النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
(١٦) كتاب القصاص
نعمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ بِأُذُنَيَّ وَرَأَيْتُهُ بِعَيْنَيَّ: أُنِيَ رَسُولُ اللهِ بِمَالٍ فَقَسَمَهُ،
فَأَعْطَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَمَنْ عَنْ شِمَالِهِ، وَلَمْ يُعْطِ مَنْ وَرَاءَهُ شَيْئاً. فَقَامَ رَجُلٌ
مِنْ وَرَائِهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا عَدَلْتَ فِي الْقِسْمَةِ، رَجُلٌ أَسْوَهُ مَطْمُومُ الشَّعْرِ،
عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَنْيَضَانٍ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ غَضَباً شَدِيداً وَقَالَ: وَاللهِ لاَ تَجِدُونَ
بَعْدِي رَجُلاً هُوَ أَعْدَلُ مِّي، ثُمَّ قَالَ: يخرُجُ فِي آخرِ الزَّمانِ قَوْمٌ كَأَنَّ هَذَا مِنْهُم،
يَقْرَؤُوْنَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ
مِنَ الرَّمِيَّةِ، سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، لاَ يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ، حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ مَعَ
الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيْقَةِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
[ن: ٤١٠٣].
٣٥٥٤ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي غَالِبٍ رَأْىَ أَبَّو أُمَامَةَ رُؤُوسَاً مَنْصُوبَةً عَلَى
دَرَج دِمَشْقَ فَقَالَ أَبُو أَمَامَةَ: («كِلاَبُ النَّارِ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، ..
الراء، وقوله: (مطموم الشعر) يقال طم شعره: جذّه واستأصله، والمراد التحليق.
وقوله: (كأن هذا منهم) أي: من شيعتهم وعلى سيرتهم، قاله في صورة الشك والتردد
احتياطاً، وهو كان منهم قطعاً، وقوله: (فإذا لقيتموهم هم شر الخلق) الجزاء محذوف،
أي: فاعلموا أنهم شر الخلق، أو فاقتلوهم.
٣٥٥٤ - [٢٢] (أبو غالب) قوله: (على درج) بالتحريك بمعنى الطريق،
و(دمشق) بکسر الدال وفتح المیم، وقد یکسر.
وقوله: (كلاب النار) خبر مبتدأ محذوف، أي: هم كلاب النار.
وقوله: (تحت أديم السماء) أي: وجهِها، كما سُمِّي وجهُ الأرض أديماً، وقال

٣٦٢
(٤) باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد
خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوَّةٌ ﴾ الآيَةَ
[آل عمران: ١٠٦] قِيلَ(١) لِأَبِي أُمَامَةَ: أَنْتَ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهَِّ؟ قَالَ:
لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّ مَرَّةً أَوْ مَرَتَيْنٍ أوْ ثَلاَثَاً حَتَّى عَدَّ سَبْعاً مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ. رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [ت: ٣٠٠٠، جه:
١٧٣ ].
في (القاموس)(٢): الأديم من السماء والأرض: ما ظهر.
وقوله: (قتلوه) الضمير المرفوع لهم، والمنصوب لـ (من).
وقوله: (وتسود وجوه) روي عن أبي أمامة أن المراد بهم الخوارج، وقيل:
المراد بهم المرتدون، وقيل: أهل البدع.
(١) في نسخة: ((قال)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٩٢).

(١٧)
كتاب المحدود
٠

(١٧)
كتاب الجُدُود
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٥٥٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا ..
١٧ - كِتَابُ الْحُدُودِ
(الحد): الحاجز بين شيئين، والدفع، والمنع، وتأنيبُ المذنبِ بما يمنعه
وغيره من الذنب، وفي (شرح كتاب الخرقي)(١): الحد في الأصل المنع، ومنه قيل
للبَوَّابِ: حدَّاد لمنعه الداخل والخارجَ إلا بإذن، وسُمِّي الحديد حديداً للامتناع به،
أو لامتناعه على مَن يحاوله، والحدُّ عقوبةٌ يمنع من الوقوع في مثله، وحدود الله
محارمُه، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اُللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وما قدَّرَه كجعل
الطلاق ثلاثاً، ونحو ذلك قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَ تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولعل
تسمية المحارم حدوداً، وكذلك المقدَّرات إشارةٌ إلى المنع من قربان ذلك أو تجاوزه،
انتهى. وقال في (الهداية)(٢): الحد في الشريعة العقوبة المقدَّرة حقاً لله تعالى، حتى
لا يُسمَّى القِصاصُ حداً لما أنه حق العبد، ولا التعزير لعدم التقدير.
الفصل الأول
٣٥٥٥ _ [١] (أبو هريرة، وزيد بن خالد) قوله :
(١) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (٦ / ١).
(٢) («الهداية» (٣٣٩/٢).

