النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١
(١٦) كتاب القصاص
٣٥٠٨ _ [٢٣] وَعَن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ټ﴾ قَضَى فِي
الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمَّهِ بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ(١) عَلَيْهِ:
كيفَ أَغْرَمُ مَنْ لاَ شَرِبَ وَلاَ أَكَلَ وَلاَ نَطَقَ وَلاَ اسْتَهَلَّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ: ((إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ)). رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ مُرْسَلاً.
[ط: ٢ / ٨٥٥، ن: ٤٨٢٠].
٣٥٠٩ - [٢٤] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَّصِلاً. [د:
٤٥٧٦].
٣٥٠٨، ٣٥٠٩ _ [٢٣، ٢٤] (سعيد بن المسيب، وأبو هريرة) قوله: (كيف
أغرم) بلفظ المتكلم من باب سمع.
وقوله: (ومثل ذلك يطل) بلفظ المجهول، يقال: طُلَّ دمُه: إذا هُدِرَ، وقد
يروى: (بطل) من البطلان .
وقوله: (إنما هذا من إخوان الكهان) أنكر عليه قوله الباطل في مقابلة الشارع،
وزاد تعييبه بالتكلف بالسجع الذي هو من عادة أهل الكهانة في ترويج أقاويلهم
الباطلة؛ ليستميلوا به قلوب أهل البطالة، وليس السجع مذموماً على الإطلاق لوقوعه
في القرآن وكلام النبي ◌ٍَّ، وإنما المذموم منه ما يُتكلّفُ فيه، ويكون الغرضُ منه
ترويجَ الباطل.
(١) بصيغة المجهول، وقيل: بالمعروف والفاعل معلوم، قاله القاري في ((المرقاة)) (٦/ ٢٢٩٥).
٣٢٢
(٢) باب ما لا يضمن من الجنايات
٢- باب مالا يضمن من الحمايات
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
#
٣٥١٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((الْعَجْمَاءُ
جُرْحُهَا جُبَارٌ،
٢ - باب ما لا يضمن من الجنايات
لما ذكر من الجنايات ما يوجب الضمان من القود والدية أراد أن يذكر منها
ما لا يضمن، والجناية مصدر جنی یجني، يقال: جنی الذنبَ علیه یجنیه جنایةً: جرّه
إليه، وجنى الثمرةَ: اجتناها، ثم ما لا يضمن من الجناية قد ينهى عنه نهي تحريم أو
تنزيه، وقد أورد الأحاديث في ذلك.
الفصل الأول
٣٥١٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (العجماء) بفتح العين ممدوداً: أي البهيمة،
سميت عجماء لأنها لا تتكلم.
وقوله: (جرحها) بضم الجيم ويفتحها، فبالفتح مصدر، وبالضم الاسم، و(جبار)
بضم الجيم وتخفيف الباء، أي: هَدَرٌ لا طَلَبَ فيه، وقيل: أصل ذلك أن العرب
تسمِّي السَّيلَ جُباراً لهذا المعنى، كذا في (المشارق)(١)، وفي (القاموس)(٢): الجُبَار:
الهَدَرُ والباطلُ والسَّيلُ.
وليس في بعض الروايات (جرحها) بل (العجماء جبار)، والمراد فعلها، وإنما
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢١٤).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٣٣٨).
٣٢٣
(١٦) كتاب القصاص
وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالْبِتْرُ جُبَارٌ)). مُتَّفَقُ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩١٢، م: ١٧١٠].
٣٥١١ - [٢] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِو ◌َحُ
جَيْشَ الْعُسْرَةِ، وَكَانَ لِي أَجِيرٌ،
كان جُباراً إذا لم يكن لها سائقٌ ولا قائدٌ، وإلا فالسائق والقائد يضمنان، وقال في
(الهداية)(١): السائق ضامن لما أصابت بيدها أو رجلها، والقائد ضامن لما أصابت
بيدها دون رجلها، وكذا الراكب ضامن لما أوطأت الدابة وما أصابت بيدها أو رجلها
أو رأسها، ولو كان راكب وسائق قيل: لا يضمن السائق لأن الراكب مباشر فيه، وكذا
إن كان انفلاتُها ليلاً لأنه محلُّ الربط، وإن كان نهاراً فلا ضمان.
وقوله: (والمعدن) على وزن مجلس: منبت الجواهر من ذهب ونحوه، من
عَدَنَ بالبلد يَعدِنُ ويَعدُنُ: أقامَ، سمي به لإقامة أهله فيه دائماً، أو لإنبات الله ◌َك إياه
فيه، ومعنى كونه جباراً أنه دخل فيه أحد أو قام عليه فسقط فهلك، فليس على الذي
حفره ضمان.
وقوله: (والبئر جبار) أي: من حفر بئراً، أي: في أرضه أو في الأرض المباحة،
وسقط فيه رجل فمات فلا قودَ ولا ديةَ على الحافر كما في المعدن.
٣٥١١ - [٢] (يعلى بن أمية) قوله: (غزوت) غزاه غزواً: أراده وطلبه وقصده،
وغزا العدوَّ: سار إلى قتالهم وانتهابهم غزواً وغُزواناً وغَزاةً وهو غازٍ، و(جيش
العسرة) هو جيش غزوة تبوك لشدة الأمر عليهم فيها للحرِّ وعُسرِ الحال من جهة الزاد
والظَّهر، وهو آخِرُ غزواته وََّ، وقد جهَّزه عثمان رَهُبه فأوجب لنفسه الجنة، ومن مناقبه
(١) ((الهداية)) (٤ / ٤٧٩).
٣٢٤
(٢) باب ما لا يضمن من الجنايات
فَقَاتَلَ إِنساناً فَعَضَّ أَحَدُهمَا يَدَ الآخَرِ، فَانْتُزَعَ الْمَعْضُوضُ بَدَهُ مِنْ فِي
الْعَاضِّ، فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ فَسَقَطَتْ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ، فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ،
وَقَالَ: ((أَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا كَالْفَحْلِ)). مُتَّفَقٌ عَليْهِ. [خ: ٢٢٦٥، م:
١٦٧٤].
تجهيز جيش العسرة.
وقوله: (فقاتل) أي: خاصم.
وقوله: (من في العاض) أي: مِن فيه.
وقوله: (فأندر) بالدال المهملة، أي: أسقطَ وأخرجَ، ندر الشيءُ: سقطَ،
وأندَرَه: أسقَطَه.
وقوله: (تقضمها) بالضاد المعجمة بفتح الضاد، كذا في (المشارق)(١)، أي:
تعَضُّها، وفي (القاموس)(٢): قضم كسمع: أكل بأطراف أسنانه، أو أكل يابساً، انتهى.
وجعل بعضهم كونه من باب ضرب لغةً فيه، و(الفحل) الذکر من کل حيوان، ویراد
به ذكر الإبل كثيراً، وهو المراد هنا، وكذا حكم من اضطر إلى الدفع، كالمرأة تدفع
عن نفسها من قصد الفجور بها مثلاً، لكن ينبغي أن يرفق في الدفع إلا من قصد القتل،
كمن شهر سيفاً أو عصاً ليلاً في مصر، أو نهاراً في طريق في غير مصرٍ، فقتله المشهورُ
عليه عمداً فلا شيءَ عليه، كذا في (الهداية)(٣)، لأن في الليل لا يلحقه الغَوْثُ، وكذا
في النهار في غير المصرِ فِيُضطَرُّ إلى دفعه بالقتل.
(١) ((مشارق الأنوار)) (٢/ ٣١٩).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٦٠).
(٣) ((الهداية)) (٤ / ٤٤٨).
٣٢٥
(١٦) كتاب القصاص
٣٥١٢ - [٣] وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ:
(مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٨٠، م: ٦٤١].
٣٥١٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ!
أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: ((فَلاَ تُعْطِهِ مَالَكَ)) قَالَ: أَرَأَيْتَ
إِنْ قَاتَلَنِ؟ قَالَ: ((قَاتِلْهُ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَنِي؟ قَالَ: ((فَأَنْتَ شَهِيدٌ)) قَالَ:
أَرَأَيْتَ إِنْ قَلْتُهُ؟ قَالَ: ((هُوَ فِي النَّارِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٠].
٣٥١٤ - [٥] وَعَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهَِّهِ يَقُولُ: ((لَوِ الطَلَعَ فِي بَيْئِكَ
أَحَدٌ، ولمْ تَأْذَنْ لَهُ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ.
٣٥١٢ - [٣] (عبدالله بن عمرو) قوله: (من قتل دون ماله) أي: عند الدفع
عن ماله، وكذا دون أهله.
٣٥١٣ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (فلا تعطه) أي: إن كان كما وصفتَه فلا
تعطِه .
وقوله: (قال: هو في النار) أي: لا شيءَ عليك، وفيه أن دفع القاتل وهلكته
في الدفع مباح.
٣٥١٤ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (فخذفته) بالخاء والذال المعجمتين بعدهما
فاء، أي: رمَيْتَه، وهو أن ترمي بحصاة أو نواة أو نحوهما تأخذها بين سبابتك وإبهامك
أو بين سبابتيك أو بمخذف من الخشب، وقد مرّ ذكره في (كتاب الحج) في معنى
حصى الخذف.
وقوله: (ففقأت عينه) بتاء الخطاب، فقأ العين والبشرة كمنع: كسَرَها، أو
٣٢٦
(٢) باب ما لا يضمن من الجنايات
مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٨٨، م: ٢١٥٨].
