النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
(٢١) كتاب الأطعمة
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٢٩٣ - [٨] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنْ
نَبِيِذِ الْجَرِّ الأَخْضَرِ، قُلْتُ: أَنَشْرَبُ فِي الأَنْيَضِ؟ قَالَ: ((لاَ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[خ: ٥٥٩٦].
٥- باب تغطية الأواني وغيرها
في هذا الباب على مذهب الشافعي، ولعل هذا هو مراد إمامنا الأعظم بقوله: إن ما عدا
الخمر حرام لعلة الإسكار، لكن أصحابنا يصرحون بخلاف ذلك، ومرّ الكلام فيه في
(باب حد شرب الخمر)، والله أعلم.
الفصل الثالث
٤٢٩٣ - [٨] (عبد الله بن أبي أوفى) قوله: (قال: لا) يعني: إنما ذكرت الأخضر
لأجل العادة؛ لأن أكثر ما يجعلون الخمور فيها وإلا فالأخضر وغيره سواء، وهذا
الحديث في حكم ما مرّ من حديث ابن عمر: أنه نهى عن الدباء والحنتم ... إلخ،
وقد عرف أنه منسوخ فهذا أيضاً كذلك.
٥ - باب تغطية الأواني
وفي بعض النسخ: (وغيرها)، وهو عطف على (تغطية)، والضمير لها، أي:
هذا الباب في ذكر الأحاديث الواردة في تغطية الأواني في الليل وغيرها كإغلاق الأبواب
وإطفاء المصابيح وغير ذلك.

٣٢٢
(٥) باب تغطية الأواني وغيرها
* الفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٢٩٤ - [١] عَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِذَا كَانَ جِنْحُ اللَّيْلِ
أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَشِرُ حِيْئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ
اللَّيْلِ فَخَلَّهُمْ وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَفْتَحُ
بَاباً مُغْلَقاً.
الفصل الأول
٤٢٩٤ - [١] (جابر) قوله: (جنح الليل) الجنح بضم الجيم وكسرها بمعنى
قطعة من الليل، ويكون المراد هنا القطعة الأولى، ويجيء بمعنى الظلام أيضاً وهو
أيضاً محمول على الأول؛ لأن المراد حدوثه بعد أن لم يكن وهو يكون أول بقرينة
قوله: (أو أمسيتم) على طريق شك الراوي؛ لأن الشك هنا إنما هو في اللفظ، والمعنى
واحد، فيكون جنح الليل بمعنى المساء.
وقوله: (فإن الشيطان ينتشر حينئذٍ) المراد الجنس، ثم الظاهر أن المراد شيطان
الجن، فمن يكون من الجن فاسقاً متمرداً ضارًّا شريراً يسمى شيطاناً، كذا ذكر البعض،
ويحتمل أن يحمل على ما يشمل شياطين الإنس أيضاً.
وقوله: (وأغلقوا) من الإغلاق وهي اللغة الفصحى، وغَلَقَ مجرداً لغة ردية
متروكة، وشدد في ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ﴾ [يوسف: ٢٣] للكثرة.
وقوله: (لا يفتح باباً مغلقاً) وقيل: إن المراد بالشيطان هنا شيطان الإنس؛ لأن
غلق الأبواب لا يمنع شيطان الجن، وهو ليس بشيء؛ لأن المراد بالغلق الغلقُ المذكور
فيه اسم الله كما يدل عليه سياق الحديث، وتصرح به الروايات الأخر، فالشياطين وإن
كان لهم تصرف ونفوذ في الأبواب والجدران فذكر اسم الله يمنعه، وذلك ظاهر.