٣٦٦
(١٧) كتاب الحدود
إِلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْضٍ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَقَالَ الآخَرُ: أَجَلْ
يَا رَسُولَ اللهِ! فَاقْضٍ بَيْتَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَأَذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ: ((تَكَلَّمْ)
قَالَ: إِنَّ ايْنِي كَانَ عَسِيفاً عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى اثِي
الرَّجْمَ، فَاقْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِئَةٍ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ
فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِثَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأَقْضِيَّنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، أَمَّا
غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَّةٌ عَلَيْكَ، وَأَمَّ ابْنُكَ فَعَلَيْهِ جَلْدُ مِثَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَمَّا
أَنْتَ يَا أُنْيَسُ فَاغْدُ إِلَى امْرَأَةٍ(١) هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»،
(اقض بيننا بكتاب الله) مبني على أنه كان في كتاب الله آيةُ الرَّجمِ، ثم نُسِخت تلاوته،
فصح القول بأنه كتاب الله، وقيل: المراد بكتاب الله هنا حكمه، وإنما قالا: اقض بيننا
بکتاب الله فجاءا عند رسول الله ٹالآ لیحکم به.
وقوله: (إن ابني كان عسيفاً على هذا) أي: أجيراً، وإنما قال: على هذا لما يتوجه
على المستأجر من الأجرة، ولو قال: عسيفاً لهذا ليصح أيضاً، لما يتوجه للمستأجر
عليه من الخدمة .
وقوله: (ثم إني سألت أهل العلم) يدل على جواز الاستفتاء والإفتاء في زمانه وكل
عن غيره لعدم القدرة على سؤاله عنه لمانع .
وقوله: (وتغريب عام) التغريب داخل في الحد عند بعض العلماء، وعندنا هو
سياسة وتعزير مفوَّض إلى رأي الإمام ومصلحته. و(أنيس) بلفظ التصغير اسم رجل
(١) في نسخة ((على امرأة)).

٣٦٧
(١٧) كتاب الحدود
فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٣٣، م: ١٦٩٧].
٣٥٥٦ - [٢] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ِ﴿ِ يَأْمُرُ فِیمَنْ
زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ جَلْدَ مِئَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ .
هو سيد قوم المرأة، وهو أنيس بن ضحاك الأسلمي، بعثه رسول الله ◌َّ ليقيم الحد
عليها إن اعترفت، وهذا لا يدل على كفاية اعتراف واحدة في الزنا، كما هو مذهب
الشافعي، فلعل المراد الاعتراف المعهود في الشرع وهو أربع مرات، والله أعلم.
٣٥٥٦ - [٢] (زيد بن خالد) قوله: (يأمر فيمن زنى ولم يحصن) بضم الياء
وكسر الصاد هكذا الرواية، يقال: أحصَنَت المرأة فهي مُحصِنة، وأحصَنَ الرجلُ فهو
مُحصِن، وأحصَنا فهما محصِنٌ ومحصِنَةٌ، والمحصن والمحصنة يجيئان بفتح الصاد
وكسرها، وقرئ هذان اللفظان في القرآن بالكسر والفتح، وكذا أحصن مجهولاً
ومعروفاً إلا قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ [النساء: ٢٤]، فإنها بالفتح بالاتفاق،
وفسر البيضاوي(١) الفتح بقوله: أحصنَهنَّ التزويج أو الأزواجُ، والكسر بأحصَنَّ
فروجَهنَّ، ومعنى الإحصان أن يكون حراً عاقلاً بالغاً مسلماً، قد تزوج امرأة حرة
مسلمة نكاحاً صحيحاً، ودخل بها، وهما على صفة الإحصان، وعند الشافعي لا يشترط
الإسلام، ووافقه أبو يوسف في رواية؛ لأنه يَّ رجم يهوديين زنيا، ويأتي جوابه في
حديث ابن عمر .
وقوله: (وتغریب عام) ظاهره أن التغريب داخل في الحد، وحمله من لم يره
من العلماء حدًّا كالحنفية على المصلحة التي رآها الإمام.
(١) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (١ / ٢٠٩).

