النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ (١٧) كتاب الحدود * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٣٦٣١ - [٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّنَّهِ قَالَ: ((إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٩٣]. ٣٦٣٢ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ بَ﴿ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: يَا يَهُودِيُّ فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ، وَإِذَا قَالَ: يَا مُخَنَّثُ فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ، الآتي. وقد ثبت أن الصحابة كانوا يجاوزون عشرة، وقال أصحاب مالك: إنه كان مختصًّا بزمن النبي ◌ِّ، فعلم من هذا الاتفاقُ على أن التعزير لا يبلغ مبلغ الحد، ونقل عن بعضهم أن ذلك مفوّضٌ إلى رأي الإمام، وله أن يزيده على قدر الحدود، والله أعلم. الفصل الثاني ٣٦٣١ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه) أي: فليجتنب عن ضربه على الوجه، عام في جميع الضربات للحد أو للتعزير بل للتأديب أيضاً، وهو في المعنى نوع من التعزير على تقصيره فيما ينبغي أن يفعل، فافهم. ٣٦٣٢ - [٣] (ابن عباس) قوله: (يا يهودي) يحتمل أن يراد به الكفر أو الذل؛ لأن اليهود مثَلٌ في الذل والصغار لقوله تعالى: ﴿وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٢]، والحمل على الثاني أرجح للدَّرْء في الحد، و(المخنث) بكسر النون وفتحها: من يتشبه بالنساء في حركاته وسكناته، ومرّ ذكره في (كتاب النكاح) في الفصل الثالث من (باب النظر إلى المخطوبة وبيان العورات). ٤٢٢ (٥) باب التعزير وَمَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٤٦٢]. ٣٦٣٣ - [٤] وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إِذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللهِ فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٤٦١، قال في (الهداية)(١): إذا قذف مسلماً بيا فاسق أو يا كافر أو يا خبيث أو يا سارق وجب التعزير؛ لأنه آذاه وألحق الشين به، ولو قال: يا حمار يا خنزير لم يعزَّر لأنه ما ألحقَ الشينَ به للتيقن بنفسه، وقيل: في عرفنا يعزر لأنه يعدّ سبًّا، وقيل: إن كان المسبوب من الأشراف كالفقهاء والعلوية يعزر؛ لأنه يلحقهم الوحشة بذلك، وإن كان من العامة لا يعزر، وهذا أحسن. وقوله: (ومن وقع على ذات محرم) أي: زنى بامرأة محرمة. وقوله: (فاقتلوه) زجر وتشديد، وحكم بظاهره الإمام أحمد، كذا قال الطيبي(٢). ٣٦٣٣ - [٤] (عمر) قوله: (قد غلّ في سبيل الله) أي: سرق من مال الغنيمة، والغُلُول: الخيانة في المغنم. وقوله: (فأحرقوا متاعه) أي: غيرَ ما غلَّ فيه لأنه حقُّ الغانمين، وهذا من باب التعزير بالمال، وقد اختلف فيه، وقال المانعون: كان ذلك في أول الأمر ثم (١) ((الهداية)) (٢ / ٣٦٠). (٢) ((شرح الطيبي)) (٧/ ١٦٦). ٤٢٣ (١٧) كتاب الحدود ٦- باب بيان الحم ووعيد شابها نسخ، أو تغليظ وتشديد، وحمله أحمد على ظاهره، والله أعلم، وليس في هذا الباب الفصل الثالث. ٦ - باب بيان الخمر ووعيد شاربها قال في (القاموس)(١): الخمر: ما أسكَرَ من عصير العنب، أو عام، كالخمرة، وقد يذكَّر، والعموم أصح، لأنها حُرِّمت، وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلا البسر والتمر، [سميت خمراً] لأنها تخمر العقل وتستره، أو لأنها تركت حتى أدركت واختمرت، أو لأنها تخامر العقل، أي: تخالطه، هذه عبارته. اعلم أن الخمر اسم لكل شراب مسكر سواء كان من ماء العنب أو التمر أو غيرهما من الأشياء الخمسة التي عدها عمر ه وخطب بها، وقال: إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل، بل قالوا: ليس منحصراً في هذه الأشياء الخمسة أيضاً، كما أشار ظه في آخر حديثه المذكور بقوله: والخمر ما خامر العقل، وهذا هو الذي عليه الأئمة الثلاثة وغيرهم من جماهير السلف والخلف، قالوا: كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ، وما أسكرَ كثيرُه فقليله حرامٌ، ونطق بهذا أحاديث