٣٢٣
(٢١) كتاب الأطعمة
وَأَوْكُوا قِرَبَّكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَخَمِّرُوا آَنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَلَوْ أَنْ
تَعْرِضُوا عَلَيْهِ شَيْئاً، وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ)). مُتَّفَقٌ عَليْهِ. [خ: ٣٢٨، ٥٦٢٣،
م: ٢٠١٢ ] .
٤٢٩٥ - [٢] وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: قَالَ: ((خَمِّرُوا الآنِيَةَ، وَأَوْكُوا
الأَسْقِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَاكْفِتُوا صِبْيَانِكُمْ عِنْدَ الْمَسَاءِ،.
وقوله: (وأوكوا) هكذا في جميع النسخ في جميع الروايات التي ذكرت في
هذا الباب من غير همز، وهو الصواب كما عرفت.
وقوله: (ولو أن تعرضوا) من باب ضرب ونصر، من عرضت العود على الإناء،
ونقل عن الأصمعي أن الثاني أفصح في هذا المعنى، وأما في معنى عرض الحكاية
أو عروض شيء الشيء، فالأشهر فيه كسر العين. ولو متصلة، و(أن تعرضوا) فاعل
فعل محذوف، أي: ولو ثبت العرض، ويجوز أن تكون شرطية، وجوابه محذوف،
يدل عليه قوله في رواية مسلم: (فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عوداً
فليفعل).
٤٢٩٥ - [٢] (جابر) قوله: (وأجيفوا الأبواب) أي: ردّوها، أجاف الباب:
ردَّه.
وقوله: (واكفتوا) من الكفت، كفت الشيء إليه: ضمّه وقبضه کكفّته، كذا في
(القاموس)(١)، ويظهر منه أنه يجيء من باب الإفعال أيضاً، ولكن الرواية هنا من
الكفت .
وقوله: (عند المساء) ظاهر العبارة أن هذا متعلق بالأفعال الأربعة كلها، فينبغي
أن يراد وقت ممتد ابتداؤه من المساء إلى ذهاب ساعة من الليل حين يقرب وقت الرقاد
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٥٩).

٣٢٤
(٥) باب تغطية الأواني وغيرها
فَإِنَّ لِلْجَنِّ انْتِشَاراً وخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ، فَإِنَّ الْقُوَيْسِقَةَ
رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ)). [خ: ٣٣١٦].
الذي هو وقت غلق الأبواب، وإيكاء القرب، وتخمير الآنية، ويحتمل أن يكون متصلاً
بـ (اكفتوا صبيانكم) كما يدل عليه قوله: (فإن للجن انتشاراً وخطفة) فيكون حاصل
المعنى أنه إذا دخل الليل كفوا صبيانكم عن الخروج من أوله؛ لأنه وقت انتشار الشياطين،
فإذا ذهب ساعة خلوهم، وافعلوا هذه الأفعال من الإغلاق والإيكاء والتخمير، وعلى
هذا التوجيه هذه الرواية توافق اللفظ المتفق عليه، ومقصود المؤلف من ذكر الروايات
المتعددة هنا هو تفسير بعضها ببعض وحمله عليه، فافهم.
وقوله: (وخطفة) الخطفة: السلب، اختطفه: اسْتَلَبَهُ، ومعناه بالفارسية: ربودن،
وإما أن يراد خطفهم الناس والصبيان، وقد يقع ذلك أحياناً وإن كان نادراً، أو المراد
خطف عقولهم وأبصارهم والمكر بهم وإيذائهم وإضرارهم، والله أعلم.
وقوله: (فإن الفويسقة) تصغير فاسقة، والمراد بها الفأرة لخروجها من جحرها
بالفساد على الناس، وهي من الخمس الفواسق التي يقتلن في الحرم، وقال في
(القاموس)(١): الفويسقة: الفأرة لخروجها من جحرها على الناس، والفسق: الخروج،
والظاهر من كلامه أنها من الأسماء الغالبة على الفأرة، ولو حمل على معنى الوصف
وحذف قبلها موصوف، أي: الدابة أو نحوها، وأريد منها هنا الفأرة بقرينة المقام لكان
أيضاً وجهاً، كما لا يخفى.
وقوله: (ربما اجترت) في (القاموس)(٢): الجر: الجذب كالاجترار.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٤٦).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٤٠).

٣٢٥
(٢١) كتاب الأطعمة
٤٢٩٦ - [٣] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ((غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ،
وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَخُلُّ سِقَاءً، وَلاَ يَفْتَحُ
بَاباً، وَلاَ تَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّ أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُوداً
وَيَذْكُرَ اسْمَ اللهِ فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ الْقُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ)). [م:
٢٠١٢].
٤٢٩٧ - [٤] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ: ((لاَ تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ
إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ.
٤٢٩٦ - [٣] (جابر) قوله: (غطوا) بفتح المعجمة وتشديد المهملة بمعنى
خمروها .
وقوله: (لا يحل) بضم الحاء من نصر ينصر، وأما الذي بمعنى النزول بالضم
والكسر، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌ﴾ [طه: ٨١]، والمراد عند
ذكر اسم الله عليها بقرينة الأحاديث المصرحة بذلك، وبقرينة السياق من قوله: (فإن
لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عوداً ويذكر اسم الله عليه)، فإن المقصود
ذكر اسم الله على الكل، ولكنه خصص هذه الصورة به؛ لأنه قد قصر ولم يبالغ في
التغطية فيكون ذكر اسم الله تلافياً وجبراً لهذا النقصان، فافهم.
وقوله: (تضرم) من الإضرام، وقد يجعل من التضريم، والمراد توقد وتحرق.
٤٢٩٧، ٤٢٩٨ - [٤، ٥] (جابر) قوله: (فواشيكم) جمع فاشية وهي الماشية
وزناً ومعنىّ: ما ينتشر من الإبل والبقر والغنم.
وقوله: (فحمة العشاء) أي: إقباله وأول ساعاته، قال الطيبي(١): الفحمة:
(١) ((شرح الطيبي)) (٨ / ٢٠١).

