النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١
(١٩) كتاب الجهاد
وَحَدِيثُ أَبِيِ الدَّرْدَاءِ: (ابْغُونِي فِي ضُعَفَائِكُمْ) فِي ((بَابِ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ» إِنْ
شَاءَ اللهُ تَعَالَى. [ت: ١٧١٦، د: ٢٦٤٧].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٩٥٩ _ [٢٣] عَنْ ثَوْبَانَ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ نَصَبَ الْمِنْجَنِيقَ
عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسلاً. [ت: ٢٧٦٢].
٥ - باب حكم الأسَرَاءِ
الدرداء: (ابغوني في ضعفائكم، فإنما ترزقون أو تنصرون بضعفائكم)، ولا يخفى
مناسبة الحديثين لكلا البابين، لكن ما اختاره المؤلف أظهر.
الفصل الثالث
٣٩٥٩ _ [٢٣] (ثوبان بن يزيد) قوله: (نصب المنجنيق) في (القاموس)(١):
بكسر الميم: آلة ترمى بها الحجارة كالْمَنْجُنُوق، وقد تذكر، معربة فارسيتها: مَنْ جَهْ
نيك، أي: ما أجودني، وقد يجمع على منجنيقات ومجانق ومجانيق عند من جعل
الميم أصلية، انتهى.
٥ - باب حكم الأسراء
في (القاموس)(٢): الأسر: الشد، والإسار ككتاب: ما يشد به، والأسير: الأخيذ
والمقيد والمسجون، والجمع أُسَرَاء وأُسارى وأَسرى، انتهى. وقيل: أسارى جمع
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٠٤).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٢٣).
٢٢
(٥) باب حكم الأسراء
* الفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٩٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّنَ﴿ قَالَ: ((عَجِبَ اللهُ مِنْ
قَوْمٍ .
أسرى جمع أسير كسكارى جمع سكرى، وفي (الصراح)(١): الأسر: بستن پالان
بدوال، إسار بالكسر: دوال، ومنه سمي الأسير لأنهم كانوا يشدونه بالقدّ، فسمي
لذلك کل أخیذ أسیراً وإن لم یشد به .
الفصل الأول
٣٩٦٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (عجب الله من قوم) العجب صفة سمعية يلزم
إثباتها مع نفي التشبيه وكمال التنزيه كما هو مذهب القوم في أمثالها، وقد أشار إلى
ذلك مالك رُه حيث قال في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: الاستواء
معلوم، والكيف غير معلوم، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهذا هو المذهب
عند الأوائل من السلف، وقيل: إطلاق أمثال هذه الصفات التي هي من قبيل الانفعالات
كالرحمة والغضب ونحوهما باعتبار غاياتها، فغاية العجب بالشيء الرضا به واستعظام
شأنه، فالمعنى عظّم الله شأن هؤلاء القوم ورضي بهم، وقيل: عجب هنا بكسر الجيم
والتخفيف بمعنى عجب بالفتح والتشديد، فمعنى التعجب المنسوب إلى الله تعالى
فيه إظهار عجب هذا الأمر لخلقه لكونه بديع الشأن، وهو أن الجنة التي أخبر الله سبحانه
بما فيها من النعيم المقيم، والعيش الدائم، والخلود فيها من حكم من سمع به من
ذوي العقول أن يسارع إليها، ويبذل مجهوده في الوصول إليها، ويحتمل المكاره والمشاق
لينالها كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْ خُلُواْ الْجَنَةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن
قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرّاءِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، وهؤلاء يمتنعون من ذلك ويرغبون
(١) ((الصراح)) (ص: ١٥٩).
٢٣
(١٩) كتاب الجهاد
يُدْخَلُوْنَ الجنَّةَ في السَّلاسِل))، وفي روايةٍ: ((يُقَادونَ إلى الجنَّةِ بالسَّلَاسِل)).
رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٠١٠].
٣٩٦١ - [٢] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ◌َّهِ عَيْنٌ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ
النَّبِيُّنَلِ: ((اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ)). فَقَتَلْتُهُ فَقَّلَنِي سَلَبَهُ
عنها ويزهدون فيها حتى يقادون إليها بالسلاسل كما يقاد إلى المكروه الذي تنفر منه
الطباع، وتألم منه الأبدان وتكرهه النفوس.
وقوله: (يدخلون) بلفظ المجهول، والمراد بالسلاسل ظاهرها، لما كانت حالهم
كذلك، وقد يأول بما يرد عليهم من قتل الأنفس وسبي الأهل والأولاد وتخريب الديار
وسائر ما يلجئهم إلى الدخول في الإسلام الذي هو سبب دخول الجنة.
وقال الشيخ ابن عطاء الله الأسكندري الشاذلي في (كتاب الحكم): علم قلة نهوض
العباد إلى معاملته فأوجب عليهم وجود طاعته، فساق إليها بسلاسل الإيجاب، عجب
ربك بقوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل.
