النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ (١٦) كتاب القصاص قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ قَالَ: ((فَتْبَرِّئُكُمْ. إشكالان أحدهما: أنه كيف أمر بتقديم الأكبر مع أن المدَّعيّ كان هو الأصغرَ، أعني عبدَ الرحمن؟ وثانيهما: أنه كيف عرضت اليمين على الثلاثة، والوارث هو عبد الرحمن خاصة؟ أجيب عن الأول بأن المراد كان سماع صورة القضية؛ فإذا أريد حقيقة الدعوى تكلم المدعي، وبأنه يحتمل أن عبد الرحمن وكَّلَ حويصة وهو الأكبر، وعن الثاني بأنه أورد لفظ الجمع لعدم الالتباس. وقوله: (أمر لم نره) أي: كيف نحلف وصدور القتل أمر لم نشاهده. وقوله: (فتبرئكم) من الإبراء، وفي بعض النسخ: (فتبرّئكم) من التبرئة، أي : يرفعون منكم الظن والتهمةَ منهم، وظاهره أنهم إذا حلفوا ارتفعت الدية عنهم كما هو مذهب الشافعي؛ ولأن اليمين عهدت في الشرع مبرئة للمدعى عليه لا ملزمة كما في سائر الدعاوى، وعندنا يجب الدية مع وجود أيمانهم؛ لأن النبي ◌ُّ جمع بين الدية والقسامة في حديث سهل، وفي حديث زياد بن أبي مريم، كذا في (الهداية)(١). وذكر في شرحه(٢): أنه روي عن ابن عباس : أن النبي ◌َّ كتب إلى أهل خيبر: أن هذا قتيل وجد بين أظهركم، فما الذي يخرجه عنكم؟ فكتبوا إليه: أن مثل هذه الحادثة وقعت في بني إسرائيل، فأنزل الله تعالى على موسى أمراً؛ فإن كنت نبياً فافعل ذلك، فكتب إليهم أن الله تعالى أراني أن أختار [منكم] خمسين رجلاً فيحلفون بالله: ما قتَلْنا ولا نعلَمُ له قاتلاً، ثم يؤدُّون الدية، قالوا: لقد أصبتَ. وروى حفص عن زياد بن أبي مريم أنه قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّ فقال: إني (١) ((الهداية)) (٤ / ٤٩٨). (٢) انظر: ((فتح القدير)) (٩/ ٣٠٩). ٣٤٢ (٣) باب القسامة يَهُودُ فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ، وجدت أخي قتيلاً في بني فلان، فقال: اختر من شيوخهم خمسين رجلاً، فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً، فقال الرجل: ما لي من أخي إلا هذا؟ فقال: نعم، ومئة من الإبل . وقال في (الهداية)(١): وكذا جمع عمر ظه بينهما على وادعة اسم قبيلة من همدان، وقصته: أن قتيلاً وجد بين وادعة وأرحب، وكان إلى وادعة أقرب، فقضى عمر نظرته عليهم بالقسامة والدية، فقال وادعيٌّ: يا أمير المؤمنين! لا أيماننا تدفع عن أموالنا، ولا أموالنا تدفع عن أيماننا؟ فقال: إنما حقهم دماؤكم لوجود القتل بين أظهركم فأيمانكم أقربكم الدية(٢)، هذا وقد طعن الشافعية على الحنفية في هذين المسألتين. إحداهما: عدم الابتداء بيمين المدعي، وتحليف أهل المحلة. وثانيتهما: أخذ الدية منهم مع وجود أيمانهم، وهو يخالف الحديث، أما الأول فلأن الروايات الصحيحة كلها متطابقة على أنه * بدأ بالمدعين، وأما الثاني أنه قال: (فتبرئكم يهود في أيمان خمسين)، فإيجاب الدية معها يخالف النص ويخالف القياس أيضاً؛ إذ ليس في شيء من الأصول اليمين مع الغرامة، بل إنما شرعت للبراءة والاستحقاق، انتهى. وقد عرفت الدليل على مذهبنا، وأما الجواب عن دليلهم فهو أن قوله وَيّر: (تبرئكم اليهود) محمول على الإبراء عن القصاص والحبس، وكذا اليمين مبرئة عما وجب له اليمين، والقسامة ما شرعت لتجب الدية إذا نكلوا، بل شرعت ليظهر القتل والقصاص (١) ((الهداية)) (٤ / ٤٩٨). (٢) كذا في الأصل، وفي («العناية)) (٩ / ٣٠٩): فقال: إنما حقنتم دماءكم بأيمانكم، وإنما أغرمكم الدية لوجود القتيل بين أظهركم. ٣٤٣ (١٦) كتاب القصاص فَفَدَاهُمْ رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ مِنْ قِبَلِهِ وَفِي رِوَايَةٍ: ((تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً وَتَسْتَحِقُونَ قَاتِلَكُمْ - أَوْ صَاحِبَكُمْ )) فَوَدَهُ رَسُولُ اللهِنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ بِمِثَّةِ نَاقَةٍ. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٤٢، م: ١٦٦٩]. وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٥٣٢ - [٢] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَصْبَحَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مَقْتُولاً بِخَيْبَ فَانْطَلَقَ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَى النَّبِيِّ نَلِ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: ((أَلَكُمْ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى قَاتِلِ صَاحِبِكُمْ؟)