٣٢٦
(٥) باب تغطية الأواني وغيرها
يَبْعَثُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ)). [م: ٢٠١٣].
٤٢٩٨ - [٥] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ: ((غَطُوا الإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ،
فَإِنَّ فِي السَّنَّةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لاَ يَمُؤُّ بِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٌ لَيْسَ
عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلاَّ نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ». [م: ٢٠١٤].
٤٢٩٩ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ أَبُو حُمَيْدٍ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ النَّقِيعِ
◌ِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ وَهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَلَّ خَمَّرْتَهُ وَلَوْ أنْ تَعْرِضَ
عَلَيْهِ عُوداً). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٠٥، ٥٦٠٦، م: ٢٠١١].
٤٣٠٠ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ بَهْ قَالَ: ((لاَ تَتْرُكُوا النَّارَ فِي
بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٩٣، م: ٢٠١٥].
الظلمة التي بين العشائين، والظلمة التي بين العتمة والغداة يقال لها: العسعسة،
وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَّيْلِ إِذَا عَسْمَسَ﴾ [التكوير: ١٧].
٤٢٩٩ - [٦] (وعنه) قوله: (جاء أبو حميد) بلفظ التصغير، وهو أبو حميد
الساعدي .
وقوله: (النقيع) بفتح النون: موضع بوادي العقیق حماہ رسول الله (چ لإبل
الصدقة وغيرها، ووادي العقيق واد مشهور من أودية المدينة الطيبة، ذكره في (كتاب
الحج)، وقد يقرأ: بقيع بالباء الموحدة: مقبرة المدينة مشهور، والصحيح هو الأول،
کذا قیل.
٤٣٠٠ - [٧] (ابن عمر) قوله: (لا تتركوا النار في بيوتكم) نقل من النووي أن
هذه النار شاملة يدخل فيها السراج وغيره، أما القناديل المعلقة فإن خيف بسببها حريق
دخلت في ذلك وإلا فلا بأس لانتفاء العلة، أقول: وعلى هذا القياس لو تركت النار
على وجه لا يخاف منها الشر لا يكون ممنوعاً أيضاً لانتفاء العلة، والله أعلم.

٣٢٧
(٢١) كتاب الأطعمة
٤٣٠١ - [٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ
مِنَ اللَّيْلِ، فَحُدِّثَ بِشَأْتِهِ النَِّيُّ ◌َهِ قَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ النَّارُ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ،
فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٩٤، م: ٢٠١٦].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٤٣٠٢ - [٩] عَنْ جَابِرِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ
نُبَاحَ الْكِلاَبِ وَنَهِيقَ الْحَمِيرِ مِنَ اللَّيْلِ فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ،
فَإِنَّهُنَّ يَرَيْنَ مَا لاَ تَرَوْنَ. وَأَقِلُّوا الْخُرُوجَ إِذَا هَدَأَتِ الأَرْجُلُ، فَإِنَّ اللهَ وَك
يَئُثُّ.
٤٣٠١ - [٨] (أبو موسى) قوله: (عنكم) أي: مجاوزين إضرارها عنكم.
الفصل الثاني
٤٣٠٢ - [٩] (جابر) قوله: (نباح الكلاب) بضم النون وبالموحدة: صياح الكلب
والظبي، كذا في (الصحاح)(١)، وقال في (القاموس)(٢): نبح الكلب والظبي والتيس
والحية كمنع وضرب نبحاً ونَبِيِحاً ونُباحاً.
وقوله: (من الليل) لعل التقييد به اتفاقي أو لانتشار الجن والشياطين في الليل،
والله أعلم.
وقوله: (ما لا ترون) أي: من الشياطين.
وقوله: (إذا هدأت الأرجل) أي: سكنت عن المشي، كناية عن الليل حين
ینام الناس .
(١) ((الصحاح)) (١ / ٤٠٨).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٣٥).

