النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مُؤْنَةٍ أَهْلِي، وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي
بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٧٠].
* الْفَصْلُ الثَّانِي :
٣٧٤٨ - [٤] عَنْ بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِيِّبَ﴿ قَالَ: ((مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى
عَمَلٍ، فَرَزَقْنَاهُ رِزْقاً، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د:
٢٩٤٣].
لاتجروا في الصرف، رواه أبو منصور في (مسند الفردوس)(١).
وقوله: (من هذا المال) إشارة إلى مال بيت المال.
وقوله: (ويحترف) أي: أبو بكر، أي: يعملُ، ذكره بلفظ الحرفة مشاكلة،
والحرفة، بالكسر: الطعمة، والصناعة يُرْتَزَقُ منها، وكل ما اشتغل الإنسان به يسمى
صنعة وحرفة، لأنه ينحرف إليها، كذا في (القاموس)(٢)، وما أحسن ذكره ظله نفسه
بطريق الغيبة في هذا المقام، كأنه واحد من المسلمين، عامل وخادم لهم يأخذ أجرته،
وهذا اعتذار منه عن إنفاقه على نفسه وأهله من بيت مال المسلمين .
الفصل الثاني
٣٧٤٨ - [٤] (بريدة) قوله: (فما أخذ بعد ذلك) أي: زيادة عليه (فهو غلول)
أي: خيانة، والغلول: الخيانة أو خاص بالفيء، كذا في ((القاموس)) (٣).
(١) ((مسند الفردوس)) (٣/ ٣٧٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٣٨).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٥٧).

٥٠٢
(٣) باب رزق الولاة وهداياهم
٣٧٤٩ - [٥] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ
فَعَمَّلَنِي)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [ر: ٢٩٤٤]
وسيا
٣٧٥٠ - [٦] وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِلَى الْيَمَنِ،
فَلَمَّا سِرْتُ، أَرْسَلَ فِي أَثَرِي، فَرُدِدْتُ فَقَالَ: «أَتَدْرِي لِمَ بَعَنْتُ إِلَيْكَ؟
لاَ تُصِيبَنَّ شَيْئاً بِغَيْرِ إِذْنِي، فَإِنَّهُ غُلُولٌ ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا عَلَّ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ﴾
[آل عمران: ١٦١] لِهَذَا دَعَوْتُكَ فَامْضٍ لِعَمَلِكَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٣٣٥].
٣٧٥١ _ [٧] وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ يَقُولُ:
((مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلاً فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً،
٣٧٤٩ - [٥] (عمر) قوله: (فعملني) بالتشديد أي: أعطاني العمالة، والعملة
بالضم والعمالة مثلثة: أجر العمل، وعمّله تعميلاً: أعطاها إياه.
٣٧٥٠ _ [٦] (معاذ) قوله: (فرددت) بلفظ المجهول من الردِّ.
وقوله: (ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة) اقتباس لآية القرآن، والمراد بما
غل جزاؤه، وهو ما جاء في الحديث(١): (لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامة على
رقبته بعيرٌ له رُغاءٌ) الحديث.
وقوله: (فامض) أمر من مضى يمضي، أي: اذهَبْ.
٣٧٥١ _ [٧] (المستورد بن شداد) قوله: (وعن المستورد) بضم الميم وسكون
السين المهملة وفتح التاء وكسر الراء .
وقوله: (من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة) الحديثُ دلَّ على أنه يحل للعامل
(١) ((صحيح مسلم)) (ح: ١٨٣١).

٥٠٣
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِماً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَكْتَسِبْ
مَسْكَناً)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د:
٢٩٤٥].
٣٧٥٢ - [٨] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((يَا أَيُّهَا
النَّاسُ! مَنْ عُمِّلَ مِنْكُمْ لَنَا عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَّنَا مِنْهُ مِخْتَطاً فَمَا فَوْقَهُ فَهُوَ غَالٌّ،
يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! اقْبَلْ عَنِّي
عَمَلَكَ، قَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)) قَالَ سَمِعْتُكَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: ((وَأَنَا أَقُولُ
ذَلِكَ،
أن يأخذ من بيت المال قدر مهر زوجه ونفقتها وكسوتها، وما يحصل به خادماً أو
مسكناً، كل ذلك على قدر ما لا بد منه من غير تنقُّم وإسراف، وما زاد على ذلك فهو
حرام.
٣٧٥٢ _ [٨] (عدي بن عميرة) قوله: (وعن عدي بن عميرة) بفتح العين
وكسر الميم .
وقوله: (من عمل) بالتشديد على لفظ المجهول، أي: جُعِلَ عاملاً.
وقوله: (فكتمنا) بالضمير المنصوب، و(من) تبعيضية متعلق بالمخيط، والمراد
ما فوقه في الحقارة.
وقوله: (اقبل عني عملك) أي: أَقِلْنِي منه.
وقوله: (وما ذاك؟) أي: ما الذي حملك على هذا القول؟
وقوله: (وأنا أقول ذلك) أي: لا أرجع عنه.

