النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ (١٩) كتاب الجهاد أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَذُكِرَ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ: إِذَا أَمَّرَ أَمِيراً عَلَى جَيْشٍ فِي ((بَابِ الْكِتَابِ إِلَى الْكَفَّارِ)). [خ: ٣١٥٦، ٣١٦٧]. الْفَصْلُ الثَّانِي: ٤٠٣٦ - [٢] عَنْ مُعَاذٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ - يَعْنِي مُحْتَلِمٍ - دِينَاراً أَوْ عِدْلَهُ. وقوله: (أخذها من مجوس هجر) في (القاموس)(١): (هجر) محركة: بلدة باليمن يذكر مصروف، وقد يؤنث ويمنع، والنسبة: هجرِي وهاجِرِي، واسم لجميع أرض البحرين، وكانت قرب المدينة ينسب إليها القلال أو ينسب إلى هجر اليمن، وفي (المغني)(٢): (هجر) بفتحتين: قاعدة أرض البحرين، وفي بعض الحواشي(٣): (هجر) بكسر الهاء وفتحها وفتح الجيم: اسم بلد في اليمن، وقيل: اسم قرية في المدينة . الفصل الثاني ٤٠٣٦ - [٢] (معاذ) قوله: (من كل حالم يعني محتلم) الحلم بالضم والضمتين: النوم مطلقاً ونوم البالغ، وفي (القاموس)(٤): الاحتلام: الجماع في النوم، انتهى، والغالب في اسم الفاعل منه محتلم دون حالم، ولذا فسر الحالم بالمحتلم. وقوله: (أو عدله) أي: ما يساويه في القيمة، والعدل بالكسر والفتح: المثل، وقيل: بالفتح ما عدله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه، وقيل بالعكس، (١) (القاموس المحيط)) (ص: ٤٦٠). (٢) ((المغني)) (ص: ٢٨٨). (٣) ((شرح مصابيح السنة)) (٤ / ٤٥٦). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠١١). ١٠٢ (٨) باب الجزية مِنَ الْمَعَافِرِيِّ: ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٣٨]. و(المعافري) بميم مفتوحة وعين مهملة وكسر فاء: نوع من الثياب، نسبة إلى معافر ابن يعفر، كذا في (المغني)(١)، وفي (القاموس)(٢): المعافر بلد وأبو حي من همدان لا ينصرف، وإلى أحدهما تنسب الثياب، وقد وقع في نسخ (المصابيح): (أو عدله معافر) وهو بحذف المضاف، أي: ثياب معافر، أو غلب على الثياب هذا الاسم، والحديث حجة للشافعي على مذهبه في جعل الغني والفقير سواء لإطلاق الحديث، وعندنا يوضع على الغني في كل سنة ثمانية وأربعون درهماً، يؤخذ في كل شهر أربعة دراهم، وعلى وسط الحال أربعة وعشرين درهماً في كل شهر درهمين، وعلى الفقير المعتمل اثنا عشر درهماً في کل شهر درهم. قال في (الهداية)(٣): مذهبنا منقول عن عمر وعثمان وعلي عه ولم ينكر عليهم أحد من المهاجرين والأنصار. وقال التُّورِبِشْتِي(٤): وجه الحديث عند من لا يرى ذلك حدًّا محدوداً في الجزية أن يقول: إن ذلك كان إما على سبيل المواضعة والمصالحة، وإما لأن من أمر بما أخذ منهم كانوا فقراء، ولا بد من الذهاب إلى أحد الوجهين؛ لأن عمر بن الخطاب بعث حذيفة بن اليمان وعثمان بن الأحنف إلى أرض فارس ليضربا الجزية على من دخل في الذمة، وفرّق بين الأغنياء منهم والفقراء، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ونقل مثله عن علي رضي الله عنهم أجمعين. (١) ((المغني)) (ص: ٢٧٠). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤١٢). (٣) ((الهداية)) (٢ / ٤٠١). (٤) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٩٢٥). ١٠٣ (١٩) كتاب الجهاد ٤٠٣٧ _ [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لاَ تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ١/ ٢٢٣، ٢٨٥، ت: ٦٣٣، د: ٣٠٥٣]. ٤٠٣٧ - [٣] (ابن عباس) قوله: (لا تصلح قبلتان في أرض واحدة) الظاهر المتبادر من هذه العبارة أن يحمل هذا كما ذهب بعض أهل العلم على إجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب؛ لأنهم هم الذين كانوا أهل القبلة ذهاباً إلى قوله الآتي : (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)(١) كذا قيل، قال التُّورِبِشْتِي(٢): ليس لفظ الحديث بمنبئ عما ادعاه؛ لأن قوله: (بأرض واحدة) يقتضي معنى العموم، ثم قال: وأرى الوجه فيه - والله أعلم - أن يقال: معنى قوله: (لا تصلح قبلتان) أي: لا يستقيم دينان بأرض على سبيل المظاهرة والمعادلة، أما المسلم فليس له أن يختار المقام بين ظهراني قوم كفار، وأما الذي يخالف دينه دين الإسلام، فلا يُمكّن عن الإقامة في دار الإسلام إلا ببدل الجزية، ثم لا يؤذن