وقال ابن زروق في (شرحه): إذا كان الله غنياً عنك فإيجابه عليك إيجاب لك
في الحقيقة؛ لأنه إنما يطلبك بذلك لنفسك، وذلك كحال الصبي كيف يؤدب ويصرف
عن استرساله على مقتضى طبعه وجبلته، ويلزم أموراً شاقة عليها فيفعلها وهو كاره
لذلك، والغرض إنما هو حصوله على منافعه التي هو جاهل منها، فإذا كبر وعقل
عرف ذلك عياناً.
٣٩٦١ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (عين) أي: جاسوس.
وقوله: (ثم انفتل) أي: انصرف.
وقوله: (واقتلوه) فيه قتل الجاسوس من المشركين (فنفلني) أي: أعطاني،
٢٤
(٥) باب حكم الأسراء
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٥١، ١٧٥٤].
٣٩٦٢ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ
نَتَضَخَّى مَعَ رَسُولِ اللهِوَّهِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ فَأَنَخَهُ، وَجَعَلَ
يَنْظُرُ، وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ مِنَ الظَّهْرِ، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ، إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ فَأَتَّى
جَمَلَهُ، فَأَثَارَهُ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ، فَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَّلِ
فَأَنَخْتُهُ، ثُمَّ اخْتَرَطْتُ سَيْقِي فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ، ثُمَّ جِئْتُ بِالْجَمَلِ أَقُودُهُ
وَعَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلاهُهُ،
والتنفيل أن يخص الأمير أحداً من المقاتلين بما يزيد على سهمه. والمراد بالسلب
محركاً: ثیاب المقتول وسلاحه، سمي به لأنه یسلب عنه.
٣٩٦٢ - [٣] (وعنه) قوله: (فبينا نحن نتضحى) أي: نأكل الطعام في وقت
الضحى، في (القاموس)(١): ضحيته تضحية: أطعمته فيها، وقيل: معناه نصلي
الضحى.
وقوله: (وفينا ضعفة) المشهور روايته بسكون العين على وزن جلسة بمعنى حالة
ضعف، وروي بفتحها جمع ضعيف، ویروی بحذف التاء.
وقوله: (ورقة) بكسر الراء وتشديد القاف، أي: قلة، (من الظهر) أي:
المراكب .
وقوله: (مشاة) بضم الميم جمع ماش.
وقوله: (يشتد) أي: يعدو (فأثاره) أي: أقامه، و(الخطام) بكسر الخاء المعجمة:
الزمام، (ثم اخترطت سيفي) أي: سللته من غمده، (وعليه رحله) جملة حالية.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١١٠).
٢٥
(١٩) كتاب الجهاد
فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللهِوَّهِ وَالنَّاسُ فَقَالَ: ((مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟)) قَالُوا: ابْنُ
الأَكْوَعِ فَقَالَ: (لَهُ سَلَبُ أَجْمَعُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٤٣، ٧٦٩
٣٩٦٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ
عَلَى حُكْمٍ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِوَّهِ إِليهِ، فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَاً
قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ))، فَجَاءَ فَجَلَسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ يَّةِ:
(إِنَّ هَؤُلاءٍ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ)). قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ
تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ. قَالَ: ((لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((بِحُكْمٍ
اللهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٠٤، م: ١٧٦٩].
٣٩٦٤ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِنَّهِ خَيْلاً قِبَلَ
نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالِ.
٣٩٦٣ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (قوموا إلى سيدكم) وكان سعد بن معاذ سيد
الأوس، وكان بنو قريظة حلفاءهم، وقد احتج به من قال بالقيام للداخل في المجلس،
والتحقيق أنه لم يكن ذلك معتاداً في زمن النبي ◌َّه، وقالوا: إنما كان هذا للإعانة على
نزوله عن مركبه، فإنه ره كان مجروحاً في غزوة الخندق التي كانت هذه الوقعة بعدها،
ويجوز أن يكون ذلك تمهيداً وتوطئة لإطاعتهم له، وتنفيذ حكمه فيهم، وسيجيء
الكلام في (باب القيام) من (كتاب الآداب)، والقصة مذكورة بطولها في كتب السير.
وقوله: (بحكم الملك) يروى بكسر اللام وفتحها، وعلى تقدير الفتح المراد
جبرئيل أتی بحكم الله، وفيه جواز التحکیم ولزوم حکمه .
٣٩٦٤ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (خيلاً) أي: جيشاً، والضمير في (جاءت)
للخيل، و(ثمامة) بضم المثلثة، و(أثال) بضم الهمزة وخفة مثلثة في آخره لام.
٢٦
(٥) باب حكم الأسراء
سَيِّدُ أَهْلِ الْتَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ
رَسُولُ اللهِ فَقَالَ: ((مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟)) فَقَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّد خَيْرٌ إِنْ
تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمِ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ
تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكَهُ رَسُولَ اللهِنَّهِ حَتَّى كَانَ الْغَدُ فَقَالَ لَهُ: ((مَا عِنْدَكَ
يَا ثُمَامَةُ؟)) فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ؛ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ
تَقْتُلْ ذَا دَم، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ.
وقوله: (فربطوه بسارية من سواري المسجد) فيه جواز ربط الأسير وحبسه في
المسجد وإدخال الکافر فیه .