٣٢٨
(٥) باب تغطية الأواني وغيرها
مِنْ خَلْقِهِ فِي لَيْلَتِهِ مَا يَشَاءُ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ
الشَّيْطَانَ لاَ يَفْتَحُ بَاباً إِذَا أُجِيفَ وَذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ، وَغَطُوا الْجِرَارَ، وَأَكْفِئُوا
الآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الْقِرَبَ)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ). [شرح السنة: ١١ / ١٩٢
٤٣٠٣ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عِبَّاسِ قَالَ: جَاءَتْ فَأُرَّةٌ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ، فَأَلْقَتْهَا
بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِوَهِ عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِداً عَلَيْهَا، فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا
مِثْلَ مَوْضِعِ الدِّرْهَمِ فَقَالَ: «إِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ
مِثْلَ هَذِهِ عَلَّى هَذَا، فَيَحْرِقُكُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٤٧].
وقوله: (من خلقه في ليلته ما يشاء) من شياطين الجن والإنس والحيوانات
المؤذيات من الحشرات وغيرها .
وقوله: (إذا أجيف وذكر اسم الله عليه) هذا تصريح بهذا القيد، فيحمل عليه
باقي الألفاظ التي لم يذكر فيها هذا القيد، و(الجرار) بالكسر جمع جرة، وهي الآنية
من الخزف يجعل فيه الماء.
وقوله: (وأكفئوا الآنية) أكفأت الإناء وكفأته: كببته، وقلبته، والمراد بالآنية
غير ما فيها الماء من أواني البيت لئلا يدب شيء ينجسها ويضر.
٤٣٠٣ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (فأرة) بالهمزة وقد يترك همزها تخفيفاً،
(الخمرة) بضم الخاء، السجادة الصغيرة من الحصير يصلي عليها رجل واحد، وكانت
له وَل﴾، وقد وقع ذكره في الأحاديث كثيراً.
وقوله: (فيحرقكم) أي: الشيطان، أسند إليه الإحراق باعتبار التسبب.
تم (كتاب الأطعمة) بعون الله وتوفيقه، ويتلوه (كتاب اللباس).

(٢٢)
كتاب اللباس

(٢٢)
كتاب اللباس
* الفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٣٠٤ - [١] عَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ أَحَبُّ الثَّابِ إِلَى النَّبِيِّ ◌َهِ أَنْ يَلْبَسَهَا
الْحِبَرَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨١٣، م: ٢٠٧٩].
٢٢ - کتاب اللباس
اللباس مصدر بمعنى الملبوس كالكتاب بمعنى المكتوب، والبناء بمعنى المبنى،
والماضي والمضارع منه على حد علم يعلم، وأما الذي بمعنى الالتباس فهو من باب
ضرب يضرب .
الفصل الأول
٤٣٠٤ - [١] (أنس) قوله: (أن يلبسها) أي: لأن يلبسها، أي: لأجل مصلحة
اللبس لا لغيرها كالافتراش والإنفاق مثلاً، وهذا معنى التقييد، (الحبرة) بالرفع إن كان
قوله: (أحب) بالنصب، وبالنصب إن كان بالرفع، اسم كان أو خبره، و(الحبرة) بكسر
الحاء المهملة وفتح الباء ويقال له: الحبير على وزن الخبير، من برود اليمن، من
القطن ولذا أحبه، وفيه خطوط خضر، قيل: لذلك كان يحبه؛ لأن الأخضر من ثياب
الجنة، وقيل: خطوط حمر، والمحبة لاحتمال الوسخ، والله أعلم.
وقوله: (وعن عائشة ◌ّ قالت: خرج رسول الله ◌َّ ذات غداة وعليه مرط مرحل)
رواه مسلم. هذا الحديث ليس في النسخ التي عندنا، والصواب عدمه؛ لأن المؤلف