في الصحاح والسنن، والأحاديث في ذلك كثيرة، وقالوا: قد صنف في ذلك الإمام أحمد كتاباً كبيراً وافياً بالمقصود، ولَعَمري إن هذا مع كونه موافقاً للأحاديث هو الأصلح والأنسب بزجر الناس وردعهم عن المفاسد والاجتناب عن ارتكاب هذه النجسة الخبيئة التي هي أم الخبائث، وليس هذا قياساً في اللغة بأن أطلقوا اسم الخمر على غيرها من المسكرات بجامع مخامرة (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٦١). ٤٢٤ (٦) باب بيان الخمر ووعيد شاربها العقل كما يظهر من كتب اللغة وإطلاق الأحاديث وأقوال الصحابة، غير أن الإمام الأجلَّ أبا حنيفة رحمه الله خَصَّ اسم الخمر بالتي من ماء العنب إذا اشتد وقذف بالزبد، وادعى أن ذلك هو المعروف عند أهل اللغة، فإنهم لا يطلقون الخمر على غيره، وقال : هو حرام قليله وكثيره أسكر أو لا، وأما ما سواه من المسكرات فهي حرام بعلة الإسكار، وليست بنجس العين، وليس قليله حراماً، ولا يكفر مستحلُّها، فإن حرمتها اجتهادية لا قطعية، ونجاستها خفيفة في رواية، وغليظة في أخرى، ويجبُ الحدُّ بها إذا أسكر بخلاف ماء العنب فإن نجاستها غليظة رواية واحدة، ويكفر مستحلها، ويجب الحد بشرب قطرة منها، ولقد تطرق من هذا القول إلى بعض البطلة الفسقة اتساع القول بإباحة هذه التي تتخذ من السكر وغيره في ديارنا التي هي أشدُّ وأسكرُ من ما يتخذ من ماء العنب بمراتب، والفتوى للفاسقين بحلها وارتكابها، ولا يدرون أن السكر حرامٌ بالاتفاق بلا شبهة، وأيُّهم يصبر عن السكر، وقلیله يدعو إلى كثيره حتى يفسد العقل، ويذهبه في المسكة والصبر عنها إلى أن يفضي إلى الهلاك والميتة الشنيعة، أعاذنا الله من ذلك. ثم إباحة ما سوى الخمر من المشروبات غيرَ بالغة إلى حد السكر عندنا إنما هو إذا قصد به للتقوي للعبادة، أما إذا قصد به التلهِّيَ لا يحل بالاتفاق؛ لأن اللهو حرام، كذا قالوا، هذا وقد اشتهر من مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف خلافاً لمحمد حِلُّ المثلّث وهو عصير العنب إذا طُبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، ذلك أيضاً إذا شربها لقصد التقوي على العبادة، كذا في (الهداية)(١)، وذكر في (الكافي) والسغناقي أنه سئل (١) انظر: ((الهداية)) (٤/ ٣٩٣). ٤٢٥ (١٧) كتاب الحدود * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٦٣٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ قَالَ: ((الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْن الشَّجَرَتَيَّنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنْبَةِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٨٥]. ٣٦٣٥ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِعَه فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٥٨٨]. أبو حفص الكبير عنه فقال: لا يحل شربه، فقيل له: خالفت أبا حنيفة وأبا يوسف؟ فقال: لا، لأنهما إنما يحلانه للاستمراء، والناس في زماننا يشربون للفجور والتلهِّي، فعلم أن الخلاف فيما قصد به التقوي، فأما إذا قصد به التلهي فلا يحل بالاتفاق، وذكر أبو يوسف في (أماليه): لو أراد أن يشربه للسكر فقليله وكثيره حرام، والقعود لذلك حرام، والمشي إليه حرام(١)، وعلى هذا الاختلاف نبيذ التمر والزبيب إذا طبخ أدنى طبخة وغلا واشتد وقذف، كذا ذكره الإمام المحبوبي. الفصل الأول ٣٦٣٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (النخلة والعنبة) قالوا: إنما خصهما بالذكر لأن معظم خمورهم كانت منهما، لا أنه لا خمر إلا منهما، كما يفهم من الأحاديث الأخر. ٣٦٣٥ - [٢] (ابن عمر) قوله: (والخمر ما خامر العقل) أي: ستره وأزاله، وهذا (١) انظر: ((البناية)) (١٢ / ٣٥٢). ٤٢٦ (٦) باب بيان الخمر ووعيد شاربها ٣٦٣٦ - [٣] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ، وَمَا نَجِدُ خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلَّ قَلِيلاً، وَعَامَّةُ خَمْرِنَا الْبُسْرُ وَالثَّمْرُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٥٨٠]. ٣٦٣٧ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِوَّهِ عَنِ الْبِتْعِ وَهُوَ نَبِيِذُ الْعَسَلِ فَقَالَ: ((كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٨٦، م: ٢٠٠١]. ٣٦٣٨ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ. إشارة منه ته إلى تعميم اسمه مما أخذ من خمسة أشياء كما ذكرنا . ٣٦٣٦ - [٣] (أنس) قوله: (وعامة خمرنا البسر والتمر) أي: متخذة منهما، وفيه نفي تخصيصه بماء العنب كما نقلنا من (القاموس)(١)، ولكن عبارته تدل على نفي وجود الخمر من العنب عند التحريم، وقول أنس ◌َظُه يدل على نُدرة وجوده وقلَّته. ٣٦٣٧ - [٤] (عائشة) قوله: (عن البتع) بكسر الموحدة وسكون الفوقانية وفتحها. وقوله: (كل شراب أسكر فهو حرام) هذا متفق عليه إلا أن أبا حنيفة يقول: فيما سوى الخمر: إنه حرام بالسكر، والآخرون يقولون: إنه حرام مطلقاً؛ لأن كل مسکر خمر عندهم، کما عرف. ٣٦٣٨ _ [٥] (ابن عمر) قوله: (وهو يدمنها) أدمن الشيء: أدامه . (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٦١). ٤٢٧ (١٧) كتاب الحدود لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٠٣]. ٣٦٣٩ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلاً قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ، فَسَأَلَ النَّبِيِّ ◌َهُ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّرْ ((أَوَمُسْكِرٌ هُوَ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللهِ عَهْداً ... وقوله: (لم يشربها في الآخرة) إما كناية عن عدم دخول الجنة، أو المراد حرمانه عن هذه النعمة مع ما تشرف بسقي الرب تعالى أهل الجنة إياها، لكن ينبغي أن لا يشتهيه وإلا ففي الجنة ما تشتهيه الأنفس. ويمكن أن يكون - والله أعلم - مدمن الخمر في الدنيا محروماً مع الاشتهاء جزاء على عمله، وعلى كل تقديرٍ حرمانُهُ عن ذلك نقصان عظيم. ٣٦٣٩ - [٦] (جابر) قوله: (من الذرة) بضم الذال المعجمة وتخفيف الراء معروف، كذا في (الصحاح) و(القاموس)(١)، وذكر في (الصراح)(٢): ذرة بالضم والتخفيف: أرزن، و(المزر) بكسر الميم وتقديم الزاي الساكنة على الراء، وفي (الصراح)(٣): مزر بالكسر: يكنى أرزن، انتهى. وفي (القاموس) (٤): النبيذ من الذرة والشعير، وقال القسطلاني: المزر شراب متخذ من الشعير، والبتع شراب متخذ من العسل . وقوله: (إن على الله عهداً) عُدِّيَ بـ (على) لتضمين معنى الحتم، يعني وعيداً (١) ((الصحاح)) (٦/ ٢٣٤٥)، و((القاموس المحيط)) (ص: ١١٨١). (٢) ((الصراح)) (ص: ٥٥٩). (٣) ((الصراح)) (ص: ٢١٣). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٤٢). ٤٢٨ (٦) باب بيان الخمر ووعيد شاربها لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا طِينَةٌ الْخَبَالِ؟ قَالَ: ((عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٠٢]. ٣٦٤٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ نَهَى عَنْ خَلِيطِ الَّمْرِ وَالْبُسْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ، وَقَالَ: و ((انْتُبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٨٨]. ٣٦٤١ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ يَتَّخَذُ خَلَّ، .. أوجبه على نفسه، وفيه تشديد وتهديد، واللام في (لمن يشرب) للبيان. وقوله: (أو عصارة أهل النار) وقال في (الصحاح) و(القاموس)(١): الخَبَال صَدِيدُ أهل النار. ٣٦٤٠ - [٧] (أبو قتادة) قوله: (وعن خليط الزهو) بالفتح وهو البسر الملون، كذا في (القاموس)(٢)، وفي (مختصر النهاية)(٣): زها النخل يزهو: ظهرت ثمرته، وأَزْهَى يُزهي: احمرَّ واصفرًّ، ومنهم من أنكر يزهي، قالوا: إنما نهى عن الخليط، وجوَّزَ انتباذَ كلِّ واحد؛ لأن الخلط ربما أسرع التغير إلى أحد فيفسد الآخر، وهو يستلزم الإسكار، وربما لم يظهر فيتناول محرماً، وحرَّمَ الخليطَ أحمدُ ومالكٌ وإن لم يُسكِزْ عملاً بظاهر الحديث، وعند الجمهور حرام إن أسكر. ٣٦٤١ - [٨] (أنس) قوله: (سئل عن الخمر يتخذ خلاً) أي: عن جواز جعل (١) ((الصحاح)) (٤ / ١٦٨٢)، و((القاموس المحيط)) (ص: ٩١١). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٨٨). (٣) ((الدر النثير)) (١ / ٤٤٠). ٤٢٩ (١٧) كتاب الحدود فَقَالَ: ((لاَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٨٣]. ٣٦٤٢ - [٩] وَعَنْ وَائِلِ الْحَضْرَمِيِّ: أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيِدٍ سَأَلَ النَّبِّ ◌َ﴾ عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ ... الخمر خلاًّ بإلقاء شيء فيها من نحو ملح أو بصل أو غير ذلك مما يفسدها. وقوله: (فقال: لا) هذا دليل الشافعي ومالك وأحمد في المشهور عنه، فإنهم يحرمونه لهذا الحديث ولغيره من الأحاديث، وعندنا جاز تخليلها، قال في (الهداية)(١): إذا تخلَّلت الخمرُ حلَّت سواء صارت خلاًّ بنفسها أو بشيء طُرِح فيها ولا يكره تخليلها . وقال الشافعي: يكره التخليل ولا يحلُّ الخلُّ الحاصل به إن كان التخليل بإلقاء شيء قولاً واحداً، وإن كان بغير إلقاء شيء فله في الخل الحاصل به قولان، ولنا إطلاق قوله تعالي: (نِعمَ الإدامُ الخَلُّ)(٢)، ولأن بالتخليل يزول الوصف المفسد، ويثبت صفة الصلاح من حيث تسكين الصفراء وكسر الشهوة، والتغذي به، والإصلاح مباح. وقال بعضهم: تحريم التخلل كان أول العهد قمعاً لآثار الخمر، وأما بعد طول العهد فلا تحريم، وقد يروى: (خيرُ خلِّكم خلُّ خَمرِكم)(٣)، والله أعلم. وقال في (القاموس) (٤): أجوده خل الخمر مركب من جوهرين حار وبارد. ٣٦٤٢ - [٩] (وائل الحضرمي) قوله: (إنه ليس بدواء) الأكثرون على منع (١) ((الهداية)) (٤ / ٣٩٨). (٢) أخرجه أبو داود في ((السنن)) (٣٨٢٠)، والترمذي (١٨٣٩)، وابن ماجه (٣٣١٦). (٣) أخرجه البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٨/ ٢٢٦). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩١٤). ٤٣٠ (٦) باب بيان الخمر ووعيد شاربها وَلَكِنَّهُ دَاءٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٨٤]. * الْفَصْلُ الثَّانِ: ٣٦٤٣ - [١٠] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ لَهُ صَلاَةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً، فَإِنْ تَبَ تَبَ اللهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ لَهُ صَلاَةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً؛ فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ لَهُ صَلاَةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً، فَإِنْ تَابَ تَبَ اللهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ لَهُ صَلاَةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً، . التداوي بصرفها، وقيل: إذا تعيَّنَ العلاج به بحكم الحُذَّاق من الأطباء يباح، وأما إساغة اللقمة عند خوف الهلاك إذا لم يوجد هناك مسيغ غيرها فمباح بالاتفاق لكونه مقطوعاً به، قال بعض كبار الأطباء من أهل الإسلام في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]: إنه ليس المراد بالنفع الشفاء وصحة البدن، بل ما يحصل من نشاط الطبع وتشحيذ الخاطر، وقد جاء في الحديث: (إنَّ اللهَ لم يجعل الشفاءَ فيما حرَّمَ) أو كما قال، والله أعلم . الفصل الثاني ٣٦٤٣، ٣٦٤٤ - [١٠، ١١] (عبدالله بن عمر، وعبدالله بن عمرو) قوله: (لم يقبل الله) أي: لم يكن له ثواب وإن برئ الذمة، وسقط القضاء بأداء أركانه مع شرائطه كذا قالوا، وتخصيص الصلاة بالذكر للدلالة على أن عدم قبول العبادات الأخر مع كونها أفضل بطريق الأولى. وقوله: (أربعين صباحاً) قد يتبادر إلى الفهم من هذا اللفظ أن المراد صلاة الصبح وهي أفضل الصلوات، ويحتمل أن يراد به اليوم، أي: صلاة أربعين يوماً، ٤٣١ (١٧) كتاب الحدود فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتُبِ اللهُ عَلَيْهِ، وَسَقَاهُ مِنْ نَهْرِ الْخَبَالِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٨٦٢]. ٣٦٤٤ - [١١] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو. [ن: ٥٦٦٩، جه: ٣٤٢٠، دي: ٢ / ١١١]. ٣٦٤٥ - [١٢] وَعَنْ جَابِرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٨٦٥، د: ٣٦٨١، جه: ٣٣٩٣]. ٣٦٤٦ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِهِ قَالَ: ((مَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٦ / ١٣١، ت: ١٨٦٦، د: ٣٦٨٧]. والله أعلم. وقوله: (فإن تاب لم يتب الله عليه) أي: لم يقبل توبته، وهذا تشديد وتهديد لأن قبول التوبة إذا وجدت بحقيقتها واجب فضلاً من الله، أو المراد لم يوفقه الله للتوبة ويموت مصرًّا، وهذا أيضاً في التحقيق مبالغة، والله أعلم. ٣٦٤٥ - [١٢] (جابر) قوله: (فقليله حرام) لأنه يؤدي إلى الكثير عادة فوجب الاجتناب عنه . ٣٦٤٦ - [١٣] (عائشة) قوله: (ما أسكر منه الفرق) وهو مكيال المدينة يسع ثلاثة آصع ويحرك وهو أفصح، أو يسع ستة عشر رطلاً، والمراد بالفرق وملء الكف الكثير والقليل، وليس بتحديد، كما في الحديث السابق. ٤٣٢ (٦) باب بيان الخمر ووعيد شاربها ٣٦٤٧ _ [١٤] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ مِنَ الْحِنْطَةِ خَمْراً، وَمِنَ الشَّعِيرِ خَمْراً، وَمِنَ الثَّمْرِ خَمْراً، وَمِنَ الَّبِیبِ خَمْراً، وَمِنَ الْعَسَلِ خَمْراً)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٨٧٢، د: ٣٦٧٦، جه: ٣٣٨٩]. ٣٦٤٨ _ [١٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ عِنْدَنَا خَمْرٌ لِيَئِیمِ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ عَنْهُ وَقُلْتُ: إِنَّهُ لِيَتِيمٍ، فَقَالَ(١): ((أَهْرِيقُوهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٢٦٣]. ٣٦٤٧ - [١٤] (النعمان بن بشير) قوله: (إن من الحنطة خمراً ... إلخ)، قالوا: ليس المراد به الحصر بل التخصيص لجري العادة في الأكثر باتخاذ الخمر من هذه الأشياء. ٣٦٤٨ - [١٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فلما نزلت المائدة) أي: سورة المائدة، والمراد الآية التي فيها تحريم الخمر، وهي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا اْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، وقد عرفت ما فيها من أنواع الدلالة على تحريمها في حد الخمر. وقوله: (سألت رسول الله (وَ ﴿ عنه) أي: عن الخمر التي عندي لليتيم، والخمر قد يذكّر، أو عن حكم تلك الخمر، أو بتأويل الشراب. وقوله: (إنه لیتیم) ومال اليتيم لا يضيَّع. وقوله: (أهريقوه) لأنه مالٌ غيرُ متقوِّم يحرم الانتفاع به؛ لأن الانتفاع بالنجس (١) في نسخة: ((قال)). ٤٣٣ (١٧) كتاب الحدود ٣٦٤٩ - [١٦] وَعَنْ أَنَسِ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ! إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْراً لِأَيْتَامِ فِي حِجْرِي، قَالَ: (أَهْرِقِ الْخَمْرَ وَاكْسِرِ الدِّنَنَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ، [وفي روايةٍ أبي داودَ: ] ((أَهْرِقْهَا))، قَالَ: أَفَلاَ أَجْعَلُهَا خَلاَّ؟ قَالَ: ((لاَ)). [ت: ١٢٩٣، د: ٣٦٧٥]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٦٥٠ - [١٧] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللهِ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٦٩]. حرام، ولأنه واجب الاجتناب، وفي الانتفاع به اقتراب. ٣٦٤٩ - [١٦] (أنس) قوله: (اشتريت خمراً لأيتام) صفة خمراً، أي: اشتريتها للتخليل، كذا في (الحاشية)(١). ويحتمل أن يتعلق بـ (اشتريت) أي: اشتريتها لأجلهم، ويكون هذا قبل التحريم، ثم سأل عن حكمها بعد التحريم هل أبقيه أو أهريقه؟ فيكون في معنى الحديث السابق، ويناسبه معنى رواية أبي داود التي ذكرها بقوله: (وفي رواية أبي داود)، والله أعلم. الفصل الثالث ٣٦٥٠ - [١٧] (أم سلمة) قوله: (ومفتر) في (القاموس)(٢): فتر يفتُّر يفتِر فتوراً وفتاراً: إذا سكَنَ بعدَ حدَّة، ولانَ بعدَ شدَّة، وفتر جسمه: لانت مفاصله وضعف، والفتر محركة: الضعف، وأفتره الداء: أضعفه، وطَرْف فاتر: ليس بحادِّ النظر، وأفتر: (١) ((حاشية جمال الدين)) (ص: ٢٧٥). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٢٣). ٤٣٤ (٦) باب بيان الخمر ووعيد شاربها ٣٦٥١ - [١٨] وَعَنْ دَيْلَمْ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ وَلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا بِأَرْضِ بَارِدَةٍ وَنُعَالِجُ فِيهَا عَمَلاً شَدِيداً، وَإِنَّا نَّخِذُ شَرَاباً وَفِي رِوَايَةِ أَبِيٍ دَاوُدَ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َلَّهِ عَنْ أَيْتَامِ وَرِثُوا خَمْراً، قَالَ: مِنْ هَذَا الْقَمْحِ، نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلاَدِنَاَ، قَالَ: ((هَلْ يُسْكِرُ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: ((فَاجْتَنِبُوهُ)) قُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ غَيْرُ تَارِكِيهِ، قَالَ: ((إِنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ قَاتِلُوهُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٦٦]. ٣٦٥٢ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهُ نَهَى عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْكُوبَةِ . ضعفت جفونه، وانكسر طَرْفه، وأفتر الشراب: فتر شاربه، وفي (النهاية)(١): المفتر من الشراب: الذي إذا شرب أحمى الجسد وصار فيه فتور، وهو ضعف وانكسار، يقال: أفتر فهو مفتر إذا ضعفت جفونه وانكسر طرفه، ويستدل به على حرمة البنج والبرشعثا ونحوهما مما يفتر ولا يسكر، وسنذكر الكلام فيه في آخر الباب مفصلاً. ٣٦٥١ - [١٨] (ديلم الحميري) قوله: (وعن ديلم) بفتح الدال المهملة وسكون التحتانية، و(القمح) بفتح القاف وسكون الميم: البُرُّ، ولقد بالغ السائل في استدعاء الإجازة، ولم يجز حتى بالغ فيه بقوله: (إن لم يتركوه فقاتلوهم). ٣٦٥٢ - [١٩] (عبدالله بن عمرو) قوله: (والكوبة) بضم الكاف وسكون الواو وبالباء الموحدة المفتوحة، في (القاموس)(٢): الكوبة بالضم: النرد، والشطرنج، والطبل (١) ((النهاية)) (٣/ ٤٠٨). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٣٦). ٤٣٥ (١٧) كتاب الحدود وَالْغُبَيْرَاءِ، وَقَالَ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٦٨]. ٣٦٥٣ - [٢٠] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ قَالَ: ((لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَاقٌ، وَلاَ قَمَّارٌ، وَلاَ مَنَّانٌ، وَلاَ مُدْمِنُ خَمْرٍ)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ((وَلاَ وَلَدُ زِنْيَةٍ)) بَدَلَ ((قَمَّارٍ)). [دي: ٢/ ١٥٣]. الصغير، والبربط، وكلُّ منها منهيٌّ عنه، فإن جوز عموم المشترك أريد الكل وإلا فاحمِلْ على أيِّها شئتَ، (والغبيراء) بضم الغين المعجمة وفتح الموحدة وسكون التحتانية: شراب من الذرة يقال له: الشُّكُرْكَةُ يتخذه الحبوش. ٣٦٥٣ - [٢٠] (وعنه) قوله: (ولا منان) أي: في العطايا، وقيل: المراد قاطع الرحم، من المَنِّ بمعنى القطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ [فصلت: ٨]، كما في حديث أبي موسى الآتي. وقوله: (ولا ولد زنية) بكسر الزاي وسكون النون بمعنى الزنا، وفيه تعريض بالزاني لكونه سبباً في ذلك، وذلك لأن النطفة الخبيثة لا يتولد منه إلا خبيث، ومع ذلك هو من باب التشديد، كما في قرائنه، وقال في (سفر السعادة): وما اشتهر في ولد الزنا أنه لا يدخل الجنة لم يثبت، وذكر السخاوي في (المقاصد الحسنة)(١) لهذا الحديث طرقاً كثيرةً، أكثرُها معلَّلة، وبعضها محفوظة، وبعضها لا بأس به، وضعَّفَ القولَ بوضعها من ابن الجوزي وابن طاهر، ونقل عن شيخه ابن حجر العسقلاني أنه قال : قد فسره العلماء على تقدير صحته بأن معناه إذا عمل بمثل أبويه، واتفقوا على أنه لا يحمل على ظاهره، وقيل في تأويله أيضاً: إن المراد به من يواظب على الزنا، كما يقال للشهود: بنو صحف، وللشجعان: بنو الحرب، ولأولاد المسلمين: بنو الإسلام، (١) انظر: ((المقاصد الحسنة)) (ص: ٧٣٠). ٤٣٦ (٦) باب بيان الخمر ووعيد شاربها ٣٦٥٤ - [٢١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ، وَهُدىًّ للعالمين، وَأَمَرَّنِي رَبِّي ◌َّ بِمَحْقِ الْمَعَازِفِ، وَالْمَزَامِيرِ، وَالأَوْثَانِ، انتھی . ٣٦٥٤ - [٢١] (أبو أمامة) قوله: (بمحق المعازف) في (القاموس)(١): المعازف: الملاهي، كالعود والطنبور، والواحد: عزف أو معزف، كمنبر ومكنسة، والعازف : اللاعب بها، والمغني، سمي به لأنه تعزف به الجن، وقال: وعزف الرياح: أصواتها . وفي (مختصر النهاية)(٢): العزف: اللعِبُ بالمعازف، وهي الدفوف وغيرها مما يضرب، وقيل: إن كلَّ لعبٍ عَزفٌ. وعزيف الرياح: ما يسمع من دَوِيِّها. وعزيف الجن: جرس أصواتها، وقيل: هو صوت بالليل كالطبل. وفي (النهاية)(٣): كانت الجنُ تعزِفُ الليلَ كلَّه بين الصفا والمروة، وقيل: إنه صوت الرياح في الجو فتؤَّهمه أهلُ البادية صوتَ الجنِّ. (والمزامير): جمع مزمار وهو الذي يزمر بها، زَمَرَ يَزْمُر زمْراً وزميراً، أو زَمَّر تزميراً: غنّى في القصب، والقصبة التي يزمر بها زَمَّارَةٌ، ويقال: غناء زمير، أي: حسن، والمزمور المزمار، وصحح النووي حرمته، والغزالي مال إلى جوازه، وفي الحديث دليل على الحرمة، وقال الفقهاء: الغناء بآلات مطربة حرام، وبمجرد الصوت مكروه، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢١٠). (٢) ((الدر النثير)) (٢ / ٦٨٢). (٣) ((النهاية)) (٣/ ٢٣٠). ٤٣٧ (١٧) كتاب الحدود وَالصُّلُبٍ، وَأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَحَلَفَ رَبِّي ◌َّ بِعِزَّتِهِ: لَا يَشْرَبُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي جَرْعَةً مِنْ خَمْرٍ إِلاَّ سَقَيْتُهُ مِنَ الصَّدِيدِ مِثْلَهَا، وَلاَ يَتْرُكُهَا مِنْ مَخَافَتِي إِلَّ سَقَيْتُهُ مِنْ حِيَاضِ الْقُدُسِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢٦٨/٥]. ٣٦٥٥ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((ثَلاَثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخَبَثَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٦٩/٢، ن: ٢٥٦٢]. ٣٦٥٦ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِ قَالَ: ((ثَلَثَةٌ لاَ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣٩٩]. ومن الأجنبية أشد كراهة، (والصلب) بضمتين جمع صليب الذي للنصارى معرب جليبا، وفي (الصراح)(١): صليب: چليپاي ترسايان. ٣٦٥٥ _ [٢٢] (ابن عمر) قوله: (والديوث الذي يقر في أهله الخبث) أي : الزنا، دَّئه: ذلَّله، بعير مديَّث، أي: مذلَّل بالرياضة، وفي (مختصر النهاية)(٢): الدَّيُّوث الذي لا يغارُ على أهله، وقيل: هو سرياني. ٣٦٥٦ _ [٢٣] (أبو موسى الأشعري) قوله: (ومصدق بالسحر) أي: قائل بتأثيره ومعتقد بأنه المؤثِّر، وإلا فتصديقُ السِّحرِ بمعنى كون تأثيره ثابتاً واقعاً بخلق الله تعالى صحيحٌ، وقد ورد: (السِّحرُ حقٌّ)، ويحتمل أن يكون المراد بالتصديق اعتقاد (١) ((الصراح)) (ص: ٣٩). (٢) ((الدر النثير)) (٢ / ١٤٧). ٤٣٨ (٦) باب بيان الخمر ووعيد شاربها ٣٦٥٧ - [٢٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ لِ: ((مُدْمِنُ الْخَمْرِ إِنْ مَاتَ لَقِيَ اللهَ تَعَالَى كَعَابِدٍ وَثَنٍ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١ / ٢٧٢]. ٣٦٥٨ _ [٢٥] وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [جه: ٣٦٥٨]. ٣٦٥٩ - [٢٦] وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِاللهِ عَنْ أَبِيِهِ، وَقَالَ: ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي («التَّارِيخِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِاللهِ عَنْ أَبِهِ. [شعب: ٥ / ١٣]. ٣٦٦٠ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أُبَالِي شَرِبْتُ الْخَمْرَ أَوْ عَبَدْتُ هَذِهِ السَّارِيَةَ دُونَ اللهِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٥٦٦٣]. كون فعله جائزاً مباحاً، فإنه حرام بالاتفاق، وقيل: كفر. ٣٦٥٧، ٣٦٥٨ - [٢٤، ٢٥] (ابن عباس، وأبو هريرة) قوله: (إن مات) أتى بـ (إن) تنبيهاً على أن موت المؤمن مدمناً أمر مشكوكٌ فيه غيرُ مجزوم به. ٣٦٥٩ - [٢٦] (محمد بن عبيدالله) قوله: (محمد بن عبدالله) ابن جحش القرشي الأسدي هذا أصح. ٣٦٦٠ - [٢٧] (أبو موسى) قوله: (ما أبالي) أي: هما سواء، والمراد بعبادة السارية عبادة الأوثان؛ لأنها أحجار. وقوله: (دون الله) حال مؤكدة . تنبيه: قد كثر الابتلاء بأكل الخبيثة التي تسمى القنب في هذا الزمان وفيما قبله، وقلّ من تكلم فيه، ولقد رأيت بمكة المشرفة فيه رسالة عملها الشيخ الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بدر الدين بن عبدالله الزركشي الشافعي المصري عليه الرحمة والغفران ٤٣٩ (١٧) كتاب الحدود وتكلم فيه في فصول، فاختصرت شيئاً منه: الأول: في اسمها ووقت ظهورها، والأطباء يسمونها القُنَّبَ الهندي، ومنهم من يسميها ورق الشهدانج وتسمى بالعنبر أو بالحيدرية والقلندرية، ثم قيل: ظهورها كان على يد حيدر في سنة خمسين وخمس مئة تقريباً، ولهذا سميت حيدرية، وذلك أنه خرج هائماً ليفر من أصحابه، فمر على هذه الحشيشة فرأى أغصانها تتحرك من غير هواء، فقال في نفسه: هذا لَسِرِّ فيها، فاقتطف وأكل منها، فلما رجع إليهم أعلمهم أنه رأى فيها سراً، وأمرهم بأكلها، وقد ظهرت على يد أحمد المسارحي القلندري، ولهذا سميت قلندرية، وقال أبو العباس بن تيمية: إنما لم يتكلم فيها الأئمة الأربعة وغيرهم من علماء السلف؛ لأنها لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في آخر المئة السادسة حين ظهر دولة التتار، ثم انتقلت إلى بغداد، وقد علم ما جرى على أهلها من قبیح الأثر. الثاني: في مضارها في البدن والعقل، وذكر بعضهم أنه جمع فيها مئة وعشرين مضرة دنيوية ودينية، أعاذ الله المسلمين منها، وقد أجمع الأطباء أنها تورث الفكرة، والفكرة تثير الحرارة، وربما قويت على الحرارة الغريزية فعزلتها عن الجسد واستولت على البدن، فجففت الرطوبات، واستعد للأمراض الحارة، وقال محمد بن زكريا : أكل ورق الشهدانج البستاني يصدع الرأس، ويقطع المني ويجففه، ويولد الفكرة، وهي تورث موت الفجاءة واختلال العقل والدق والسل والاستسقاء والأُبنة، وقال بعض الأئمة: كل ما في الخمر من المذمومات موجود في الحشيشة وزيادة، فمضرة الخمر في الدين لا في البدن وضررها فيهما، ثم عدّ من المضار ما لا يعد ولا يحصى. الثالث: في أنها مسكرة مفسدة للعقل، والذي أجمع عليه الأطباء والعلماء ٤٤٠ (٦) باب بيان الخمر ووعيد شاربها بأحوال النباتات أنها مسكرة، قالوا: ومن القنب الهندي نوع ثالث يقال له: القنب ولم أره بغير مصر، ويزرع في البساتين يسمى الحشيشة أيضاً، وهو يسكر جداً إذا تناول منه الإنسان یسیراً قدر درهم أو درهمین حتی إن من أکثر منه أخرجه إلى حد الرعونة، وقد استعمله قوم فاختلت عقولهم وربما قتلت، وأما الفقهاء فقوم أجابوا بأنها مسكرة، منهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابه (التذكرة في الخلاف) والنووي في (شرح المهذب)، ولا يعرف فيه خلاف عندنا، وقد يدخل فيهم السكران الذي اختلط كلامه المنظوم، وباح بسرِّه المكتوم، أو الذي لا يعرف السماء والأرض، ولا الطول من العرض، ويحكى عن بعض من تناولها أنه إذا رأى القمر يظنه لُجّة ماء فلا يقدم عليه، ونقل عن أبي العباس بن تيمية أنه قال: الصحيح أنها مسكرة كالشراب فإن آكليها يَنْشَوْنَ بها بخلاف البنج وغيره، فإنه لا يُنْشِي ولا يشتهى، ولم يخالف ذلك إلا أبو العباس القرافي في (قواعده). وقال بعض العلماء بالنباتات في كتبهم: إنها مسكرة، والذي يظهر لي أنها مفسدة، وفرق بين المُفسِد والمُسكِر والمُرقِد أن المتناول من هذه إما أن يغيب معه الحواس أو لا، فإن غابت معه الحواس فهو المرقد، وإن لم تغب معه الحواس فإما أن يحدث معه نشوة وسرور وقوة نفس عند التناول غالباً أم لا، فإن حدث فهو المسكر وإلا فهو المفسد، فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة وسرور کالخمر، والمفسد هو المشوش للعقل مع عدم السرور الغالب كالبنج، فالمسكر يزيد في الشجاعة والمسرة وقوة النفس والميل إلى البطش بالأعداء والمناقشة في العطاء، قال: فظهر بهذا أن الحشيشة مفسدة وليست بمسكرة، ثم أثبت ذلك بوجهين، واعترض عليه الشيخ بدر الدين صاحب الرسالة وأثبت أنها مسكرة، وهو الراجح،