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِلَمْ يَكُنْ ثَمَّ أحدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وإِنَّمَا هُمْ يَهُودُ وَقَدْ يَجْتَرِؤُونَ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ هَذَا قَالَ: ((فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ خَمْسِينَ فَاسْتَحْلِفُوهُمْ)) فَأَبَوْا، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ مِنْ. بتحرزهم عن اليمين الكاذبة فيقروا بالقتل؛ فإذا حلفوا حصلت البراءة عن القصاص، ثم الدية تجب بالقتل الموجود منهم ظاهراً لوجود القتيل بين أظهرهم لا بنكولهم، أو وجبت بتقصيرهم في المحافظة كما في القتل الخطأ، كذا في (الهداية)(١). وقوله: (فقداهم) أي: أعطى أصحابَ القتيلِ الدِّيةَ (من قبله) أي: من جانبه من عنده لدفع الفتنة . الفصل الثالث ٣٥٣٢ - [٢] (رافع بن خديج) قوله: (يجرؤون على أعظم من هذا) كقتل الأنبياء، وتحريف كلام الله، وإزالة أحكامه التي في حكم القتل بل أشدّ منه. (١) («الهداية» (٤ / ٤٩٨). ٣٤٤ (٤) باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد عِنْدِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٥٢٣]. ٤- باب قل أهل الروة والشّعاة بالفساد * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٥٣٣ - [١] عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أُنِيَ عَلِيٌّ بِزَنَادِقَةٍ، ٤ - باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد (الردة) والارتداد: الرجوع، وغلب في الرجوع عن الإسلام؛ وإذا ارتد المسلم عن الإسلام - والعياذ بالله - عُرِضَ عليه الإسلام؛ فإن كانت له شبهةٌ كُشِفَت عنه إلا أن العرضَ على ما قالوا غيرُ واجبٍ؛ لأن الدعوة بلغته، ويستحبُّ حبسُه ثلاثةَ أيام إن أسلمَ وإلا قُتِلَ، وقيل: إن استمهل يمهل. وقال الشافعي: يجب على الإمام أن يؤجله ثلاثة أيام، ولنا قوله تعالى: ﴿فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله ◌َّ: (من بدل دينه فاقتلوه)، كذا في (الهداية)(١). (والسعاة): جمع ساع كقُضَاة وقاضٍ، وهم الذين يسعون في الأرض فساداً كقُطَّاع الطريق، أخذاً من قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاؤُأُ اَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]. الفصل الأول ٣٥٣٣ - [١] (عكرمة) قوله: (بزنادقة) جمع زِندِيق، وهو في الأصل يقال (١) ((الهداية)) (٢ / ٤٠٦). ٣٤٥ (١٦) كتاب القصاص فَأَحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْكُنْتُ أَنَا لَمْ أُخْرِقْهُمْ لِنَهْيٍ رَسُولِ اللهِوَّهِ: ((لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ) وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِنَّهِ: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٢٢]. ٣٥٣٤ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِن النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّ الله). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٩٥٤]. ٣٥٣٥ - [٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَآلِهِ يَقُولُ: ((سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حُدَّاثُ الأَسْنَانِ، . لقومٍ من المجوس، يتبعون (كتاب الزند) كان لزردشت المجوسي، وقيل: هو من لا يؤمن بالآخرة وينكر الربوبية، وقد سبق في أوائل الكتاب تحقيق هذا اللفظ تفصيلاً، والمراد هنا قوم ارتدُّوا عن الإسلام، وقيل: قوم من السَّبَيّة أصحاب عبدالله بن سبأ، أظهر الإسلام ابتغاءً للفتنة، وتضليلاً للأمة، وادعوا أن عليًّا هو الرب، فأخذهم ﴾، واستتابهم فلم يتوبوا، فحفر لهم حفراً، وأشعل النار، ثم أمر بأن يرمى بهم فيها، وكان ذلك اجتهاداً منه ورأياً ومصلحةً في زجرهم وزجر سائر المفسدين من أبناء جنسهم، يدل على ذلك ما روي أنه لما بلغه قولُ ابن عباس قال: صدقَ ابنُ عباسٍ، والله أعلم . ٣٥٣٤ - [٢] (عبدالله بن عباس) قوله: (إن النار لا يعذب بها) أي: لا ينبغي أن يعذب بها (إلا الله) وهذا تتمة قوله في قصة الإحراق على المرتدين. ٣٥٣٥ _ [٣] (علي) قوله: (حدّاث الأسنان) وهم قوم يتحدثون، جمع على غير قياس، وفي رواية: (حُدَثاء الأسنان) على وزن كبراء جمع حديث ضد القديم . ٣٤٦ (٤) باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُّقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْزُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْراً لِمَنْ قَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٣٠، م: ١٠٦٦]. وقوله: (سفهاء الأحلام) جمع سفيه، والسَّفَه محركة: خفَّةُ الحِلْمِ، أو نقصُه، أو الجهلُ، والحِلم بالكسر: العقل والأناة. وقوله: (يقولون من خير قول البرية) أي: من خير ما يتكلم البرية وهو القرآن، وفي بعض نسخ (المصابيح): (من قول خير البرية) وهو أحاديث رسول الله وضّة، والأول أنسب بما وقع في الأحاديث من قراءتهم القرآن وتمسُّكهم به. و(الحناجر) جمع حَنجَرة، وهو الحلقوم، والمراد كلمة الإيمان من ذكر الله والقرآن، كما ورد في حديث آخر: (يقرؤون القرآن، ولا يجاوز حناجرهم أو تراقيهم) كناية عن عدم الصعود إلى حضرة الله سبحانه، أو عدم تجاوزه إلى القلوب والجوارح بالاعتقاد والعمل، وقيل: لا يتعدّى من الحناجر إلى الخارج، ولعل المراد من الخروج إلى الخارج هو ظهور آثاره وأنواره بالعمل . وقوله: (يمرقون) أي: يخرجون (من الدين) أي: من طاعة الإمام لا من دين الإسلام، وهو مبالغة وتشديد. و(الرمية) على وزن البَرِيَّة بمعنى المَرمِيَّة، أي: الصيد، يريد أن دخولهم في الدين، ثم خروجهم منه، ولم يتمسكوا منه بشيء، كسهم دخل في صيد، ثم يخرج منه، ولم يعلق به منه شيء من نحو الدم والفرث لسرعة نفوذه، وفيه إشارةٌ إلى إماتتهم الدينَ وإهلاكه وإفساده، وقصة خروجهم، وقتل أمير المؤمنين علي ظُ إياهم مشهورة، ويحكى أنه وه سئل أكفّار هم؟ قال: من الكفر فرُّوا، وفي رواية: هربوا، ومن مذهبهم أن العبد يكفر بارتكاب الصغيرة. ٣٤٧ (١٦) كتاب القصاص ٣٥٣٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: (يَكُونُ أُمَنِي فِرْقَتَيْنِ، فَيَخْرُجُ مِنْ بَيِْهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلاَهُمْ بِالْحَقِّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٦٤]. ٣٥٣٧ _ [٥] وَعَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: (لاَ تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٨٠، م: ٦٥]. ٣٥٣٦ - [٤] (أبو سعيد الخدري) قوله: (يكون أمتي فرقتين، فيخرج من بينهما) هذا إشارة إلى قصة قتال علي ومعاوية وخروج الخوارج من الطرفين، وقصدهم إهلاك الطرفين، فصح خروجهم من بين الفرقتين مع أنهم كانوا على الباطل كالفرقة الباغية منهما؛ فلا يتجه ما قال الطيبي(١): إن قوله: (فرقتين) يقتضي أن يكون إحدى الفرقتين على الحق والأخرى على الباطل . وقوله: (يخرج من بينهما) يقتضي أن يكون المارقة خارجة منهما معاً، ولا يحتاج إلى أن يقال في توجيهه: إنه كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُؤْلُؤُ وَالْمَرْحَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] مع أنه يخرج من أحدهما، فافهم. وقوله: (أولاهم) أي: أقرب الأمة (بالحق) إشارة إلى علي ظُه وكرم وجهه، فإنه الذي قتلهم وهو كان على الحق في تلك القضية. ٣٥٣٧ _ [٥] (جرير) قوله: (لا ترجعن بعدي كفاراً) قد سبق توجيهاته في (حجة الوداع) في الفصل الأول من (باب خطبة يوم النحر)، وأقرب التوجيهات أن (١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ١٠٢). ٣٤٨ (٤) باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد ٣٥٣٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((إِذَا الْتَّقَى الْمُسْلِمَانِ حَمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَخِيهِ السِّلاَحَ، فَهُمَا فِي جُرْفٍ جَهَنَّمَ فَإِذَا قَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَخَلاَهَا جَمِيعاً)) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: قَالَ: ((إِذَا الْتَّقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْقِهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ)) قُلْتُ: هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: ((إِنَّهُ كَانَ حَرِيصاً عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٧٥، م: ٢٨٨٨]. ٣٥٣٩ - [٧] وَعَن أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِّ وَ﴿ نَفَرُ مِنْ عُكْلٍ ... المراد أن ذلك فعل يشبه فعل الكفار، وأنه كاد أن يوقع في الكفر ویؤدي إلیه، كما ينبئ عنه قوله: (فهما في جُرف جهنّم)، وقد روي هناك (ضلالاً) بدل (كفاراً)، وهو يبين المراد بقوله: (كفاراً). ٣٥٣٨ - [٦] (أبو بكرة) قوله: (حمل أحدهما) حال بتقدير قد. وقوله: (فهما في جرف جهنم) أي: في طرفها، والجرف بضمتين: جانب الوادي الذي تجرفه السُّيولُ، أي: تقطعه، أي هما متعرضان للهلاك، كأنهما في طرف جهنم الذي يشابه طرف الوادي الذي يقطعه السيل فيقعان فيها . وقوله: (دخلاها جميعاً) هذا إذا لم يكن أحدهما على الحق، وإلا فالداخل هو الذي يكون على الباطل، وهو أيضاً على تقدير أن لا يكون صادراً عن اشتباه والتباس، وبالجملة المراد الزجر والتشديد والمبالغة، والله أعلم. وقوله: (إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) فيه أن الحرص على الفعل المحرَّم والعزم عليه مما يؤاخَذُ به، نعم لو كان قصدُ كلٍّ منهما الدفعَ عن نفسه لم يؤاخذ وإن قتل لكونه مأذوناً فيه شرعاً. ٣٥٣٩ - [٧] (أنس) قوله: (نفر من عكل) قيل: كانوا ثمانية، وعكل بضم ٣٤٩ (١٦) كتاب القصاص فَأَسْلَمُوا، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَفَعَلُوا فَصَخُّوا، فَارْتَدُّوا، وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا، وَاسْتَاقُوا الإِيِلَ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُنِيَ بِهِمْ، الميم وسكون الكاف: أبو قبيلة، وذكر الشيخ في (كتاب الوضوء) أنه اختلفت الروايات عن البخاري، ففي بعضها: (من عُكْلٍ أو عُرَينة) على الشك، وفي بعضها: (من عكل)، وفي بعضها: (من عرينة)، وفي بعضها: (من عكل وعرينة) بواو العطف وهو الصواب، وروى أبو عوانة والطبري عن أنس: أنهم كانوا أربعة من عرينة وثلاثاً من عكل. وقوله: (فاجتووا المدينة) أي: ما وافقهم هواؤها، يقال: اجتوَيتُ البلدَ: إذا كرهتَ المُقامَ فيه وإن كنتَ في نعمةٍ، يعني لعدم موافقة هوائه، وقيل: معناه أصابهم الجَوَى، وهو المرضُ وداء الجوفِ إذا تطاوَلَ. وفي (القاموس)(١): تطاولُ المرضِ وداءٌ في الصدرِ؛ وكان قد اصفرَّت ألوانُهم وانتفخَت بطونُهم. وقوله: (فيشربوا من أبوالها) أخذ محمد رحمه الله من هذا أن بول ما يؤكل لحمه طاهر، وهو قول أصحاب مالك وأحمد، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهم الله هو نجس، وتأويل هذا الحديث عندهما: أنه عرف شفاؤهم فيه وحياً، ثم عند أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا يحل شربه للتداوي وغيره؛ لأنه لا یتیقن بالشفاء فيه، فلا یعرض عن الحرمة، وعند أبي يوسف رحمه الله يحلُّ للتداوي، وهو قول أصحاب الشافعي، فإنهم أجازوا التداويَ بكل النجاسات سوى المسكرات. وقوله: (وقتلوا رعاتها) على وزن القضاة جمع راعٍ، وفي بعض الروايات: (رِعاءَها) على وزن الكساء، وعلى كلا اللفظين يجمع الراعي. (١) ((القاموس)) (ص: ١١٦٩). ٣٥٠ (٤) باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا، وَفِي رِوَايَةٍ: فَسَمَّرُوا أَعْيُنَهُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَخَلَهُمْ بِهَا، وَطَرَحَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٠٣، م: ١٦٧١]. وقوله: (وسمل أعينهم) سمل عينه: فقأها، كاستملها، وفي (الصراح)(١): السمل بالسكون: چشم بيرون كردن، وفي (مختصر النهاية)(٢): السمل: فَقْءُ العين، ونقل الطيبي(٣): يقال: سمَلْتُ عينَه: إذا فقأتَها بحديدةٍ محمَّة أو نحوها، وكذا في (مجمع البحار)(٤)، وقال: وقيل: هو فقؤها بالشوك، وهو بمعنى السَّمْرِ، أي: أُحمِيَ لهم مساميرُ الحديدِ، ثم كحلَهم بها، يقال: سُمِرَتْ أعينُهم بضم سين وخفة ميم، وقد يشدَّد، انتهى. وقال في (القاموس)(٥): سمرَ العينَ: سمَلَها، أي: فقأَها، وقد فسر السمل بأن يدني العينَ حديدةً محمَّاً حتى يذهب البصر. وقوله: (لم يحسمهم حتى ماتوا) أي: لم يقطع دماءَهم بالكي ونحوه، يقال: حسمَ يحسِمُ، فانحسمَ: قطعَه فانقطعَ، ثم قالوا: إنه إنما فعل وَّ ذلك قصاصاً لأنهم كذلك فعلوا بالرُّعاة؛ فإنه قد روي: أنهم سملوا أعين الرعاة، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، وغرزوا الشوك في ألسنتهم وأعينهم حتى ماتوا، وقيل: فعل ذلك لعظم جريمتهم؛ (١) ((الصراح)) (ص: ٤٣٠). (٢) ((الدر النثير)) (١ / ٤٨٧). (٣) (شرح الطيبي)) (٧ / ١٠٤). (٤) انظر: ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ١٦٤). (٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٨٢). ٣٥١ (١٦) كتاب القصاص * الْفَصْلُ الثَّانِي : ٣٥٤٠ - [٨] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَفِ يَكُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيَنْهَانَ عَنِ الْمُثْلَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٦٧]. ٣٥٤١ - [٩] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسِ. [ن: ٤٠٤٧]. فإنهم ارتدُّوا، وسفكوا الدماء، وقطعوا الطريق، وأخذوا الأموال، وللإمام أن يجمع بين العقوبات في مثله سياسةً، وقيل: كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة في قطّاع الطريق، وأما النهي عن المُثْلة فهو منسوخ، وقيل: منهي نهي تنزيه . وأما عدم السقي مع الاستسقاء، فقيل: كان ذلك أيضاً قصاصاً، وقيل: لم يأمر بذلك النبي ◌َّ، وإنما فعلوا من عندهم، وأجمعوا على أن من وجب عليه القتل لا يمنع الماء إذا استسقى، فسبحان من خلقَه ضحوكاً قَتولاً رحيماً غضوباً لينال حُسناً جامعاً بين الجلال والجمال، والقهر واللطف، والعفو والبطش، مشتملاً على صفات الكمال، وكان فعله كله بوحي الله تعالى وأمره، والمولى يفعل في ملكه ما يشاء، والكل لانتظام الأمور وصلاح الأحوال . الفصل الثاني ٣٥٤٠، ٣٥٤١ - [٨، ٩] (عمران بن حصين، وأنس) قوله: (وينهانا عن المثلة) في (القاموس)(١): مثل بفلان مثلاً ومثلة: نكل، كمثَّل تمثيلاً، وهي الْمُثْلة بضم الثاء وسكونها، والجمع مُثُولات ومَثْلاَت، وفي (مختصر النهاية)(٢): مثَّلَتُ بالقتيل: جدَعتُ أنفَه أو أُذْنَهَ أو مَذاكيرَه أو شيئاً من أطرافه، والاسمُ المُثْلةُ، ونهى أن (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٧٤). (٢) ((الدر النثير)) (٢ / ٩٣٦). ٣٥٢ (٤) باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد ٣٥٤٢ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِاللهِ عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِوَ﴿ فِي سَفَرِ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانٍ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ، فَجَعَلَتْ تَفْرُشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َهْ فَقَالَ: ((مَنْ فَجَّعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ . يمثل بالدواب، أي: تنصب فترمى، أو يقطع أطرافها وهي حية، انتهى. والنهي عن المثلة قيل: للتحريم، وقيل: للتنزيه، والأول أصح وأرجح. ٣٥٤٢ - [١٠] (عبد الرحمن بن عبدالله) قوله: (حمرة) بضم الحاء المهملة وتشديد الميم المفتوحة، وقد يخفف: طائر صغير كالعصفور. وقوله: (تفرش) بفتح التاء وضم الراء، من فرش الطائر: إذا بسط جناحيه، وبفتحها وتشديد الراء، أي: تتفرَّشُ، فحذف إحدى التائين، أي: ترفرفت بجناحيها وتقربت من الأرض، وقال التُّورِبِشْتِي(١): هو في (كتاب أبي داود) بالفاء والعين المهملة: تفرش أو تعرش بضم حرف المضارع من التفريش والتعريش، وذكر الخطابي في كتاب (المعالم) (٢): أن التفريش مأخوذ من فرش الجناح وبسطه، والتعريش أن يرتفع فوقهما أو يظلل عليهما، يعني على الفرخين، ولا أرى الصواب فيه إلا تَفَرَّشُ على بناء المضارع، حذف تاؤه لاجتماع التائين، انتهى. وفي (القاموس)(٣): فرّش الطائر تفريشاً: رفرف على الشيء، كتفرش. وقوله: (من فجع هذه) بالتشديد، أي: وجعه، والفجيعة: الرزيئة، تفجع: (١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨٢٩). (٢) («معالم السنن)» (٢ / ٢٨٣). (٣) ((القاموس)) (ص: ٥٥٦). ٣٥٣ (١٦) كتاب القصاص رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَ)) وَرَأَى قَرْبَةَ نَمْلِ قَدْ حَرَّقْنَاهَا قَالَ: ((مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ؟)) فَقُلْنَا: نَحْنُ قَالَ: ((إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّ رَبُّ النَّارِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [ر: ٢٦٧٥]. ٣٥٤٣ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ﴿ قَالَ: (سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلاَفٌ وَفُرْقَةٌ، قَوْمٌ يُحسِنونَ القِيلَ ويُسيئونَ الفِعلَ، يَقْرَؤُوْنَ الْقُرْآنَ لاَ يُحَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُروقَ السَّهمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لاَ يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَكَّ السَّهْمُ عَلَى فُوقِهِ، توجع للمصيبة . وقوله: (قرية نمل) أي: موضعها. وقوله: (لا ينبغي أن يعذب بالنار) قالوا: إنما منع التعذيب بالنار لأنه أشدّ العذاب، قال في (مطالب المؤمنين): سئل محمد بن سلمة في قتل النملة، فقال: إن ابتدأك فاقتله وإلا فلا، وبه نأخذ، ولا يحرق بيوت النمل لنملة واحدة، كذا في (جوامع الفقه)، وكره إيقاعه في الماء، وروي أن نملة قرصت نبيًّا، فأحرق النمل، فأوحى الله تعالى إليه: فهذا نملة واحدة، أي: فهلا قتلت تلك خاصة، كذا في (الحاوي). ٣٥٤٣ - [١١] (أبو سعيد وأنس) قوله: (لا يجاوز تراقيهم) جمع تَرَقُوةَ، وهي عظم بين ثُغْرة النحر والعاتق من الجانبين، يقال لها بالفارسية: چنبر گردن. وقوله: (لا يرجعون) أي: إلى الدين. وقوله: (حتى يرتد السهم على فوقه) الفوق بضم الفاء: موضعُ الوَتَر من السَّهم، وهذا تعليق بالمُحال، فإن ارتداد السهم على الفوق محال، فرجوعهم إلى الدِّين ٣٥٤ (٤) باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللهِ، وَلَيْسُوا مِنَّا فِي شَيءٍ، مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللّهِ مِنْهُمْ) قَالُوا: يَا رَسُولَ الهِ! مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: ((التَّحْلِيقُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٧٥]. أيضاً مُحالٌ على حدٍّ قوله تعالى: ﴿حَّ يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ ﴾ [الأعراف: ٤٠]، وهذا تأكيد ومبالغة في عدم إمكان رجوعهم لتوغُّلهم في الغَيِّ والجهالة والضلالة والإضلال مع اعتقادهم أنهم على الحق والهداية. وقوله: (هم شر الخلق والخليقة) في (القاموس)(١): الخليقة: الناس كالخلق البهائم، فعلى المعنى الأول هو تأكيد وعلى الثاني تأسيس، وقد يحمل الخليقة على من خلق، والخلق على من يخلق، ولعل المراد بالخلق المسلمون، والله أعلم. وقوله: (وليسوا منا في شيء) مقتضى ظاهر الكلام أن يقول: وليسوا من كتاب الله في شيء، ولكن لما كان مآلُ كونهم من المسلمين وكونهم من كتاب الله واحداً ذكر هكذا إشارة إلى هذا الاتحاد، ومع ما فيه من المبالغة في نفي الإسلام وکونھم من عِدَاد المسلمین . وقوله: (من قاتلهم كان أولى بالله) أي: أقرب إلى الله وأحرى برحمته وفضله كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِّهِيمَ ﴾[آل عمران: ٦٨]، والضمير في (منهم) للأمة، والمعنى مَن قاتَلَهم من أمتي كان أولى بالله من باقي أمتي، ويجوز أن يكون الضمير للفرقة الباطلة، والأول أحرى وأجود وأفيد من حيث المعنى، فافهم. وقوله: (ما سيماهم؟ قال: التحليق) أي: حلق الرأس، وذكر التحليق للمبالغة والتكثير، أي: مبالغون فيه ويكثرون منه، ولعله إنما ذكره لأنه لم يكن متعارفاً في (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨١١). ٣٥٥ (١٦) كتاب القصاص ٣٥٤٤ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ! إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: زِناً بَعْدَ إِحْصَانٍ فإِنَّهُ يُرجَمُ، وَرَجُلٌ خرَجَ مُحَارِباً للهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ، أَوْ يَقْتُلُ نَفْساً فَيُقْتَلُ بِهَا)). رَوَاهُ أَبُّو دَاوُدَ. [د: ٤٣٥٣]. ذلك الزمان في العرب؛ فإن سيماهم إرسال الشعر، وليس ذلك لذمِّ الحلق؛ فإنه من شعائر الله ونُسُكه وسَمْت عباده الصالحين، هذا وقد يراد به تحليق القوم وإجلاسُهم حِلَقاً حِلَقاً، والله أعلم. ٣٥٤٤ - [١٢] (عائشة) قوله: (مسلم يشهد) إشارة إلى أنه يكفي في ذلك مجرد الشهادتین من غیر عمل زائد. وقوله: (ورجل خرج محارباً) أي: محاربة رجل، يريد به قاطع الطريق، (فإنه يقتل) إن قتل نفساً بلا أخذ مال، (أو يصلب) بتشديد اللام إن قتل وأخذ المال، وللفقهاء خلاف في أنه يقتل ويصلب، أو يصلب حيًّا ويترك، أو يطعن حتى يموت، (أو ينفى من الأرض) أي: ينفى من بلد إلى بلد بحيث لا يتمكّن من القرار في موضع، وقيل: من بلده، وهذا إذا أخاف المارَّة، ولم يقتل ولم يأخذ المال، وفسر أبو حنيفة رحمه الله النفي بالحبس، وإيراد كلمة (أو) على هذا التفصيل، وقيل: إنه للتخيير، والإمام مخير في هذه العقوبات في كل قاطع طريق من غير تفصيل، كذا في التفسير. وقوله: (أو يقتل نفساً) أي: رجل يقتل نفساً، وهذا أحد الثلاث الذي يحل دماؤهم، فـ (أو) بمعنى الواو. ٣٥٦ (٤) باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد ٣٥٤٥ _ [١٣] وَعَنِ ابْنٍ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابٌ مُحَمَّدٍ وَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْرُونَ مَعَ رَسُولِ الهِنَّهِ، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَه، فَأَخَذَهُ، فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوَّعَ مُسْلِماً)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٠٤]. ٣٥٤٦ - [١٤] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: ((مَنْ أَخَذَ أَرْضاً بِجِزْيَتِهَا فَقَدِ اسْتَقَالَ هِجْرَتَهُ، وَمَنْ نَزَعَ صَغَارَ كَافِرٍ مِنْ عُنُقِهِ فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ فَقَدْ وَلَى الإِسْلاَمَ ظَهْرَهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٨٢]. ٣٥٤٥ _ [١٣] (ابن أبي ليلى) قوله: (كانوا يسرون) بفتح الياء وسكون السين وضم الراء، من السُّرَى، وهو السير بالليل، وفي بعض النسخ: (يسيرون) من السير، و(معه) أي: مع الرجل النائم، وكذا الضمير في (فزع) للرجل، و(يروع) بالتشديد، أي : يخوّف. ٣٥٤٦ - [١٤] (أبو الدرداء) قوله: (من أخذ أرضاً بجزيتها) يحتمل أن يكون صفة لـ (أرضاً) أي: ملتبسةً بجزيتها، ويحتمل أن يكون حالاً من الفاعل، والمراد بالجزية هنا الخراجُ؛ لأنه يجري في الموضوع على الأرض المتروكة في أيدي أهل الذمة مجراها فيما يؤخذ من رؤوسهم، يعني أن المسلم إذا اشترى أرضاً خراجية من كافر؛ فإن الخراج لا يسقط عنه، وهو مذهب أبي حنيفة، فإذا أقام نفسه مقام الذمي في أداء ما يلزمه من الخراج صار كالمستقيل، أي: كالطالب لإقالة الهجرة وحكمها، والمراد النهي عن هذا الفعل. وقوله: (ومن نزع صغار كافر ... إلخ)، والمعنى أن من جعل ذل الكفر في عنقه بعد أن خرج عنه؛ فقد ألقى الإسلام في جانب ظهره وتركه، وهذا تتميم وتأكيد ٣٥٧ (١٦) كتاب القصاص ٣٥٤٧ _ [١٥] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِوَلِ سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمَ، فَاعْتَصَمَ نَسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ، فَأَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِّ ◌َّهِ، فَأَمَرَ لَهُمْ يِنِصْفِ الْعَقْلِ، وَقَالَ: ((أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ؟ قَالَ: ((لاَ تَتَرَاءَى نَرَهُمَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٤٥]. لما قبله، والصغار بالفتح: الذل والهوان، وهو لازم للكفر كالعزة للإسلام، وقيل: المراد به العلاقة التي تجعل في عنق الكافر للامتياز، وقد حصل هذا في زمن عمر ظه، كأنه ظ كان سمعه منه وَّ﴿ أن يفصل ذلك بالكفار أو أخبر بالغيب، والله أعلم. ٣٥٤٧ - [١٥] (جرير بن عبدالله) قوله: (إلى خثعم) اسم قبيلة، وفي (القاموس)(١): خثعم: جبل، وأهله خَتعَمُّون. وقوله: (فاعتصم ناس منهم بالسجود) وكانوا مسلمين، أي: لما رأوا الجيش أسرعوا بالسجود، كذا في ((الحواشي)). وقوله: (فأسرع فيهم القتل) أي: قتلهم الجيش ولم يُبالوا بسجودهم. وقوله: (فأمر لهم بنصف العقل) قالوا: وإنما لم يكمل الدية وَلقر بعد علمه بإسلامهم؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين الكفار كما قال ◌َله بقوله: (أنا بريء .. .إلخ). وقوله: (لا تتراءى ناراهما)، إسناد الترائي إلى النار مجاز، والمعنى يتباعد منزلاهما بحيث إذا وقدت فيهما ناران لم تلج إحداهما للأخرى، وذكر الطيبي (٢) فيه (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠١٤). (٢) انظر: ((شرح الطيبي)) (٧/ ١١٠). ٣٥٨ (٤) باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد ٣٥٤٨ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((الإِيمَانُ قَّدَ الْفَتْكَ لاَ يَفْتِكُ مُؤمِنٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٦٩]. قَالَ: ((إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إِلَى ٣٥٤٩ - [١٧] وَعَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ رسم الشِّرْكِ فَقَدْ حلَّ دَمُهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٤٦٠]. ٣٥٥٠ - [١٨] وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتِمُ النَّبِيَّ لَهُ وَتَقْعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَى مَاتَتْ، فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ بِهِ دَمَهَا)). وجوهاً أخر لا يخلو عن بعد. ٣٥٤٨ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (الإيمان قيد الفتك) الفتك مثلثة: القتل غافلاً، وفي (القاموس)(١) فتَكَ به: انتهَزَ منه فرصةً فقتلَه، والمراد بالتقييد المنعُ من باب ذكر الملزوم وإرادة اللازم؛ فإن القيد يمنع الشخصَ عن التصرُّف. وقوله: (لا يفتك) بالرفع، ويروى بالجزم بلفظ المعلوم والمجهول، وأما قتل كعب بن الأشرف وغيره بطريق الفتك بأمره و ﴿ فكان قبل النهي، أو خص به النبي ◌َّر، أو كان بأمر سماوي لمّا ظهر منهم الغدرُ والأذى والتحريضُ والإفساد. ٣٥٤٩ - [١٧] (جرير) قوله: (إذا أبق العبد إلى الشرك) أي: إلى داره، (فقد حل دمه) أي: إذا قتله أحدٌ لم يضمن وإن لم يرتدَّ؛ لدخوله في جوار المشركين، ولم يذكروا وجه تخصيصه بالمملوك فكأنه اتفاقي، والله أعلم. ٣٥٥٠ _ [١٨] (علي ◌ُه) قوله: (وتقع فيه) أي: تطعُنُ فيه. وقوله: (أبطل دمها) يدل على أن سبَّ النبيِّ وَّ ينقض الذمة، وهو مذهب (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٧٥). ٣٥٩ (١٦) كتاب القصاص رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٦٠]. ٣٥٥١ - [١٩] وَعَنْ جُنْدُبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بالسَّيفِ فِي يَوْمٍ عِيدٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ؟ قَالَ: نعمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلّهِ بِأَذُنَيَّ وَرَأَيْتُهُ بِعَيْنَيَّ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِوَّهِ بِمَالٍ فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَمَنْ عَنْ شِمَالِهِ، وَلَمْ يُعْطِ مَنْ وَرَاءَهُ شَيْئاً فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ وَرَائِهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا عَدَلْتَ فِي الْقِسْمَةِ، رَجُلٌ أَسْوَدُ مَطْمُومُ الشَّعْرِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانٍ أَنْيَضَانٍ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ وَهِ غَضَباً شَدِيداً وَقَالَ: ((وَاللهِ لاَ تَجِدُونَ بَعْدِي رَجُلاَ هُوَ أَعْدَلُ مِنِّي)) ثُمَّ قَالَ: ((يخرُجُ فِي آخرِ الزَّمانِ قَوْمٌ كَأَنَّ هَذَا مِنْهُم، ٥ و الشافعي، ولنا أن ذلك كفر منه، والكفر المقارن لا يمنعه؛ فالطارئ لا يرفعه، كذا في (الهداية)(١) . ٣٥٥١ _ [١٩] (جندب) قوله: (ضربة بالسيف) يروى بالتاء والهاء، وعند الشافعي: يقتل إن كان ما يسحر به كفراً إن لم يتب، وأجمعوا على أن فعل السحر حرام، وقيل: كفر، وأما تعليمه وتعلمه ففيه ثلاثة أقوال: الحرمة، والكراهة، والإباحة، والأول هو الأصح. وقوله: (مطموم الشعر) يقال طَمَّ شعرَه: جَذَّه واستأصَلَه، والمراد التحليق. وقوله: (كأن هذا منهم) أي: من شيعتهم وعلى سيرتهم، قاله ◌َّ في صورة (١) ((الهداية)) (٢ / ٤٠٥). ٣٦٠ (٤) باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد يَقْرَؤُوْنَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُّقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِنَّةِ، سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، لاَ يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ، حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ مَعَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيْقَةِ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٤١٠٣]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٥٥٢ -[٢٠] عَن أَسَامَةَ بْنِ شَريكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ((أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ يُفَرِّقُ بَيْنَ أُمَّتِي فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٤٠٢٣] ٣٥٥٣ - [٢١] وَعَنْ شَرِيكِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ أَلْقَى رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ أَسْأَلَهُ عَنِ الْخَوَارِجِ، فَلَقِيْتُ أَبَا بَرْزَةَ فِي يَوْمٍ عِيدٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ؟ قَالَ: الشك والتردد احتياطاً، وهو كان منهم قطعاً. وقوله: (فإذا لقيتموهم هم شر الخلق) الجزاء محذوف، أي: فاعلموا أنهم شر الخلق، أو فاقتلوهم. الفصل الثالث ٣٥٥٢ - [٢٠] (أسامة بن شريك) قوله: (ابن شريك) بفتح الشين. وقوله: (يفرق بين أمتي) أي: بتفريق كلمة المسلمين وإيقاع الشر بينهم، فيُنَهى أوّلاً؛ فإن لم ينتهِ يُقتلْ. ٣٥٥٣ _ [٢١] (شريك بن شهاب) قوله: (فلقيت أبا برزة) بفتح الباء وسكون