٣٣٢
(٢٢) كتاب اللباس
٤٣٠٥ - [٢] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ لَبِسَ جُبَّةً رُومِيَّةً
ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٣، م: ٢٧٤].
قد قال في آخر الفصل: وسنذكر حديث عائشة: خرج النبي ◌َّ﴿ ذات غداة، في مناقب
أهل بيت النبي ◌َّ، لكن شرحه الطيبي وموجود في (المصابيح) فلنشرحه، فقوله:
(ذات غداة) من إضافة المسمى إلى الاسم، والموصوف محذوف، أي: مدة ذات، هذا
الاسم كقولهم: ذات مرة، فذات هنا مؤنث ذو، لا بمعنى نفس الشيء وحقيقته،
و(المرط) بكسر الميم وسكون الراء: رداء من صوف أو خز، كذا في (القاموس)(١)،
وفي (النهاية)(٢): المرط من الصوف، وقد يكون من خز وغيره.
وقال الكرماني(٣): المرط بكسر الميم: رداء أو إزار أو ثوب أخضر، و(المرحل)
بفتح الحاء المهملة على وزن معظم: الذي فيه صور رحال الإبل وهي ليس بحرام،
وإنما الحرام ما صور بصور الحيوان، وقد يروى بالجيم يعني المصور بصور الرجال
من الإنسان، ولعله كان قبل تحريم التصاوير، وقيل: المصور بصور المراجل جمع
مرجل بمعنى القدر، وقال النووي (٤): الذي عليه الجمهور من أهل الإتقان روايته
بالحاء المهملة .
٤٣٠٥ - [٢] (المغيرة بن شعبة) قوله: (جبة رومية) وفي بعض الروايات:
جبة شامية .
وقوله: (ضيقة الكمين) وقد جاء في الرواية: ((إذا توضأ أخرج يديه من الكمين))
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٣٣).
(٢) ((النهاية)) (٣١٩/٤).
(٣) ((شرح الكرماني)» (٧ / ٢٠٦).
(٤) ((شرح النووي)) (١٤ / ٢٦١).

٣٣٣
(٢٢) كتاب اللباس
٤٣٠٦ - [٣] وَعَنْ أَبِيِ بُرْدَةَ قَالَ: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ كِسَاءً مُلَبَّداً
وَإِزَاراً غَلِيظاً، فَقَالَتْ: قُبِضَ رُوحُ رَسُولِ اللهِوَِّ فِي هَذَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٣١٠٨، ٥٨١٨، م: ٢٠٨٠].
يعني من ضيقها، وقد جاء أنه لبسها في سفر، وقال صاحب (سفر السعادة)(١):
إنه لا لبس الجبة والقباء والقميص، في (القاموس)(٢): القبة: ثوب معروف، وقال
الكرماني(٣): ثوب مخصوص، وقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار)(٤): الجبة:
ثوب قطع وخيط، وهذا على إطلاقه يشمل القباء والقميص، ويخرج منه الرداء والإزار
والعمامة وأمثالها، وفي (المشارق) أيضاً: القباء: ثوب ضيق من ثياب العجم مشهور،
والظاهر ثوب مخيط ليس له جيب، والقميص الذي له جيب، ويفهم ذلك مما في
(القاموس)(٥) حيث قال: القبوة: انضمام ما بين الشفتين، ومنه القباء من الثياب، وقال
ابن الأثير في (النهاية)(٢): القبو: الطاق المعقود بعضه إلى بعض.
٤٣٠٦ - [٣] (أبو بردة) قوله: (كساء ملبداً) أي مرقعاً صار كاللبدة، في
(القاموس)(٧): تلبد الصوف ونحوه: تداخل ولَزِق بعضه ببعض، واللبدة بالكسر:
بساط معروف، وفي هذا الحديث وأمثاله بيان ما كان صلوات الله وسلامه عليه من
(١) ((سفر السعادة)) (ص: ٢٦١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢١٤).
(٣) ((شرح الكرماني)) (٤ / ٣٥).
(٤) ((مشارق الأنوار)) (١ / ١٣٨).
(٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢١٤).
(٦) ((النهاية)) (٤/ ١٠).
(٧) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٩٩).