وقوله: (ماذا عندك؟) أي: كيف حالك أخبر أو ما ظنك عليّ؟
وقوله: (ذا دم) المشهور روايته بالدال المهملة، ومعناه تقتل رجلاً يستحق القتل،
ففيه اعتذار واعتراف بجرمه، أو تقتل من لا يصير دمه هدراً، ففيه ادعاء الرياسة وشرفه
في قومه بأنه ليس ممن يبطل دمه بل يطلب ثأره، قال التُّورِبِشْتِي(١): وأرى الوجه الأول
أو جه للمشاكلة التي بينه وبين قوله: (وإن تنعم تنعم علی شاكر) وقد یروی في (سنن
أبي داود) هذا الحرف (ذا ذمّ) بالذال المعجمة المكسورة، أي: ذا ذمام وحرمة في
قومه ومن إذا عقد ذمة وفی بها .
وقوله: (وإن تنعم) من الإنعام.
وقوله: (عندي ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر) تقديمه ذكر الإنعام اليوم
بناء على غلبة رجائه واستعطافه وإحساسه الرحمة من جانبه وَله .
وقوله: (حتى كان بعد الغد) اسم (كان) ضمير عائد إلى ما هو مذكور حكماً،
(١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٩٠٦).
٢٧
(١٩) كتاب الجهاد
فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللهَِِّ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ لَهُ: ((مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟))
فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ؛ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمِ،
وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: ((أَطْلِقُوا
ثُمَامَةَ، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ
فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَن مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ
وَاللّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ
وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَاللّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَنْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِيِنِكَ
فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَوَاللهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَنْغَضَ إِلَيَّ مِنْ
بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلاَدِ كُلِّهَا إِلَّ. وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ
الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ
قَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَصَبَوْتَ؟ .
أي: حتى كان ما هو عليه ثمامة كقولهم: إذا كان غداً فأتني، أي: إذا كان ما نحن عليه
غداً، كذا قال الطيبي(١)، وذلك لأن بعد لازم الظرفية لا يصلح أن يكون فاعلاً لـ (كان)
كالغد فيما سبق من قوله: حتى كان الغد، فافهم.
وقوله: (أطلقوا ثمامة) فيه جواز المنّ على الكافر وإطلاقه بغير مال.
وقوله: (أبغض) بالنصب على أنه خبر كان، وقد وجد في بعض النسخ بالرفع
على أنه صفة وجه، وضعفه الطيبي (٢) فتأمل.
وقوله: (أصبوت) مكتوب في النسخ بالواو وهو مهموز مذكور في
(١) (شرح الطيبي)) (٨ /١٠).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١٠/٨).
٢٨
(٥) باب حكم الأسراء
فَقَالَ: لاَ، وَلَكِنَّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِوَّهِ، وَلاَ وَاللهِ لاَ يَأْتِيَكُمْ مِنَ الْتَمَامَةِ
حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللهِنَّهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَاخْتَصَرَهُ البُخَارِيُّ.
[خ: ٤٣٧٢، م: ١٧٦٤].
٣٩٦٥ - [٦] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَنَّ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ:
(لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا .
(القاموس)(١) في باب الهمزة، صبأ كمنع وكرم: صبئاً وصبوءاً: خرج من دين إلى
دين آخر، وعليهم العدو: دلّهم، والظُّلف، والناب، والنجم: طلع، كأصبأ، والصابئون
يزعمون أنهم على دين نوح عليها، وقبلتهم من جهة الشمال عند منتصف النهار، انتهى.
كان المشركون يسمون المسلمين صباة، قال في (مجمع البحار)(٢): صباة كقضاة بجعل
المهموز معتلاً، انتهى، وكان هذا وجه كتابة صبوت بالواو، والله أعلم.
وقوله: (لا ولكني أسلمت) بناء على عدم الاعتداد بدين الكفار، وأنه ليس
بدين حقيقة أو نهي عن هذا القول لكونه من أقوال الجاهلية أن الصبأ الخروج من دين
حق إلى دين باطل، ولذلك كانوا يطلقون هذا اللفظ، فعلى هذا معنى قوله: (لا)،
ظاهر .
وقوله: (مع رسول الله) أشار به إلى مصاحبته معه (ّۇ ومداومته على دينه.
٣٩٦٥ _ [٦] (جبير بن مطعم) قوله: (وعن جبير بن مطعم) بن عدي بن نوفل
ابن عبد مناف، سمع هذا الحدیث من النبي پڑ وهو کافر، وحدث به وهو مسلم،
والمطعم بن عدي كان له يد عند رسول الله سله، وذلك أنه أجاره مرجعه من الطائف
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٥).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٢٩٣).
٢٩
(١٩) كتاب الجهاد
ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُ لاءِ النَّثْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١٣٩].
٣٩٦٦ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى
رَسُولِ اللهِوَّهِ مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ نَّهِ وَأَصْحَابِهِ،
فَأَخَذَهُمْ سَلْماً.
وذب عنه، فأحب أن لو كان حيًّا لكافأه عليها لئلا يكون لمشرك عنده يد، ويحتمل
أنه قال تأليفاً لأبيه على الإسلام.
و(النتنى) جمع نتن بكسر التاء كزمن وزمنى، وسماهم نتنى إما لكفرهم أو لأن
المشار إليه أبدانهم، وفيه بيان حسن المكافأة، وعدم الاعتناء بهم وبقتلهم، وجواز
إهانة المشركين بتوصيفهم بالنتن والنجاسة (١).
٣٩٦٦ - [٧] (أنس) قوله: (هبطوا) وذلك عند قصد نزوله بالحديبية، و(التنعيم)
مكان مشهور يحرم منه للعمر، يقول له العامة: العمرة.
وقوله: (يريدون غرة النبي ◌َّ) بكسر الغين وبتشديد الراء، أي: غفلته، من
غره غراً وغروراً وغرة بالكسر: خدعه.
وقوله: (فأخذهم سلماً) يروى بفتحتين وبفتح السين وكسرها مع سكون اللام،
والأول يجيء بمعنى الاستسلام والأسر، والثاني بمعنى الصلح، ونقل الطيبي (٢) عن
ابن الأثير أنه قال: إن الأول أشبه بالقضية فإنهم لم يؤخذوا صلحاً، وإنما أخذوا قهراً،
وأسلموا أنفسهم عجزاً، وللمعنى الأخير وجه هو أنهم لما عجزوا ورضوا بالأسر فكأنهم
صولحوا على ذلك.
(١) استدل بهذا الحديث على جواز المن كما هو مذهب الشافعي، وأجيب بأن للإمام أن يتركهم
لمصلحة، كذا في ((التقرير)).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١٢/٨).
٣٠
(٥) باب حكم الأسراء
فَاسْتَحْيَاهُمْ - وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَعْتَقَهُمْ - فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ
عَنكُمْ وَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٠٨].
٣٩٦٧ - [٨] وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ:
أَنَّ نَبِيَّ اللهِوَّهِ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلاً مِنْ صَنَادِيدٍ قُرَيْشٍ،
فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ .
وقوله: (فاستحياهم) أي: تركهم أحياء ولم يقتلهم كقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَحْيُواْ
نِسَآءَ هُمَّ ﴾[غافر: ٢٥].
٣٩٦٧ - [٨] (قتادة) قوله: (بأربعة وعشرين رجلاً) من السبعين الذين قتلوا
من المشركين، وطرح باقي السبعين في موضع آخر.
وقوله: (من صناديد قريش) أي: عظمائهم ورؤسائهم من مشركي مكة لعنة الله
عليهم، والصناديد جمع صنديد، وهو والصندد كزبرج في الأصل بمعنى السيد الشجاع
أو الحليم أو الجواد أو الشريف، والصنديد من الريح والبرد: الشديد، ومن الغيث:
العظيم القطر أو الغالب.
وقوله: (فقذفوا) بلفظ المجهول من القذف، أي: طرحوا (في طوي) بفتح الطاء
المهملة وكسر الواو وتشديد التحتانية فعيل بمعنى مفعول من الأسماء الغالبة، أي:
بيئر مطوية مبنية بالحجارة، كذا في شروح البخاري، وقال التُّورِيِشْتِي(١): أو غيرها، قيل:
إنما لم يدفنوا لأنه وي كره أن يشق على أصحابه لكثرة جيف الكفار أن يأمرهم بدفنهم،
فكان جرهم إلى القليب أيسر عليهم، ويمكن أن يكون الحكمة فيه إهانة الكافرين
وإذلالهم، وليكون عبرة للعالمين، ويكون ذلك بوحي من الله، والله أعلم.
(١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٩٠٨).
٣١
(١٩) كتاب الجهاد
خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظهرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْضَةِ ثَلاَثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا
كَانَ بِبَدْرِ الْيَوْمَ الثَّالِثَ، أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى، وَاتَّبَعَهُ
أَصْحَابُهُ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الزَّكِيِّ فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ
آبَائِهِمْ:
وقوله: (خبيث مخبث) بكسر الباء، أي: فاسد مفسد، كذا قال الطيبي(١)، وقال
القسطلاني(٢): يقال: أخبث: إذا اتخذ أصحاباً خبثاء، وفي الحديث: (أعوذ بك من
الخبيث المخبث) أي: الذي أعوانه خبثاء كما يقال: قوي مقو، أي: القوي في نفسه
والمقوي الذي دابته قوية، كذا قال النُّورِبِشْتِي (٣)، قال: ويحتمل أن يكون المخبث
في حديث الدعاء: الذي يعلم الناس الخبث، وقيل: الذي ينسب الناس إلى الخبث،
انتهى. وإنما وصف البئر بهذا لإلقاء تلك الجيف فيها، أو كانت موصوفة بها قبل ذلك
يلقون فيها الجیف، والله أعلم.
و(العرصة) بفتح العين وسكون الراء: كل موضع واسع لا بناء فيه، وأريد بها
هناك المعترك لأنه يكون في غالب الأحوال صعيداً أفيح.