له في الإشادة بدينه ولا إشاعة شعائره، انتھی . وحاصله أنه نهى عن إقامة المسلم في دار الحرب، وحلوله فيهم محل الذي فينا واختيار الذلة والصغار فيهم، ومن ترك الكفار في دار الإسلام من غير جزية مع جريانه على إشادة أحكام الكفر وشعائره، ففي الصورتين يكون دين الإسلام والكفر متعادلين متظاهرين متساويين في القوة، بل ينبغي أن يكون المسلمون على قوتهم وعزتهم، والكافرون على الذلة والهوان، فافهم. وقوله: (وليس على المسلم جزية) اختلفوا في معنى هذه العبارة أيضاً، فقيل: (١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٠٥٣)، ومسلم في صحيحه (١٦٣٧). (٢) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٩٢٦). ١٠٤ (٨) باب الجزية إن المراد بالجزية هاهنا الخراج الذي وضع على الأراضي التي فتحت صلحاً وتركت في أيدي أهل الذمة، وضرب عليهم الخراج، فإذا أسلموا سقط عنه الخراج عن أراضيهم، وسقطت الجزية عن رؤوسهم حتى يجوز لهم بيعها، بخلاف ما لو صولحوا على أن تكون الأراضي لأهل الإسلام وهم يسكنون بها بخراج وضع عليهم، أو فتح عنوة وضرب عليهم الخراج فإنه لا يسقط بإسلامهم، كذا ذكروا، والأكثرون على أن المراد من أن من أسلم من أهل الذمة قبل أداء ما وجب عليه من الجزية؛ فإنه لا يطالب لأنه مسلم، وليس على المسلم الجزية . قال التُّورِبِشْتِي(١): وهذا قول سديد لو صحّ لنا وجه التناسب بين الفصلين يعني بين الكلامين المذكورين، أحدهما: قوله: (لا تصلح قبلتان في أرض واحدة)، والآخر: قوله: (وليس على المسلم جزية)، انتهى. ولا يخفى أن حال القول الأول أيضاً كذلك، ثم قال: اللهم إلا أن يكون النبي ◌َّه لم يوصل بينهما على أنهما حديثان اثنان، فأدرج الصحابي أو الراوي عنه أحدهما في الآخر، ومما يدل على ذلك أن أبا داود أخرجه عن ابن عباس ولم يزد قوله: (ليس على المسلم جزية)، انتهى. وأقول: على تقدير كون الحديث واحداً لا يجب أن يكون بين الفصلين تناسب؛ لأنه يمكن أن يكون قد جرى الكلام في حضرته وّه في المسألتين بأن سأل بعض الصحابة عن أحدهما وبعضهم عن آخر، فأجاب كلا الطائفتين بكلامين، ومثل هذا كثير في الأحادیث، فتدبر . (١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٩٢٦). ١٠٥ (١٩) كتاب الجهاد ٤٠٣٨ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِوَهِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ فَأَخَذُوهُ، فَأَتَوْا بِهِ فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَّةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٣٧]. ثم اعلم أنه إن حمل هذا الكلام - أعني قوله: (وليس على المسلم جزية) - على ظاهره فوجه التناسب بين الفصلين على المعنى الأول بقوله: لا تصلح قبلتان في أرض واحدة، الذي نقلنا وادعينا أنه الظاهر المتبادر أيضاً غير ظاهر، فيحمل على ما ذكر التُّورِبِشْتِي من جمع الراوي الحديثين في حديث واحد، وأما على المعنى الذي رآه التُّورِبِشْتِي وجهاً، فوجه التناسب أن المسلم إذا اختار استيطان أرض يتولاها الكفار فقد أحل نفسه فيهم منزلة الذمي وتوسم تسمية من ضرب عليه الجزية، فقال: لا ينبغي له ذلك؛ لأن المسلم ليس عليه جزية، فتأمل . ٤٠٣٨ - [٤] (أنس) قوله: (إلى أكيدر دومة) (أكيدر) بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون الياء فدال مهملة مكسورة فراء: اسم ملك، (دومة) بضم الدال وقد يفتح: من بلاد الشام قريب تبوك، كان نصرانياً، وله قصة ذكرت في أسماء الرجال. قوله: (فأخذوه) الضمير المرفوع للصحابة الذين كانوا مع خالد، والمنصوب لأکیدر. وقوله: (فأتوا به) أي: عند رسول الله مَّله، وكان رسول الله بَل قد نهاهم أن يقتلوه، وقال: ابعثوه إليّ فبعثوا به إلى رسول الله وَ ﴾ (فحقن له دمه) أي: لم يقتله يقال: حَقَنَ دم فلان: أنقذه من القتل (١)، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه. (١) انظر: ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٩٧). ١٠٦ (٨) باب الجزية ٤٠٣٩ - [٥] وَعَنْ حَرْبِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ جَدِّهِ أَبِي أُمْهِ عَنْ أَبِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٣/ ٤٧٤، د: ٣٠٤٨]. ٤٠٤٠ - [٦] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنََّ نَمَرُّ بِقَوْمٍ فَلاَ هُمْ يُضَيِّفُونَ، وَلاَ هُمْ يُؤَدُّونَ مَا لَنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ، وَلاَ نَحْنُ تَأْخُذُّ مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: ((إِنْ أَبَوْا إِلاَّ أَنْ تَأْخُذُوا كُرْهاً فَخُذُوا)) .. ٤٠٣٩ - [٥] (حرب بن عبيدالله) قوله: (إنما العشور على اليهود والنصارى، وليس على المسلمين عشور) جمع عشر، بل عليهم ربع عشر، قالوا: المراد بالعشر هنا: عشر مال التجارة لا عشر الصدقات، إذ على المسلمين عشور الصدقات في غلات أرضهم، قال الخطابي(١): الذي يلزم اليهود والنصارى من العشر هو ما صولحوا عليه وقت العقد وشرط عليهم فيه، فإن لم يصالحوا على شيء لا يلزم إلا الجزية، وبه قال الشافعي، انتهى. وعندنا إن أخذوا العشور منا إذا دخلنا بلادهم للتجارة أخذنا منهم إذا دخلوا بلادنا وإلا فلا . ٤٠٤٠ - [٦] (عقبة بن عامر) قوله: (إنا نمرّ بقوم) أي: في الغزوات، أي: ولا نجد من الطعام ما نشتري بالثمن ولا يبيعون منا. وقوله: (فلا هم يضيفونا) بتخفيف النون وتشديدها، وروي: (فلا يضيفوننا) بالنونين، وقد كانت الضيافة شرطاً إذا اضطروا. وقوله: (ولا نحن نأخذ منهم) أي: بالإكراه. وقوله: (إن أبوا) أي: عن الإعطاء فخذوه، أي: بالإكراه، وقد مرّ مثل هذا (١) «معالم السنن)) (٣/ ٤٠). ١٠٧ (١٩) كتاب الجهاد رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٥٨٩]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٠٤١ - [٧] عَنْ أَسْلَمَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ضَرَبَ الْجِزْبَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْلِ الوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً، مَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ وَضِيَافَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. رَوَاهُ مَالِكَ. [ط: ١ / ٢٧٩]. ٩-باب صلح في أوائل الكتاب في (الفصل الثاني) من (باب الاعتصام بالكتاب والسنة) من حديث المقدام بن معدي کرب. الفصل الثالث ٤٠٤١ - [٧] (أسلم) قوله: (مع ذلك) حال، و(أرزاق) فاعل الظرف أو مبتدأ والظرف خبره. ٩ - باب الصلح من الصلاح، والصلوح ضد الفساد، وفي (القاموس)(١): الصلح بالضم: السلم ويؤنث، وقال في (باب الميم): السِّلم بالكسر: الصلح ويفتح ويؤنث، ولقد صالح رسول الله ﴿ كفار مكة عام الحديبية، وكان في سنة ست على وضع الحرب عشر سنين، فلما مضى ثلاث سنين نقضوا عهدهم بإعانتهم بني بكر على حرب خزاعة حلفاء رسول الله عليه، ومحارب حليف الشخص محارب ذلك الشخص، والقصة مذكورة (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٢٣، ١٠٣٣). ١٠٨ (٩) باب الصلح : الْفَصْلُ الأَوَّلُ: * ٤٠٤٢ _ [١] عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالاً: خَرَجَ النَّبِيُّ نَّهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِئَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ، . في كتب السير. الفصل الأول ٤٠٤٢ - [١] (المسور بن مخرمة) قوله: (عام الحديبية) قرية قريب مكة على نحو اثني عشر ميلاً أبعد مكان من الحل من الحرم، ولا يعرف الآن، وجهل مكانه بل قد نسيه الصحابة أيضاً كما في (صحيح البخاري)(١)، فحرم الناس عن التعرف به، قيل: سميت ببئر هناك وهي مخففة، وقد تشدد، واشتقاقه من الحدب محركة بمعنى خروج الظهر ودخول الصدر والبطن، وشجرة حدباء كانت هنالك. وقوله: (في بضع عشرة مئة) وفي رواية: (أربع عشرة مئة)، وفي أخرى: (خمس عشرة مئة)، واستغربت هذه العبارة إذ الظاهر أن يقال: ألفاً وأربع مئة أو ألفاً وخمس مئة، وقد جاءت الرواية كذلك أيضاً، وفي رواية: (ألفاً وأربع مئة) أو أكثر. وقال القسطلاني(٢): إنما قيل: أربع عشرة مئة أو خمس عشرة مئة إشعاراً بأنهم كانوا منقسمين إلى المئات، وكان كل مئة ممتازة عن الأخرى، يعني في التوافق والورود والنزول ونحو ذلك، وبمثل هذا يوفق الاختلاف الوارد في العدد، فلعله ◌ٌَّ خرج بأربع عشرة مئة، ثم ازدادوا متناوبين، فمن رأى أول الأمر في النزول والورود وجدهم ألفاً وأربع مئة، ثم وردوا بعدهم ولم يرهم وهكذا، والله أعلم. (١) انظر: ((صحيح البخاري)) (٤١٦٣). (٢) ((إرشاد الساري)) (٦ / ٣٤٦). ١٠٩ (١٩) كتاب الجهاد فَلَمَّا أَتَى ذَا الْخُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ، وَأَشْعَرَ، وَأَحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ، وَسَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالَِّيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتَّهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ خَلَتِ القَصْوَاءُ! خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ! فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَا خَلَتِ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، . وقوله: (فلما أتى ذا الحليفة ... إلخ)، موضع قريب من المدينة وهو ميقات أهلها، وعرف في (كتاب الحج) في (باب حجة الوداع). وقوله: (حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها) أي: ينزل على أهل مكة من تلك الثنية، وهي الجبل الذي عليه الطريق. وقوله: (بركت) أي: قعدت، و(حل حل) بمهملة مفتوحة ولام خفيفة: كلمة زجر للبعير، وحثه على السير، والثانية تأكيد في الزجر، حلحل بالإبل، قال لها: حل حل، وحلحلهم: أزالهم عن مواضعهم وحرّكهم فتحلحلوا. وقوله: (خلأت القصواء) اسم ناقته ريَّ، وهي في الأصل الناقة المقطوع طرف أذنها، ولم تكن ناقته له مقطوعة الأذن، بل كان في أذنها سمت في أصل الخلقة سميت بها لأجل ذلك، وأقول: قد قال في (القاموس)(١): القصية: الناقة الكريمة النجيبة الْمُبْعَدَةُ عن الاستعمال، فيمكن أن تكون القصواء مأخوذاً بهذا المعنى ولعله لم تجئ القصواء بهذا المعنى، وإنما جاء من القصا بمعنى حذف في طرف أذن الناقة والشاة كما يفهم من عبارة (القاموس)، وخلأت الناقة كمنع بمعنى بركت أو حَرَنت فلم تبرح، وكذلك الجمل، أو خاص بالإناث، وقد يقال: خلا الرجل: لم يبرح مكانه، كذا في (القاموس)(٢) . (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢١٦). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٠). ١١٠ (٩) باب الصلح وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْغِيلِ)) ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَسأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا))، ثُمَّ زَجَرَهَا، فَوَثَبَتْ، فَعَدَلَ عَنْهُمْ، حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَّةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِلِ الْمَاءِ يَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضاً، فَلَمْ يَلْبَتْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، وقوله: (ولكن حبسها حابس الفيل) الذي جاء به أبرهة لهدم الكعبة، وهو الله تعالى، و(الخطة) بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة: الأمر العظيم أريد به المصالحة. وقوله: (يعظمون فيها حرمات الله) أي: يحصل به حرمة الحرم. وقوله: (فعدل عنهم) أي: مال وتوجه غير جانبهم، والضمير لأهل مكة. وقوله: (على ثمد قليل الماء) في (القاموس) (١): الثَّمْدَ ويحرك وككتاب: الماء القليل، لا مادة له، والمراد هنا موضعه ليصح وصفه بقليل الماء إلا أن يجعل الإضافة بيانية . وقوله: (يتبرضه الناس) أي: يأخذونه قليلاً قليلاً، والتنوين في (تبرضاً) للتقليل، وفي (القاموس)(٢): البَرَضُ: القليل كالبُراض، وبَرَضَ الماءُ: خرج وهو قليل. وقوله: (فلم يلبثه) صحح بضم الياء وألبث ولَبِثَ بمعنى، واللبث: المكث، والفعل كسمع وهو نادر؛ لأن المصدر من فعل بالكسر قياسه بالتحريك إذا لم يتعد، كذا في (القاموس)(٣)، ونزَحَ البئر: استقى ماءها حتى يَنْفَدَ أو يَقِلَّ كأنزحها، والنزح (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٥٩). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٨٧). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٣٦). ١١١ (١٩) كتاب الجهاد وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِوَ الْعَطَشُ، فَانْتُزَعَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَ اللهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنَ هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ، ثُمَّ أَنَاهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: محركة: الماء الكَدِرُ، والبئر نُزِحَ أكثر مائها، (وشكي) بلفظ المجهول، و(العطش) مرفوع . وقوله: (يجيش) بالجيم المعجمة، أي: يغور الماء، في (القاموس) (١): جاش البحر والقِدْرُ وغيرهما يَجيش جيشاً وجُيُوشاً وجَيشَاناً: غلى، والعين: فاضت. وقوله: (بالري) أي: بكسر الراء وتشديد الياء من روي بالماء واللبن كرضي، وروي وتروی وارتوی بمعنی . وقوله: (حتى صدروا عنه) أي: رجعوا، ولم يبق لهم حاجة إلى الماء والماء باقٍ بعد(٢)، و(بديل) بلفظ التصغير، (ابن ورقاء) بفتح الواو وسكون الراء، و(خزاعة) بلا لام: حي من الأزد وسموا بها لأنهم تَخَزَّعوا عن قومهم، أي: تقطعوا وأقاموا بمكة، والخزاعة: القطعة تُقْتَطُع من الشيء، من الخزع بمعنى القطع، والتخلف عن الصحب، كذا في (القاموس)(٣). و(عروة بن مسعود) الثقفي، وكل هؤلاء الرجال أسلموا بعد ذلك في أوقات. وقوله: (وساق) أي: الراوي (الحديث) أشار إلى أن الحدیث طویل، اختصره، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٤٤). (٢) ((والماء باق بعد)) ثبت في (ع) و(ك) فقط. (٣) («القاموس المحيط)) (ص: ٦٥٧). ١١٢ (٩) باب الصلح إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((اكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا صَدَدْنَكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلاَ قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِاللهِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّى: ((وَاللهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ: مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنْ لاَ يَأْتِيَكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّ رَدَدْنَهُ عَلَيْنَاً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ لِأَصْحَابِهِ: ((قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا)»، ثُمَّ جَاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جََّ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ١٠]. فَنَهَاهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوهُنَّ، . و(سهيل بن عمرو) كان أحد الأشراف من قريش وخطيبهم ولابنه أبي جندل قصة. وقوله: (قاضى) أي: صالح، في (القاموس)(١): القضاء، ويقصر: الحكم. قَضَى عليه يَقْضِي قَضْياً وقَضَاءً وقَضِيَّةً، وهي الاسم أيضاً، وبهذا المعنى تسمى العمرة التي بعد هذا العام، أي: عمرة أديت بعد المقاضاة والمصالحة عند الشافعي، وعندنا بمعنى القضاء مقابل الأداء، فعندنا المحرم إذا أحصر يحلُّ ويقضي بعد ذلك، عرف ذلك في موضعه بالتفصيل . وقوله: (فانحروا ثم احلقوا) وهذا حكم الإحصار، فعند الشافعي رحمه الله ينحر وإن لم يبلغ هديه الحرم؛ لأن الحديبية من الحل، ونحن نقول: بعض الحديبية من الحرم. وقوله: (فنهاهم الله تعالى أن يردوهن) لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا جَاءَ كُمُ (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢١٦). ١١٣ (١٩) كتاب الجهاد وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرُدُوا الصَّدَاقَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌّ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ نَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدٍ الرَّجُلَيْنِ: وَاللهِ إِنِّي لِأُرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلاَنُ جَيِّداً، أَرِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْراً) فَقَالَ: الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَتَّحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَتِنٌ فَإِنْ عَلِمْتُوهُنَّ مُؤْمِنَتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَ هُنَّ حِلٌّ لَمْوَلَا هُمْ يَحِلُونَ لَنٌ وَءَاتُوهُمَّا أَنَفَقُواْ ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وقوله: (وأمرهم أن يردوا الصداق) يعني: إن جاؤوا في طلبهن، وقد سلموا الصداق إليهن وإلا لا تعطوا شيئاً، وذلك لأن صلح الحديبية جرت على أن من جاء منكم رددناه، فلما تعذر عليه رد النساء لورود النهي عنه لزمه رد مهورهن، وروي أنه والڼ كان بعد بالحديبية إذ جاءه سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة، فأقبل زوجها مسافر المخزومي طالباً لها فنزلت، فاستحلفها رسول الله وَ ل﴿ فحلفت، فأعطى زوجها ما أنفق وتزوجها