٣٦٨
(١٧) كتاب الحدود
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٨٣١].
٣٥٥٧ - [٣] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّداً) بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ
عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى(٢) آيَةُ الرَّجْمِ، رَجَمَ رَسُولُ اللهِوَُّ
وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ
وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ الْبَيَِّةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الإِعْتِرَافُ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٢٩،
م: ١٦٩١].
٣٥٥٨ - [٤] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ نَ لِ قَالَ: ((خُذُوا عَنِّى،
خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ
عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٩٠].
٣٥٥٧ _ [٣] (عمر) قوله: (أو كان الحبل) بفتحتين، هذا الحكم منسوخ.
٣٥٥٨ - [٤] (عبادة بن الصامت) قوله: (خذوا عني) مكرر للتأکید لخفائه؛
لأنه تعالى حكم أولاً في اللاتي يأتين الفاحشة بالإمساك في البيوت وحبسِهنَّ فيها حتى
يتوفاهن الموت، أو يجعل الله لهن سبيلاً، والمراد بالسبيل الحدُّ، فأخبر وَّ أنه تعالى
قد جعل فيهن سبيلاً، وشرع الحدَّ (البكر بالبكر جلد مئة والثيب بالثيب) والمراد به
المحصن (جلد مئة والرجم) وفيه الجمع بين الجلد والرجم، وبه أخذ أصحاب الظواهر
وبعض الصحابة والتابعين، والجمهور على أن الجلد منسوخ فيمن وجب عليه الرجم
لحديث ماعز وغيره، ثم إنه لم يذكر حكم الثيب مع البكر لظهوره.
(١) زادت التصلية في نسخة .
(٢) لفظ ((تعالى)) سقط في نسخة.

٣٦٩
(١٧) كتاب الحدود
٣٥٥٩ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ الْيَهُودَ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ لَّه
فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنًَّا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ: ((مَا تَجِدُونَ
فِي الثَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟)) قَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ قَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ
سَلاَمٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأَتُوا(١) بِالتَّوْرَاةِ فَتَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ
عَلَى آَيَّةِ الرَّجْمٍ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا، وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَم: ارْفَعْ بَدَكَ
فَرَفَعَ فَإِذَا فِيهَا آيَّةٌ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا
النَّبِيُّ ◌َّةِ، فَرُجِمَا، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ
تَلُوحُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ، وَلِكِنَّا نَتَكَاتَمُهُ بَيْنَنَا، فَأَمَرَ بِهِمَا،
فَرُجِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٤١، م: ١٦٩٩].
٣٥٥٩ _ [٥] (عبدالله بن عمر) قوله: (قالوا: نفضحهم) أي: لا نجد حكم
الرجم في التوراة، بل إنما نجد أنَّا نفضحُهم، والفضيحة عندهم هو تسويد وجوه
الزناة وتشهيرهم .
وقوله: (ويجلدون) بلفظ المجهول، قيل: كأنه أشار بإتيان أحد الفعلين معلوماً
والآخر مجهولاً إلى أن الفضيحة كان موكولاً إلى اجتهادهم بخلاف الجلد.
وقوله: (فقالوا) أي: بعضُ اليهود: (صدق) أي: عبدُالله .
وقوله: (فرجما) وبه أخذ الشافعي في عدم اشتراط الإسلام في الإحصان، وهو
رواية عن أبي يوسف، وأجيب بأن رجمه ◌ّ ◌ُ ليهوديين إنما كان بحكم التوراة،
والإحصان لم يكن شرطاً في دينهم، وكان ◌َّه يعمل بحكم التوراة قبل أن ينزل حكم
(١) بصيغة الأمر، وفي نسخة بفتحتين على الماضي، ويؤيد الأول ما في رواية مسلم، قال زيثر:
فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فجاؤوا بها، قاله القاري (٦ / ٢٣٣١).

