النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ (١٦) كتاب القصاص ٣٤٦٠ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: كَسَرَتِ الزُّبَيِّعُ - وَهِيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ◌َهِ فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ ابْنُ النَّضْرِ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ: لاَ وَاللهِ لاَ تُكْسَرُ ثِيَتُهَا. مسألة القتل بالمثقل، ومتمسَّكُه قولُ النبي ◌ََّ: (ألا وإنَّ في قتيل خطأ العمدِ بالسَّوط والعصا والحجر مئةً من إبلٍ)(١)، وهؤلاء حملوه على الحجر الصغير، ولأن الآلة غير موضوعة للقتل، وأما الحديد فموضوع له. وأبو حنيفة يقول: إنَّ رضَّ رأسٍ اليهوديِّ كان سياسةً لا قِصاصاً، وقيل: كان لنقض العهد، وتُعقب بأنه لو كان قتله لنقض عهد لكان يقتله بالسيف، ولما قتله بالرضِّ بالحجارة، دل على إرادة المماثلة المدلول عليها بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُ واْعَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ ! [البقرة: ١٩٤]، وهذه مسألة القتل بالمثقل. فالقتل عمداً عند أبي حنيفة رحمه الله هو القتل بالسلاح، وما أجري مجراه من المحددات، وفيه القصاص، وما سواه شبه العمد، وعند صاحبيه والشافعي: إذا ضربه بحجر عظيم أو خشبة عظيمة فهو عمد، وشبه العمد أن يتعمد ضربه بما لا يقتل به غالباً، وتمام تحقيقه في كتب الفقه(٢). ٣٤٦٠ - [١٥] (وعنه) قوله: (كسرت الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وكسر التحتانية المشددة، بنت النضر عمة أنس بن مالك بن النضر. وقوله: (فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: لا والله لا تكسر ثنيتها) إخبار منه بعدم كونها مكسورة، مؤكداً بالقسم، وثوقاً بفضل الله تعالى، ويقيناً بما وقع في (١) أخرجه أبو داود في ((سننه)) (٤٥٤٧) نحوه. (٢) انظر: ((المغني)) (١١ /٤٤٤)، و((أوجز المسالك)) (١٤ / ٥٥٧). ٢٨٢ (١٦) كتاب القصاص يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((يَا أَنَسُ كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ»، فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٦١١، م: ١٦٧٥]. ٣٤٦١ - [١٦] وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا عِنْدَنَا إِلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ إِلاَّ فَهْماً يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ، وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لاَ يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٠٣]. قلبه من الرجاء لا ردًّا على الرسول وَّ وإنكاراً لحكمه. ٣٤٦١ - [١٦] (أبو جحيفة) قوله: (والذي فلق الحبة) أي: شقَّها فأخرج منها النبات، وفالق الحب: خالقه أو شاقُّه بإخراج الورَقِ منه، و(برأ النسمة) أي: خلقها، والنسمة يجيء بمعنی الإنسان، وبمعنی النفس، وکل دابة ذات روح. وقوله: (إلا فهماً) استثناء مما بقي من الاستثناء الأول، أي: ليس عندنا إلا فهماً، والمراد منه ما يستنبط به المعاني، ويدرك به الإشارات والعلوم الخفية والأسرار الباطنة التي تظهر للعلماء الراسخين في العلم، وتنكشف للعارفين من أرباب اليقين، ثم إنه قد كان إذ ذاك في علاقة سيفه ته صحيفة، كتب فيها بعض الأحكام التي ليس في القرآن، منها (العقل) يعني أحكام الدِّيات، و(فكاك الأسير) بفتح الفاء ويجوز كسرها، اسم من فكَّ الأسير: أخلصَه، وفكاك الرهن: ما يُفُّ به، (وأن لا يقتل مسلم بكافر) سواء كان ذميًّا أو حربيًّا، وهو مذهب كثير من الأئمة، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله. وقيل: كان في الصحيفة من الأحكام غير ما ذكر، لكنه لم يذكر ههنا لأنه ٢٨٣ (١٦) كتاب القصاص وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ: ((لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْماً) فِي ((كِتَابِ الْعِلْمِ). * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٣٤٦٢ - [١٧] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ و أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: لم يكن مقصوداً، وإنما المقصود ذكر العقل والقصاص، وفكاكُ الأسير مناسبٌ له لكونه في معرض القتل، والله أعلم. واعلم أنهم قالوا: إن الشيعة يزعمون أنه بَّر خص أهل بيته وعليًّا - سلام الله عليهم أجمعين - بأسرار وعلوم لم يذكرها لغيرهم، وهذا ليس مما يُستبعَد كلَّ الاستبعاد، إذ ليس كل العلوم والأسرار والمعارف مشتركة فيما بين الصحابة بأجمعهم، ولا بدّ كان بعضهم مخصوصاً بما لم يكن عند غيره، إلا الأحكام الشرعية من الأوامر والنواهي؛ فإنه لم يكتمها من أحد، ولم يخص بها بعضاً دون بعض؛ فإن كان بعضهم شاهداً أَمَرَهُ بأن ينقلها إلى الغائب، فلما سئل ظه: هل عندكم شيء ليس في القرآن يعني من الأحكام؟ أجاب بأن القرآن كل الكل وجامع جميع العلوم بالقوة والإجمال، لا يخرج منه شيء، ولكن إذا أعطي أحد فهمه والاستنباط منه، والفهم مخصوص بالبعض دون البعض، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولم يصرح بإعطائه ذلك الفهم وتخصيصه به تواضعاً وتأدباً، وفي الواقع ليس مخصوصاً على الإطلاق، بل له مراتب ودرجات بعضها فوق بعض، ولا شك أنه رظه أعطي منه ما لم يعط كثير من الصحابة، وذلك أمر إضافي، وأما قوله: (وما في الصحيفة) فيحتمل أن يكون قريباً من طريقة قولهم: غير أن سيوفهم سلول، يعني ليس عندنا إلا الفهم وإلا ما في هذه الصحيفة ليس مما يخص بأحد، فافهم وبالله التوفيق. الفصل الثاني ٣٤٦٢، ٣٤٦٣ - [١٧، ١٨] (عبدالله بن عمرو، والبراء بن عازب) قوله: ٢٨٤ (١٦) كتاب القصاص (َزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الْأَصَحُّ. [ت: ١٣٩٥، ن: ٣٩٨٦]. ٣٤٦٣ - [١٨] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ. [جه: ٢٦١٩]. ٣٤٦٤ - [١٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ لَّهِ قَالَ: (لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمٍ مُؤْمِنٍ لأَكَبَّهُمُ اللهُ. (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم) مبالغة في مدح بقاء المسلم العارف بالله وصفاته، فهو المقصود من خلق العالم؛ لكونه مظهرَ آياتِ الله، ومظهرَ أسرارِهِ، وما سواه في هذا العالم الحسي من السماوات والأرض مقصود لأجله، ولولاه لم يخلق، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَغَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوْأَنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الطلاق: ١٢]، وأمثالها من الآيات، فالمراد بالمسلم المسلمُ الكامل العارفُ بالله وصفاته، والعالم بأحكامه وآياته، والله أعلم. وقوله: (ووقفه بعضهم) هذا كلام الترمذي، والظاهر أنه يكون موقوفاً على عبدالله بن عمرو المذكور في هذا الحديث، فقول الطيبي(١): أي: بعضُ الرواة لم يرفع الحديث إلى النبي ◌ّ بل وقفه على الصحابي، دون أن يقول: بل وقفه على عبدالله ابن عمرو للإشارة إلى معنى الموقوف، أو لاحتمال أن يكون الصحابي البراء بن عازب الذي روى عنه ابن ماجه، فافهم . ٣٤٦٤ - [١٩] (أبو سعيد، وأبو هريرة) قوله: (لو أن أهل السماء) أي: لو ثبت اشتراكهم، (في دم مؤمن) أي: في إراقةِ دمه، (لأكبهم الله) المشهور أن أكبّ لازم، وكبَّ متعدٍّ على عكس المتعارف من استعمال الإفعال، سواء كان ذلك لأجل (١) ((شرح الطيبي)) (٧/ ٥٥). ٢٨٥ (١٦) كتاب القصاص فِي النَّارِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٣٩٨]. ٣٤٦٥ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّبَهِ قَالَ: ((يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بالْقَاتِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَاصِيَّتُهُ وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ، وَأَوْدَاجُهُ تَشْخُبُ دَماً، يَقُولُ: يَا رَبِّ! قَلَنِي، حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ الْعَرْشِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَه. [ت: ٣٠٢٩، ن: ٢٦٢١]. كون أكبَّ مطاوعَ كبَّ، أو كون همزة أكبَّ للصيرورة، أو للدخول بمعنى صار ذا كبِّ، أو دخل في الكبِّ، فعلى هذا كان الظاهر (لكبَّهم) مكان (لأكبَّهم)، ولكن لو ثبت أن هذا لفظ النبي ◌َّر أو أحد من الرواة الموثوق من بينهم لكان حجة على القائلين بذلك، فجزمُ التُّورِبِشْتِي(١) بأن الصواب: (كبّهم الله)، ولعل ما في الحديث سهوٌ من بعض الرواة ليس كما ينبغي، والله أعلم. ٣٤٦٥ - [٢٠] (ابن عباس) قوله: (ناصيته ورأسه بيده) حال من الفاعل أو المفعول، والضمير الأول للقاتل، والثاني للمقتول على التقديرين، والضمير في (أوداجه) للمقتول، والأوداج جمع وَدَجَ محركة، وهو عِرْقٌ في العُنق كالوِدَاج بالكسر، فقيل: هناك عروق حاطت بالعنق يقطعها الذابح، وقيل: هما وَدَجان عبَّرَ عن التثنية بلفظ الجمع كما في: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ [التحريم: ٤]. وقوله: (حتى يدنيه من العرش) أي: يقرِّبُ المقتولُ القاتلَ من العرش، ويذهب به إليه، كناية عن استقصاء المقتول ثأره، والمبالغة في تظلُّمه، كما يذهب المتظلِّمُ ويرفعُ الظالمَ إلى سرير السلطان. (١) انظر: ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨١٣). ٢٨٦ (١٦) كتاب القصاص ٣٤٦٦ - [٢١] وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّنَ أَشْرَفَ يَوْمَ الدَّارِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهَِّهِ قَالَ: ((لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّ بِإِحْدَى ثلاثٍ: زِنىِّ بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ كُفْرٍ بَعْدَ إِسْلاَم، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقِّ فَقُتِلَ بِهِ؟)) فَوَاللهِ مَا زَنَيَّتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلاَ إِسْلاَمٍ، وَلاَ ارْتَدَدْتُ مُنْذُ بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، وَلَ قَتَلْتُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ، فَبِمَ تَقْتُلُونَنِي؟. رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وَالدَّارِمِيِّ لَفْظُ الحَدِيث. [ت: ٢١٥٨، ن: ٤٠١٩، جه: ٢٥٣٣، دي: ٢ / ١٧١ - ١٧٢]. ٣٤٦٧ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: ((لاَ يَزَالُ الْمُؤْمِنُ مُعْنِقاً صَالِحاً مَا لَمْ يُصِبْ دَماً حَرَاماً، . ٣٤٦٦ - [٢١] (أبو أمامة بن سهل بن حنيف) قوله: (ابن حنيف) بالحاء المهملة على لفظ التصغير، (يوم الدار) وهو اليوم الذي أحاط القوم بداره، وكأن المراد جنس اليوم حتى يشمل سائر الأيام، أو آخر الأيام الذي قتلوه فيه . وقوله: (أنشدكم) بفتح الهمزة وضم الشين، أي أقسمكم. وقوله: (فقتل به) بلفظ المجهول والضمير للقتل، أو لكل واحد منها بتأويل المذكور، وهو الأولى، وعلى الوجهين هو تقرير وتوضيح للمعنى. وقوله: (وللدارمي لفظ الحديث) يعني دون القصة. ٣٤٦٧ - [٢٢] (أبو الدرداء) قوله: (لا يزال المؤمن معنقاً) بلفظ اسم الفاعل من الإعناق، وهو الإسراع، أي: مسرعاً في طاعته، ومنبسطاً في عمله، وموفقاً بالخيرات والمبرَّات. ٢٨٧ (١٦) كتاب القصاص فَإِذَا أَصَابَ دَماً حَرَاماً بَلَّحَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٢٧٠]. ٣٤٦٨ - [٢٣] وَعَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ نَِّ قَالَ: ((كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّ مَنْ مَاتَ مُشْرِكاً أَوْ مَنْ يقتُلُ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٧٠]. ٣٤٦٩ - [٢٤] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ. [ن: ٣٩٨٤]. ٣٤٧٠ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لاَ تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ، وقوله: (بلح) بالحاء المهملة بلفظ الماضي من التفعيل، أي: أعيا وانقطع عن السير، وتحير بشؤم ما ارتكب، هذا الإثمُ، أي: القتلُ بخاصته مانع عن التوفيق، وإن كان لجميع المعاصي أثرٌ في ذلك واسوداد القلب، أعاذنا الله من ذلك، وفي (النهاية)(١): بلح الرجل: انقطع من الإعياء، فلم يقدر أن يتحرك، وقد تخفف اللام. ٣٤٦٨، ٣٤٦٩ _ [٢٣، ٢٤] (أبو الدرداء، ومعاوية) قوله: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً) تشديد وتغليظ، وله تأويل مشهور، وقد ذهب بعض المحدثين إلى أن جزاء قاتل المؤمن متعمداً الخلود في النار، وإن لم يصر كافراً نظراً إلى ظاهر الآية، فتدبر، والله أعلم. ٣٤٧٠ - [٢٥] (ابن عباس) قوله: (في المساجد) قال الشيخ ابن الهمام(٢): المسجد إنما بني للصلاة المكتوبة وتوابعها من النوافل والذكر وتدريس العلوم، وهذا (١) ((النهاية)) (١ / ١٥١). (٢) ((شرح فتح القدير)) (٢ / ١٢٨). ٢٨٨ (١٦) كتاب القصاص وَلاَ يُقَادُ بِالْوَلَدِ الْوَالِدُ)). رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٤٠١، دي: ١٩٠/٢]. ٣٤٧٠ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: أَتَيَّتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ مَعَ أَبِي فقالَ: ((مَنْ هَذَا الَّذِي مَعَكَ؟)) قَالَ: ابْنِ اشْهَدْ بِهِ قَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ لاَ يَجْنِي عَلَيْكَ وَلاَ تَجْنِي عَلَيْهِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٤٩٥، ن: ٤٨٣٢]. في عموم المساجد، وأما المسجد الحرام فمن قَتَلَ والتجأ إلى الحرم يُضيَّقُ عليه الأمر بمنع الطعام والشراب ونحوه، حتى يخرجَ بنفسه فيُقْتَلَ، وعند الشافعي يجوز استيفاؤه في الحرم . وقوله: (ولا يقاد بالولد) إن كان المراد به عدمَ الاقتصاص عن الوالد إن قتل ولده، وهو الظاهر، ففيه خلاف مالك؛ فإنه قال: يقاد إذا ذبحه ذبحاً، وإن قتل الوالدُ ولدَه ضرباً بالسيف فلا قصاصَ عليه؛ لاحتمال أنه ضربه تأديباً، وأتى على النفس من غير قصد، وإن ذبحه فعليه القصاص لأنه عمد بلا شبهة، ولا تأويل، بل جناية الأب أغلظ؛ لأن فيه قطع الرحم، وهو كمن زنى بابنته فإنه يلزمه الحدُّ، والحديث حجة عليه، وإن كان المراد عدم قتل الوالد بجناية ولده وقتله أحداً كما كان في الجاهلية، فهذا متفق عليه، والمعنى الأول أظهر وأوفق بالباب، فإنه كان في الجاهلية أحكام كثيرة من هذا الباب رفعت في الإسلام لا يختص بهذه الصورة. ٣٤٧١ - [٢٦] (أبو رمثة) قوله: (وعن أبي رمثة) بكسر الراء وسكون الميم وبالمثلثة . وقوله: (ابني اشهد به) أي: كن شاهداً بأنه ابني من صلبي، ومقصوده من هذا الاستشهادِ إلزامه ضمانَ الجنايات عنه على رسم الجاهلية، وكانوا يأخذون كلاً من المتوالدين بجناية الآخر، ولهذا قال ◌َ له مؤكداً: (أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه) ٢٨٩ (١٦) كتاب القصاص وَزَادَ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ) فِي أَوَّلِهِ: قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِيٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَرَأَى أَبِي الَّذِي بِظَهْرٍ رَسُولِ اللهِهِ فَقَالَ: دَعْنِي أُعَالِجْ الَّذِي بِظَهْرِكَ فَإِنِّي طَبِيبٌ فَقَالَ: ((أَنْتَ رَفِيقٌ وَاللهُ الطَّبِيِبُ)). [(شرح السنة)) ١٠ / ١٨١]. ٣٤٧٢ - [٢٧] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِیهِ، عَنْ جدِّهِ، عَن سُراقةَ بنِ مالكٍ قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يُقِيدُ الأَبَ مِنِ ابْنِهِ، ...... أي: لا يؤخذ أحد منكما بجناية الآخر كما هو مدلول قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ﴾ [الإسراء: ١٥]. وقوله: (فرأى أبي الذي بظهر رسول الله (وَل(9) وهو خاتم النبوة، وكان لحمة ناتئة على شكل بيضة الحَمام، فتوهَّم أبوه أنه غدَّة زائدة تولدت من فضلات البدن، (فقال: دعني أعالج) بالرفع على الاستئناف، وبالجزم على جواب الأمر، فأعرض ◌َلّ عن جوابه لظهور أنه ليس الأمرُ كما توهَّم، إذ لا يعرف حقيقته إذا أمعن النظر، واعترض على قوله: (فإني طبيب) تعليماً وتهذيباً وتخطئة وتكذيباً له فيما ادعى. (فقال: أنت رفيق) ترفق بالمريض في العلاج، وتحميه عما يضره، ولا تقدر على أن تشفيه وتوجده فيه، بل الطبيب الحقيقي الموجد للشفاء هو الله تعالى، وأطلق الطبيب عليه تعالى للمشاكلة، ويستأنس بهذا الكلام في قول من قال: إنه يجوز توصیف الله سبحانه بما يجوز العقل اتصافه تعالى به، لا تسميته به بناء على القول بالتوقيف، وفرق بين التسمية والتوصيف، وقد مر نبذ من الكلام فيه في (باب أسماء الله تعالى). ٣٤٧٢ - [٢٧] (عمرو بن شعيب) قوله: (يقيد الأب من ابنه) أي: يأخذ قصاصه منه، والقَوَدُ القصاصُ، قالوا: الحكمة فيه أن الوالد سبب وجود الولد، فلا يجوز أن ٢٩٠ (١٦) كتاب القصاص وَلاَ يُقِيدُ الإِبْنَ مِنْ أَبِه. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. [ت: ١٣٩٩]. ٣٤٧٣ - [٢٨] وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ((وَمِن خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ)). [ت: ١٤١٤، د: ٤٥١٦، جه: ٢٦٦٣، دي: ٢ / ١٩١، ن: ٤٧٣٦]. یکون هو سبباً لعدمه. ٣٤٧٣ - [٢٨] (الحسن) قوله: (من قتل عبده قتلناه) الحديث، اعلم أن الأئمة اتفقوا على أن السيد لا يُقتَل بعبده؛ لأنه لا يستوجب لنفسه على نفسه القصاص، وقالوا: هذا الحديث وارد على الزجر والردع؛ ليرتدعوا ولا يقدموا على ذلك، وقيل: الحديث وارد في عبدٍ أعتقَه، فسُمِّي عبده باعتبار ما كان، وقيل: منسوخ بقوله تعالى: ﴿اَلْثُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، كذا قال الطيبي(١). وأورد في (شرح كتاب الخرقي)(٢) من رواية الدار قطني بإسناده عن إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلاً قتل عبده متعمِّداً، فجلَدَه النبيُّ ◌َُّ ونفاه سنةً، ومحا اسمه من المسلمين، ولم يُقِدْه به، وأمره أن يعتق رقبةً، وإسماعيل بن عياش حجة على الشاميين في الصحيح. وأما قتل