٥٠٤
(٣) باب رزق الولاة وهداياهم
مَنِ اسْتَعْمَلْنَهُ عَلَى عَمَلٍ؛ فَلْيَأْتِ بِقَلِيلِهِ وَكَثِهِ فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَهُ، وَمَا نُهِيَ
٩
عَنْهُ انْتُهَى)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظَ لَهُ. [م: ١٨٣٣، د: ٣٥٨١].
٣٧٥٣ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: ((لَعَنَ رَسُولُ اللهِ الرَّاشِيَ
وَالْمُرْتَشِيَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٥٨٠، جه: ٢٣١٣].
٣٧٥٤ - [١٠] وَرَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [ت: ١٣٣٦].
٣٧٥٥ - [١١] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) عَنْ ثَوْبَانَ،
وَزَادَ: ((وَالرَّائِشَ)) يَعْنِي: الَّذِي.
وقوله: (من استعملناه .. .إلخ)، تکریر للمعنی وتأكيد له.
وقوله: (فما أوتي منه) أي: ما أعطي من ذلك العمل وأجره.
٣٧٥٣ - [٩] (عبدالله بن عمرو) قوله: (لعن رسول الله وَيجر الراشي): وهو
المعطي، (والمرتشي) وهو الآخذ، والرائش الساعي بينهما يستزيد لهذا أو يستنقص
لهذا، والرشوة بالكسر والضم: وُصْلة إلى الحاجة بالمصانعة، من الرِّشاء المتوصّل
به إلى الماء، وأما من يعطي توصلاً إلى أخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه، كذا في
(النهاية)(١)، وفي بعض الحواشي: هذا ينبغي أن يكون في غير القضاة والولاة؛ لأن
السعي في إصابة الحق إلى مستحقه ودفع الظلم عن المظلوم واجب عليهم، فلا يجوز
لهم الأخذ عليه، وأيضاً قيل: إذا كان عملٌ يستأجرُ عليه بمقدار هذه الأجرة فيأخذها
لا يحرم، وأما كلمةٌ أو عملٌ قليل لا يؤخذ عليه هذه الأجرةُ فهو حرام.
٣٧٥٤، ٣٧٥٥، ٣٧٥٦ - [١٠، ١١، ١٢] (أبو هريرة، وثوبان، وعمرو
(١) ((النهاية)) (٢/ ٢٢٦).

٥٠٥
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
يَمْشِي بَيْنَهُمَا. [حم: ٢٧٩/٥، شعب: ٧ / ٣٥٤].
٣٧٥٦ - [١٢] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهَِّه :
((أَنِ اجْمَعْ عَلَيْكَ سِلاَحَكَ وَثِيَابَكَ، ثُمَّ اثْتِي)) قَالَ: فَأَتَيْئُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ
فَقَالَ: ((يَا عَمْرُو! إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ لِأَبْعَثَكَ فِي وَجْهٍ يُسَلِّمُكَ اللهُ
وَيُغَنِّمُكَ، وَأَزْعَبَ لَكَ زَعْبَةً مِنَ الْمَالِ)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا كَانَتْ
هِجْرَتِي لِلْمَالِ، وَمَا كَانَتْ إِلَّلِلّهِ وَلِرَسُولِهِ قَالَ: ((نِعِمَا بِالْمَالِ الصَّالِحِ
لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ) وَرَوَى أَحْمَدُ نَحْوَهُ وَفِي رِوَايَتِهِ :
قَالَ: ((نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ)). [شرح السنة: ١٠ / ٩١، حم:
٤ / ١٩٧].
ابن العاص) قوله: (في وجه) أي: في جهة من العمل، أو في جانب من
الأرض.
وقوله: (يسلمك الله ويغنمك) كلاهما بالتشديد، أي: يردك سالماً ويرزقك
الغنيمة، أي: ترجع سالماً غانماً، (وأزعب) بالزاي والعين المهملة بالرفع، أي: وأنا
أزعب لك، وبالنصب عطف على (أبعثَكَ)، أي: أقطع لك قطعة من المال، في
(القاموس)(١): زعبه: قطعه، وزعب له من المال زُعبة بالضم وزِعباً بالكسر: دفع له
قطعة منه .
وقوله: (نعما بالمال) أي: نعم شيئاً المال الصالح، والباء زائدة، و(ما) تامة
بمعنى شيئاً تمييز للضمير المبهم أدغمت في ميم نعم، كما في قوله تعالى: ﴿فَنِعِمًّا
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٠).