٣٣٤
(٢٢) كتاب اللباس
٤٣٠٧ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ الَّذِي يَنَامُ
عَلَيْهِ أَدَماً حَشْوُهُ لِيفٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٥٦، م: ٢٠٨٢].
٤٣٠٨ - [٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ وِسَادُ رَسُولِ اللهِ وَّلـ
الزهادة في الدنيا والإعراض عن متاعها وملاذها، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه وليه
قد لبس في بعض الأحيان أحسن الملابس وأغلاها إما بياناً للجواز وائتلافاً لقلب مهديها
أو رفعاً للتكلف حين حضر ذلك، والأكثر أنه حين لبس مثل هذا اللباس وهبها في
ساعة وألبسها غيره.
وتحقيق المقام أن الأحاديث كما وردت في باب فضيلة الزهد وترك التنعم والترفه
في ملاذ الدنيا وملابسها ومطاعمها والترغيب والتحريض على ذلك، كذلك وقعت
في شأن التجمل والترفيه والترخيص إظهاراً للنعمة والغنى، وتركاً للتكلف، والمعتبر
في ذلك القصد والنية، فترك التجمل ولبس أدون الثياب إن كان للبخل والخسة أو
إظهاراً للفقر والتزهد والطمع فيما أيدي الناس ومرائياً بهم فهو مذموم، وعلى قصد
الزهد والتواضع والإيثار محمود، والتجمل والتزين والترفع ولبس أفخر الملابس إن
كان على وجه التكبر والخيلاء والتفاخر والبطر والإسراف فهو قبيح وحرام، وإن كان
لإظهار النعمة والغناء حتى يقصد إليه الفقراء والمساكين، والتعفف وستر الحال فهو
حسن غير حرام، وهذا هو القول الفصل، وقد وقع البسط في هذا الكلام في (شرح
سفر السعادة)(١) فلينظر ثمة، وبالله التوفيق.
٤٣٠٧ - [٤] (عائشة) قوله: (أدماً حشوه ليف) الأدم بفتحتين: اسم جمع للأدیم،
وهو الجلد المدبوغ المصلح بالدباغ، و(الليف) بكسر اللام: قشر النخل.
٤٣٠٨ - [٥] (عائشة) قوله: (كان وساد) اسم بمعنى الوسادة، وهي المتكأ،
(١) ((شرح سفر السعادة)) (ص: ٤٣٩ - ٤٤٠).

٣٣٥
(٢٢) كتاب اللباس
الَّذِي يَتَّكِىءُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَمِ حَشْؤُهُ لِيفٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٨٢].
٤٣٠٩ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي بَيِْنَا فِي حَرِّ الظَّهِيرَةِ،
قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللهِوَِّ مُقْبِلاً مُتَقَنِّعاً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[خ: ٥٨٠٧].
٤٣١٠ - [٧] وَعَنْ جَابِرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ لَهُ: ((فِرَاشُ لِلرَّجُلِ، ..
والمِخَدَّة، ويثلث، ويجمع على وسد ووسائد، كذا في (القاموس)(١).
٤٣٠٩ - [٦] (وعنها) قوله: (بينا نحن جلوس في بيتنا ... إلخ)، هذا طرف
من حديث الهجرة، فإنه وسيل بعد قضية بيعة العقبة كان منتظراً لنزول الوحي بالهجرة
وتعيين وقتها ومكانها، والصديق به كان يلتمس منه المرافقة، فقال له ◌َّ: نعم إن
أذنت بذلك، فنزل الأمر بالهجرة، فجاء ◌َّله أبا بكر في ظهيرة، فأخبره بذلك، وبشره
بالرفاقة، فخرج في الليلة من طريق خوخة كانت في دار أبي بكر ظلبه إلى جبل ثور
في أسفل مكة، ودخلا غاراً فيه القصة إلى آخرها.
وقوله: (متقنعاً) التقنع: ستر الرأس بالرداء وإلقاء طرفه على الكتف، ويقال له:
التطلس أيضاً بمعنى لبس الطيلسان على الرأس، ودل الحديث على فعله وَ ذلك
وجوازه، وقد خالف فيه بعض الناس، والحديث رد عليهم، وبعضهم قالوا: يجوز
لسبب أو عذر كما فعله ◌َ ﴿ اتقاء الحر أو استخفاء من قريش، والصحيح أنه جائز مطلقاً،
وهو من أفعال الصالحين، وقد روي ذلك عنه وَّه وعظماءِ أصحابه والتابعين، وقد
أشبع الكلام فيه في (سفر السعادة)(٢) فليطلب ثمة.
٤٣١٠ - [٧] (جابر) قوله: (فراش للرجل ... إلخ)، فاعل للفعل المحذوف
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠٧).
(٢) ((سفر السعادة)) (ص: ٢٦٤).