الحر بعبد غيره فمختلف فيه، والمذهب عندنا أن يقتل الحر بالعبد كالعكس، وعند الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله لا يقتل الحر بالعبد؛ لقوله تعالى: ﴿اَلُّْبِالْخُّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، ولأن مبنى القصاص على المساواة، وهي منتفية بين المالك (١) (شرح الطيبي)) (٧ / ٦١). (٢) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (٦ /٦٨). ٢٩١ (١٦) كتاب القصاص ٣٤٧٤ - [٢٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ّلِ قَالَ: ((مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّداً دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ؛ فإِنْ شَاؤُوا قَتَلُوا، وإِنْ شَاؤُوا أَخَذُوا الدِّيَّةَ: وَهِيَ ثَلاَثُونَ حِقَّةً، وَثَلاَثُونَ جَذَعَةً، ... والمملوك، ولنا أن القصاص يعتمد المساواة في العصمة، وهي بالدين أو بالدار، ويستويان فيهما، والنص تخصيص بالذكر، فلا ينفي ما عداه، كذا في (الهداية)(١). وذكر في شروحه: أن فائدة هذا التخصيص سبب نزول هذه الآية، وهو ما روي عن ابن عباس خطئه: أنه كان بين قبيلتين من العرب في الجاهلية دماء، وكانت إحداهما تدَّعي الفضلَ لنفسها على الأخرى، فقالت: لا نرضى إلا بأن يُقتَلَ الذكرُ منهم بالأنثى منَّا، والحر منهم بالعبد منَّا، فأنزل الله هذه الآية ردًّا عليهم وزجراً لهم عما أرادوا من قتل غير القاتل بالمقتول، وأمرهم أن يتساووا، أي: يتكافؤوا، فهذه الآية لم تدل على أن لا يقتل الحر بالعبد، كما لا تدل على عكسه؛ فإن المفهوم إنما يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم، وقد تبين ما كان الغرض، هذا ولكن ذکر في (شرح كتاب الخرقي)(٢) عن علي ظه: السنة أن لا يقتل حزٌّ بعبد، رواه أحمد، وعن ابن عباس، أن النبي ◌َّه قال: (لا يُقتَلُ حرٌّ بعبدٍ)، رواه الدار قطني، وعن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده: أن أبا بكر وعمر وُ﴾ كانا لا يقتلان الحرَّ بالعبدِ، والله أعلم. ٣٤٧٤ - [٢٩] (عمرو بن شعيب) قوله: (وهي ثلاثون حقة) بكسر الحاء وتشديد القاف، وهي الداخلة في الرابعة، (وثلاثون جذعة) بفتح الجيم والذال المعجمة: (١) ((الهداية)) (٤ /٤٤٤). (٢) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (٦٩/٦). ٢٩٢ (١٦) كتاب القصاص وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٣٨٧] الداخلة في الخامسة، (وأربعون خلفة) بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وبالفاء: الحامل من النوق، وجاء في رواية: (خلفات في بطونها أولادها). وقوله: (وما صالحوا عليه فهو لهم) يعني تمام الدية ما ذكرناه، وما صالحوا عليه قليلاً كان أو كثيراً فذلك، وهذا مذهب الشافعي ومحمد أخذاً بهذا الحديث، ومذهبنا: الديةُ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله مئةٌ من الإبل أرباعاً: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، تمسُّكاً بحديث السائب بن يزيد: أن النبي ◌َّ قضى في الدية بمئة من الإبل أرباعاً. والحديث الذي تمسك به الشافعي غير ثابت لاختلاف الصحابة، فعلي ظه يقول: أثلاثاً، ثلاثة وثلاثون حِقَّة، وثلاثة وثلاثون جَذَعة، وأربعة وثلاثون خَلِفَة، وعثمان ◌ُه يقول: من كل سن ثلاثة وثلاثون، وعمر وزيد بن ثابت والمغيرة وأبو موسى الأشعري يقولون كما قالا، فلو كان صحيحاً لما اختلفوا، مع أن هذا الخبر معارض بقول ابن مسعود: أرباعاً، ولا مدخل للرأي في تقديرات الشرع؛ فلا بد أن يكون مسموعاً، وإذا تعارض الخبران كان الأخذُ بالمتيقّن أَولى، ولأن ما ذكره رسول الله وَّ في حجة الوداع في خطبته كان بمحضر من جماعة، ولم يروِ هذا الحديثَ إلا نعمان بن بشير، وهو في ذلك الوقت في عداد الصبيان، وقد خفي هذا الحدیث علی کبار الصحابة، حتى اختلفوا بینھم بالحدیث کما ذكرنا. ثم الديات تعتبر بالصدقات، والشرع نهى عن أخذ الحوامل في الصدقات؛ لأنها كرائمُ أموالِ الناس، فكذلك في الديات، وأيضاً الحوامل لا يجوز أن يستحق في شيء من المعاوضات لوجهين: أحدهما: أن صفة الحمل لا يمكن الوقوف على حقيقتها، والثاني: أن الجنين من وجهٍ كالفَصِيل، فيكون هذا في معنى إيجاب الزيادة ٢٩٣ (١٦) كتاب القصاص ٣٤٧٥ - [٣٠] وَعَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ﴿ قَالَ: ((الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَهُمْ، وَيَرُدُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، على