النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ (١٩) كتاب الجهاد ٣٨٤٣ - [٥٧] وَعَنْ أَبِي أَيُوبٍ سَمِعَ النَّبِّ ◌َّهِ يَقُولُ: ((سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمُ الأَمْصَارُ، وَسَتَكُونُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، يُقْطَعُ عَلَيْكُمْ فِيهَا بُعُوثٌ، . على الجهاد، ويكون وجه تجويزهم أنه عقد صحيح بحسب ظاهر الحكم، غايته أنه لا يكون فيه أجر وثواب، وأما ثبوت السهم للأجير فحديث يعلى بن أمية ينفيه، واختلفوا في الأجير للعمل وحفظ الدواب مثلاً فقيل: لا سهمَ له قاتل أو لم يقاتل، إنما له أجرةُ عملِه، وهو مذهب بعض السلف وأحد قولي الشافعي، وعند مالك وأحمد رحمهما الله يُسهَمُ له وإن لم يقاتل إذا كان مع الناس عند القتال، وقيل: يخير بين الأجرة والسهم، كذا نقل الطيبي(١). وقال التُّورِبِشْتِي(٢): وأما قول من ذهب من العلماء إلى أن الأجير يُسهَمُ له إذا حضر الواقعة، فإنه محمول على أن حديث يعلى بن أمية إما لم يثبت عندهم أو رآه مخصوصاً في الحكم بذلك الأجير لأنه قال ذلك في أجير بعينه، وأما حديث أبي أيوب فلا دليل فيه على أن الأجير لا سهمَ له، إنما فيه أنه لا ينال ثواب الغزاة لأنه عمل عملاً مدخولاً فيه، والله أعلم. ٣٨٤٣ - [٥٧] (أبو أيوب) قوله: (جنود مجندة) الجُنْدُ: العَسكر والأعوان، ومجنّدة، أي: مجموعة، يقال: قَنَاطِيرُ مقَنطَرة. وقوله: (يقطع) أي: يُقدَرُ (عليكم)، وقطعُ الجيش: إفرازُه من بين الناس، و(فيها) أي: في الجنود (بعوث) أي: جيوش يُبعثون إلى الغزو من كل قبيلة، وهذا البعث يحتمل أن يكون إلى الأمصار لفتحها أو إلى غيرها بعد فتحها . (١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٣٠١). (٢) «كتاب الميسر)) (٣/ ٨٨٤). ٥٨٢ (١٩) كتاب الجهاد فَيَكْرَهُ الرَّجُلُ الْبَعْثَ فَيَتَخَلَّصُ مَنْ قَوْمِهِ، ثُمَّ يَتَصَفَّحُ الْقَبَائِلَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ مَنْ أَكْفِيهِ بَعْثَ كَذَا، أَلاَ وَذَلِكَ الأَجِيرُ إِلَى آخِرٍ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [د: ٢٥٢٥]. ٣٨٤٤ - [٥٨] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمِيَّةَ قَالَ: آذَنَ رَسُولُ اللهِنَّهِ بِالْغَزْوِ وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ لِي خَادِمٌ، فَالْتَمَسْتُ أَجِيراً يَكْفِيْنِ، فَوَجَدْتُ رَجُلاً سَمَّيْتُ لَهُ ثَلاثَةَ دَنَانِرَ، وقوله: (فيكره الرجل) اللام للعهد الذهني (البعث) أي: بعثَ الإمامِ إياه أي: الخروجَ مع الجيش إلى الغزو بلا أجرة، (فيتخلص) أي: يخرجُ ويفرُّ من قومه طلباً للخلاص من الغزو، (ثم يتصفح القبائل) أي: بعد أن فارق هذا الرجلُ المتقاعدُ عن الغزو لوجه الله يتفخَّص ويتتبع القبائل عارضاً نفسه عليهم قائلاً: (من أكفیه بعث كذا) أي: مَن يُعطِيني ويشترطُ لي شيئاً من الأجرة ويأخذني أجيراً أكفيه مؤنة جيش کذا کما يكفيني هو مؤنتي؟ وقوله: (ألا وذلك الأجير) ألا حرف تنبيه و(ذلك) إشارة إلى الرجل الذي يكره البعث لوجه الله ويرغب فيه للأغراض الدنيوية، وذلك مبتدأ والأجير خبره وتعريف الخبر للحصر . وقوله: (إلى آخر قطرة من دمه) أي: إلى القتل، يعني أنه وإن قُتِلَ فهو أجیرٌ ليس غازياً، وفي هذه العبارة مبالغة في نفي ثواب الغزو عنه، أي: هو أجيرٌ ليس له إلا الجُعْلُ المشروط، وظاهره أنه لا سهمَ له، فهذا الحديث أيضاً يدل على نفي السهم له، نعم حديثُ يعلى بن أمية أصرحُ وأظهرُ في ذلك، فافهم. ٣٨٤٤ _ [٥٨] (يعلى بن أمية) قوله: (آذن) بالمد، أي: أعلَمَ. ٥٨٣ (١٩) كتاب الجهاد فَلَمَّا حَضَرَتْ غَنِيمَةٌ أَرَدْتُ أَنْ أُجْرِيَ لَهُ سَهْمَهُ، فَجِئْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ: ((مَا أَجِدُ لَهُ فِي غَزْوَتِهِ هَذِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّ دَتَانِيرَهُ الَّتِي تُسَمَّى)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٢٧]. ٣٨٤٥ - [٥٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! رجلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضاً مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((لاَ أَجْرَ لَهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥١٦]. ٣٨٤٦ - [٦٠] وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((الْغَزْوُ غَزْوَانِ، فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللهِ، وَأَطَاعَ الإِمَامَ، وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ، وقوله: (أن أجري له) بضم الهمزة. وقوله: (إلا دنانيره التي تسمى) له، وهذا في الأجير للخدمة، وأما الأجير للغزو الذي دل عليه حديث ابن عمر فغيره، وهو صحیح عند الحنفية، ویکون له السهم، لكن الشارحين لم يذكروا مذهب الحنفية فيه، ولم نجده في (الهداية)، فتدبر. ٣٨٤٥ _ [٥٩] (معاذ) قوله: (عرضاً من عرض الدنيا) في (القاموس)(١): العَرْضُ: المَتاعُ، ويحرك، وكل شيء سوى النقدين، ونقل عن (المغرب) (٢): العرض بفتحتين: خُطَام الدنيا، ويروى بالفتح والسكون. ٣٨٤٦ _ [٦٠] (معاذ بن جبل) قوله: (من ابتغى وجه الله) أي: رضاه، (وأطاع الإمام) بأن أتى على وجه أمره، (وأنفق الكريمة) أي: المختارَ من ماله، فيكون التاء (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٩٥). (٢) ((المغرب)) (ص: ١٧٥). ٥٨٤ (١٩) كتاب الجهاد وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ، وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ، فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنَبَّهَهُ أَجْرٌ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا فَجْراً وَرِيَاءً، وَسُمْعَةً، وَعَصَى الإِمَامَ، وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالْكَفَافِ)). رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٢/ ٤٦٦، د: ٢٥١٥، ن: ٤١٩٥]. ٣٨٤٧ - [٦١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَخْبِرْنِى عَنِ الْجِهَادِ فَقَالَ: ((يَا عَبْدَاللهِ بْنَ عَمْرٍو! إِنْ قَاتَلْتَ صَابِراً مُحْتَسِباً بَعَثَكَ اللهُ صَابِراً مُحْتَسِباً، وَإِنْ قَاتَلْتَ مُرَائِياً مُكَاثِراً بَعَثَكَ اللهُ مُرَائِياً مُكَاثِراً، . للنقل من الوصفية إلى الاسمية، أو نفسَه فيكون الموصوف محذوفاً، ويحتمل على الأول أيضاً أن يكون محذوف الموصوف، أي: أموالَه الكريمةَ النفيسةَ. وقوله: (وياسر الشريك) من المياسرة بمعنى المساهلة والأخذ باليسر، أي: ساهَلَ الرفيقَ. (واجتنب الفساد) أي: التجاوز عن المشروع قتلاً ونهباً وتخريباً وخيانة . وقوله: (ونبهه) صحح في بعض النسخ بفتح النون والباء، وفي بعضها بالفتح والسكون. وفي (القاموس)(١): النُّه بالضم: الفِطنةُ، والقِيامُ من النَّوم. وقوله: (أجر) أي: ذو أجر. وقوله: (فإنه لم يرجع بالكفاف) أي: بالثواب، وقيل: لم يرجع من الغزو رأساً برأس بحيث لا يكون له أجر ولا يكون له وزر أكثر من أجره. ٣٨٤٧ - [٦١] (عبدالله بن عمرو) قوله: (محتسباً) أي: ناوياً للثواب. وقوله: (مكاثراً) أي: مُفاخِراً، والتكاثر: التَّارِي في الكثرة في الأنفس والأموال، (١) («القاموس المحيط)) (ص: ١١٥٤). ٥٨٥ (١٩) كتاب الجهاد يَا عَبْدَاللهِ بْنَ عَمْرٍو! عَلَى أَيِّ حَالٍ قَاتَلْتَ أَوْ قُتِلْتَ، بَعَثَكَ اللهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥١٩]. ٣٨٤٨ - [٦٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِّ ◌َهُ قَالَ: ((أَعَجَزْتُمْ إِذَا و بَعَثْتُ رَجُلاً فَلَمْ يَمْضٍ لِأَمْرِي أَنْ تَجْعَلُوا مَكَانَهُ مَنْ يَمْضِي لِأَمْرِي؟)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ فَضَالَةَ: ((وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ» فِي («كِتَابِ الإِيمَانِ)). [د: ٢٥٣٧]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٨٤ - [٦٣] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِعَلْ فِي سَرِئَّةٍ، أي: تُغازي لتفاخر أني أكثرُ مالاً وجيشاً، أو يقال ذلك، كذا ذكروا، ويحتمل والله أعلم أن يكون معناه طالباً لكثرة المال، أي: تغازي للغنيمة. ٣٨٤٨ - [٦٢] (عقبة بن مالك) قوله: (إذا بعثت رجلا) أي: أميراً. وقوله: (فلم يمض لأمري) أي: لم يذهب، أو لم يمتثِلْ لما أمرته. الفصل الثالث ٣٨٤٩ - [٦٣] (أبو أمامة) قوله: (في سرية) بفتح السين وتخفيف الراء المكسورة وتشديد الياء من خمسة أنفس إلى ثلاث مئة أو أربع مئة، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح)(٢): سرية: پاره از لشكر. ويقال: خيرُ السَّرايا أربعُ مئة، واصطلاحُ أرباب (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٩٠). (٢) ((الصراح)) (ص: ٥٦٥). ٥٨٦ (١٩) كتاب الجهاد فَمَزَّ رَجُلٌ بِغَارٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ وَبَقْلٍ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِأَنْ يُقِيمَ فِيهِ وَيَتَخَلَّى مِنَ الدُّنْيَا، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِنَ ◌ِّ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنِّي لَمْ أُنْعَثْ بِالْيَهُودِيَّةِ وَلاَ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَلَكَنِّي بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَمَقَامُ أَحَدِكُمْ فِي الصَّفِّ خَيْرٌ مِنْ صَلاَتِهِ سِتِينَ سَنَةً). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥ / ٢٦٦]. السير هو أن السرية ما لم يحضر فيه النبي ◌ّر، والذي حضر فيه فهو الغزوة. وقوله: (إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية) أي: ما بُعِثتُ للرَّهبانية الشاقَّة (ولكني بعثت بالحنيفية) في (النهاية)(١): الحَنِيفُ: المائل إلى الإسلام الثابت عليه، والحنيف عند العرب مَن كان على دين إبراهيم، وأصل الحَنَفَ المَيلُ. قوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] أي: مخلصاً في عبادته مائلاً عن كل الأديان إلى الإسلام. و(السمحة) أي: السَّهْلة، والمساهلة كالمسامحة، والتسميح السير السهل، وأسمحت قرونته: ذَلَّت نفسه، والدابةُ: لانَتْ بعدَ استصعابٍ . وقوله: (لغدوة أو روحة) الغدوة: السير في أول النهار، والروحة: السير في آخره، قيل: المراد بهما مطلق الزمان، أي: لمحة وساعة. وقوله: (خير من الدنيا وما فيها) أي: لو ملكها وتصرف فيها مدتها لغايتها، وقيل: بل لو أنفقها في سبيل الله لكثرة ثواب الجهاد. وقوله: (ولمقام أحدكم في الصف) المراد صف القتال، والمراد بالصلاة (١) ((النهاية)) (١ / ٤٤٣). ٥٨٧ (١٩) كتاب الجهاد ٣٨٥٠ - [٦٤] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ مَِّ: (مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلاَّ عِقَالاً فَلَهُ مَا نَوَى)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣١٣٨]. ٣٨٥١ _ [٦٥] وَعَنْ أَبِى سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لِ قَالَ: ((من رَضِي بِاللهِ رَبَّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)) فَعَجِبَ لَهَا أَبُّو سَعِيدٍ فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ! فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللهُ بِهَا الْعَبْدَ مِئَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)) قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٤]. النافلة، وقد يراد صف الجماعة، والمراد بيان فضل الصلاة بالجماعة على الصلاة منفرداً. ٣٨٥٠ - [٦٤] (عبادة بن الصامت) قوله: (إلا عقالاً) أي: تحصيلَ عِقالٍ وهو بالكسر: الحبل الذي يُشَدُّ به رُكبةُ البعيرِ، والمقصود المبالغة في قطع الطمع عن الغنيمة . ٣٨٥١ _ [٦٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من رضي بالله رباً ... إلخ)، قد مر شرحه في أول الكتاب مفصلاً، فتذكر. وقوله: (فعجب لها أبو سعيد) يريد نفسه من إقامة المظهر مقام المضمر. وقوله: (وأخرى) أي: هناك خصلة أخرى، أو أبشرك ببشارة أخرى، وهذا تخصيص بعد التعميم؛ لأن الرضا المذكور یشمل كل خير. ٥٨٨ (١٩) كتاب الجهاد ٣٨٥٢ - [٦٦] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَاَلِ السُّيُوفِ)) فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: يَا أَبَا (١) مُوسَى أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلاَمَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْقِهِ، فَأَلْقَهُ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْقِهِ إِلَى الْعَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠٢]. ٣٨٥٣ _ [٦٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ((إِنَّهُ لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِيٍ إِلَى قَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظَلِّ العَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ قَالُوا: مَنْ يُبلِّغُ إِخْوانَنَا عَنَّا أَنَّنَا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ لِئَلاَ يَزْهَدُوا فِي الْجَنَّةِ، وَلاَ يَنْكُلُوا. ٣٨٥٢ - [٦٦] (أبو موسى) قوله: (تحت ظلال السيوف) كناية عن حضور معركة القتال والقيام فيها. و(الرثّ) البالي والخلق. وقوله: (أقرأ عليكم السلام) توديع. وجفن السيف: غمده بالفتح ويكسر. ٣٨٥٣ - [٦٧] (ابن عباس) قوله: (جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر) مرّ شرحه في الفصل الأول في حديث مسروق. وقوله: (مقيلهم) وهو المكان الذي يستريح فيه وقتَ نصف النهار من القيلولة، والقائلة نصف النهار. وقوله: (ولا ينكلوا) نكل عن الأمر: امتنع، ومنه النكول عن اليمين. (١) في نسخة: ((یا با موسى)). ٥٨٩ (١٩) كتاب الجهاد ٣٨٥٤ - [٦٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: (الْمُؤْمِنُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَجْزَاءٍ: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالَّذِي يَأْمَنُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنَّفُسِهِمْ، ثُمَّالَّذِي إِذَا أَشْرَفَ عَلَى طَمَع تَرَكَهُ لِلَّهِ وَ)). رَوَاهُ أَحْمُدُ. [حم: ٣ / ٨]. ٣٨٥٤ - [٦٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (على ثلاثة أجزاء) أي أقسام. وقوله: (الذين آمنوا ... إلخ)، اقتباس للآية القرآنية، وهؤلاء الذين نفعوا الخلائق، وهذا يوهم مع حصول كمال الإيمان أشرف وأعلى مرتبة. وقوله: (والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم) إشارة إلى أنهم وإن لم ينفعوا الناس بكمال خيرهم لم يضروهم بشرهم، ولم يخالطوهم ولم يطمعوا منهم وهم أدنى رتبة ممن قبلهم. وقوله: (ثم الذي إذا أشرف على طمع ... إلخ)، يعني أن هؤلاء وإن اختلطوا الناس وكادوا أن يطمعوا ويحرصوا في الدنيا، ولكن حفظهم الله عن ذلك فلم يقعوا في ذلك، قال في (القاموس)(١): طمع فيه وبه كفرح طمعاً: حرص عليه. وقال شيخنا رحمه الله: الطمع سكون النفس إلى منفعة مشكوكة الوصول. وقال الطيبي (٢): يراد بالطمع في الحديث انبعاثُ هوى النفس إلى ما تشتهيه، فتؤثره عن متابعة الحقِّ، فتركُه غايةُ المجاهدةِ، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَ ٥) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ -٤١]، انتهى. وشرح الحديث (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٨٧). (٢) ((شرح الطيبي)) (٧ /٣٠٩). ٥٩٠ (١٩) كتاب الجهاد ٣٨٥٥ - [٦٩] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمِيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه قَالَ: ((مَا مِنْ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ يَقْبِضُهَا رَبُّهَا تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ وَأَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا غَيْرَ الشَّهِيدِ)) قَالَ ابْنُ عَمِيرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَأَنْ أَقْتَلَ فِى سَبِيلِ اللهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي أَهْلُ الْوَبَرِ وَالْمَدَرِ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣١٥٣]. ٣٨٥٠ - [٧٠] وَعَنْ حَسْنَاءَ بِنْتِ مُعَاوِيَةَ قَالَتْ: حَدَّثَنَا عَمِّ قَالَ: قَلْتُ لِلنَّبِيِّ ◌َّهِ: مَنْ فِي الْجَنَّةِ؟. على ما ذكر وفصل من مخيلات هذا الضعيف عفا الله عنه، والله أعلم. ٣٨٥٥ - [٦٩] (عبد الرحمن بن أبي عميرة) قوله: (ابن أبي عميرة) على وزن كريمة . وقوله: (وأن لها) الرواية بالفتح عطف على (أن ترجع). وقوله: (غير الشهيد) بالرفع بدل من فاعل (تحبُّ)، ويروى بالنصب على الاستثناء . وقوله: (أهل الوبر) محركة: صوف الإبل والأرانب ونحوها، والمراد بها الخيام، وأهل الوبر سكان البوادي؛ لأن خباءهم من الوبر. و(المدر) محركة: قِطَعُ الطينِ اليابسِ، وأهل المدر سكان القرى والأمصار؛ لأن بيوتهم من المدر، وهو كناية عن الدنيا وأهلها . ٣٨٥٦ _ [٧٠] (حسناء بنت معاوية) قوله: (حسناء) على وزن حمراء (بنت معاوية) بن سليم الصريمي. ٥٩١ (١٩) كتاب الجهاد قَالَ: ((النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ، وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْمَوْلُوهُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْوَتِيدُ فِي الْجَنَّةِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٢١]. ٣٨٥٧ _ [٧١] وَعَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَعَبْدِاللهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدِ اللهِ بْنُ عَمْرٍوٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ(١) كُلُّهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِن ◌َّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ أَرْسَلَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَقَامَ فِي بَيْتِهِ، فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُ مِئَةٍ دِرْهَمٍ، .. وقوله: (النبي في الجنة) مبتدأ وخبر، وكذا قوله: (والمولود في الجنة) وقوله: (والوئيد في الجنة)، والمراد بالمولود الصغير أعم من أن يكون ولد مؤمن أو ولد كافر، وهذا هو المقرر عندهم، وأما ما سبق في (باب الإيمان بالقدر) فله تأويل سبق ذكره هناك، فتدبر. والمراد بالوئيد الموءودة وهو الذي يدفن حياً كما كان من عادة الجاهلية من دفن البنات، والتذكير باعتبار أن فَعِيلاً إذا كان بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث. وقال السيوطي: ومنهم من كان يئد البنين أيضاً عند المجاعة والضيق، ولعل التخصيص بهذه الأربعة باعتبار الفضل والشرف في الأولين، وأما في الآخرين من جهة دخولهما الجنة بغير عمل وكسب، والله أعلم. ٣٨٥٧ - [٧١] (علي) قوله: (في وجهه) أي: في وجه الله، أي: طلب رضاه، أو من الجهة التي أمر به ورضي عنه، والمآل واحد. وقوله: (فله بكل درهم سبع مئة درهم) وفي بعض النسخ: (سبع مئة ألف)، ومنه (١) سقطت الترضية. ٥٩٢ (١٩) كتاب الجهاد وَمَنْ غَزَا بِنَفْسِهِ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأَنْفَقَ فِي وَجْهِهِ ذَلِكَ، فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُ مِئَةٍ أَلْفِ دِرْهَم))، ثُمَّتَلاَ هذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَاَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]. رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٧٦١]. ٣٨٥٨ - [٧٢] وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((الشُّهَدَاءُ أَرْبَعَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإِيمَانِ، لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَّقَ اللهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَعْيُنَهُمْ. يعلم أن المضاعفة لا ينحصر بالسبع مئة، بل يزيد كما سبقت الإشارة إليه في حديث خُرَيم بن فاتك في الفصل الثاني، فتدبر. ٣٨٥٨ - [٧٢] (فضالة بن عبيد) قوله: (وعن فضالة) بفتح الفاء . وقوله: (فصدق الله) قيل: أي في وعده الأجرَ الجزيلَ والثوابَ العظيمَ للشهداء، وقال الطيبي(١): معناه أن الله وصف المجاهدين بكونهم صابرين محتسبين، فأخبر بذلك، فصدقه هذا الرجل بفعله وشجاعته في هذا الوصف والإخبار، وهذا أوجه لأنه على المعنى الأول يكون كالتأكيد لمعنى الإيمان، ولأنه مشترك بين الأقسام كلها مع أنه لم يذكره في القسم الثاني، فالتصديق إنما يكون بالشجاعة والصبر والاحتساب، فافهم. فحاصل التقسيم أن المجاهد إما أن يكون مثَّقياً شجاعاً، وهو القسم الأول، أو مثَّقياً غير شجاع، وهو القسم الثاني، أو يكون شجاعاً غير مثَّقٍ فإما أن يكون أعماله مخلوطاً بالصالح والسيئ غيرَ مسرفٍ، أو يكون فاسقاً مسرفاً، ففي الأقسام (١) ((شرح الطيبي)) (٧/ ٣١١). ٥٩٣ (١٩) كتاب الجهاد يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا)) وَرَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى سَقَطَتْ قَلَنْسُوَتُهُ، فَمَا أَدْرِي أَقَلَنْسُوَةَ عُمَرَ أَرَادَ، أَمْ قَلَنْسُوَةَ النَّبِيِّ ◌َ؟ قَالَ: ((وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإِيمَانِ لَقِيَ الْعَدُوَّ كَأَنَّمَا ضُرِبَ جِلْدُهُ بِشَوْكٍ طَلْحِ مِنَ الْجُبْنِ، أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ، فَهُوَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَّقَ اللهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَلِكَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَّقَ اللّهَ حَتَّى قُثِلَ، فَذَاكَ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٦٤٤]. يحصل تصديق الله دون الثاني، فافهم. وقوله: (هكذا) إشارة إلى ما رفع رأسه لإراءة الحاضرين صورةَ الرفع كما ذكر بقوله: (ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوته) مبالغة في الرفع، والضمير في (قلنسوته) لعمر، وهو الصواب المفيد لحسن الأدب. وقوله: (فما أدري) قول الراوي. وقوله: (كما ضرب) بلفظ المجهول، و(الطلح) شجر عظام من شجر العِضَاءِ له شوك، وهذا كناية عن اقشعرار شعره من الفزع والخوف أو ارتعاد أعضائه. وقوله: (أتاه سهم غرب) أي: أتاه من حيث لا يدري، وقد مرّ شرحه في الفصل الأول من حديث أنس څ . وقوله: (فهو في الدرجة الثانية) لعدم شجاعته وتصديقه الله تعالى بذلك مع كونه مشاركاً للأول في جودة الإيمان وصلاح العمل. وقوله: (ورجل مؤمن خلط عملاً صالحاً ... إلخ)، هذا الرجل والرجل الرابع مقابلان الأول والثاني في جودة الإيمان، ولكن هذا جامع في العمل الصالح والسيِّئ ٥٩٤ (١٩) كتاب الجهاد ٣٨٥٩ - [٧٣] وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (الْقَتْلَى ثَلاَثَةٌ: مُؤْمِنٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ))، قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِيهِ: ((فَذَلِكَ الشَّهِيدُ الْمُمْتَحَنُ فِي خَيْمَةِ اللهِ تَحْتَ عَرْشِهِ لاَ يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إِلَّ بِدَرَجَةِ النُُّؤَّةِ، سواء، والرابع عاصٍ فاسق سيِّئُِّ العمل غالباً، فالحاصل أن الرجل له أجر وثواب الشهادة على أيّ وجه كان في الإيمان والعمل في الكمال أو النقصان. ٣٨٥٩ - [٧٣] (عتبة بن عبد السلمي) قوله: (وعن عتبة) بضم العين وسكون التاء، و(السلمي) بضم السين وفتح اللام المخففة . وقوله: (مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله) لا بد أن يقيد بما يميزه عن قسيمه وهو مؤمن خلط عملا صالحاً وآخر سيئاً، أي: مؤمن صالح مثَّقٍ لم يخلط . وقوله: (فيه) أي: في حقه متعلق لـ (قال)، وكذا في الثاني. وقوله: (فذلك الشهيد الممتحن) أي: المجرَّبُ الصابرُ على الجهاد القويُّ على احتمال المشاقٌّ، وفي (النهاية)(١): هو المصفى المهذب، يقول: محَنتُ الفضَّةَ: إذا صفَّيْتَها وخلَّصتَها بالنار، وقال البيضاوي(٢) في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آمْتَحَنَّ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَىَّ﴾ [الحجرات: ٣]: جرَّبها للتقوى ومرَّنها عليها، أو عرفها كائنة للتقوى خالصة لها، فإن الامتحان سبب المعرفة . وقوله: (في خيمة الله) خبر بعد خبر، أو هو خبر والباقي صفات، والمراد بخيمة الله حضرتُه ومحلُّ قُربِهِ كما وقع في حديث الشفاعة: (فأَستأذِنُ على ربِّي في (١) ((النهاية)) (٣٠٤/٤). (٢) ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ٤١٥). ٥٩٥ (١٩) كتاب الجهاد وَمُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيّاً جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ))، قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ فِيهِ: ((مُمَصْمِصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ إِنَّ السَّيْفَ مَخَاءٌ لِلْخَطَايَا، وَأُدْخِلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ، وَمُنَافِقٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَإِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ فَذَاكَ (١) فِي النَّارِ، إِنَّ السَّيْفَ لاَ يَمْحُو النِّفَاقَ)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٢٧٢]. ٣٨٦ - [٧٤] وَعَنِ ابْنِ عَايِذٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ لَهُ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ فَلَمَّا وُضِعَ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لاَ تُصَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللهِ! فَإِنَّهُ رَجُلٌ فَاجِرٌ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللهِوَّهِ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: ((هَلْ رَآهُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلِ الإِسْلاَمِ؟». دارِهِ فَيُؤْذَنُ لي عليه). وقوله: (ممصمصة) على وزن اسم الفاعل من مَصمَصَ، أي: مطهِّرة، روي بالمهملة وبالمعجمة وكلاهما بمعنىّ، وقيل: بالمهملة بطرف اللسان وبالمعجمة بالفم كله كما في الوضوء، وفي (القاموس)(٢): المصمصة: المضمضة بطرف اللسان، ومُمَصْمِصَةُ الذنوب: مُمَخِّصَتُها، والمضمضة: تحريك الماء في الفم وغسل الإناء وغيره. ٣٨٦٠ - [٧٤] (ابن عايذ) قوله: (وعن ابن عايذ) بالياء التحتانية والذال المعجمة(٣). (١) في نسخة: فذلك. (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٨٢، ٦٠٣). (٣) قال القاري: (٦/ ٢٤٩٧): اسم فاعل من العَوْذ. ٥٩٦ (١) باب إعداد آلة الجهاد فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ! حَرَسَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَحَثَا عَلَيْهِ الُّرَابَ، وَقَالَ: ((أَصْحَابُكَ يَظُنُّونَ أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، وَقَالَ: ((يَا عُمَرُ إِنَّكَ لاَ تُسْأَلُ عَنْ أَعْمَالِ النَّاسِ، وَلَكِنْ تُسْأَلُ عَنِ الْفِطْرَةِ). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٤ / ٤٣]. ١- باب إعداد أكتامحماد وقوله: (يا عمر إنك لا تسأل عن أعمال الناس ولكن تسأل عن الفطرة) أي : دين الإسلام، قال الطيبي(١) في تفسير هذا الكلام ما حاصله: ينبغي يا عمر أن لا تخبر مثلك في مثل هذا الموطن عن أعمال الشرِّ للموتى، بل تخبر عن أعمال الخير كما قال: (اذكروا موتاكم بالخير)، فوضع (لا تسأل) موضع (لا تخبر) نفياً للملزوم بنفي اللازم؛ لأنه إذا انتفى السؤال انتفى الإخبار، والمقصود منعُه عمَّا أقدم عليه؛ فإن الاعتبار بالفطرة والاعتقاد مع أنه عمل عملاً من أعمال أهل الإسلام ما يكفيه، فافهم. ١ - باب إعداد آلة الجهاد من السهم والسيف والدِّرع والقوس والرُّمح والخيل، وأكثر ما ذكر فيه فضيلة الرمي والخيل، وذكر الرهان، وذكر حال سيف رسول الله ورايته اليه . (١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٣١٣). ٥٩٧ (١٩) كتاب الجهاد * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٨٦١ - [١] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: ((﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُّ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٧]. ٣٨٦٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: ((سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمُ الرُّومُ. الفصل الأول ٣٨٦١ _ [١] (عقبة بن عامر) قوله: (ومن رباط الخيل) قد توجد هذه الزيادة في نسخ (المشكاة) ثابتة، وفي بعضها مخطوطاً عليها، وليس في رواية مسلم، وإنما هو في رواية ابن المنذر عن عقبة بن عامر، كذا يعلم من (الدر المنثور)، وهي مذكورة في القرآن المجيد. وقوله: (ألا إن القوة الرمي) مكرر ثلاثاً، وقد فسرها الزمخشري والبيضاوي بكل ما يُتقوَّى به في الحرب، قال البيضاوي(١): ولعله إنما خصه رسول الله وليه بالرمي لأنه أقواه، وفي (الكشاف)(٢) عن عكرمة أن عقبة بن عامر مات عن سبعين قوساً في سبيل الله . ٣٨٦٢ - [٢] (وعنه) قوله: (ستفتح عليكم الروم) وهم رماة، وغالب حربهم بالرمي. (١) ((تفسير البيضاوي)) (١/ ٣٨٩). (٢) ((الكشاف)) (٢ / ٢٣٢). ٥٩٨ (١) باب إعداد آلة الجهاد وَيَكْفِيكُمُ اللهُ، فَلاَ يَعْجِزْ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٨]. ٣٨٦٣ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴿ يقولُ: ((مَنْ عَلِمَ الرَّمَيَ ثمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا أَوْ قَدْ عَصَى)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٩]. ٣٨٦٤ - [٤] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَسْلَمَ يَتَضَلُونَ بِالسُّوقِ فَقَالَ: ((ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَّكُمْ كَانَ رَامِياً، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ)). وقوله: (ويكفيكم الله) أي: شرَّ الروم بواسطة الرمي، (فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه) أي: من اللهو بالسهم، بل ينبغي أن تهتموا بشأنه بأن تتعلَّموا وتتمرَّنوا على ذلك حتى تتمكَّنوا من محاربتهم، وقيل: المراد لا تتركوا الرمي وتعلُّمَه، والتمرن عليه