٥٠٦
(٤) باب الأقضية والشهادات
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٧٥٧ - [١٣] عَنْ أَبِ أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ِّ قَالَ: ((مَنْ شَفَعَ لِأَحَدٍ
شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَاباً عَظِيماً مِنْ أَبْوَابٍ
الرِّبَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٤١].
٤- باب الأقضية والشهادات
مِىٌّ﴾ أي: المال الصالح ما يكسبه من الحلال، والصلاح ضد الفساد.
الفصل الثالث
٣٧٥٧ _ [١٣] (أبو أمامة) قوله: (فأهدي له) بلفظ المجهول والمعلوم
روايتان .
وقوله: (من أبواب الربا) لا يخفى أن هذه رشوة، ولعله سماها رباً لكونه
خالياً عن العِوَض.
٤ - باب الأقضية والشهادات
أراد بالأقضية الوقائع التي ترفع إلى الحاكم ليقضي فيها ويحكم، والشهادة
والشهود والمشاهدة في الأصل بمعنى الحضور والإدراك بالبصر، وقد يطلق على
العلم اليقيني بالبصيرة، ويجيء بمعنى الخبر القاطع الصادر بمواطأة القلب، وفي
الشرع: الإخبار بحقِّ للغير على آخر كالإقرار إخبار بحق الغير على المخبِرِ،
والدعوى إخبار بحق للمخبر على الغير، وجمع الشهادات هنا لموافقة الأقضية باعتبار
المواد .

٥٠٧
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٧٥٨ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّبَهِ قَالَ: ((لَوْ يُعْطَى النَّاسُ
بِدَعْوَاهُمْ، لَاَذَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَّهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى
عَلَيْهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي ((شَرْحِهِ)) لِلنَّوَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ
◌ِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، أَوْ صَحِيحٍ، زِيَادَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعاً: ((لَكِنَّ الْبَيْئَةَ عَلَى
الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ)). [م: ١٧١١].
٣٧٥٩ _ [٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ حَلَفَ
عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ .
الفصل الأول
٣٧٥٨ _ [١] (ابن عباس) قوله: (بدعواهم) أي: بمجرد دعواهم من غير بينة.
وقوله: (لادعى ناس) أي: أخَذَ، وضع السببَ مقامَ المسبّب.
وقوله: (ولكن اليمين على المدعى عليه) لم يذكر في هذه الرواية طلب البينة
كأنه ثابت مقرر في الشرع فكأنه قال: ولكن البينة على المدعي فإن لم يكن بينة فاليمين
على المدعى عليه، كما جاء في الرواية التي ذكرها من ابن عباس.
٣٧٥٩ - [٢] (ابن مسعود) قوله: (من حلف على يمين صبر) بالإضافة، والصبر
في المشهور نقيض الجزع، وهو في الأصل الحبس واللزوم، وإنما سميت يمين
صبر لتوقف الحكم وحبسه عليها وكونها لازمة لصاحبها وكونه مجبوراً ومحبوساً
عليها من جهة الحكم، وقيل لها: مصبورة أيضاً، وإن كان المصبورُ في الحقيقة
صاحبَها، ولكنه لما صبر من أجلها وصفت بالصبر وأضيف إليها، وقيل: يمين الصبر
هي التي يكون الحالف فيها متعمِّداً للكذب قاصداً لإذهاب مال المسلم، ولذا قال:

٥٠٨
(٤) باب الأقضية والشهادات
وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ عَلَيْهِ
غَضْبَانُ»، فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا
قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٤٩، م: ١٣٨].
٣٧٦٠ - [٣] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ نَّهِ: ((مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ
امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَّمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ
رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئاً يَسِيراً يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَإِنْ كَانَ قَضِيِباً مِنْ أَرَاكٍ)).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٧].
٣٧٦١ - [٤] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌّ، ..
(وهو فيها فاجر) أي: كاذب فاسق (يقتطع بها مال امرئ مسلم) أي يقصد قطعه،
وعلى بمعنى الباء، أي: حلف بهذا القسم من الحلف، وقال النُّورِبِشْتِي(١): أقام
اليمين مقام المحلوف عليه، أو أراد حلف على تلك الصفة والطريقة .
وقوله: (يشترون بعهد الله) أي: بما عهد إليهم من أداء الأمانة .
٣٧٦٠ _ [٣] (أبو أمامة) قوله: (فقد أوجب الله له النار) يعني أنه استحق النار
على التأبيد، ولكن العفو باقٍ أو محمول على الاستحلال.
وقوله: (وإن كان قضيباً من أراك) في (القاموس)(٢): القضب: كل شجرة طالت
وبسطت أغصانها، وما قطعت من الأغصان للسهام أو القِسِيِّ.
٣٧٦١ - [٤] (أم سلمة) قوله: (إنما أنا بشر) يعني أني إن تركت على ما جُبِلِتُ
(١) (كتاب الميسر)) (٣/ ٨٦٥).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٩).