المئة عدداً على ما قدره الشرع، وهو ظاهر، كذا ذكر في شروح (الهداية)(١). ٣٤٧٥، ٣٤٧٦ - [٣٠، ٣١] (علي، وابن عباس) قوله: (تتكافأ دماؤهم) في القصاص، لا فضل فيها لشريف على وضيع، وكبير على صغير، وعالم على جاهل، وهكذا كما كان في الجاهلية، حتى كانوا يقتلون عدَّةً من قبيلة القاتل بواحد، وقيل: هذا أيضاً كان في الصحيفة العلوية . وقوله: (ويسعى بذمتهم) أي: عهدِهم وأمانِهم (أدناهم) كالعبد والمرأة، حتى لو أعطى أدنى رجلٍ منهم أماناً وعهداً فليس للباقين نقضُ ذلك العهد. وقوله: (ويرد عليهم أقصاهم) أي: أبعدُهم، أي: ما أخذَ من الغنيمةِ أبعدُهم من جيش الإمام يردُّ على أقربِهِم، وهذا إذا خرجت جيوش المسلمين إلى الغزو، ثم انفصل منهم سرية عند قربهم ببلاد العدو فغنموا، فيردونه على الجيوش الذين هم وراءهم، ولا ينفردون به، بل يكون جميعهم شركاء فيه؛ لأنهم وإن لم يشهدوا الغنيمة كانوا رِدْءَ السريَّةِ، كذا في (النهاية)(٢)، ويدل على هذا المعنى ما يأتي من حديث عمرو ابن شعيب في الفصل الثاني من (باب الديات)، وهو مختار القاضي البيضاوي، فمفعول (يرد) محذوف، أي: الغنيمة، وهذا أظهر إرادة من قوله: (يرد عليهم)، وقد قيل في معناه: إن بعض المسلمين وإن كان قاصيَ الدار عن بلاد الكفر، إذا عقد للكافر عقداً في الأمان لم يكن لأحدٍ نقضُه، وإن كان أقربَ داراً للمعقود عليه. (١) انظر: ((العناية شرح الهداية)) (١٠ / ٢٧٣). (٢) ((النهاية)) (٤/ ٧٤). ٢٩٤ (١٦) كتاب القصاص وَهُمْ يَدٌّ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، أَلَاَ لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلاَ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِه)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٥٣، ن: ٤٧٤٥]. ٣٤٧٦ - [٣١] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنِ . وقال الطيبي(١): وهذا المعنى أظهر لما يلزم من الأول الثَّعمِيةُ والإلغازُ؛ لأن مفعول (يرُ) غير مذكور، وليس في الكلام ما يدلُّ عليه، وهذا القولُ محلٌّ نظرٍ مع ما فيه من شائبة تكرار، ولا يخفى أن الظاهر عند إرادة هذا المعنى، يقال: ولا يرد عليهم أقربهم، أو لا يرد على أقصاهم، إلا أن يكون المراد ويردُّ عليهم نقضَهم العهدَ أقصاهم، فلیفهم . وقوله: (وهم يد على من سواهم) في التعاون والتناصر لا يسعهم التخاذل كاليد الواحدة لا تخالف بين أجزائها في الحركة والبطش، فهو تشبيه بحذف حرفه. وقوله: (لا يقتل مسلم بكافر) أي: كافر حربيٍّ بدليل قوله: (ولا ذو عهد في عهده) أي: لا يجوز قتلُه ما دام في عهده غيرَ ناقضٍ إياه؛ فالمراد بذي عهد هو الذمي، ولما لم يجز قتلُه يقتل المسلمُ بقتله، فلا ينافي مذهب أبي حنيفة أنه يُقْتَل المسلمُ بالذمي، فافهم. وقيل: معناه لا يقتل الذمي في عهده بكافر، والكافر الذي لا يقتل الذمي به لا بد أن يكون حربيًّا، فبهذه القرينة يكون المراد بالكافر الذي لا يقتل المسلم به الحربيَّ؛ ليتلاءم المعطوف والمعطوف عليه، وهذا التوجيه لا يخلو عن تكلف، وإن كان يساعد المذهب، وقيل في تأييد مذهب الشافعي: يحتمل أن يكون المعنى: لا يقتلُ المؤمنُ بأحدٍ من الكفار، ولا معاهدٌ ببعض الكفار، وهو الحربي، فافهم. (١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٦٢ - ٦٣). ٢٩٥ (١٦) كتاب القصاص ابْنِ عَبَّاسٍ. [جه: ٢٦٨٥]. ے ٣٤٧٧ - [٣٢] وَعَن أبي شَريح الخُزاعيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَه يَقُولُ: ((مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ خَبْلٍ - وَالْخَبْلُ: الْجُرْحُ - فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِحْدَى ثَلاَثٍ: فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ: بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ، أَوْ يَأْخُذَ الْعَقْلَ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً، ثُمَّ عَدَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ النَّارُ خَالِداً فِيهَا مُخَلَّداً أَبَداً). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ١٨٨]. ٣٤٧٧ - [٣٢] (أبو شريح الخزاعي) قوله: (من أصيب بدم) أي: قتلِ نفسٍ، (أو خبل) أي: قطع عضوٍ، و(الخبل) بسكون الباء في الأصل بمعنى الفساد، ويكون في الأفعال والأبدان والعقول، من باب ضرب ونصر، وفي الحديث: (يكونُ بينَ يدَي الساعةِ الخَبلُ)(١) أي: الفتنُ المفسدةُ، ومنه: أن الأنصار شكت رجلاً صاحب خبل يأتي إلى نخلهم(٢)، أي صاحبَ فسادٍ، وفي (القاموس)(٣): الخبل: فساد الأعضاء، والفالج، ويحرك فيهما، وقطع الأيدي والأرجل. وقوله: (فخذوا على يديه) أي: لا تتركوه أن يفعل. وقوله: (بين أن يقتص) بدل من قوله: (بین إحدى ثلاث). وقوله: (فإن أخذ من ذلك) أي: ممَّا ذكر من الخصال الثلاث، (ثم عدا بعد ذلك) بأن عفا، ثم طلب العقل أو القصاص. (١) انظر: ((النهاية)) (٨/٢). (٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الديات (٤٤٩٦). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩١١). ٢٩٦ (١٦) كتاب القصاص ٣٤٧٨ - [٣٣] وَعَنْ طَاؤُوسِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: (مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَّةٍ فِي رَمْيٍ يَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالْحِجَارَةِ، أَوْ جَلْدٍ بِالسِّيَاطِ، أَوْ ضَرْبٍ بِعَصاً؛ فَهُوَ خَطَةٌ، وَعَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطَأِ . ٣٤٧٨ - [٣٣] (طاووس) قوله: (من قتل في عِمِّيّة) بكسر عين وميم مشددة وتشديد الياء، من العمى، أي: في حالٍ يعمى أمرُه، فلا يتبيَّنُ قاتلُه ولا حالُ قتلِهِ، فقوله: (في رمي) بيان وتوضيح له، يعني ترامى القومُ فوُجِدَ بينهم قتيلٌ يعمى أمره، ولا يدرى قاتله، وقد يفتح العين ويضم، وقال التُّورِبِشْتِي(١): ويقال: هم في عميتهم، أي: في جهلهم، وكأن أصله من التعمية وهو التلبيس، وقد جاء في رواية: (من قتل في عميا) بكسر وتشديد وقصر، فِعِيلا من العمى كالرِّمِّيًّا من الرمي، وروي: (في عمية في رِمِّيَّا تكون بالحجارة)، كذا في (مجمع البحار)(٢)، والظاهر أن التقييد بالحجارة قيد اتفاقي، وإشارة إلى أن القتل بالمثقل موجَبُه الديةَ، وقيل: إن العمية أن يضرب الإنسان بما لا يعتقد به القتل كحجر صغير وعصاً خفيفة فأفضى إلى القتل. وقوله: (أو جلد بالسياط) عطف على قوله: (رمي)، وكذا قوله: (أو ضرب بعصا). وقوله: (فهو) أي: قتلَه (خطأ) أي: في حكم الخطأ، وإن كان عمداً كما قال: (وعقله عقل الخطأ)، ويسميه الفقهاء شبه عمد، والقتلُ بغير الحديد وإن كان مما يحصل القتلُ به غالباً شبهُ العمدِ عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما وعند الشافعي شبه العمد أن يتعمَّدَ ضربه بما لا يقتلُ به غالباً، وأما الذي يحصل به القتل غالباً فهو العمد، (١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨١٦). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٦٨٧). ٢٩٧ (١٦) كتاب القصاص وَمَنْ قُتِلَ عَمْداً فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَغَضَبُهُ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٥٤٠، ن: ٤٧٩٠]. ٣٤٧٩ - [٣٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لاَ أُعْفِي مَنْ قَتَلَ بعدَ أَخْذِ الدِّيَةِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٥٠٧]. كما أشرنا إليه سابقاً، فالحجر والعصا المذكوران هنا على إطلاقهما عنده خفيفين كانا أو ثقيلين، وعندهم محمولان على الخفيفين، ويعلم من هذا معنى قوله: (ومن قتل عمداً على الاختلاف. وقوله: (فهو قود) بالتحريك، أي: قتلُه سبب للقود، حمل المصدر مسامحة ومبالغة، كما في قوله: (فهو خطأ)، وأصل القود الانقياد، ثم سمي به الاقتصاص لما فيه من انقياد الجاني له بما جناه. وقوله: (ومن حال دونه) أي: منع الاقتصاص غلبةً أو مداهنةً في حكم الشرع، و(الصرف) يراد به التوبة أو النفل، وبـ (العدل) الفدية أو الفرض، وهذه العبارة كثيرة الوقوع في الأحاديث. ٣٤٧٩ - [٣٤] (جابر) قوله: (لا أعفي من قتل بعد أخذ الدية) روي بصيغة المتكلم من الإعفاء، أي: لا أدعُ، ولا أتركُه بل أقتصُّ منه، وفي معناه ما في بعض نسخ (المصابيح) : (لا يعفى) على صيغة المجهول خبر في معنى النهي، قال .. التُّورِبِشْتِي(١): هو حسن إن صحت الرواية، وروي: (لا أُعِفِيَ) بلفظ الماضي المجهول، فقيل: هو دعاء عليه، أي: لا كَثُرَ مالُه ولا استغنى، والإعفاءُ الإكثارُ كما في حديث: (١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨١٦). ٢٩٨ (١٦) كتاب القصاص ٣٤٨٠ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ، فَتَصَدَّقَ بِهِ إِلَّ رَفَعَهُ اللهُ بِهِ دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٣٩٣، جه: ٢٦٩٣]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٤٨١ - [٣٦] عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتَلَ نَفَراً خَمْسَةً. (أَعِفُوا اللِّحَى)، ويجوز أن يكون خبراً في معنى النهي كما في رواية: (يُعفَى)، ويكون التعبير بالماضي مبالغةً في تحقَّقه، والله أعلم . وقال التُّورِبِشْتِي(١): والمراد منه التغليظُ لمباشرته الأمرَ الفظيعَ زجراً له، وهذا يوهم أنه لا يجوز القتل بعد الدية، لكنه أمر شنيع فظيع، والمذهب أنه إذا اصطلح القاتل وأولياء المقتول على مال سقط القصاص، ووجب المال قليلاً أو كثيراً، كذا في (الهداية)(٢)، ولعل مراده أن الدعاء عليه تغليظ وتشديد، والحكم بالقتل على من قَتَل بعد أخذ الدية باقٍ، فافهم. ٣٤٨٠ - [٣٥] (أبو الدرداء) قوله: (يصاب بشيء في جسده) من الجرح والقطع والألم، (فتصدق به) أي: عفا عن الجاني صبراً على قدر الله، وتركَ الانتقامَ لنفسه. الفصل الثالث ٣٤٨١، ٣٤٨٢ - [٣٦، ٣٧] (سعيد بن المسيب، وابن عمر) قوله: (خمسة (١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨١٦). (٢) ((الهداية)) (٤ / ٤٥١). ٢٩٩ (١٦) كتاب القصاص أَوْ سَبْعَةً بِرَجُلٍ وَاحِدٍ قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَةٍ، وَقَالَ عُمَرُ: لَوْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعاً. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢ / ٨٧١]. ٣٤٨٢ - [٣٧] وَرَوَى البُخَارِيُّ عَن ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ. [خ: ٦٨٩٦]. ٣٤٨٣ - [٣٨] وَعَن جُنْدُبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي فُلاَنْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَّهِ قَالَ: (يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِقَاتِلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟ فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ عَلَى مُلْكِ فُلاَنٍ)) قَالَ جُنْدُبٌ: فَاتَّقِهَا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣٩٩٨] ٣٤٨٤ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ شَطْرَ كَلِمَةٍ . أو سبعة) بدل من (نفراً). وقوله: (قتل غيلة) بكسر الغين المعجمة وسكون التحتانية: القتل خفية وخداعاً. وقوله: (لو تمالا عليه أهل صنعاء) أي: اجتمعوا وتعاونوا، وتخصيصُ ذكر أهلِ صنعاء لأنه مَثلٌ عند العرب في الكثرة، قالوا: ولعل هؤلاء الرجال كانوا منها، وفيه قتلُ الجماعة بواحد إذا اشتركوا في القتل. ٣٤٨٣ - [٣٨] (جندب) قوله: (على ملك) بضم الميم، فالمعنى على عهد فلان وزمانه، يريد سلطاناً من السلاطين، أي: بنصرته، فالضمير في (فاتقها) للنصرة، كأن جندباً ينصح رجلاً أن لا ينصر ظالماً، ويروى بكسر الميم، فالمعنى قتلتُه على مخاصمة بيني وبينه على مِلك فلان، فالضمير للمخاصمة، فيكون المقصود بيانَ الواقع، والمعنى الأولُ أظهرُ. ٣٤٨٤ - [٣٩] (أبو هريرة) قوله: (شطر كلمة) بالنصب، وفي بعض النسخ: ٣٠٠ (١) باب الديات لَقِيَ اللهَ مَكْتُوبٌ بينَ عينيهِ: آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ)). رَوَاهُ ابْن مَاجَه. [جه: ٢٦٢]. ٣٤٨٥ - [٤٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَهْ قَالَ: ((إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الآخَرُ، يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ ويُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ)). رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٣٢٧٠]. ١ - باب الديات (بشطر) بالباء، أي: بأدنى كلام وأقلِّ إعانةٍ، وقيل: المراد بشطر كلمة (اق) من اقتل. وقوله: (آيس) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: يكتب هذا اللفظ. ٣٤٨٥ - [٤٠] (ابن عمر) قوله: (ويحبس الذي أمسك) كما لو أمسك امرأةً، حتى زنى بها آخر، لا حدَّ على المُمسِكِ. ١ - باب الدیات جمع دية، والدية بالكسر: حقُّ القتيلِ، ووَدَاه كوَعَاه: أعطى دِيتَه، واتَّديتُه: أخذتُ دِيتَه، والدِّيةُ مصدرٌ غلب على المال الذي يُعطَى، وَدَى يَدِي دِيَةً كوعَدَ يعِدُ عِدَةً، وفي الحديث(١): (إنْ أحبُّوا قادُوا، وإنْ أحبُّوا وادَوا) أي: إن شاؤوا اقتصُّوا، وإن شاؤوا أخذوا الدِّيّةَ، وهي مُفاعلة من الدِّيةِ، وفي حديثٍ: (يُودَى المكاتَبُ بحصَّةٍ ما أدَّى ديةَ حرٍّ، وبحصَّةِ ما بقيَ ديةَ عبدٍ)(٢)، وهو بخفة الدال مجهول يَدِي بإعادة (١) أخرجه الترمذي في «سننه» (١٢٥٩). (٢) أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٤٧١١)، وأحمد في ((مسنده)) (٢٣٥٦).