٣٣٦
(٢٢) كتاب اللباس
وَفِرَاشْ لإِمْرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلصَّيْفِ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
٢٠٨٤].
٤٣١١ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّلِ قَالَ: ((لاَ يَنْظُرُ اللهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَراً». مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٨٨، م: ٢٠٨٧].
٤٣١٢ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ(١) النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ
لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٨٤، م: ٢٠٨٥].
أي: يكفي للرجل هذه الثلاثة، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي: الذي يكفي للرجل،
وينبغي له هذه الثلاثة، وما زاد عليه فهو مذموم؛ لأنه محل الخيلاء والمباهات، وهذا
معنى كونه للشيطان، أو المراد أنه لما لم يُحْتَج [إليه] كان عليه مبيت الشيطان ومقيله،
وإفراد الفراش للمرأة لا ينافي أن الأفضل الأوفق للسنة بياته معها؛ لأن ذلك المرض
أو عذر أو لتيسر قيام الليل، ويعلم من ذلك عدم وجوب البيات مع المرأة.
وقوله: (والثالث للضيف) أما إذا كانت العادة كثرة نزول الضيفان، فهل يجوز
جعل الفراش أكثر من ذلك، الظاهر نعم؛ لأنه لا يكون للمباهات والخيلاء، والمدار
على ذلك، كما في اللباس.
٤٣١١ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (جر إزاره بطراً) أي: تكبراً وطغياناً وإن لم
يكن لذلك فلا يحرم، قالوا: ولكن يكره كراهة تنزيه، وأما إذا كان لعذر ينبغي أن لا يكون
مكروهاً كما يفهم مما يجيء في الفصل الثالث من حديث أبي بكر ظه أنه لا يكره
إذا لم يكن للخيلاء وإن كان بغير عذر، فليفهم ذلك.
٤٣١٢ - [٩] (ابن عمر) قوله: (خيلاء) بالضم والكسر: الكبر والعجب، اختال
(١) وفي نسخة: ((عن)).

٣٣٧
(٢٢) كتاب اللباس
٤٣١٣ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ
مِنَ الْخُيَلاَءِ خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ
البُخَارِيُّ. [خ: ٣٤٨٥].
فهو مختال، كذا في (النهاية)(١)، وفي (القاموس) (٢): الخيلاء والخيل والخيلة والمخيلة:
الكبر، ورجل خائل ومختال: متكبر.
٤٣١٣ - [١٠] (وعنه) قوله: (بينما رجل يجر إزاره) الظاهر أنه إخبار عما وقع
في بعض الأمم الماضية، وقيل: المراد منه قارون .
وقوله: (فهو يتجلجل) أي: يتحرك مضطرباً، أي: ينزل في الأرض مع اضطراب
شديد، ويندفع من شق إلى شق، كذا قال الشيخ(٣)، وفي (القاموس) (٤): التجلجل:
السؤوخ في الأرض، والتحرك، والتضعضع.
واعلم أن أكثر ما يقع الجر والإسبال في الإزار، وقد ورد فيه وعید شدید حتی
إنه أمر مسبل الإزار بإعادة الصلاة والوضوء، وقد جاء في الأحاديث في فضل ليلة
النصف من شعبان أنه يغفر فيها للكل إلا للعاق ومدمن الخمر ومسبل الإزار، والتحقيق
أن الإسبال يجري في جميع الثياب، ويحرم فيما زاد على قدر الحاجة، وما ورد به
السنة فهو إسبال، والتخصيص بالإزار من جهة كثرة وقوعه؛ لأن أکثر لباس الناس
في زمان النبوة رداء وإزار، وقد يجيء في الفصل الثالث عن ابن عمر ◌ٍ ﴾ أنه قال
رسول الله وي: (الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جرّ منها شيئاً خيلاء)،
(١) ((النهاية)) (٢ / ٩٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩١٧).
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (١٠ / ٢٦١).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٠٠).

٣٣٨
(٢٢) كتاب اللباس
٤٣١٤ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَا أَسْفَلَ
مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فِي النَّارِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٨٧].
٤٣١٥ - [١٢] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِنَّهِ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ
بِشِمَالِهِ، أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ،
الحديث. ووقع في الأول من حديثي ابن عمر هنا (من جرّ ثوبه) مطلقاً، ثم العزيمة
في الإزار إلى نصف الساق، وكان إزاره كذلك. وقال: (إزرة المؤمن إلى أنصاف
الساقين)، وهذا من إضافة الجمع إلى التثنية أو المقصود تعميم النصف من حقيقته
ومما يقرب منه، والرخصة فيه إلى الكعبين، فما أسفل من الكعبين فهو حرام، وحكم
ذيل القباء والقميص كذلك، والسنة في الأكمام أن يكون إلى الرسغين، والإسبال في
العمامة بإرخاء العذبات زيادة على العادة عدداً وطولاً، وغايتها إلى نصف الظهر،
والزيادة عليه بدعة، وإسبال محرم، وهذا التطويل والتوسيع الذي تُعورف في بعض
ديار العرب من الحجاز ومصر مخالف للسنة وإسراف موجب لإضاعة المال، فما كان
منها بطريق الخيلاء فهو حرام، وما كان بطريق العرف والعادة وصار شعار القوم لا يحرم،
وإن كان الإفراط فيه لائحاً عن كراهة، وحكم النساء كذلك، لكن يستحب لهن الزيادة
على الرجال قدر الشبر، ورخص إلى ذراع تستراً، كذا جاء في حديث أم سلمة ية .
٤٣١٤ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (ما أسفل من الكعبين) أي: ما كان أسفل
أو ما هو أسفل منصوب أو مرفوع، والمراد بكون ما أسفل من الإزار في النار كون
صاحبه فيها بسبب ذلك .
٤٣١٥ - [١٢] (جابر) قوله: (أو يمشي في نعل واحدة) لأنه تشويه ومخالف
للوقار وسبب لعسر المشي، وربما كان سبباً للعثار.