٥٠٩
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ،
فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِهِ،
فَلاَ يَأْخُذَنَّهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٦٧، م:
١٧١٣].
٣٧٦٢ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِنَّ أَبْغَضَ
الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٥٧، م: ٢٦٦٨].
عليه من القضايا البشرية ولم أُؤْيَّدْ بالوحي، طرأ علي منها ما يطرأ على سائر البشر.
وقوله: (أن يكون) ولعل دخول (أنْ) في خبر (لعلَّ) لحملها على معنى عسى.
وقوله: (ألحن بحجته) أي: ألسنَ وأفصحَ وأبينَ كلاماً وأقدر على الحجة،
ويقال: لحن كفرح، أي: فطِنَ، واللحن قد يطلق على الخطأ في الكلام، وعدم
التصريح بالمقصود، وعلى الطرب في الصوت، وعلى معنى الفطانة، وهو المراد ههنا.
وقوله: (فأقضي له على نحو ما أسمع منه) وهذا على خلاف ما حكم به وَيّر
باجتهاده، فإنه لا يقر فيه على الخطأ على ما يقرر في أصول الفقه، فإن الحكم في هذه
الصورة ليس بالاجتهاد بل بالسماع من الشهود، كما لا يخفى.
٣٧٦٢ - [٥] (عائشة) قوله: (الألد الخصم) بكسر الصاد، في (القاموس)(١):
الألد الخصم: الشحيح الذي لا يزيغ إلى الحق كالألندد واليلندد، والخصومة: الجدل،
ورجل خصم: مجادل، وبناؤه للمبالغة، قال صاحب (النهاية)(٢): فالأول منبئ عن
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠٠، ١٠١٧).
(٢) ((النهاية)) (٤/ ٢٤٤).

٥١٠
(٤) باب الأقضية والشهادات
٣٧٦٣ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَضَى بِيَمِينِ وَشَاهَدٍ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧١٢].
الشدة، والثاني عن الكثرة، قال الطيبي(١): هذا إذا قيد الألد بالخصومة فراراً عن
التكرار، وإذا ترك على أصله يكون المعنى أنه شديد في نفسه بليغ في خصومته فلا
يلزم التكرار، وعليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، في (الكشاف)(٢):
أي شديد الجدال، انتهى.
الظاهر أن الألدَّ معناه الخصِمُ الشديد، لا الشديد مطلقاً، كما نقلنا في (القاموس)،
نعم في مادته معنى الشدة، وما ذكره من الآية وقول صاحب (الكشاف) ليس صريحاً
في أنه بمعنى الشديد مطلقاً، ولو أريد به معنى الأشد كان تجريداً، فافهم.
٣٧٦٣ - [٦] (ابن عباس) قوله: (قضى بيمين وشاهد) أي: إن كان للمدعي
شاهد واحد فأمره وسل﴿ أن يحلف على ما يدَّعيه بدلاً عن الشاهد الآخر، وبه قال
الأئمة الثلاثة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الحكم بالشاهد والیمین، بل لا بد من شاهدین؛
لقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن ◌ِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾
[البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولا يجوز نسخ الكتاب
بخبر واحد محتمل، وأيضاً اللام في البيئة واليمين للاستغراق، ليكون جميع البينات
في جانب المدعي، وجميع الأيمان في جانب المنكر، قال التُّورِبِشْتِي(٣): ووجه
الحديث عند من لا يرى القضاء لليمين والشاهد الواحد أنه قضى بيمين المدَّعَى عليه
(١) ((شرح الطيبي)) (٧/ ٢٤٩).
(٢) ((الكشاف)) (١ / ٢٥١).
(٣) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨٦٦).