٣٧٠
(١٧) كتاب الحدود
٣٥٦٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ نَّهِ رَجُلٌ وَهُوَ فِي
الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي زَنَيَّتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَتَنَخَّى
لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي زَنَيَتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ◌َّه
فَلَمَّا شَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ النَّبِيُّ ◌َهِ فَقَالَ: ((أَبِكَ جُنُونٌ؟)) قَالَ:
لاَ فَقَالَ: ((أُحْصِنْتَ؟)) قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ، قَالَ
ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: فَرَجَمْنَاهُ بِالْمَدِينَةِ،
فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ.
القرآن ولا ينسخ، كذا قيل، ويمكن أن يقال: إنه إنما رجمهما على دينهما إلزاماً لهما،
وهما كانا مسلمين على زعمهم، والله أعلم.
٣٥٦٠ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (فتنحى) أي: الرجلُ، والضمير في (وجهه)
للنبي ◌َّ، و(قبله) بكسر القاف وفتح الباء، أي: جانبه.
وقوله: (فلما شهد أربع شهادات) أي: أقرَّ على نفسه أربعَ مرَّاتٍ، وفي هذا
دليل لأبي حنيفة على اشتراط الإقرار أربع مرات.
وقوله: (فلما أذلقته الحجارة) أي: أصابته، وأصل أذلقه: أضعفَه، يقال:
أذلَقَ الصومُ فلاناً: أضعفَه.
وقوله: (هرب) فيه أنه لا يحفر للمرجوم، وقيل: يحفر للمرأة، وهو المذهب
عندنا، قال في (الهداية)(١): وإن حفر لها في الرجم جاز، وقال: الحفر أحسن.
وقوله: (حتى أدركناه بالحرة) سيجيء من رواية أبي داود أن النبي ◌َّم قال: (هلأَ
(١) ((الهداية)) (٢ / ٣٤٢).

٣٧١
(١٧) كتاب الحدود
فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٢٥، م: ١٦٩٢].
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ قَالَ: نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ
بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ فَأُدْرِكَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ لَهُ
النَّبِيُّ ◌َّهِ خَيْراً، وَصَلَّى عَلَيْهِ)). [خ: ٦٨٢٠].
٣٥٦١ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكِ النَّبِيِّ ◌َّل
فَقَالَ لَهُ: ((لَعَلَّكَ قَبَلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ)»، قَالَ: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ،
قَالَ: ((أَنِكْتَهَا؟»
تركتُمُوه فلعلَّه يتوبُ)، وقد اختلفوا في أنه إذا شرعوا في الرجم فهرب هل يترك أم
لا؟ ويتم في الفصل الثاني.
وقوله: (فرجم بالمصلى) قيل: أراد مصلى الجنائز، ويشهد له الرواية الأخرى
ببقيع الغرقد، وقيل: مصلَّى الأعياد، وليس له حكم المسجد إلا أن يتخذ مسجداً، وإذا
اتخذ مسجداً فلا يجوز فيه الرجم للتلطّخِ، والله أعلم.
وقوله: (فقال له خيراً) أي: أثنى عليه.
٣٥٦١ - [٧] (ابن عباس) قوله: (أو غمزت) في (القاموس)(١): غمزَه بيده:
مسَّه ونخَسَه، وبالعَين والجَفْن والحاجب: أشارَ، ويجيء بمعنى العَصْر والكبسِ باليد،
ويحتمل الحديثُ هذه المعانيَ كلَّها، والله أعلم.
وقوله: (أنكتها؟) بالاستفهام على وزن بِعْتَ بلفظ الخطاب: جامعتها، يقال:
ناکھا ینیك : جامعها .
(١) ((القاموس)) (٤٨١).