عمر لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَاءَانْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، كذا في (تفسير البيضاوي)(١)، ومنه يعلم أن الصلح وقع على رد الرجال والنساء جميعاً على رواية: (لا يأتيك منا أحد إلا رددته)، وقيل: الصلح وقع على رد الرجال خاصة، ورواية الكتاب يعضده لقوله: (لا يأتيك منا رجل)، والله أعلم. وقوله: (لقد رأى هذا ذعراً) أي: خوفاً، والذُّعْرُ بضم الذال المعجمة: الخوف، ذُعِرَ كَعُنِيَ، فهو مذعور، وبالفتح: التخويف، كالإذعار، والفعل كجعل، وبالتحريك: (١) ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ٤٨٧). ١١٤ (٩) باب الصلح قُتِلَ واللهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ النَِّّ ◌َهِ: ((وَيْلُّ (١) أُمَّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ)، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ قَالَ: الدهش، وكصُرَدِ: الأمر المخوفُ، كذا في (القاموس)(٢). وقوله: (وإني لمقتول) أي: سأقتل بعده على ما رأيت حال أبي بصير. وقوله: (ويل أمه) كلمة تستعمل في موضع التعجب وعدم الرضاء. وقوله: (مسعر حرب) فيه استعارة بالكناية، والمسعر(٣) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين، والسعار: ما سعر به، وموقدُ نارِ الحرب، والسعير: النار، والسُّعْرُ والسُّعَارُ كغراب بالضم: الحر، وَسَعَرَ النَّارَ والْحَرْبَ، كمنع: أوقدها، كسَعَّرَ وأسْعَرَ. وقوله: (لو كان له) أي: لأبي بصير أحد، قال الطيبي (٤): معناه لو فرض له معين وناصر لأثار الفتنة وأفسد الصلح، وقيل: معناه لو كان له أحد يعرفه أنه لا يرجع إليّ حتى لا أرده إليهم، ويمكن أن يكون معناه لو كان له أحد يأخذه ويرده إليهم، قاله تخويفاً وتهديداً، وإرضاء لهم وإيماء له أن يفر، والله أعلم. و(سيف) بالكسر: ساحل البحر، وساحل الوادي، أو يقال: لكل ساحلٍ سِيفٌ، أو إنما يقال ذلك لسِيف عُمان، كذا في (القاموس) (٥). (١) قال القاري (٦ / ٢٦١٨): بالنصب على المصدر، وفي نسخة بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف . (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٧٠). (٣) انظر: ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٨٠). (٤) ((شرح الطيبي)) (٨ / ٧١). (٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٥٨ - ٧٥٩). ١١٥ (١٩) كتاب الجهاد وَانْفَلَتَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّ لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ إِلَّ اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِّ لَهَ تُنَاشِدُهُ اللهَ وَالرَّحِمَ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ. وقوله: (انفلت أبو جندل) أي: هرب من الكفار، وجاء إلى أبي بصير ومن معه من المسلمين ممن كانوا قيدوه. وقوله: (فوالله ما يسمعون بعير) العير بالكسر يقال للإبل بإحمالها، والمراد القافلة، وقال في (القاموس)(١): العير بالكسر: القافلة، مؤنثة، أو الإبل تَحْمِلُ الْمِيرَةَ، أو كل ما امتِيرَ عليه، إبلاً كانت أو حميراً أو بغالاً . وقوله: (تناشده الله والرحم) الضمير المستكن لقريش، والبارز للنبي وتلقى، و(الله) منصوب مفعول (تناشد)، و(الرحم) عطف على (الله)، أي: تحلفه بالله وتسأله به وبالرحم، أي: بحق القرابة التي بينه وبينهم، وإذا حذفت حرف القسم ينصب المقسم به وقد یجر . وقوله: (لما أرسل إليهم) أي: إلى أبي بصير وأصحابه أن يأتوا بالمدينة ولا يتعرضوا لغيرنا، و(لما) بالتشديد بمعنى إلا، وهي في القرآن كثيرة بعد (أن) النافية على بعض القراءات، قال النُّورِبِشْتِي(٢): وقد ذكر الجوهري في كتابه: إن قول من قال: (لما) بمعنى (إلا) فليس يعرف في اللغة، قلت: وقد ذكر أهل التفسير لا سيما (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤١٦). (٢) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٩٢٩). ١١٦ (٩) باب الصلح فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلَيْهِم. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٦٩٤، ٢٧٣١]. ٤٠٤٣ - [٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: صَالَحَ النَّبِيُّ ◌َّهِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَّةِ عَلَى ثَلاَثَةٍ أَشْيَاءَ: المشتهرون منهم في علم العربية في قوله سبحانه: ﴿إِنَّكُلُّنَفْسِ لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ [الطارق: ٤] على قراءة من قرأ بالتشديد أنها بمعنى إلا، ويحمل قول الجوهري على أنه لم يصادفه فيما بلغه من كلامهم، والعرب تستعمل هذا الحرف في كلامهم على الوجه الذي في الحديث، إذا أرادوا المبالغة في المطالبة كأنهم يبتغون من المسؤول أن لا يهتم بشيء إلا بذلك، انتهى. وقال صاحب (القاموس)(١): وإنكار الجوهري كونه بمعنى إلا غير جيد، يقال: سألتك لما فعلت، أي: إلا فعلت، ومنه: ﴿إِن كُلُّنَفْسِ لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ [الطارق: ٤] ﴿ وَإِن كُلِّ تَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢]، وقراءة عبد الله: (إِنْ كُلٌّ لَمَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ). وقوله: (فمن أتاه فهو آمن) جواب شرط محذوف، أي: إذا أرسل إليهم واستردهم إلى المدينة، فمن أتاه منا مسلماً فهو آمن، ولا نسترده منه. ٤٠٤٣ - [٢] (البراء بن عازب) قوله: (على ثلاثة أشياء) واشتراطه ◌َله بهذه الشروط كان لضعف حال المسلمين، وعجزهم عن مقاومة الكفار، وكانت مصالح عظيمة في هذا الصلح مما ظهرت ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام أهلها كلهم، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وبالجملة كان في (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٦٩). ١١٧ (١٩) كتاب الجهاد عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ، وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابِلٍ وَيُقِيمَ بِهَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَلاَ يَدْخُلَهَا إِلَّ بِجُلُبَانِ السَّلاَحِ وَالسَّيْفِ وَالْقَوْسِ وَنَحْوِهِ، فَجَاءَ أَبُو جَنْدَلِ يَحْجُلُ فِي قُودِ فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٩٨، ٢٧٠٠، م: ١٧٨٣]. ٤٠٤٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ قُرَيْشاً صَالَحُوا النَّبِيَّ نَّهِ فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَِّيِّنَّهِ أَنَّ مَنْ جَاءَنَا مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَكْتُبُ هَذَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ إِنّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، . اختيار الصلح حِكَمٌ وأسرار لا تعدّ ولا تحصى، ولا يحيط به إلا علام الغيوب ونبيه السيد المحبوب. وقوله: (على أن من أتاه) أي: مسلماً. وقوله: (من المشركين) بيانية أو ابتدائية. وقوله: (على أن يدخلها) أي: مكة، (من قابل) أي: العام الآتي، و(الجلبان) بضم الجيم واللام وتشديد الباء: جراب من أديم يوضع فيه السلاح، والمقصود أن لا يأتوا في صورة القهر والغلبة. وقوله: (يحجل) بضم الجيم، أي: يمشي على وثبة كما يمشي الغراب، والحجل: مشي الغراب، في (القاموس)(١): حَجَلَ المقيد يَحْجِلِ ويَحْجُل حَجْلاً وحَجَلاناً: رَفَعَ رِجْلاً وَتَريَّثَ في مشيه على رجله، والغراب: نزا في مشيه. ٤٠٤٤ - [٣] (أنس) قوله: (فأبعده الله) منا أو ليس لنا معه شأن فهو أولى (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٠٤). ١١٨ (٩) باب الصلح وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجاً وَمَخْرَجاً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٨٤]. ٤٠٤٥ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَه كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢]، فَمَنْ أَقَرَّتْ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْهُنَّ قَالَ لَهَا: ((قَدْ بَايَعْتُكِ)) كَلاَمَاً يُكَلِّمُهَا بِهِ، وَاللهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطَّ فِي الْمُبَايَعَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧١٣، م: ١٨٦٦]. بمصاحبتهم . وقوله: (ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً) كما جعل لأبي بصير . ٤٠٤٥ - [٤] (عائشة) قوله: (﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِعْنَكَ﴾) آخر الآية ﴿عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِفْنَ وَلَ يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢]. وقوله: (فمن أقرت) أي: قبلت وقررت بهذا الشرط، أي: المذكور في هذه الآية وحده لجعلها في حكم الواحدة في باب البيعة . وقوله: (كلاماً) إما تمييز أو مفعول مطلق، يعني كانت بيعته ◌َّ للنساء بالكلام لا بأخذ اليد كما في الرجال، وقد اختار بعض المشايخ جعل يدها في الماء الذي جعل يده فيه، أو أخذها طرفاً من الثوب وطرفاً بيد الشيخ، ولا يُدرى له سند، والله أعلم، وإيراد حديث مبايعة النساء في (باب الصلح) لاشتراكهما في الاشتراط، ولأنه قد وقعت المبايعة في قضية الصلح يوم الحديبية، وتسمى بيعة الرضوان كما يخبر عنه قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَّحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. ١١٩ (١٩) كتاب الجهاد : الْفَصْلُ الثَّانِ: ٤٠٤٦ - [٥] عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ: أَنَّهُمُ اصْطَلَُوا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهِنَّ النَّاسُ، وَعَلَى أَنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً. الفصل الثاني ٤٠٤٦ - [٥] (المسور) قوله: (على أن بيننا عيبة مكفوفة) العيبة بفتح العين المهملة وسكون التحتانية: وعاء يجعل فيه الثياب، وقيل: أفضل الثياب وخيرها، وفي (القاموس)(١): العَيْبَةُ: زَبيل من أَدَم، ومن الرجل: موضع سِرّهِ، والجمع: عِيَبٌ وعِيَابٌ وعِيَبَاتٌ، والعياب: الصدور والقلوب، كناية، انتهى. وفي الحديث: ((الأنصار کرشي وعيبتي))(٢) أي: خاصتي وموضع سري، ثم إنهم فسروا هذا الكلام بوجوه، أظهرها وأشهرها ما نقل عن ابن الأعرابي قال: يريد أن بيننا صدراً نقيًّا من الغلّ والخداع والدغل مطويًّا على الوفاء بالصلح، والمكفوفة: المشدودة، والعرب تكني عن القلوب والصدور بالعياب لأنها مستودع السر كما أن العياب مستودع خير الثياب. قال الشيخ: الذي ذكره ابن الأعرابي في بيان ألفاظه من طريق اللهجة العربية فإنه حسن مستقيم، وهو الإمام الذي سبق كثيراً ممن يعتني بهذا الفن، غير أني أرتاب في تقرير المعنى على أن بيننا صدراً نقيًّا من الغل، ولا أدري أيصح عنه أم لا؟ وذلك أن نقاء الصدر من الغل بين المسلم والكافر أمر لا يكاد يستتبّ، كيف وقد فرض الله تعالى على المسلم بغض الكافر، والجواب أن المراد نقاوة الصدر عن الأمور المذكورة فيما يتعلق بالصلح من الغدر وكتمان حكم العداوة مما يفضي إلى إراقة الدماء وانتهاب (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٣). (٢) أخرجه الترمذي في ((سننه)) (٣٩٠٤). ١٢٠ (٩) باب الصلح وَأَنَّهُ لاَ إِسْلاَلَ وَلاَ إِغْلَاَلَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٦٦]. ٤٠٤٧ - [٦] وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِلَّهِ عَنْ آبَائِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: الأموال وانتهاك الحرم لا تضمر بشيء منها إلى انقضاء الأجل . ونقل عن ابن الأنباري أن المراد بيننا موادعة ومصادقة تجريان مجرى المودة التي بين المتصادقين الذين يفشي بعضهم إلى بعض أسرارهم، وقال التُّورِبِشْتِي(١): يحتمل أنهم أرادوا بالعيبة نفس الموادعة، أي: تكون الموادعة مطوية على تلك الحال مشدودة عليها، وحملها في كلامهم على السرائر أكثر وأشهر. وقيل: معناه أن يكون ما سلف منا في عيبة مكفوفة، أي: مشروجة مشدودة لا يظهر أحد منا ولا يذكر، وقيل: المراد أن يكون بيننا كتاب صلح نحفظه ولا نضيعه كالمتاع المضبوط في العيبة المشدودة. وقوله: (وأنه لا إسلال ولا إغلال) الإسلال: السرقة الخفية كالسلة، يقال: سلّ البعير في جوف الليل: إذا انتزعه من بين الإبل، وهي السلة، ويقال: الإسلال الغارة الظاهرة، كذا في (مجمع البحار)(٢). والإغلال: الخيانة، أغل: خان، أي: لا يأخذ بعض مال بعض لا في السر ولا في العلانية، وقيل: الإسلال: سل السيف، والسل والإسلال بمعنى، والإغلال: لبس الدرع، في (القاموس)(٣): الغلائل: الدروع، أو مساميرها، والغِلالة: هي بالكسر شعار تحت الثوب، وهو كناية عن ترك المحاربة. ٤٠٤٧ - [٦] (صفوان بن سليم) قوله: (ابن سليم) بضم السين. (١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٩٣٠). (٢) («مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ١٠٤). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٥٧ - ٩٥٨).