٥١١
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
٣٧٦٤ - [٧] وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ
حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِّ ◌َهِ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ!
إِنَّ هَذَا غَلَيَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي وَفِي يَدِي، لَيْسَ
لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهْ لِلْحَضْرَمِيِّ: ((أَلَكَ بَيَّةٌ؟)) قَالَ: لاَ، قَالَ: ((فَلَكَ
يَمِينُهُ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ، لاَ يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ،
وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ، قَالَ: ((لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّ ذَلِكَ))، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ لَمَّا أَدْبَرَ: ((لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْماً، لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ
عَنْهُ مُعْرِضٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٩].
بعد أن أقام المدعي شاهداً واحداً، وعجز عن إتمام البينة، والتوفيق بذلك لم يروا
أن يحكموا بأقل من ذلك إلا بدليل مقطوع به، انتهى. قال الطيبي(١): وخلافهم في
الأموال، فأما إذا كان الدعوى في غير الأموال فلا يقبل شاهد ويمين بالاتفاق.
٣٧٦٤ - [٧] (علقمة بن وائل) قوله: (من كندة) بكسر الكاف أبو حي من
اليمن، و(حضرموت) أيضاً بلدة من اليمن.
وقوله: (فانطلق ليحلف) في الحاشية برمز (ع): لعل الانطلاق باعتبار أن عند
الشافعي يتوضأ من يحلف، وأيضاً في وقت خاص كبعد العصر أو يوم الجمعة، انتهى.
ويحتمل أن يكون انطلاقه إلى المنبر الشريف فإنهم كانوا يحلفون عنده، وقد ورد
الوعيد على من حلف كاذباً كما يجيء في الفصل الثاني، ويجوز أن يكون انطلق في
الأفعال الناقصة كذهب، ولكنه يأباه قوله: (لما أدبر) فتدبر.
(١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٢٤٩).

٥١٢
(٤) باب الأقضية والشهادات
٣٧٦٥ - [٨] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((مَنِ ادَّعَى
مَا لَيْسَ لَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦١].
٣٧٦٦ _ [٩] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَلاَ أَخْبِرُكُمْ
بِخَيْرِ الشَّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧١٩].
٣٧٦٧ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((خَيْرُ النَّاس
قَرْنِيٍ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ ...
٣٧٦٥ - [٨] (أبو ذر) قوله: (من ادعى ما ليس له) الظاهر أنه في الأملاك،
ويشتمل بعمومه النسب ونحوه، (وليتبوأ مقعده من النار) فيه تشديد عظیم.
٣٧٦٦ - [٩] (زيد بن خالد) قوله: (الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) بلفظ
المجهول، الأصل عندنا أن لا يشهد إلا أن يُطلَب منه الشهادة، ويجب أن يشهد بعد
الطلب، وسترُها في الحدود أفضلُ، وقد ورد في مذمة قوم: (يشهدون ولا يستشهدون)،
فذكروا لهذا الحديث تأويلين، أحدهما: أنه محمول على مَن عنده شهادة لأحدٍ بحقِّ
ولا يعلم المدعي أنه شاهد فيخبره أنه شاهد له، والثاني: أن هذا في حقوق الله كالزكاة
والكفارات ورؤية الهلال والوقف والوصايا، ونحو ذلك، فيجب إعلام الحاكم بذاك،
وقد تؤول بأنه محمول على المبالغة والمسارعة في أداء الشهادة بعد طلبها، وقوله:
(يشهدون ولا يستشهدون) محمول على ما عدا ذلك، وقيل: إنه كناية عن شهادة الزور
أو عن شهادة من ليس أهلاً لها، أي: ليس ممن يستشهد، ولا يخلو عن تكلف.
٣٧٦٧ _ [١٠] (ابن مسعود) قوله: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم
الذين يلونهم) القرن: جماعة مقارنة في الزمان، وقد يعين له زمان كمئة سنة أو
ثلاثون أو غيرهما، والمراد بـ (قرني) الصحابةُ، وقيل: كل من كان حيًّا في زمنه ◌ََّ،

٥١٣
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥١،
م: ٢٥٣٣].
٣٧٦٨ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ لَّهِ عَرَضَ عَلَى قَوْمِ
الْيَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمْرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ أَّهُمْ يَخْلِفُ. رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٦٧٤].
وسيأتي تحقيق هذا الحديث في آخر الكتاب في (باب فضل الصحابة) إن شاء الله
تعالى.
وقوله: (تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) قيل: هو كناية عن الحرص
على الشهادة واليمين، فتارة يقدم هذه وأخرى تلك، أو مثَلٌ في سرعة الشهادة واليمين
حتى لا يدرى بأيتهما ابتدأ لقلة مبالاته بالدين، وقيل: عبارة عن كثرة شهادة الزور
واليمين الفاجرة، وقيل: يروج تارة شهادته باليمين، ويقول: والله إني شاهد صدق،
وبالعكس كأن يقول: الناس شاهدون على صدق يميني.
٣٧٦٨ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (عرض على قوم اليمين فأسرعوا، فأمر أن
يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف) يفهم من ظاهر الحديث أنه ادعى رجل على
جماعة فأنكروا، فعرض على تلك الجماعة اليمين فأسرعوا، فلم يُحلِّف رسول الله وَليه
الجماعةَ بل أمر أن يقرع بينهم، ويحلف من خرجت القرعة باسمه، هذا ولكن
الشارحين صوّروه بصورة أخرى، وهو ما نقل الطيبي(١) أن صورة المسألة أن رجلين
إذا تداعيا متاعاً في يد ثالث، ولم يكن لهما بينة أو لكل واحد منهما بينة، وقال
الثالث: لم أعلم بذلك، فحكمها أن يقرع بين المتداعيين فأيهما خرجت القرعة يحلف
(١) ((شرح الطيبي)) (٨ / ٢٦١٥).

٥١٤
(٤) باب الأقضية والشهادات
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٧٦ - [١٢] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َيه
قَالَ: (الْبَيَّةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت:
١٣٤١].
٣٧٧ - [١٣] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِّ ◌َهُ فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ
فِي مَوَارِيثَ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ.
معها ويقضى له بذلك المتاع، يعني أن المدعى عليه غير منكر، بل يقول: لا أعلم
لمن هو، ففي هذه الصورة يحلف أحد المتداعيين الذي خرجت له القرعة، وكان ذلك
لكون كل منهما منكراً لحق الآخر، والله أعلم. قال: وبهذا قال علي ظه، وقال
الشافعي: يترك في يد الثالث، وعند أبي حنيفة يجعل بين المتداعيين نصفين، وقيل:
هذا في قول من الشافعي، وفي القول الآخر لم يقرع، وقول آخر مثل قول أبي حنيفة،
والقرعة مذهب مالك أنه يقضي بأعدل البينتين .
الفصل الثاني
٣٧٦٩ _ [١٢] (عمرو بن شعيب) قوله: (واليمين على المدعى عليه) يعني إن
طلب المدعي اليمينَ منه، فلو حلَّفَ القاضي بغير طلب المدعي، ثم طلب المدعي
التحليف فله أن يحلِّفه، كذا في (الفصول العمادية).
٣٧٧٠ - [١٣] (أم سلمة) قوله: (اختصما إليه في مواريث) أي: ادعيا في أموال
وأمتعة، فقال أحدهما: هذه لي ورثتها من مورِّئي، وقال آخر كذلك.
وقوله: (لم تكن لهما بينة) صفة أخرى لرجلين أو المواريث بحذف العائد،
والأول أولى وأوجه.

٥١٥
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
إِلَّ دَعْوَاهُمَا فَقَالَ: ((مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ
قِطْعَةً مِنَ النَّارِ))، فَقَالَ الرَّجُلاَنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: يَا رَسُولَ الهِ! حَقِّي هَذَا
لِصَاحِبِيٍ، فَقَالَ: ((لاَ، وَلَكِنِ اذْهَبَا، فَاقْتَسِمَا، وَتَوَخََّا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا،
ثُمَّ لْيُحَلِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ) وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: ((إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا
بِرَأْيِيٍ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٨٤].
وقوله: (إلا دعواهما) استثناء منقطع، أو هو من باب التعليق بالمُحَالِ، أي:
لا بينة إلا الدعوى، والدعوى ليست ببينة فلا بينة قطعاً.
وقوله: (كل واحد) بدل من الرجلان.
وقوله: (وتوخيا) أي: اعدلا في القسمة واقصدا الحق فيها، أمر من التوخي التفعُّل
من الوخي، وهو السير القصد لا بطيئاً ولا سريعاً، ويجيء بمعنى القصد، يقال:
وخَيْتُ وَخْيَكَ، أي: قصدتُ قصدَكَ، كذا في (الصحاح)(١)، وفي (النهاية)(٢):
توخَّيتُ الشيءَ أتوخَّاه: إذا قصدتَ إليه وتعمَّدتَ فعلَه وتحرَّيتَ فيه، وقيل: أمرهما
بالتحري في معرفة مقدار الحق، ولما كان التوخي والتحري من باب الظن أمرهما
بالاستهام، أي: الاقتراع ليكون كالبينة، والقرعة بحكم الشرع أقوى من التحري كأنها
يفيد اليقين، وقد ورد أنه وَّم قال حين أقرع عند تنازع رجلين: (اللهم أنت الحكمُ
بينهما)، وفي رواية قال: (اللهم أنت تقضي بين عبادك بالحق)، ثم أمر بالتحليل
لتحصل البراءة يقيناً .
(١) ((الصحاح)) (٦ / ٢٥٢).
(٢) ((النهاية)) (٥ / ١٦٥).

٥١٦
(٤) باب الأقضية والشهادات
٣٧٧١ - [١٤] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا دَابَةً، فَأَقَامَ
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ.
٣٧٧١ - [١٤] (جابر بن عبدالله) قوله: (تداعيا دابة، فأقام كل واحد منهما
البينة) حمل الطيبي(١) الحديث على أنه إذا أقام رجل خارج وذو اليد كلاهما البينةَ
ترجح بينة ذي اليد، وهو مذهب الشافعي، اعلم أن لتداعي الرجلين وإقامتهما البينة
صوراً شتى، وتنحصر في صورتين: إما بأن يكون المدَّعَی في یدِ ثالثٍ، أو یکون في
يد أحدهما، فإن كان في يد ثالث فحكمه ما مرَّ في آخر الفصل الأول من حديث أبي
هريرة، وإن كان في يد أحدهما، وعليه حمل الطيبي الحديث، وذكر أنه يترجح حينئذ
بينة ذي الید.
وعندنا إن أقام الخارجُ البينةَ على ملكٍ مؤرَّخ، وصاحبُ اليد بينةً على ملك
أقدم تاريخاً، كان بينة ذي اليد أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو رواية عن محمد،
وعنه أنه لا يقبل بينة ذي اليد رجع إليه، ولو أقام الخارج وذو اليد البينة على ملك
مطلق، ووقَّت إحداهما دون الأخرى، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد بينة الخارج
أولى، وقال أبو يوسف وهو رواية عن أبي حينفة: صاحب الوقت أولى سواء كان
الخارجَ أو ذا اليد، وإن أقام الخارج وصاحب اليد كلُّ واحد منهما بينة بالنِّتاج فصاحب
اليد أولى؛ لأن البينة قامت على ما لا يدل عليه اليد فاستوتا، وترجحت بينة ذي اليد
باليد فيقضى له، ومثل هذا مذهب الإمام أحمد في المشهور من الروايات، والمختار
عند الأصحاب كما ذكر تفصيله في (شرح كتاب الخرقي)(٢).
(١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٢٥٤).
(٢) انظر: ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (٧/ ٤٠١).

٥١٧
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
أَنَّهَا دَبُهُ نَتَجَهَا، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ وَ﴿ لِلَّذِي فِي يَدِهِ. رَوَاهُ فِي ((شرْحِ
السُّنَّةِ)). [شرح السنة: ١٠ / ١٠٦
٣٧٧٢ - [١٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيراً عَلَى
عَهْدِ رَسُولِ اللهِنَّهِ فَبَعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ، فَقَسَّمَهُ النَّبِيُّ ◌َِِّ بَيْنَهُمَا
نِصْفَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِلنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اذَّعَيَا
بَعِيراً لَيْسَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَةٌ، فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ وَّهِ بَيْنَهُمَا. [د: ٣٦١٣، ن:
٥٤٢٤، جه: ٢٣٣٠].
وبالجملة ههنا صور تكون بينةُ صاحب اليد فيها أولى، وأخرى تكون بينةُ الخارج
أولى، وليس مذهبه عدم قبول بينة ذي اليد إلا في صورة التنازع، وهو ما إذا ادعى
كل واحد أن هذه الدابة ملكه نتجها كما نقل الطيبي، وتفصيل ذلك في (الهداية)(١)،
ومعنى (نتجها)(٢) أنه ولّدها من التوليد، نتج الناقة: إذا تولى نتاجها فهو ناتج، والناقة
منتوجة، والناتج للإبل كالقابلة للنساء، وقد سبق تحقيق معناه في موضعه.
٣٧٧٢ - [١٥] (أبو موسى الأشعري) قوله: (ادعيا بعيراً) وفي بعض النسخ:
(تداعيا).
وقوله: (فبعث) أي أقام.
وقوله: (فقسمه [النبي ◌ّ 9] بينهما نصفين) يوافق مذهبنا كما عرفت، وقال
(١) ((الهداية)) (٣/ ١٦٦ - ١٦٧).
(٢) به قال الحنفية في دعوى النتاج، وأما في غيرها فرجحوا شهادة غير ذي اليد، قاله في
((التقرير)).

٥١٨
(٤) باب الأقضية والشهادات
٣٧٧٣ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي دَبَّةٍ، وَلَيْسَ
لَهُمَا بَيِّنَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
[د: ٣٦١٨، جه: ٢٣٤٦].
٣٧٧٤ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ لِرَجُلٍ حَلَّفَهُ:
((احْلِفْ بِاللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ، مَالَهُ عِنْدَكَ شَيْءٌ) يَعْنِي لِلْمُدَّعِي. رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٢٠].
٣٧٧٥ - [١٨] وَعَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ
مِنَ الْيَهُودِ أَرْضٌ، فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِّ ◌َِّفَقَالَ: ((أَلَكَ بَيَّةُ؟»
قُلْتُ: لَاَ قَالَ لِلْيَهُودِيِّ: ((احْلِفْ)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِذَنْ يَحْلِفَ
وَيَذْهَبَ بِمَالِي، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا
قَلِيلًا﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٧٧]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٦٢١، جه:
٢٤٢٢].
الطيبي(١): هذا مطلق يحمل على المقيد الذي بينه في قوله: (استهما على اليمين).
٣٧٧٣ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (استهما على اليمين) أي: اقتَرِعا، وهذا مثل
ما تقدم من حديث أبي هريرة في آخر الفصل الأول.
٣٧٧٤ - [١٧] (ابن عباس) قوله: (حلّفه) بتشديد اللام، أي: أراد تحليفه.
٣٧٧٥ - [١٨] (الأشعث بن قيس) قوله: (فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ
بِعَهْدِ اللهِ﴾ الآية) أي: ليس إلا تحليفه، فإن كذب فعليه وباله.
(١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٢٥٤).