٣٥١٥ - [٦] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَجُلاً اطَلَعَ فِي ◌ُخْرٍ فِي بَابِ
رَسُولِ اللهِوَ﴿ وَمَعَ رَسُولِ الهِلَّهِ مِدْرَى يَحُكُ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((لَوْ أَعْلَمُ
أَنَّكَ تَنْظُرُنِي لِطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنَّكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الاِسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ».
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٠١، م: ٢١٥٦].
قلَعَها.
وقوله: (ما كان عليك من جناح) أي: إثم فضلاً عن أن يكون ضمان، وبه
عمل الشافعي، وقيل: إذا فقأها بعد أن زجره فلم يزجر، وقال أبو حنيفة: عليه الضمان،
والحديث محمول على الزجر والتشديد.
٣٥١٥ - [٦] (سهل بن سعد) قوله: (في جحر) بتقديم الجيم على الحاء.
وقوله: (ومعه مدرى) بكسر الميم وسكون المهملة وراء منونة، كعصاً: عود
تدخله المرأة في رأسها لتضم بعض شعرها إلى بعض، وهو يشبه المِسلَّةَ، وقيل:
هو عود أو حديدة كالخلال لها رأس محدد، وقيل: خشبة على شكل سن المشط يحكُ
بها ما لا تصلُ اليدُ إليه، وفي (القاموس)(١): درى رأسه: حَّه بالمِدرَى، وهو القَرنُ
كالمِدرَاةِ، واذَّرَت المرأةُ وتدرَّتْ: حكَّتْه بالمِدرَى(٢).
وقوله: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) يعني فيكون النظر بلا استئذان
کالدخول بلا استئذان.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٧٩).
(٢) قوله: ((حكته بالمدرى)) كذا في الأصل، وفي ((القاموس)»: سرّحت شعرها.
٣٢٧
(١٦) كتاب القصاص
٣٥١٦ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً يَخْذِفُ فَقَالَ:
لاَ تَخْذِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِوَ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: ((إِنَّهُ لاَ يُصَادُّ بِهِ صَيْدٌ،
وَلاَ يُنْكَأُ بِهِ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ:
٥٤٧٩، م: ١٩٥٤].
٣٥١٧ - [٨] وَعَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((إِذَا مَرَّ
أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا وَفِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَّلٌ،
٣٥١٦ - [٧] (عبدالله بن مغفل) قوله: (وقال: إنه لا يصاد به صيد ... إلخ)،
يعني لا نفع فيه دنیاويٌّ ولا دينيٍّ، وما هو إلا شرّ فلا تلعب به، ويلحق به کل
ما شاركه في هذا المعنى .
وقوله: (ولا ينكأ به) أي: لا يخرج، من نكيتُ في العدو أنكي: إذا أكثرت فيهم
الجراح والقتل فوهنوا، والهمز لغة، يقال: نكأتُ القرحةَ: إذا قشَرتَها، كذا في
(النهاية)(١)، وقال في (القاموس)(٢) في باب الهمزة: نكأ القرحة: قشرها قبل أن
تبرأ، وفي باب الواو والياء: نكى العدوَّ وفيهم نِكايةً: قتل، وجرح، والقرحةَ: نكأها،
ويفهم منه أن الناقص يستعمل في العدوِّ وفي القرحة، والمهموز مخصوص بالأخير.
وقوله: (ولكنها) أي: هذه الفعلة أو الرمية أو الحصاة.
٣٥١٧ - [٨] (أبو موسى) قوله: (في مسجدنا وفي سوقنا) أي: مساجد المسلمين
وأسواقهم، ويلحق بها المَجامعُ كلَّها، و(النبل) السهام العربية لا واحد لها من لفظها،
(١) ((النهاية)) (٥ / ١١٧).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٦٤، و١٢٣٠).
٣٢٨
(٢) باب ما لا يضمن من الجنايات
فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا أَنْ يُصِيبَ أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ». مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٧٥، م: ٢٦١٥].
٣٥١٨ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لاَ يُشِيرُ
أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلاَحِ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ
فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٧٢، م: ٢٦١٧].
٣٥١٩ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِیهِ
بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَضَعَهَا، وَإِنْ كَانَ أخاهُ لِأَبِهِ وَأُمُِّ».
رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٦١٦].
فلا يقال: نبلة، وإنما يقال: سهم، أو يقال: نبلة، والجمع: أنبال ونبال ونُبُلان،
والنََّالُ: صاحبه وبائعه، وحرفته: النَّالة، والْمُتَنَبِّلُ: حامله، و(النصال) جمع النصل
وهو حديدة السهم والرمح، وتعدية الإمساك بـ (على) لتضمين معنى الحفظ والقبض.
وقوله: (أن يصيب) أي: مخافةَ أن يصيب وكراهتَه.
٣٥١٨ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (بالسلاح) هو بالكسر، والسِّلَحُ كعنب،
والسُّلْحَانُ بالضم: آلة الحرب أو حديدتها، ويؤنث.