وقوله: (واتبعه) بألف الوصل وتشديد الفوقية، وفي بعض النسخ: تبعه بكسر
الباء بدون الألف.
وقوله: (حتى قام على شفة الركي) على وزن الطوي بمعنى البئر، وفي رواية
أخرى للبخاري عن ابن عمر قال (٤): (وقف النبي ◌ُّ على قليب بدر الركي)، والقليب
(١) ((شرح الطيبي)) (٨ / ١٣).
(٢) ((إرشاد الساري)) (٦ / ٢٥٣).
(٣) (كتاب الميسر)) (٣ / ٩٠٨).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٣٩٨٠).
٣٢
(٥) باب حكم الأسراء
(يَا فُلاَنَ بْنَ فُلاَنٍ! ◌َا فُلاَنَ بْنَ فُلاَنٍ! أَيَسُؤُكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا
قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَاَ رَبَُّا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟)).
بمعنى البئر مطلقاً، وقد يقال: القليب: البئر غير المبنية فيضاد الطوي، ووجه التوفيق
أن اسم المقيد قد يطلق على المقيد كالمرسن والمشفر، فيراد بالطوي المذكور في أول
الحديث البئر مطلقاً، فلا منافاة على أن عبارة (القاموس)(١): أو البئر العادية القديمة
ليس نصاً في عدم البناء بل في القدم، وهو لا ينافي البناء، غايته أن يكون قديماً منكسراً،
والله أعلم، وقد يحتمل على أن الراوي لم يدر أن بينهما فرقاً، أو أن الصحابي حسب أن
البئر كانت مطوية وكانت قليباً، وهذا بعيد كما لا يخفى، وقيل: يحتمل أن بعضهم ألقوا
في الطوي وبعضها في القليب، وهذا أيضاً لا يخلو عن بعد عن سياق الحديث.
وقوله: (یا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان) بالتكرار اثنين، وفي بعض الروايات
ثلاث، وفي بعض رواية: (يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف،
ويا أبا جهل بن هشام)، وفي ذكر أمية بن خلف نظر؛ لأنه لم يكن في القليب لأنه
كان ضخماً فانتفخ في درعه، فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيّه، والظاهر أنه
كان قريباً من القليب، فنادى من نادى من رؤسائهم، كذا قال القسطلاني في (شرح
صحيح البخاري)(٢).
وقوله: (أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ ... إلخ)، أي: هل تتمنون أن
تكونوا مسلمين بعدما كشف عنكم الغطاء، ورأيتم من عذاب الله تعالى ما رأيتم؟ وهو
مضمون قوله: (فإنا وجدنا ... إلخ)، وقيل: إطلاق المسرة هنا بطريق الاستهزاء
كإطلاق البشارة في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٣٠).
(٢) ((إرشاد الساري)) (٦/ ٢٥٤).
٣٣
(١٩) كتاب الجهاد
فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا تُكَلِّمَ مِنْ أَجْسَادٍ لاَ أَرْوَاحَ لَهَا؟ قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ). وَفِي رِوَايَةٍ:
((مَا أَنَّمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لاَ يُحِبُونَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٧٠].
وَزَادَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخاً
وَتَصْغِيراً وَنِقْمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَماً. [خ: ٣٩٧٦، م: ٢٨٧٥].
وقوله: (ما تكلم من أجساد لا أرواح لها) قيل: (ما) استفهامية، و(من) زائدة
لما في الاستفهام الإنكاري من معنى النفي، وقيل: موصولة، و(من) بيانية والخبر
محذوف، أي: وهو لا يسمعون كلامك، وقيل: الخبر قوله: (لا أرواح لها)، وقيل:
(أو) زائدة على مذهب الأخفش، والخبر هو (أجساد)، والأول الأظهر، وقال ابن
إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أنه ◌َ * قال: (يا أهل القليب بئس العشيرة كنتم،
كذبتموني وصدقني الناس، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله كيف تكلم أجساداً
لا أرواح فيها؟ فقال: ما أنتم بأسمع منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئاً).
وقوله: (ما أنتم بأسمع منهم) مدلول هذه العبارة بحسب العرف أنهم أسمع
منكم، ولئن ننزل عن ذلك فلا أقل من المساواة.
وقوله: (قال قتادة) جواباً عمن يستبعد وينكر سماع الموتى.
اعلم أن هذا الحديث المتفق على صحته صريح في ثبوت السماع للموتی،
وحصول العلم لهم بما يخاطبون، وكذلك حديث مسلم(١): (إن الميت ليسمع قرع
نعالهم إذا انصرفوا)، وما جاء في زيارته ◌َي أهل البقيع والسلام عليهم، والخطاب
معهم بقوله: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا
(١) ((صحيح مسلم)) (٢٨٧٠).
٣٤
(٥) باب حكم الأسراء
إن شاء الله بكم لاحقون)، فإن الخطاب مع من لا يسمع ولا يفهم مما لا يعقل وكاد
يعد من العبث، وليس هذا مخصوصاً به # بل هي سنة مستمرة لمن يزور القبور،
وجاء في حديث الترمذي(١) أنه لما زارت عائشة قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر
خاطبته وقالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك،
وقد ذكروا في توجيه قوله ويلي: (عليك السلام تحية الميت) أنه ليس المراد المنع من
تحيته بالسلام عليك، بل المراد أنه لما لم يتوقع منه رد السلام استوى في حقه التقديم
والتأخير، فیفهم منه أن السماع حاصل له لا الرد.