٥١٩
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
٣٧٧٦ - [١٩] وَعَنْهُ: أَنْ رَجُلاً مَنْ كِنْدَةَ، وَرَجُلاً مِنْ حَضْرَمَوْتَ،
اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِّهِفِي أَرْضٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ!
إِنَّ أَرْضِ اغْتَصَبَيْهَا أَبُو هَذَا، وَهِيَ فِي يَدِهِ، قَالَ: ((هَلْ لَكَ بَيَِّةٌ؟)) قَالَ:
لاَ، وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ، وَاللّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي اغْتَصَبَتِهَا أَبُوهُ؟ فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ
لِلْيَمِينِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لاَ يَقْطَعُ أَحَدٌ مَالاَ بِيَمِينٍ، إِلَّ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ
أَجْذَمُ»، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٢٢].
٣٧٧٧ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنْيَّسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((إِنَّ
مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ الشِّرْكَ بِاللهِ، وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، وَالْيَمِينَ الْغَمُوسَ، وَمَا حَلَفَ
حَالِفٌ بِاللهِ يَمِينَ صَبْرٍ، فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ،
٣٧٧٦ - [١٩] (عنه) قوله: (ولكن أحلفه والله ما يعلم) هذا اللفظ المحلوف به،
و(الأجذم) أي: مقطوع البركة، والمراد أجذم الحجة، أي: لا حجة له عند الله.
٣٧٧٧ - [٢٠] (عبدالله بن أنيس) قوله: (وعن عبدالله بن أنيس) بلفظ التصغير.
وقوله: (واليمن الغموس) قال أصحابنا: هي الحلف على أمر ماضٍ يتعمَّد فيه
الكذبَ، وليس لها عندنا كفارة إلا التوبة والاستغفار، وقد ورد فيها وعيد بدخول
النار، ولذلك سميت بالغموس؛ لأنه يغمس صاحبها في النار، والتي تقع في الأقضية
ويقتطع بها أموال الناس من هذا القَبيل، فهي أعمُّ من يمينِ الصبرِ، ويمين الصبر مر
تفسيره في الفصل الأول.
وقوله: (فأدخَلَ فيها) أي: في تلك اليمين (جناحَ بعوضة) أي: شيئاً قليلاً من
الكذب، ومما يخالف ظاهره باطنه من التأويل؛ لأن اليمين على نية المستحلف فكيف
إذا كان كذباً محضاً.

٥٢٠
(٤) باب الأقضية والشهادات
إِلَّ جُعِلَتْ نُكْنَةً فِي قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ
غَرِيبٌ. [ت: ٣٠٢٠].
٣٧٧٨ - [٢١] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ يَحْلِفُ أَحَدٌ
عِنْدَ مِنْرِي هَذَا عَلَى يَمِينٍ آئِمَةٍ، وَلَوْ عَلَى سِوَاكِ أَخْضَرَ إِلَّ تَبَوَّأَ مَفْعَدَهُ مِنَ
النَّارِ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ)). رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ٢ / ٧٢٧،
د: ٣٢٤٦، جه: ٢٣٢٥].
وقوله: (إلا جعلت) أي: تلك اليمين (نكتة) أي: سوداء، وقد صرح بها في
الحديث الآخر، والنكتة: الأثر، وفي (القاموس)(١): النكتة: النقطة، والنكت: أن
تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها .
وقوله: (إلى يوم القيامة) أي: يبقى أثرها إلى هذا اليوم، ثم يعاقب بها.
٣٧٧٨ - [٢١] (جابر) قوله: (عند منبري هذا) يدل على التغليظ في اليمين
بحسب المكان، كما يغلظ بحسب الأزمان، مثل بعد صلاة العصر، وقيل: كانت
عادتهم في زمن النبي ◌َ﴿ التخاصمَ في المسجد عند المنبر، فيقع الحلف عنده، فلذلك
خص المنبر بالذكر، والإشارة بقوله: (هذا) للتعظيم يؤيد القول الأول، وهو الأظهر.
وقوله: (آثمة) صيغة النسبة، أي: ذات إثم، وتقييد السواك بالأخضر تحقير له،
فإنه خشبة مبتذلة، وبعد اليبوسة يحصل له قدر وقيمة، وقال الطيبي (٢): تتميم لمعنى
التحقير، فإن العادة أن يستعمل السواك يابساً.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٦٢).
(٢) ((شرح الطيبي) (٧ / ٢٥٧).