وقوله: (ينزع في يده) بعين مهملة، أي: يجذبه حال كون السلاح في يده، كأنه
يوقع يده لتحقق إشارته حين يشير به باللعب والهزل، ويروى بغين معجمة من النزغ
بمعنى الإفساد والإغراء، أي: يُغرِيه فيحمله على تحقيق الضرب والطعن، وفيه النهيُ
عن الملاعبة بالسلاح والهزل به .
٣٥١٩ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (وإن كان أخاه لأبيه وأمه) تحقيق للهزل وعدم
٣٢٩
(١٦) كتاب القصاص
٣٥٢٠ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ ﴿ قَالَ: ((مَنْ
حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَزَادَ مُسْلِمٌ: ((وَمَنْ غَشَّنَا
فَلَيْسَ مِنَّا)). [خ: ٧٠٧٠، م: ١٠١].
٣٥٢١ - [١٢] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَفِ: ((مَنْ
سَلَّ عَلَيْنَا السَّيفَ فَلَيْسَ مِنَّا»
القصد في الإشارة، ومع وجوده يتوجه اللعن، ففيه من المبالغة ما لا يخفى.
٣٥٢٠ - [١١] (ابن عمر) قوله: (من حمل علينا) أي: على المسلمين، قيل:
يجوز أن يكون الجار والمجرور يتعلق بالفعل، و(السلاح) منصوب على نزع الخافض،
يقال: حمل عليه حملة بالسلاح، وأن يكون حالاً والسلاح مفعولاً، أي: حمل
السلاح علينا لا لنا، انتهى. وعلى التقديرين ينبغي أن يحمل على الهزل واللعاب كما
في الحديث السابق ليفيد الحكم، وإلا فالظاهر أن الحامل قصداً وحراباً ليس منهم
وعلى سنتهم.
وقوله: (ومن غشّنا) أي: خاننا وترك النصيحة لنا، في (القاموس)(١): غشَّه:
لم يمحَضْه النُّصحَ، أو أظهرَ له خلافَ ما أضمرَ.
٣٥٢١ - [١٢] (سلمة بن الأكوع) قوله: (من سلّ علينا السيف فليس منا)
وجاء في بعض الروايات: (من حمل السيف على أمة محمد)، وهو أيضاً محمول
على معنى الهزل وعدم قصد القتل لتوافق ترجمة الباب وإلا فمن شهر على
المسلمين سيفاً فعليهم أن يقتلوه، لقوله بَّ: (من شهر على المسلمين سيفاً فقد أُطِلُّ
(١) ((القاموس)) (ص: ٥٥٥).
٣٣٠
(٢) باب ما لا يضمن من الجنايات
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٩].
٣٥٢٢ - [١٣] وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ هشامَ بنَ حَكِيمٍ
مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسِ مِنَ الأَنْبَاطِ، وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ ...
دمه)(١)؛ ولأنه باغ فيسقط عصمته ببغيه؛ ولأنه تعين طريقاً لدفع القتل عن أنفسهم كما
مرّ.
٣٥٢٢ - [١٣] (هشام بن عروة) قوله: (من الأنباط) النبط والنبيط والأنباط:
جيل ينزلون بالبطائح بين العراقين (٢)، وهو نبطي محركة ونباطي مثلثة، كذا في
(القاموس)(٣)، وفي (المشارق) (٤): النبط والنبيط، والأنباط جمعه: نصارى الشام
الذين عمروها وأهل سواد العراق، وقيل: جيل وجنس من الناس، ويحتمل أن
تسميتهم بذلك لاستنباطهم المياه واستخراجها، واسم الماء النبط، وقيل: سمي بذلك
من أجلهم، واسمهم لفعلهم ذلك وعمارتهم الأرض، انتهى. يعني يحتمل أن يكون
تسميتهم بالنبط بأجل الماء واستنباطهم إياه وعملهم فيه، وأن يكون تسمية الماء
بذلك من أجلهم وكونه فعلاً لهم، فعلى الأول تسميتهم به مقدم على تسمية الماء به،
وعلى الثاني على العكس، والظاهر هو الأول، قال في (القاموس)(٥): نبط الماءُ ينبطُ
نبطاً ونبوطاً: نبَعَ، والبئرَ: استخرجَ ماءَها .
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٤ /٣٤٧)، و((الدراية)) (٢ / ٢٦٧).
(٢) أي: بين البصرة والكوفة. ((مرقاة)) (٦ / ٢١٩٨).
(٣) ((القاموس)) (ص: ٦٣٥).
(٤) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٤).
(٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٣٥).
٣٣١
(١٦) كتاب القصاص
وَصُبَّ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الزَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الخَراجِ
فَقَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: (إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ
يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦١٣].
٣٥٢٣ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((يُوشِكُ
إِنْ طَالَتْ بِكَ مُّدَّةٌ أَنْ تَرَىَ قَوْماً فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ، يَغْدُونَ فِي
غَضَبِ اللهِ وَيَرُوحُونَ فِي سَخَطِ اللهِ)، وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَيَرُوحُونَ فِي لَعْنَةٍ
اللهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٥٧].
وقوله: (وصب على رؤوسهم الزيت) أي: الزيت الحر.
وقوله: (ما هذا؟) إنما لم يقل: من هم؟ استغراباً لتلك الحال وتعجباً منها.
وقوله: (يعذبون الناس في الدنيا) أي: بغير حق، وبما لا يتعارف به العذاب في
الشدة والشناعة وبما يعذب به الله في الآخرة، اللهم إلا إذا شنع جنايتهم غاية الشناعة،
ورأى الإمام المصلحة في تشديد عذابهم قصاصاً أو سياسة، ومع ذلك لا يجوز التعذيب
بالنار إلا ما روي عن أمير المؤمنين علي به من إحراق الزنادقة ومع ذلك أنكر ابن
عباس، والله أعلم.
٣٥٢٣ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (مثل أذناب البقر) أي: سياط، ويسمى
المقارع، وهي جلدة طرفها مشدود وعرضها كعرض الأصبع يضربون بها الناس عُراةً،
وقيل: هم الطوافون على أبواب الظلمة الساعون بين أيديهم يطردون الناس بالضرب
والسباب، وهم كالكلاب العقور.
وقوله: (يغدون ويروحون) كناية عن الاستمرار، ويحتمل أن يكون المراد
٣٣٢
(٢) باب ما لا يضمن من الجنايات
٣٥٢٤ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ
النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَبِ الْبَقَرِ، يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ
كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ.
الوقتين المخصوصين لإيذائهم الناس فيهما.
٣٥٢٤ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (كاسيات عاريات) من كسا يكسي فهو كاسٍ،
أي: صار ذا كسوة، ومنه: واقعُدْ فإنََّكَ أنت الطاعمُ الكاسي، أو هو بمعنى مفعول من
كسا يكسو، كذا في (مجمع البحار)(١)، ويجوز أن يكون من كسا يكسو بمعنى
كاسياتٍ أبدانَهنَّ وأنفسَهنَّ، ثم ذكروا في معناه وجوهاً.
قال التُّورِبِشْتِي(٢): المعنى يلبسن من رقائق الثياب ما يبدو عنه أجسامهن فتصفها
للناظرين فهي عارياتٌ على الحقيقة وإن كنَّ كاسياتٍ في الصورة، أو كاسيات من
نعم الله عاريات من الشكر، وأرى الوجه فيه الأول لأنه قال في أول الحديث: (صنفان
من أهل النار لم أرهما) ولم يخلُ زمانه عنهن على التأويل الثاني؛ لأنه إن لم يوجد
هذا الصنف في مؤمناتِ زمانه فما أكثرَ ما وُجِدَ في المنافقات والكوافر، انتهى. وقيل:
هو أن يكشفن بعض جسدهن ويسدلن الخمر من وراءهن فتكشف صدورهن وبطونهن
فهي کاسیات کعاریات، أقول: ويجوز أن یکون معناه ما وقع في حدیث ندبهن إلى
الصدقة من قوله {َج: (رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ في الآخرة) أي: متنعمات مترفعات
في الكسوة عارية عن الحسنات ولباس التقوى التي يكتسين بها في الآخرة حُلَلَ
(١) «مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٤١١).
(٢) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨٢٣).
٣٣٣
(١٦) كتاب القصاص
مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ.
الجنة، والله أعلم.
وقوله: (مميلات مائلات) قال الُّورِبِشْتِي(١): ذکر فیه أبو عبيد الهروي عن ابن
الأنباري (مائلات) أي: زائغات من طاعة الله وما يلزمهن من حفظ الفروج، و(مميلات)
يعلِّمنَ غيرَهنَّ الدخولَ في مثل فعلهن، وقيل: مائلات: متبخترات في مشيهن،
فمميلات يملن أكتافهن وأعطافهن، ويجوز أن يكون المائلات والمميلات بمعنىً
من باب التأكيد والمبالغة كما يقال: جادٌّ مجدٍّ، ويحتمل أن يكون المعنى في المائلات
التي يَمِلْنَ إلى الفحول، وفي المميلات المُمِيلات قلوبَ مَن رغب فيهن من الرجال،
انتھی .
أقول: بل هذا أظهر الوجوه يحمل الميل على كثرته والمبالغة فيه بترك الستر
والحياء، والحيلة فيه حمل الإمالة بالتزين والتجمل وإبداء زينتهن والمراودة كما هو
عادة الفواحش والزواني، وفي معناه ما قيل: مائلات إلى الفتنة ومميلات إليها، هذا
وقد قيل في معنى مائلات: يمتشطن مِشْطة المَيْلاء، وهي مشطة البغايا، ومميلات:
يمشطنها لغيرهن، قال في (القاموس)(٢): الميلاء: ضرب من الامتشاط ما يُمِلْنَ
فيه العقاص، انتهى. وفيه حديث ابن عباس قالت له: إني أمتشط الميلاء، فقال
عكرمة: رأسك تبع لقلبك، فإن استقام قلبك استقام رأسك، وإن مال قلبك مال
رأسك.
(١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨٢٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٧٧).
٠
٣٣٤
(٢) باب ما لا يضمن من الجنايات
رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ
رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٢٨].
٣٥٢٥ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ: ((إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ
فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ؛ فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) .
وقوله: (رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة) قيل: أراد به أنهن یغطِّين رؤوسهن
بالخُمُر والعِمامة والعِصابة حتى تشبه أسنمةَ البُخْت، قال التُّورِبِشْتِي(١): أراد بذلك
عظمها وميلها من السمن، والبخت بالضم: الإبل الخراسانية كالبختية، كذا في
(القاموس)(٢).
وقوله: (المائلة) صفة الأسنمة لأن أعلى السنام يميل لكثرة شحمه، وهذا من
شعائر نساء مصر كذا قالوا، ويجوز أن يقال: أراد بقوله: (رؤوسهن كأسنمة البخت)
أنهن يكثرن عقاص شعورهن حتى تشبه بالأسنمة، وهذا هو الأظهر، والله أعلم.
وقوله: (لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها) حين تدخلُ العفائفُ ويجِدْنَ،
وهو تشديد وتغليظ، وقد مرّ مثل هذا مراراً، ويكفي في وجوب التأويل قوله ◌َّه: (وإن
زنى وإن سرق)، وغاية هذه الأفعال أنها مبادئ الزنا ومن مقدماتها.
٣٥٢٥ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (إذا قاتل أحدكم) أي: ضارب وخاصم،
قيل: ولو مع الكفار.
وقوله: (فليجتنب الوجه) قيل: الأمر للندب.
وقوله: (فإن الله خلق آدم على صورته) اختلفوا في بيان معنى هذا الكلام،
(١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨٢٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٤٩).
٣٣٥
(١٦) كتاب القصاص
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٥٩، م: ٢٦١٢].
فقيل: إن الضمير راجع إلى آدم عليهلا، إما بمعنى أنه خلق على صورته التي كان عليها
من مبدأ فطرته إلى منقرض عمره بخلاف سائر الناس، وإما بمعنى أنه خلق على
صورة وحال مختص به لا يشاركه نوع آخر من المخلوقات يتطور وينقلب في أحوال
مختلفة والكمال والنقصان والترقي والتنزل من خصيص البهيمة إلى ذروة الملائكة،
وإما بمعنى أنه تعالى اخترع صورته لم يتقدم مثلها، وسائر المخلوقات لها مثال
وشبه، وآدم خلق على صورة بديعة عجيبة لم يشبه شيئاً.
وقيل: الضمير راجع إلى المضروب، وقد جاء أن أحداً كان يضرب أخاه على
وجهه فنهاه رسول الله وَيٍ عن ذلك، وقال: وعلله بأن الله خلقَ آدم على صورته.
وقيل: الضمير لله سبحانه؛ فإنه قد جاء في رواية: إنَّ الله خلقَه على صورةٍ
الرحمنِ، وقد تُكُلُّم في صحة هذه الرواية، ولفظه لا يخلو عن ركاكة، والله أعلم.
ولا يجوز إجراؤه على الظاهر.
وقد أخطأ فيه بعض المحدثين وذهب مذهبَ المجسِّمة وإن كانوا يقولون: الله
جسم ليس كالأجسام وله صورة ليست كالصور، فإنهم إن أرادوا به حقيقة الصورة
المركبة لكن صورة تباين سائر الصور فذاك، وإن أرادوا أنا نعتقد أن له صورة ولا نعرف
كُنْهَ ما أراد به كاليد والعين كما هو مذهب من لم يؤوِّلها ويفوض علمه إلى الله فذاك
مذهب المتقدمين من السلف، لكن لا يعقل خلق آدم عليها كما لا يخفى، فافهم.
وقيل: إضافة الصورة إلى الله من جهة التشريف والتكريم كما في بيت الله وروح
الله، أو من جهة أن المراد صورة اجتباها واختارها حيث جعلها نسخة لجميع مخلوقاته.