بعد الفتح بأن تقولوا: لا نحتاج إليه، فإن الاحتياج إلى الرمي ثابت أبداً، والمعنى الأول أظهر، وإنما سمي الترامي لهواً باعتبار صورته وللترغيب عليه، فإن النفوس مجبولة على الميل إلى اللهو، وكذا السباق بالخيل والإبل. ٣٨٦٣ - [٣] (وعنه) قوله: (من علم الرمي ثم تركه) الحديث، التعبير عنه بالعلم، ثم الوعيد على تركه يدل على أنه ليس لهواً حقيقة، وفيه المبالغة على فضيلته وكونه مهمًّا في الدين مشابهاً بنسيان القرآن بعد تعلمه . وقوله: (أو قد عصى) الظاهر أنه من شك الراوي. ٣٨٦٤ - [٤] (سلمة بن الأكوع) قوله: (من أسلم) اسم قبيلة. وقوله: (يتناضلون) التناضل بالضاد المعجمة: المباراة في الرمي، ونضلته: سبقته فيه، أي: كانوا يرمون على سبيل المباراة والمسابقة، و(السُّوق) إما بمعناه المشهور، وقيل: اسم موضع، وقيل: جمع ساقٍ استعارةً للسَّهم، كذا نقل ٥٩٩ (١٩) كتاب الجهاد لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فَأَمْسَكُوا بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ: ((مَا لَكُمْ؟)) قَالُوا(١): وَكَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَ بَنِي فُلاَنٍ؟ قَالَ: ((ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٠٧]. ٣٨٦٥ _ [٥] وَعَن أنسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ صَلىاله وسيم بِتُرْسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْي، فَكَانَ إِذَا رَمَى تَشَرَّفَ النَّبِيُّ ◌َُّ فَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ نَِّهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٩٠٢]. ٣٨٦٦ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٥١، م: ١٨٧٤]. (الطيبي) (٢)، وفي الحاشية من (شرح المصابيح) لابن الملك(٣): أنه بفتح السين المهملة اسم موضع، والباء بمعنى (في)، واللام في (الأحد) متعلق لـ (قال)، والباء في (بأيديهم) زائدة . ٣٨٦٥ _ [٥] (أنس) قوله: (تشرف النبي ◌ُّ) من الشرف بمعنى الاستشراف بمعنى الاطّلاع والانتظار، وشرفَه وشارفَه وعليه: اطَّلِعَ من فوق، واستشرف الشيءَ: رفعَ بصرَه إليه، وبسط كفه فوق حاجبه كالمستظلِّ من الشمس، كذا في (القاموس)(٤)، يعني كان النبي ◌َّهُ يُتْبِعُ نظرَه سهمَ أبي طلحةَ لينظرَ مَن أصاب من الأعداء، وذلك کان لکونه حسن الرمي لا یخطئ سهمه . ٣٨٦٦ - [٦] (وعنه) قوله: (البركة في نواصي الخيل) جمع ناصية وهي قُصَاصُ (١) في نسخة: ((فقالوا)). (٢) ((شرح الطيبي)) (٧/ ٣١٥، ٣١٦). (٣) ((شرح مصابيح السنة)) (٤ / ٣٤٣). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٦٠). ٦٠٠ (١) باب إعداد آلة الجهاد ٣٨٦٧ - [٧] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ(١) وَ يَلْوِي نَصِيَةَ فَرَسِ بِأُصْبُعِهِ وَهُوَ يَقُولُ: ((الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: الأَجْرُ وَالغَنِيمَةُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٧٢]. ٣٨٦٨ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنِ احْتَبَسَ فَرَساً فِي سَبِيلِ اللهِ إِيمَاناً بِاللهِ وَتَصْدِيقاً بِوَعْدِهِ فإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ. الشَّعرِ، يريد ذواتها، وخص الناصية لكونه أشرف أعضائها وأظهرها كالجبهة من الإنسان، ولهذا يسمى بياضها غُرَّةً، ويقال: فلان مبارك الناصية، وينسب ظهور آثار الجهد والبخت إليها . ٣٨٦٧ - [٧] (جرير بن عبدالله) قوله: (يلوي ناصية فرس) أي: يقبله ويدبره، لواه يلويه لَيًّا: فتله، والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة . وقوله: (الخيل معقود في نواصيها الخير) لأن بها يحصل الجهاد الذي فيه خير الدنيا والآخرة كما بينه بقوله: (الأجر والغنيمة)، وفيها من الكر والفر ما ليس فيما عداها من المراكب. ٣٨٦٨ _ [٨] (أبو هريرة) قوله: (من احتبس فرساً) أي: ربطه وحبسه على نفسه لما عسى أن يحدُثَ من غزوٍ، والحبس بمعنى المنع، ويجيء بمعنى الوقف، وفي (القاموس)(٢): الحبيس من الخيل: الموقوف في سبيل الله، وقد حبسه وأحبسه. وقوله: (فإن شبعه) بکسر الشین وفتح الباء، (وریه) بكسر الراء وتشديد الياء، والمراد ما يشبعه ویرویه. (١) في نسخة: ((نبي الله)). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٩٧).