٣٧٢
(١٧) كتاب الحدود
لاَ يَكْنِي قَالَ: نَعَمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٨٢٤].
٣٥٦٢ - [٨] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ! طَهِّرْنِي فَقَالَ: ((وَيْحَكَ! ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ اللهَ، وَتُبْ إِلَيْهِ»،
قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! طَهِّرْنِي فَقَالَ النَّبِيِّ ◌َّهُ
مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟»
قَالَ: مِنَ الزُّنَاَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَبِهِ جُنُونٌ؟)) فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ،
فَقَالَ: ((أَشَرِبَ خَمْراً؟)) فَقَامَ رَجُلٌ، فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ،
فَقَالَ: ((أَزَنَّتَ؟)) قَالَ: نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَلَبِثُوا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً، ثُمَّ جَاءَ
رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ: ((اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ،
وقوله: (لا يكني) من الكناية، وهو قول الراوي، أي: قال مدير بالتصريح
لا بالكناية .
٣٥٦٢ - [٨] (بريدة) قوله: (ويحك) كلمةُ ترخُّم لمن وقع في هَلَكة لا يستحقُّها،
وقد يستعمل في مقام المدح والتعجّب، وقد مرّ تحقيقه مراراً.
وقوله: (غیر بعید) أي: زمان غير بعيد.
وقوله: (فيم) كذا في جميع نسخ (مسلم) و(كتاب الحميدي)، وأكثر نسخ
(المصابيح)، و(في) أَجْليَّةٌ، وفي بعض النسخ: (ممّ) وهو الأوفق ظاهراً بقوله: (من
الزنا).
وقوله: (فاستنكهه) أي: شَمَّ رِيحَ فيه، والنَّکهُ ریحُ الفمِ .
وقوله: (فقال: استغفروا لماعز) المراد طلب مزيد الغفران ورفع الدرجات،

٣٧٣
(١٧) كتاب الحدود
لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسّمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ))، ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ
الأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! طَهِّرْنِي، فَقَالَ: ((وَيَحَكِ ارْجِعِي، فَاسْتَغْفِرِي
اللهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ»، فَقَالَتْ: تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَتِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ إِنَّهَا
حُبْلَى مِنَ الزَّنَاَ، فَقَالَ: ((أَنْتِ؟)) قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ لَهَا: ((حَتَّى تَضَعِي مَا فِي
بَطْنِكِ)) قَالَ: وَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، فَأَتَى النَّبِيَّ وَّهه
فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: ((إِذاً لاَ نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيراً،
لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ»، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ
اللهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: (اذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي)) فَلَمَّا
وَلَدَتْ، قَالَ: ((اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ)) فَلَمَّا فَطَمَتْهُ، أَتَتَّهُ بِالصَّبِيِّ
فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ،
فإنه قد غفر بإقامة الحد .
وقوله: (من غامد) بالغين المعجمة، في (القاموس)(١): غامد أبو قبيلة ينسب
إليه الغامديون.
وقوله: (ترددني كما رددت) كلا اللفظين من الترديد، ورجل مركّد: الحائر
البائر، كذا في (القاموس)(٢).
وقوله: (وكفلها رجل) أي: أقام بمؤنها ومصالحها، كما في قوله تعالى :
﴾ [آل عمران: ٣٧].
وَكَفَّلَهَا زَكِرِيًّا
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٩٠).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٦٩).