ونقل عن الشيخ ابن الهمام(٢) في شرح (الهداية): أن أكثر المشايخ الحنفية على
أن الميت لا يسمع، وقد صرحوا في (كتاب الأيمان): لو حلف لا يكلم فكلّم ميتاً
لا يحنث، لأنها تنعقد على ما بحيث يفهم والميت ليس كذلك، وأجابوا عن حديث
مسلم الناطق بسماع الميت قرع نعالهم بأنه مخصوص بأن الوضع في القبر مقدمة للسؤال
وهو خلاف الظاهر، بل الظاهر أن هذه الحالة حاصلة له في القبر، ثم أجابوا عن هذا
الحديث المذكور في الباب تارة بأن تلك خصوصية له * معجزة وزيادة حسرة على
الكافرين، ولا يخفى أن الحمل على ذلك مجرد احتمال وتأويل لا يذهب إليه حتى
يقوم دليل على استحالة السماع، والله تعالى قادر على ذلك، وسببية الحواس للإحساس
والإدراك عادية كما تقرر في المذهب، وأخرى بأن ذلك من ضرب المثل، وليس المراد
حقيقة الكلام، وهذا أبعد من الأول، ومبنى الأيمان على العرف لا الحقيقة، فافهم،
(١) ((سنن الترمذي)) (١٠٥٥).
(٢) ((فتح القدير)) (٢ / ١٠٤).
٣٥
(١٩) كتاب الجهاد
وأقوى وجوه تأويلهم أن هذا مردود من عائشة حيث قالت: كيف يقول ذلك رسول الله وَليه
والله تعالى يقول: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعِ مَن فِ الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، كذا قال الشيخ ابن
الهمام(١) .
وفي (المواهب اللدنية)(٢): تأولت عائشة وقالت: إنما أراد النبي ◌َّ أنهم الآن
ليعلمون أن الذي أقول لهم حق، ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾ [النمل: ٨٠]، ﴿وَمَآ
أَنَتَ بِمُسْمِع ◌َمَّن فِ الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، ويعلم من (صحيح البخاري) أنها قالت: إنما قال
رسول الله وَلي: (إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق)، وشرحه القسطلاني
بقوله: أي وهم ابن عمر فقال: (يسمعون) بدل (ليعلمون)، وبالجملة عائشة منكرة
لسماع الموتى، ولرواية من روى ذلك مستدلاً بالآيتين، فإنهما تفيدان تحقيق عدم
سماعهم، فإنه تعالى شبه الكفار بالموتى لإفادة بعد سماعهم، وهو فرع عدم سماع
الموتى، ولكن العلماء أجابوا عن قول عائشة ◌َّ واستدلالها بالقرآن، ولم يتلقوا هذا
القول منها بالقبول.
ونقل في (المواهب) عن الإسماعيلي أنه قال: كان عند عائشة من الفهم والذكاء
وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية
الثقة إلا بنص مثله يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته، وكيف والجمع بين الذي
أنكرته وأثبته غيرها ممكن لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَى﴾ لا ينافي قوله {َّ:
إنهم يسمعون، لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى
هو الذي أبلغهم بأن أسمعهم صوت النبي ◌ّر بذلك، انتهى.
(١) ((فتح القدير)) (٢ / ١٠٤).
(٢) ((المواهب اللدنية)) (١ / ٣٦٧ -٣٦٨).
٣٦
(٥) باب حكم الأسراء
وقد أجيب أيضاً بأن المراد بالموتى ومن في القبور هم الكفار مجازاً ومن غير
نظر إلى حقيقة الكلام، والمراد بالسماع عدم إجابتهم للحق بدليل أن الآيتين نزلتا في
دعاء الكفار إلى الإيمان وعدم إجابتهم لذلك، فافهم، وقد يقال: المراد بالموتى موتی
القلوب، وبالقبور أجسادهم التي فيها تلك القلوب الميتة.
هذا وقد ذكر في (المواهب) أن من الغريب في (المغازي) لابن إسحاق رواية
يونس بن بكر بإسناد جيد عن عائشة ◌ّ حديثاً مثل حديث أبي طلحة، وفيه: ما أنتم
بأسمع لما أقول منهم، وأخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظاً فكأنها
رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القضية،
وذکر في شرح (صحيح البخاري) مثل ذلك، انتهى.
وجاءت عن عائشة ◌َ﴾ أنها قالت: كنت أضع ثيابي في بيتي بعد وضع
رسول الله ﴿ وأبي بكر فيه لأنه ما كان هناك إلا زوجي وأبي، فلما وضع عمر كنت
أستر نفسي حياءً منه، أو كما قالت، وهل هذا إلا إثبات العلم والإدراك للميت.