٣٣٩
(٢٢) كتاب اللباس
وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ أَوْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفاً عَنْ فَرْجِهِ. رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٩٩].
وقوله: (وأن يشتمل الصماء) بالواو وفي أخويه بـ (أو)، كذا في جميع النسخ
المصححة، واشتمال الصماء بالمد: هو تجلیل الجسد کله بثوب واحد بلا رفع جانب
يخرج منه اليد، سميت صماء؛ لأنها سدت المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس
فيها صدع، قال في (القاموس)(١): حجر أصم، وصخرة صماء: صُلْبٌ مُصْمَتٌ، وفي
مادة الصمم معنى الثقل والانسداد، ونقل الطيبي عن الفقهاء(٢): هو أن يشتمل بثوب
ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على أحد منكبيه، وإنما يحرم هذا
لأنه ینکشف به بعض عورته.
وقال الشيخ ابن الهمام في (شرح الهداية)(٣): هو أن يَلَفَّ بثوب واحد رأسه
وسائر جسده فلا يدع منفذاً ليده، وهل يشترط عدم الإزار مع ذلك؟ عن محمد:
يشترط، وعن غيره: لا .
وقوله: (أو يحتبي في ثوب واحد كاشفاً عن فرجه) الاحتباء: أن يجلس على
وركيه، وينصب ساقيه، ويجمع الظهر والساقين بثوب أو باليدين، وهذا أكثر جلسة
العرب في مجالسهم، وهي شائعة في الحرم الشريف، وقد جلس رسول الله وَلخير محتبياً
عند الكعبة، فإذا كان الرجل لابساً ثوباً واحداً كالرداء ويحتبي تنكشف عورته ضرورة
إلا أن يكون الرداء واسعاً فحينئذٍ لا بأس بالاحتباء في ثوب واحد لعدم الانكشاف،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٤١).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٨ /٢٠٩).
(٣) ((فتح القدير)) (١ / ٤١٢).

٣٤٠
(٢٢) كتاب اللباس
٤٣١٦، ٤٣١٧، ٤٣١٨، ٤٣١٩ - [١٣، ١٤، ١٥، ١٦] وَعَنْ عُمَرَ
وَأَنَسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((مَنْ لَيِسَ الْحَرِيرَ فِي
الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٣٢، ٥٨٣٣، م: ٢٠٦٩،
٢٠٧٣، ٢٠٧٤].
٤٣٢٠ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ
الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِي الآخِرَة)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٣٥، م:
٢٠٦٨].
وظهر من هذا البيان أن قوله: (كاشفاً) حال منتقلة قيد للاحتباء.
٤٣١٦، ٤٣١٧، ٤٣١٨، ٤٣١٩ - [١٣، ١٤، ١٥، ١٦] (عمر، وأنس،
وابن الزبير، وأبو أمامة) قوله: (لم يلبسه في الآخرة) لعدم صبره لقوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ
طَيِبَتِكُمْفِى حَيَاتِكُمُ الذُّنْيَا وَاُسْتَمْنَعْتُم بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]، وهكذا جزاء ارتكاب الشهوات
المحرمة لعدم الصبر عنها، وقيل: ذلك كناية عن عدم دخول الجنة، وهو خلاف
الظاهر.
٤٣٢٠ - [١٧] (ابن عمر) قوله: (من لا خلاق له في الآخرة) الظاهر أن المراد:
لا نصيب له من لبس الحرير فيها، كما جاء في الحديث الآخر: (لم يلبسه في الآخرة)،
والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، قال في (القاموس)(١): الخلاق، كسحاب: النصيب
الوافر من الخير، وقيل: المراد من لا حظ له في نعيمه، وقيل: من لا اعتقاد له بأمر
الآخرة.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨١٢).