٣٧٤
(١٧) كتاب الحدود
وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَحُفِرَ
لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ، فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجْرٍ
فَرَمَى رَأْسَهَا، فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((مَهْلاً
يَا خَالِدُ! فَوَالَّذِي نَفْسِي بِبَدِهِ لَقَدْ تَبَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ
لَهُ)) ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٩٥].
وقوله: (فحفر لها إلى صدرها) دليل الحنفية على حفر المرجومة.
وقوله: (فيقبل) في أكثر النسخ بصيغة المضارع من الإقبال استحضاراً لتلك
الصورة، وفي بعضها: (فَتَقبَّلَ) بصيغة الماضي من التقبل.
وقوله: (فتنضخ) بالضاد المعجمة، وروي بالحاء المهملة والمعجمة، أي:
ترشَّشَ وانصبّ، و(المكس) بفتح الميم وسكون الكاف: الضريبة التي يأخذها
الماكس، وهو العَشَّار، وقال في (القاموس)(١): المكس: النقص والظلم.
وقوله: (فصلى عليها) هذه اللفظة عند جماهير رواة (صحيح مسلم) بفتح الصاد
واللام، أعني: على صيغة المعلوم، فيدلّ على صيغة صلاة النبي ◌َّ، وعند الطبري،
وفي رواية ابن أبي شيبة وأبي داود بضم الصاد وكسر اللام، وهو الأظهر، فلا يدل
على ذلك، وقد جاء في رواية أبي داود: (لم يُصَلِّ عليه) بصيغة المعلوم، يعني لم
يصلِّ النبيُّ نَِّ، بل أمرَ القومَ بأن يصلي، ومن ههنا اختلف الأئمة في الصلاة على
المحدود، فكرهه مالك، وقال أحمد: لا يصلي الإمام وأهل الفضل، وقال أبو حنيفة
والشافعي وغيرهما: يصلَّى عليه وعلى كل واحد من هو أهل لا إله إلا الله من أهل
القبلة، وإن كان فاسقاً ومحدوداً، وهو رواية عن أحمد.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٣٢).

٣٧٥
(١٧) كتاب الحدود
٣٥٦٣ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا
زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَيَّنَ زِنَهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلاَ يَُرَّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ
فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلاَ يُثَرَّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَيِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ
مِنْ شَعَرٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٣٤، م: ١٧٠٣].
٣٥٦٤ - [١٠] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ
الْحَدَّ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللهِوَهِزَنَتْ فَأَمَرَّنِي
أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ.
٣٥٦٣ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (فليجلدها الحد) فيه أنه لا رجم على العبد
والأمة.
وقوله: (ولا يثرب عليها) من التثريب بمعنى التوبيخ والتعبير، والمراد النهيُ
عن التثريب وحدَه وتركِ الجَلدِ، فإنه كان تأديبَ الزُّناة قبل شرع الحد، وهو التثريب
وحده، وقيل: المراد النهي عن التثريب بعد الجلد، فإنه صارت كفارة، قال الطيبي(١):
في الحديث دليل على أن السيد يقيم الحد على الإماء والعبيد، ويسمع البينة عليهما
كما هو مذهبنا، والحنفية حملوا قوله: (فليجلد) على التسبيب، انتهى.
وقوله: (فليبعها) فإنها لعلها تستعف عند المشتري بصونها أو تزويجها .
٣٥٦٤ - [١٠] (علي) قوله: (من أحصن) المراد بالإحصان هنا التزوج، كما
في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ [النساء: ٢٥].
وقوله: (فإن أمة) دليل على إقامة الحدود على الأرقاء، لكن أُخِّرَ هنا للنِّفاسِ.
(١) ((شرح الطيبي)) (٧/ ١٢٨).

٣٧٦
(١٧) كتاب الحدود
إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ، فَقَالَ: ((أَحْسَنْتَ)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ: ((دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا، ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْهَا
الْحَدَّ، وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)). [م: ١٧٠٥، د: ٤٤٧٥].
* الْفَصْلُ الثَّانِ:
٣٥٦ - [١١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ مَاعِزٌ الأَسْلَمِيُّ إِلَى
رَسُولِ اللهِوَّهِ، فَقَالَ: إِنَُّ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضُ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الآخَرِ،
فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقَّهِ الآخَرِ (١)، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَمَرَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ، فَأُخْرِجَ إِلَى الْحَرَّةِ فَرُجِمَ
بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا وَجَدَ مَسنَّ الْحِجَارَةِ فَرَّ يَشْتَدُّ، حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لَحْيُ
جَمَلٍ فَضَرَبَّهُ بِهِ، وَضَرَبَهُ النَّاسُ حَتَّى مَاتَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِنَّهِ أَنَّهُ
فَرَّ حِينَ وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ وَمَسَنَّ الْمَوْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((هَلَّ
تَرَكْتُمُوهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ: ((هَلَّ تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ
يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ)). [ت: ١٤٢٨، جه: ٢٥٥٤].
الفصل الثاني
٣٥٦٥ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (يشتد) أي: يَعدُو. و(اللحي) بفتح اللام
وسكون الحاء المهملة: مَنبِتُ اللحية من الإنسان، ومن الجمل ونحوه مَنبِتُ
الأسنان.
وقوله: (هلا تركتموه) إنما اختلفوا أن من هرب في أثناء إقامة الحد هل يترك
(١) زاد بعده في نسخة: ((فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الآخر)).

٣٧٧
(١٧) كتاب الحدود
٣٥٦٦ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ﴿ قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ:
(أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ؟)) قَالَ: وَمَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ: ((بَلَغَنِي أَنَّكَ قَدْ وَقَعْتَ
عَلَى جَارِيَةِ(١) آلِ فُلاَنٍ)) قَالَ: نَعَمْ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٩٣].
٣٥٦٧ - [١٣] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمِ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ مَاعِزاً أَتَى النَّبِيَّ لَه
فَأَقَرَّ عِنْدَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ وَقَالَ لِهَزَّالٍ : (لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ
خَيْراً لَكَ)) قَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّ هَزَّالاً أَمَرَ مَاعِزاً أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ ◌َّهِ فَيُخْبِرَهُ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٧٨].
أم يتبع ليقام عليه الحد؟ فقال الشافعي وأحمد وآخرون: يُستقالُ، فإن رجع عن
الإقرار تُرِكَ وإن اذَّعاه رُجِمَ، وقال أبو حنيفة ومالك: يُتَبَع ويُرجَم لأنه نَّه لم يلزمهم
ديته مع أنهم قتلوه بعد هربه، كذا قيل، لكنه لم يصرّح بالرجوع والكلامُ فيه، فتدبر.
٣٥٦٦ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (فشهد أربع شهادات) أي: أقرَّ أربعَ إقراراتٍ،
ثم استشكل هذا الحديث بأنه يدل على أنه چ﴿ كان عارفاً بزنا ماعز فاستنطقه،
والأحاديث الأخر تدل على خلاف ذلك، وأجيب بأنه قد اختصر هذا الحديث،
والمقصود بيان الرجم دون القصة، ولعله ◌َلقي استنطقه بعد ما أخبر ماعز بزناه، أو
أعرض عنه النبي ◌َّ ﴿ مراراً، كما سبق.
٣٥٦٧ - [١٣] (يزيد بن نعيم) قوله: (وعن يزيد) بالزاي (ابن نعيم) بلفظ
التصغير، و(هزال) بفتح الهاء وتشديد الزاي، الأسلمي، وكانت له مولاة، فوقع
(١) في نسخة: ((بجارية)).

٣٧٨
(١٧) كتاب الحدود
٣٥٦٨ - [١٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِاللهِ
ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌َّلَ قَالَ: ((تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ،
فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٣٧٦، ن:
٤٨٨٦].
٣٥٦٩ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ: ((أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ
عَثَرَاتِهِمْ إِلَّ الْحُدُودِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٧٥].
٣٥٧٠ - [١٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((ادْرَؤُوا الْحُدُودَ
عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلَّوا سَبِيلَهُ،
عليها ماعز، فعلم به هزال، وأشار إليه بالمجيء إلى رسول الله وَي والاعتراف بالزنا.
٣٥٦٨ - [١٤] (عمرو بن شعيب) قوله: (تعافوا) بضم الفاء من العفو من عفا
الذنب أو عفا الدار، والخطاب لغير الأئمة، فإن الإمام لا يجوز له العفو عن حدود الله
إذا رفع الأمر إليه.
٣٥٦٩ - [١٥] (عائشة) قوله: (أقيلوا) من الإقالة، و(الهيئة) صورة الشيء
وشكله، والمراد هنا الحالة التي يكون الإنسان عليها من الأخلاق والأفعال والمروءات
وأصحاب الوجوه، وقيل: هم أهل الصلاح والورع.
وقوله: (إلا الحدود) أي: إلا ما يوجب الحدود إذا ثبت، فهذا خطاب للأئمة
وجاز أن يشملهم وغيرهم.
٣٥٧٠ - [١٦] (وعنها) قوله: (ادرؤوا الحدود) أي: ادفعوها قبل أن يصل
إلى الإمام، فإن الإمام إذا سلك سبيل الخطأ في العفو الذي صدر منكم خير من أن