وقد تمسك المثبتون للسماع بما ذكر من رواية البخاري من قوله: قال قتادة:
أحياهم الله تعالى حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندماً، وحاصله
يرجع إلى ما ثبت للموتى في القبور من الحياة، وذلك إما بإحيائهم وإعادة الروح إلى
الجسد كله أو لبعضه بحيث يحصل به السماع والفهم كما تحصل اللذة والألم، ولا يذهب
عليك أنه ليس في هذا القول تخصيصه بالنبي ◌ّر معجزة له ولا الاختصاص بهؤلاء،
فالله تعالى قادر على أن يخلق تلك الحالة في الأموات كلهم عند ندائهم من أيّ شخص
كان، وفي أيّ زمان يكون، فتدبر، وبالله التوفيق.
ثم اعلم أنه قد ثبت من هذا سماع الموتى كلام الأحياء، ولئن نزلنا عن هذا
٣٧
(١٩) كتاب الجهاد
فلا يلزم من نفي السماع نفي العلم؛ لأن السمع يكون بالحاسة التي في البدن، وقد
خرب، أما العلم فيكون بالروح وهو باق، فبقي علمه الذي لا يكون بالقوى الجسمانية،
فيكون علمه بالمسموعات والمبصرات لا على وجه الإبصار والسمع بخروج الشعاع
وقرع الصوت كما أول بعض المتكلمين سمع الله تعالى وبصره بالعلم بالمسموعات
والمبصرات، وقد وردت الأخبار والآثار بعلم الموتى بأحوال الزائرين ومعرفتهم إياهم
حتى ورد إن الزيارة يوم الجمعة أحب؛ لأنه يكون في هذا اليوم علم الميت أتم وأكمل،
وأحوال الزائرين لهم أكشف وأظهر، وأيضاً لا شك في حصول العلم للموتى بأحوال
الآخرة وحقيقة دين الإسلام، فيمكن أن يكون العلم بأحوال الدنيا وأهلها أيضاً ثابتاً،
وبالدليل على زواله مع بقاء الروح.
وقد جاء في الحديث(١) أن الشهداء لما رأوا ما عند الله لهم من النعمة والراحة
قالوا له سبحانه: من يخبر إخواننا عن أحوالنا؟ فقال تعالى: أنا أخبرهم بذلك، فأنزل
قوله: ﴿ وَلَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (٦) فَرِحِينَ﴾ الآية
[آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، وقد جاء أن القراء الذين قتلوا ببئر معونة قالوا: أخبروا إخواننا
بأنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، وكان هذا قرآناً يقرأ ثم نسخ تلاوته.
وجاء في الحديث(٢) أن الميت إذا فرغ من جواب الملكين بالخير فينوّر له في
القبر، ويقال له: نم كنومة العروس، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فعلم أن الموتى
يثبت لهم العلم بالأهل والإخوان والأحباب، وقد ثبت بالقرآن تمني الكفار العود
(١) انظر: ((سنن أبي داود)) (٢٥٢٠).
(٢) انظر: ((سنن الترمذي)) (١٠٧١).
٣٨
(٥) باب حكم الأسراء
إلى الدنيا والتحسر على إضلال أخلائهم إياهم كما قال: ﴿َيِْ لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانَا خَلِيلًا﴾
[الفرقان: ٢٨]، وإذا كان لهم علم بأصحابهم وأقرانهم يوم القيامة ففي البرزخ أولى وأقرب،
وبالجملة الكتاب والسنة مملوءان بأخبار تدل على وجود العلم للموتى بالدنيا وأهلها،
فلا مجال لإنكاره إلا لجاهلٍ بالأخبار أو منكرٍ للدين.
وأما الاستمداد بأهل القبور فقد أنكره بعض الفقهاء، فإن كان الإنكار من جهة
أنه لا سماع لهم ولا علم ولا شعور بالزائر وأحواله فقد ثبت بطلانه، وإن كان بسبب
أنه لا قدرة لهم ولا تصرف في ذلك الموطن حتى يمدوا بل هم محبوسون عن ذلك،
ومشتغلون بما عرض لأنفسهم من المحنة ما شغلهم عمن عداهم فلا يرى ذلك كليًّا،
خصوصاً في شأن المتّقين الذين هم أولياء الله تعالى، فيمكن أن يحصل لأرواحهم عند
الرب تعالى من القرب في البرزخ والمنزلة والقدرة على الشفاعة والدعاء وطلب الحاجات
لزائريهم المتوسلين بهم كما يحصل يوم القيامة، وما الدليل على نفي ذلك؟ وقد فسر
البيضاوي(١) قوله تعالى: ﴿وَالتَّزِعَتِ غَرْقًا﴾ إلى قوله: ﴿فَالْمُدََِّّتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ١ -٥]
بصفات النفوس الفاضلة حال المفارقة فإنها تنزع عن الأبدان غرقاً أي: نزعاً شديداً
من إغراق النازع في القوس فتنشط إلى عالم الملكوت وتسبح فيه، فتسبق إلى حظاير
القدس، فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات، وما أدري ما المراد بالاستمداد والإمداد
الذي ينفيه المنكر، والذي نفهمه نحن أن الداعي المحتاج الفقير إلى الله يدعو الله ويطلب
حاجته من فضله تعالى، ويتوسل بروحانية هذا العبد المقرب المكرم عنده تعالى،
ويقول: اللهم ببركة هذا العبد الذي رحمته وأكرمته وبما لك به من اللطف والكرم
(١) ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ٥٦٤).