والحقُّ أن المراد بـ (صورة): الصفة كما يقال: صورة المسألة كذا، وصورة
٣٣٦
(٢) باب ما لا يضمن من الجنايات
· الْفَصْلُ الثَّانِ:
٣٥٢ - [١٧] عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ كَشَفَ
سِْراً فَأَدْخَلَ بَصَرَهُ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَرَأَى عَوْرَةَ أَهْلِهِ؛ فَقَدْ أَتَى
حَدَّا لاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، وَلَوْ أَنَّهُ حِينَ أَدْخَلَ بَصَرَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ فَفَقَاً
عَيْنَهُ، مَا عَیَّرْتُ عَلَيْهِ،
الحال كذا؛ فإنه سبحانه وتعالى جعل آدم مظهراً لصفاته وكمالاته، لا بمعنى أنه أدخل
فيه صفاته العلية وكمالاته الغير المتناهية، بل جعله متصفاً بمعانٍ يشبه ويماثل صفاته
لا من كل الوجوه بل بشيء مماثل لها من حيث الصورة والمجاز وبادئ النظر، وجعله
مستعدًّا لأن يتخلق بأخلاقه بالمعنى المذكور، هذا ولكن لا يلائم شيء من هذه الوجوه
سياق الكلام الناطق بالنهي عن ضرب وجه الإنسان من بين بقية أجزائه، بل يصلح أن
يجعل علة للنهي عن ضربه مطلقاً، اللهم إلا أن يضمر ههنا مقدمة، وهي وجهه أشرف
أجزائه، فحاصله أن الإنسان أشرف أجناس المخلوقات، ووجهه أشرف أنواع أعضائه،
فليجتنب ضربه، وقد يقال: إن الضمير راجع إلى الوجه بمعنى أن الله خلق آدم مشتملاً
على صورة الوجه المشرف المكرم بإبداعه فيه المحاسن والحواس؛ فلا ينبغي أن
يضرب، ولا يخلو عن تكلف، والله أعلم.
الفصل الثاني
٣٥٢٦ - [١٧] (أبو ذر) قوله: (عورة أهله) الضمير للبيت.
وقوله: (فقد أتى حدًّا) أي: شيئاً يوجب الحد، والمراد به التعزير، أو هو مبالغة
وتشديد، وقيل: المراد أتى مكاناً حاجزاً بين ما يجوز إتيانه وما لا يجوز، وهذا أولى.
وقوله: (ما عيرت عليه) أي: لا أعيبُ عليه من العَيْر بالعين المهملة بمعنى
٣٣٧
(١٦) كتاب القصاص
وَإِنْ مَرَّ الرَّجُلُ عَلَى بَابٍ لاَ سِتْرَ لَهُ غَيْرَ مُغْلَقٍ، فَنَظَرَ؛ فَلاَ خَطِيئَةَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا
الْخَطِيئَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت:
٢٧٠٧].
٣٥٢٧ - [١٨] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِنَّهِ أَنْ يُتَعَاطَى السَّيْفُ
مَسْلُولاً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢١٦٣، د: ٢٥٨٨].
٣٥٢٨ - [١٩] وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ نَهَى أَنْ يُقَدَّ
السَّيْرُ بَيْنَ أُصْبُعَينٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [ر: ٢٥٨٩].
التوبيخ، وهو في الأصل النسبة إلى العار.
وقوله: (لا ستر له غير مغلق) دل على أنه لا بد من إغلاق الباب وإسبال ستر
عليه .
وقوله: (فنظر) أي: وقع نظره على أهل البيت.
٣٥٢٧ - [١٨] (جابر) قوله: (أن يتعاطى السيف) أي: يتناول، أي: يؤخذ،
والتناول الأخذ بعد المناولة، يقال: ناولتُه فتناوَلَه، أي: أخَذَه، والمراد هنا الأخذ
مطلقاً .
٣٥٢٨ - [١٩] (الحسن) قوله: (نهى أن يقد السير) في (القاموس)(١): القَدُّ:
القطع المستطيل أو الشق طولاً، والسير: بفتح السين وسكون التحتانية: الذي يُقَدُّ من
الجلد، وإنما نهى عن قطع الجلد بين أصبعين لئلا تعقر الحديدة التي يقطع بها الجلدُ
يده، وهو في معنى النهي عن تناول السيف مسلولاً، والنهي فيهما للتنزيه شفقةً.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٩٣).
٣٣٨
(٣) باب القسامة
٣٥٢٩ - [٢٠] وَعَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَ ◌ّهِ قَالَ: ((مَنْ قُتِلَ
دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ
فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ
وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٤٢١، د: ٤٧٧٢، ن: ٤٠٩٠].
٣٥٣٠ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّبَهِ قَالَ: ((لِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ
أَبْوَابٍ: بَابٌ مِنْهَا لِمَنْ سَلَّ السَّيْفَ عَلَى أُمَّتِي أَوْ قَالَ: عَلَى أُنَّةِ مُحَمَّدٍ)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣١٢٣].
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((الرِّجْلُ جُبَارٌ) ذُكِرَ فِي بَابِ الْغَضَب)).
٣ - باب القَّارة
٣٥٢٩ - [٢٠] (سعيد بن زيد) قوله: (دون دينه) أي: قدَّامَ دِينه، وعند حفظه.