٣٧٩
(١٧) كتاب الحدود
فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: قَدْ رُوِيَ عَنْهَا وَلَمْ يُرْفَعْ وَهُوَ أَصَحُّ. [ت: ١٤٢٤].
٣٥٧١ - [١٧] وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: اسْتُكْرِهَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ
الَّبِيِّ(١) ◌َِّ فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ وَأَقَامَهُ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ جَعَلَ
لَهَا مَهْراً. رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ. [ت: ١٤٣٥].
٣٥٧٢ - [١٨] وَعَنْهُ: أَنَّ امْرَأَةً خَرَجَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ بَّهِ تُرِيدُ
الصَّلاَةَ، فَتَلَقَّاهَا رَجُلٌ، فَتَجَلَّلَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا، فَصَاحَتْ، وَانْطَلَقَ،
وَمَرَّتْ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَتْ: إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَعَلَ بِي كَذَا وَكَذَا،
فَأَخَذُوا الرَّجُلَ، فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ وَّهِ، فَقَالَ لَهَا: ((اذْهَبِي، فَقَدْ غَفَرَ اللهُ
لَكِ».
يسلك سبيل الخطأ في العقوبة، بأن يعاقب بخطأ وعدم تشخيص القضية، فإنه إذا
وصلت إليه وجب عليه الإنفاذ، فعلى هذا مضمون قوله: (تعافوا الحدود)، الخطاب
الغير الأئمة، وقد يحتمل على درء الإمام الحدود بقوله: (أبه جنون؟)، (أشرب خمراً؟)،
(لعلك قبلت أو غمزت؟) ونحوها، فالخطاب للإمام، وهو من قبيل وضع المظهر
موضع المضمر، فتدبر.
٣٥٧١ _ [١٧] (وائل بن حجر) قوله: (ولم يذكر) أي: الراوي (أنه جعل
لها) أي: للمرأة (مهراً) أي: عُقْراً، أشار إلى أنه ثابت بالأحاديث الأخر وإن لم يذكر.
٣٥٧٢ - [١٨] (وعنه) قوله: (فتجللها) أي: تغشَّاها، وصار كالجُلِّ عليها
(١) في نسخة: ((رسول الله)).

٣٨٠
(١٧) كتاب الحدود
وَقَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا: (ارْجُمُوهُ) وَقَالَ: ((لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ
تَبَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَقُبِلَ مِنْهُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٤٥٤، د:
٤٣٨١].
صَلَى اللّهـ
رستم
٣٥٧٣ - [١٩] وَعَنْ جَابِرِ: أَنَّ رَجُلاً زَنَى بِامْرَأَةٍ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ
فَجُلِدَ الْحَدَّ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّهُ مُحْصَنٌ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٤٠].
٣٥٧٤ - [٢٠] وَعَنْ سَعِيدٍ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَتَى
الَّبِيَّ ◌َّهِ بِرَجُلٍ كَانَ فِي الْحَيِّ مُخْدَجٍ سَقِيمٍ، فَوَجَدَ عَلَى أَمَةٍ مِنْ إِمَائِهِمْ
يَخْبُثُ بِهَا،
كناية عن الوطء، كما يكنى عنه بالغِشْيان.
وقوله: (وقال للرجل الذي وقع عليها: ارجموه) يعني بعد إقراره بالزنا وثبوته
عليه .
٣٥٧٣ _ [١٩] (جابر) قوله: (ثم أخبر أنه محصن فأمر به فرجم) فیه دلیل
على أن الإمام إذا أمر بشيء من الحدود، ثم بان له أن الواجب غيره، فعليه المصير
إلى الواجب.
٣٥٧٤ - [٢٠] (سعيد بن سعد) قوله: (كان في الحي) أي: في القبيلة.
و(المخدج) بضم الميم وفتح الدال مخففاً والجيم في آخره: ناقص الخلقة، يقال:
أَخدَجَت الناقةُ: إذا جاءت بولد ناقص(١).
وقوله: (يخبث بها) أي: يزني، خبث بالمرأة: زنا بها، في (القاموس): الخبث:
(١) انظر: ((القاموس المحيط)) (ص: ١٨٢).