٣٩
(١٩) كتاب الجهاد
اقض حاجتي وأعط سؤلي إنك أنت المعطي الكريم، أو ينادي هذا العبد المكرم المقرب
عند الله تعالى ويقول: يا عبدالله ويا وليه اشفع لي وادع ربك وسله أن يعطيني سؤلي
ويقضي حاجتي، فالمعطي والمسؤول عنه والمأمول به هو الرب تعالى وتقدس،
وما العبد في البين إلا وسيلة، وليس القادر والفاعل والمتصرف إلا هو، وأولياء الله هم
القانون الهالكون في فعله تعالى وقدرته وسطوته، لا فعل لهم ولا قدرة ولا تصرف
لا الآن ولا حين كانوا أحياء في دار الدنيا، فإن صفتهم الفناء والاستهلاك ليس إلا ،
ولو كان هذا شركاً وتوجهاً إلى غير الله كما يزعمه المنكر، فينبغي أن يمنع التوسل
وطلب الدعاء من الصالحين من عباد الله وأوليائه في حالة الحياة أيضاً، وليس ذلك
مما يمنع فإنه مستحب مستحسن شائع في الدين، ولو زعم أنهم عزلوا وأخرجوا من
الحالة والكرامة التي كانت لهم في الحياة فما الدليل عليه؟ أو شغلوا عن ذلك مما عرض
لهم من الآفات بعد الممات فليس كليًّا، ولا دليل على دوامه واستمراره إلى يوم القيامة،
غايته أنه لم تكن هذه المسألة كلية، وفائدة الاستمداد عامة، بل يمكن أن يكون بعض
منهم منجذباً إلى عالم القدس ومستهلكاً في حضرة الإله بحيث لا يكون له شعور وتوجه
إلى عالم الدنيا وتصرف وتدبير فيه كما يوجد من اختلاف أحوال المجذوبين والمتمكنين
من المشايخ في الدنيا.
وأما نفي ذلك مطلقاً وإنكاره كليًّا فكلا، ولا دليل على ذلك أصلاً، بل الدلائل
قائمة على خلافه، نعم إن كان الزائرون يعتقدون أهل القبور متصرفين مستبدين قادرين
من غير توجه إلى حضرة الحق والالتجاء إليها كما يعتقده العوام الجاهلون الغافلون،
وكما يفعلون غير ذلك من تقبيل القبر، والسجود له، والصلاة إليه، مما وقع منه النهي
والتحذير، وذلك مما يمنع ويحذر منه، وفعل العوام لا يعتبر قط، وهو خارج عن
٤٠
(٥) باب حكم الأسراء
٣٩٦٨ _ [٩] وَعَنْ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ:
المبحث، وحاشا من العالم بالشريعة والعارف بأحكام الدين أن يعتقد ذلك
ويفعل .
هذا وما ينقل عن المشايخ المكاشفين في الاستمداد من أرواح الكمل واستفادتهم
منهم فخارج عن الحصر مذكور في كتبهم مشهور فيما بينهم لا حاجة إلى أن نذكرها،
ولعل المنكر المتعصب لا تنفعه كلماتهم عافانا الله من ذلك، نعم المروي في السنة
في الزيارة السلام على الموتى والاستغفار لهم وقراءة القرآن، ولكن ليس فيها النهي
عن الاستمداد، فتكون الزيارة للإمداد والاستمداد معاً على تفاوت حال الزائر والمزور.
ثم اعلم أن الخلاف إنما هو في غير الأنبياء فإنهم أحياء حقيقة بالحياة الدنياوية
بالاتفاق صلوات الله تعالى على نبينا وعليهم أجمعين، وإنما أطنبنا الكلام في هذا المقام
رغماً لأنف المنكرين، فإنه قد حدث في زماننا شرذمة ينكرون الاستمداد والاستعانة
من الأولياء الذين نقلوا من هذه الدار الفانية إلى دار البقاء الذين هم أحياء عند ربهم،
ولكنهم لا يشعرون، ويسمون المتوجهين إليهم مشركين بالله كعبدة الأصنام، ويقولون
ما يقولون، وما لهم على ذلك من علم إن هم إلا يخرصون، وقديماً كان يختلج في
صدري أن أتكلم في هذا الشأن فتيسر لي ذلك الآن بفضل الله وتوفيقه، والأمور مرهونة
بأوقاتها كما قال: وسحاب الخير له مطر فإذا جاء الإبّان يجيء، ونسأل الله العافية
وهو أعلم وحكمه أحكم، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا
اجتنابه، واهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم
ولا الضَّالِّين، آمين.
٣٩٦٨ - [٩] (مروان والمسور) قوله: (والمسور) بكسر الميم (ابن مخرمة)
بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة والراء.