة الغائبة، وقد يروى على لفظ المتكلم.
وقوله: (أتوب إلى الله وإلى رسوله) كررت الجار تأكيداً وقصداً إلى التوبة،
والرجوع إلى رسول الله مستقلًا.
وقوله: (إن البيت الذي فيه الصورة لا تدخله الملائكة) دل هذا الحديث على
(١) في نسخة: ((قالت)).
(٢) (شرح الطيبي)) (٨ / ٢٧٣).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣ / ٣٤٢).

٤٥٨
(٤) باب التصاوير
٤٤٩٣ - [٥] وَعَنْهَا: أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ لَهَا سِتْراً فِيهِ
تَمَاثِيلُ، فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ فَكَانَتَا فِي الْبَيْتِ يَجْلِسُ
عَلَيْهِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٧٩، م: ٢١٠٧].
عدم دخول الملائكة في بيت فيه صورة وإن كانت مباحة؛ لأن التصوير على الوسادة
مباح كما دل الحديث السابق على الكلب عن الدخول وإن لم يحرم، هذا وقد يختلج
أن جواز التصوير في الوسادة ونحوها مع منعه عن دخول الملائكة ما فائدته وأیش
ثمرته مع لزوم هذا المحذور في استعماله؟ ويجاب أن ثمرته أنه ليس على استعماله
عقاب وإن فيه حرماناً عن بركات دخول الملائكة، أو يقال: التصوير مانع عن دخول
الملائكة في البيت لا في غيرها، والله أعلم.
٤٤٩٣ - [٥] (عائشة) قوله: (على سهوة) في (النهاية)(١): هي بيت صغير
منحدر في الأرض قليلاً شبيه بالمخدع والخزانة، وقيل: هي كالصُّفة تكون بين يدي
البيت، وقيل: شبيه بالرفّ أو الطاق يوضع فيه الشيء، وفي (القاموس) (٢): هي الصفة
أو المخدع بين بيتين أو شبه الرَّف والطاق يوضع فيه الشيء، أو بيت صغير شبه الخزانة
الصغيرة، أو أربعة أعواد أو ثلاثة يعارض بعضها على بعض، ثم يوضع عليه شيء
من الأمتعة .
وقوله: (وكانتا في البيت) قيل: لم تكن هذه التماثيل الصور المحرمة التي هي
صور الحيوانات ولم يكن هتك الستر لذلك، بل لما يأتي في الحديث الآتي: (إن الله
لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين)، ولو فرضنا أنها منها كانت رؤوسها مقطوعة،
ومعنى الهتك: القطع ومحو الصور التي فيها، وقد حصل ذلك بالهتك.
(١) ((النهاية)) (٢ / ٤٣٠).
(٢) (القاموس المحيط)) (ص: ١١٩٣).

٤٥٩
(٢٢) كتاب اللباس
٤٤٩٤ - [٦] وَعَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ خَرَجَ فِي غَزَاةٍ، فَأَخَذَتْ نَمَطأً
فَسَتَرَّتْهُ عَلَى الْبَابِ، فَلَمَّا قَدِمَ فَرَأَى النَّمَطَ، فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ
اللهَلَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٥٤، م: ٢١٠٧].
٤٤٩٥ - [٧] وَعَنْهَا عَنِ النَّبِّ(١) وَّهِ قَالَ: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ
الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٥٤، م: ٢١٠٧].
٤٤٩٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ:
..
((قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً.
٤٤٩٤ - [٦] (وعنها) قوله: (نمطاً) النمط: بساط لطيف له خمل يجعل على
الهودج، وقد يجعل ستراً.
وقوله: (إن الله تعالى لم يأمرنا) ظاهر اللفظ لا يدل على النهي، ولكنه يمكن
أن يجعل كناية عن ذلك كما يقتضيه المقام، وفيه إشارة إلى أن المؤمن المتقي ينبغي
أن يقصر فعله على الواجب والمندوب، ولا يفعل إلا ما أمر به، ويرفع همته عن
المباح وما أذن فيه، فافهم.
وقيل: كان في ذلك النمط صور الخيل ذوات الأجنحة فأتلف صورها، انتهى.
إن كان ورود ذلك في الرواية فذاك، ولكن لا يخفى أن سياق الحديث يدل على أن
المنع والهتك لم يكن من جهة التصوير بل لكراهة كسوة الجدار.
٤٤٩٥ - [٧] (وعنها) قوله: (الذين يضاهون) أي: يشابهون، ضاهاه: شاكله
وشابهه .
٤٤٩٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فليخلقوا ذرة) كأنه قال: التصوير ليس بخلق
(١) في نسخة: ((رسول الله)).

٤٦٠
(٤) باب التصاوير
أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٥٣، م: ٢١١١].
٤٤٩٧ _ [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَّو
يَقُولُ: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً عِنْدَ اللهِ الْمُصَوِّرُونَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٥٠،
م: ٢١٠٩].
حقيقة، بل هو تركيب المواد التي خلقها الله تعالى فيتوهم ويشتبه بما يخلق، فإن ادعوا
بخلق حقيقة فليخلقوا ذرة ما هو أصغر الخلائق، والمراد بالذرة النملة الصغيرة أو
ما يرى في كوة البيت من شعاع الشمس، ولعل الأظهر المعنى الأول؛ لأن الذرة
بالمعنى الثاني لا وجود له إلا وهميًّا وإن كان المبالغة في هذا أكثر، وذكر (الشعيرة)
بعد (الحبة) تخصيص بعد التعميم لتعارف ذكرها من الحبوب في مقام التقليل، ويمكن
أن يراد بالحبة ذلك الحب الأحمر الذي يعد في الوزن نصف الطَّسُوج، وقد يجيء
الحبة بمعنى القطعة من الشيء، كما ذكر في (القاموس)(١).
٤٤٩٧ - [٩] (عبدالله بن مسعود) قوله: (أشد الناس عذاباً عند الله المصورون)
ليس في هذه الرواية (إن) ولا (من)، ولكن معنى (من) مراد، أو المراد أشد الناس
استحقاقاً للعذاب عنده تعالى هؤلاء لكمال غضبه وسخطه عليهم، وفي بعض الروايات:
(إن من)، ويشكل عليه رفع (المصورون)، فيقال: ضمير الشأن مقدر، وقيل: (من)
زائدة، ولكن في تأثير الزيادة في عدم جريان الأحكام اللفظية خفاء، فتدبر.
ثم قالوا: إن هذا الوعيد في حق من يصور الأصنام لتعبد من دون الله، ولا شك
أن هذا الشخص كافر أشد كفراً يستحق أشد العذاب، وقيل: من يفعل ذلك على قصد
المضاهاة والمشابهة بالله في خلقه، وهو أيضاً كافر كالأول، ومن لم يفعل لهذا فهو
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٠).