وقوله: (دون أهله) أي: عند محافظة محارمه، وعامة العلماء على أن الرجل
إذا قُصِدَ مالُه أو دمُه أو أهلُه فله دفعُ القاصد بالأحسن؛ فإن لم يمتنع إلا بالمقاتلة
فقتله فلا شيء عليه بل هو شهيد.
٣٥٣٠ - [٢١] (ابن عمر) قوله: (سل السيف على أمتي) كناية عن البغي والظلم.
وقوله: (الرجل جبار) أي: رِجِلُ الدابّة، وهو في معنى حديث: (العجماء جبار)،
وقد سبق شرحه .
٣ - باب القسامة
هي اسم بمعنى القَسَم، وقيل: مصدر، يقال: أقسَمَ يُقسِمُ قَسامةً: إذا حلَفَ،
٣٣٩
(١٦) كتاب القصاص
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٥٣١ - [١] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَا أَنَّ
عَبْدَاللهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَنَا خَيْبَرَ،
وقد يطلق على الجماعة الذين يقسمون، وفي الشرع: عبارة عن أيمان يُقسِمُ بها
أولياء الدم على استحقاق دم صاحبهم، أو يقسم بها أهل المحلَّةِ المتَّهَمون على نفي
القتل عنهم على اختلاف بين الأئمة؛ فعندنا يقسم أهل المحلة، يتخيرهم الولي:
يحلفون بالله ما قتَلْنا ولا عِلِمْنا قاتِلَه؛ للحديث المشهور: (البينة على المدعي واليمين
على من أنكر)، وكما دل عليه ظاهر الحديث الآتي في الفصل الثالث من رافع بن
خديج، وعند الشافعي وكذا عند أحمد: إن كان بينهم عداوةٌ ولَوْثٌ بأن يغلب الظن
على أنهم قتلوه يحلف الأولياء؛ فإن أبوا يحلف المتهمون على ما دل الحديث الأول
من رافع بن خديج، وإن لم يكن عداوةٌ ولَوْثٌ؛ فلا يمينَ على الأولياء، ولا يجب
في القَسامة قصاصٌ وإن كان الدعوى القتل عمداً، بل الواجب فيه الديةُ عمداً كان
الدعوى أو خطأ، وقال مالك: يقضى بالقود إن كان الدعوى في العمد، وهو القول
القديم للشافعي، وتمام مسائل الباب ودلائلها مذكورة في كتب الفقه(١)، وقالوا: كانت
القسامة في الجاهلية، فأقرّها رسول الله ◌َو على ما كانت في الجاهلية، وقضى بها
بين ناس من الأنصار في قتلٍ اذَّعَوه على يهود خيبر، رواه مسلم.
الفصل الأول
٣٥٣١ - [١] (رافع بن خديج) قوله: (رافع بن خديج) بفتح الخاء، (وسهل
ابن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة.
(١) انظر: ((أوجز المسالك)) (١٥ / ١٥٠ -٢٢٣)، و(«المغني)) (٨ / ٤٨٧).
٣٤٠
(٣) باب القسامة
فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ
وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ، فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ،
فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َهُ: كَبِّرِ الْكُبْرَ،
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعَدٍ: يَعْنِي لِيَلِيَ الْكَلاَمَ الأَكْبَرُ، فَتَكَلَّمُوا فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ٍَّ:
(اسْتَحِقُوا قَتِيلَكُمْ - أَوْ قَالَ: صَاحِبَكُمْ - بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)).
وقوله: (فجاء عبد الرحمن بن سهل) وهو أخو المقتول، (وحويصة ومحيصة)
وهما من أبناء أعمام القتيل، وهما بضم الحاء المهملة وضم الميم وفتح الثانية وكسر
التحتانية المشددة وإهمال الصاد، وقيل: بسكون الياء، وكلاهما لغتان مشهورتان،
ونقل عن الحافظ السيوطي في حاشية (الموطأ) أن تشديد الياء فيهما أشهر اللغتين
كذا ذكروا، والظاهر أن الصاد على تقدير الياء مخففة، وقال في (القاموس) (١): حويصة
ومحيصة ابنا مسعود مشددتي الصاد، انتهى. ولا شك أن تشديد الصاد إنما يكون
عند سكون الياء.
وقوله: (في أمر صاحبهم) أي: قتيلهم.
وقوله: (كبر الكبر) كبر أمر من التكبير، والكبر بالضم والسكون: أكبر القوم،
أي: أعظم منه هو أكبر منك، أي: قدِّمْه في التكلم، وفي رواية: (الكبر الكبر) على
الإغراء أو بتقدير قدموا الكبر، والثاني تأكيد.
وقوله: (استحقوا) بلفظ الأمر، (قتيلكم) أي: موجب جناية قتيلكم، وهو الدية
عند الأكثرین.
وقوله: (بأيمان خمسين منكم) بتنوين وبغير تنوين، والتنوين أظهر، وههنا
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٦٩).