النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١ (١١) كتاب البيوع أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ أَعْطَى خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. [م: ١٥٥١، خ: ٢١٨٥]. ٢٩٧٣ - [٢] وَعَنهُ قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ وَلاَ نَرَى بِذَلِكَ بَأْساً حَتَّى زَعَمَ رَافِعُ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّنَ نَهَى عَنْهَا، فَتَرَكْنَهَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٤٧]. ٢٩٧٤ - [٣] وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمَّايَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ الَّبِّنَ﴿ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ. وقوله: (أعطى خيبر اليهود) خيبر مفعول ثان، واليهود مفعول أول لأعطى. وقوله: (أن يعملوها) منصوب بنزع الخافض، أي: على أن يعملوا، ويجوز أن یکون بدل اشتمال. ٢٩٧٣ - [٢] (وعنه) قوله: (كنا نخابر) أي: نزارع، والمخابرة: المزارعة بالمعنى المذكور . وقوله: (نهى عنها) ويكفي هذا دليلاً لمانع المزارعة، وحمل المجوزون الأحاديث الواردة في النهي على ما إذا اشترطا لكل واحد منهما قطعة معينة من الأرض. واعلم أن الأحاديث في هذا الباب جاءت مختلفة، وحديث النهي من رافع بن خديج أيضاً جاءت مختلفة، تارةً قال: سمعت رسول الله وَّةٍ، وتارةً قال: حدثني عمومتي، وتارةً: أخبرني عماي، وباب التأويل من الجانبين مفتوح، وبالجملة الجمهور على الجواز، والفتوى في مذهبنا أيضاً على الجواز دفعاً للحاجة، فتدبر. ٢٩٧٤ - [٣] (حنظلة بن قيس) قوله: (بما ينبت على الأربعاء) بكسر الباء: ٦٤٢ (١٣) باب المساقاة والمزارعة أَوْ شَيْءٍ يَسْتَثْنِهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَانَ النَّبِيُّنَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَنِرِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ، وَكَأَنَّ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الْفَهْمِ بِالْحَلَاَلِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٤٦، ٢٣٣٢، م: ١٥٤٧]. ٢٩٧٥ - [٤] وَعَنْ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلاً، جمع ربيع بمعنى النهر الصغير؛ كنصيب وأنصباء، وقد يجيء جمعه على أربعة أيضاً، كأنصبة . وقوله: (أو شيء) عطف على (ما ينبت) والمعنى: أنهم كانوا يُكرون الأرض على أن يزرعه العامل ببذره، ويكون ما ينبت على أطراف الجداول والسواقي للمكري أجرة لأرضه، وما عدا ذلك للمكتري، أو ما كان ينبت في هذه القطعة بعينها فهو للمكري، وما ينبت على غيرها فهو للمكتري، فنهاهم عن ذلك لما فيه من الخطر والغرر، وهذه الصورة محمل النهي عند المجوزين كما مر. وقوله: (وكأن الذي نهي عن ذلك) الظاهر أنه من كلام رافع، وقد توهِّم أنه من كلام البخاري، وقد صرح في البخاري أنه من كلام الليث بن سعد شيخ شيخ البخاري في هذا الحديث، كذا في بعض الحواشي. وقوله: (ذوو الفهم) ذوو في بعض الأصول بلفظ الجمع، وفي بعضها بلفظ المفرد، فظاهر قوله: (لم يجيزوه) بضمير الجمع يؤيد الأول، إلا أن يكون باعتبار إرادة الجنس . ٢٩٧٥ - [٤] (رافع بن خديج) قوله: (حقلاً) الحقل: الزرع، والمحاقل: ٦٤٣ (١١) كتاب البيوع وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي، وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ، وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ◌َّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٣٢، م: ١٥٤٧]. ٢٩٧٦ - [٥] وَعَنْ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ لِطَاؤُوس: لَوْ تَرَكْتَ الْمُخَابَرَةَ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّالنَّبِيَّ ◌َ نَهَى عَنْهُ، قَالَ: أَيْ عَمْرو! إِنِّي أُعْطِيهِمْ وَأُعِينُهُمْ، وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ أَخْبَرَنِي - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ - أَنَّالنَّبِّ ◌َّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَالَ: ((إِنْ يَمْنَحْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجاً مَعْلُوماً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٣٠، م: ١٥٥٠]. المزارع، والمحاقلة: بيع الزرع قبل بدو صلاحه أو بيعه في سنبله، والمزارعة بالثلث أو الربع أو أقل أو أكثر، أو اكتراء الأرض بالحنطة، كذا في (القاموس)(١)، والمراد هنا الزرع أو المزارعة . وقوله: (فربما أخرجت ذه، ولم تخرج ذه(٢)) بيان لوجه عدم الجواز، و(ذه) إشارة إلى القطعة، وهي لفظ اسم الإشارة إلى الواحدة المؤنث مثل ذي . ٢٩٧٦ - [٥] (عمرو) قوله: (وعن عمرو) هو ابن دینار. وقوله: (لم ينه عنه) أي: عن عقد المخابرة، و(إن يمنح) بكسر (إن) حرف الشرط، فيكون (يمنح) بالجزم، أو بالفتح فيكون بالنصب، والمراد: أنه ما جعله حراماً، ولكن قال: مقتضى المروءة أن يعطيه تفضلاً ولا يأخذ البدل، وذلك خير لا واجب . (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٠٧). (٢) بسكون الهاء وبإشباعها، قاله القاري (٥ / ١٩٨٨). ٦٤٤ (١٣) باب المساقاة والمزارعة ٢٩٧٧ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٤٠، ٢٦٣٢، م: ١٥٣٦]. ٢٩٧٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئاً مِنْ آلَةِّ الْحَرْثِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َ﴿ يَقُولُ: ((لاَ يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ الذَُّ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٢١]. * الْفَصْلُ الثاني : ٢٩٧٩ - [٨] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقْتُهُ» ٢٩٧٧ - [٦] (جابر) قوله: (فإن أبى فليمسك أرضه) قيل: هذا توبيخ على العدول عن الأمرين إلى المخابرة، ففيه توبيخ لمن له مال ولم ينفع ولم ينتفع. ٢٩٧٨ - [٧] (أبو أمامة) قوله: (ورأى سكة) جملة حالية، والسكة بكسر السين: حديدة الفدان التي يحرث بها الأرض(١). وقوله: (الله) فاعل (أدخله)، ولا يوجد اسم الجلالة في بعض النسخ، وهو رواية الكشميهني من رواة البخاري، والأول أكثر عندهم، فيكون في (أدخل) ضمير راجع إلى المشار إليه بـ (هذا)، وفي هذا ترغيب وحث على الجهاد. الفصل الثاني ٢٩٧٩ - [٨] (رافع بن خديج) قوله: (وله نفقته). (١) انظر: ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٦٨). ٠ ٦٤٥ (١١) كتاب البيوع رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٣٦٦، د: ٣٤٠٣]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٩٨٠ - [٩] عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّ يَزْرَعُونَ عَلَى الثَّلَثِ وَالرُّبُعِ، وَزَارَعَ عَلِيٍّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالَاسِمُ وَعُرْوَةُ وآلُ أبي بَكْرٍ وآلُ عُمَرَ وآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكٌ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ، وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشّطْرُ، وَإِنْ جَاؤُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. أي: أجر عمله(١). الفصل الثالث ٢٩٨٠ - [٩] (قيس بن مسلم) قوله: (عن أبي جعفر) هو محمد الباقر عليه وعلى آبائه التحية والسلام. وقوله: (وزارع علي ... إلخ) كل هذه الأقوال تعليقات أوردها البخاري في صحيحه، فالأولى أن يقول المؤلف: رواه البخاري تعليقاً، كما هو دأبه. وقوله: (على إن جاء) بكسر الهمزة، أي: بهذه الطريقة من الاشتراط. (١) قال القاري: (٥/ ١٩٨٩): يَعْنِي مَا حَصَلَ مِنَ الزَّرْعِ يَكُونُ لِصَاحِبِ الأَرْضِ وَلاَ يَكُونُ لِصَاحِبٍ الْبَذْرِ إِلاَّ بَذْرُهُ، إِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا حَصَلَ مِنَ الزَّرْعِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَعَلَيْهِ نُقْصَانُ الأَرْضِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَلَيْهِ أُخْرَةُ الأَرْضِ مِنْ يَوْمٍ غَصْبِهَا إِلَى يَوْمٍ تَفْرِيغِهَا، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُظهر. ٦٤٦ (١٤) باب الإجارة رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: معلقاً: ٤١ - كتاب المزارعة / ٧ - باب المزارعة بالشطر ونحوه]. ١٤ - باب الإجارة * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٩٨١ - [١] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلِ قَالَ: سےے ١٤ - باب الإجارة آجرتُ الدار مؤاجرة: أكريتها، والعامة تقول: أجَّرت الدار، كذا في (الصحاح)(١)، وفي (شرح الوقاية): فِعَالة من المفاعلة، وآجر على وزن فاعَلَ لا أَفْعَلَ؛ لأن الإيجار لم يجئء، فالمضارع يؤاجر، واسم الفاعل المؤاجر، وعن الخليل: آجرت زيداً مملوكي أوجره إيجاراً، وفي (الأساس) (٢): آجرني فهو مُؤْجر، ولا تقل: مؤاجر، وأَجَرِه يَأْجُره من باب طلب، أي: أعطاه الأجرة فهو آجر، والإجارة في الشرع: عقد على المنافع بعِوَض، والقياس يأبى جوازه؛ لأن المعقود عليه المنفعة وهي معدومة، لكنها جوزت لحاجة الناس إليه، وقد شهدت بصحتها الأخبار والآثار. الفصل الأول ٢٩٨١ - [١] قوله: (عبدالله بن مغفل) بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الفاء في جميع نسخ (المشكاة)، صحابي مشهور من أصحاب الشجرة، مات بالبصرة سنة ستين، قال الحسن البصري: ما نزل البصرة أشرف منه، وكتب في الهامش من بعض النسخ (ابن معقل) بفتح الميم وسكون المهملة وكسر القاف، كذا في نسخ مسلم، (١) ((الصحاح)) (٢ / ٥٧٦). (٢) ((أساس البلاغة)) (ص: ٥). ٦٤٧ (١١) كتاب البيوع زَعَمَ ثَابِتُ بْنُ الضَّخَّاكِ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِنَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ، وَقَالَ: ((لاَ بَأْسَ بِهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٤٩]. ٢٩٨٢ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ احْتَجَمَ، فَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَاسْتَعَطَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٩١، م: ١٢٠٢]. ٢٩٨٣ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّ رَعَى الْغَنَمَ)». وهو تابعي كما ذكر في (جامع الأصول)(١). و(ثابت بن الضحاك) أنصاري شهد بيعة الرضوان في صغر، وقيل: كانت ولادته في السنة الثالثة من الهجرة، نزل البصرة ومات سنة سبعين. والمراد بالأمر أمر إباحة، ولهذا أكده بقوله: (لا بأس بها) في مقابلة النهي عن المزارعة . ٢٩٨٢ - [٢] (ابن عباس) قوله: (احتجم فأعطى الحجام أجره)، فيه صحة الإجارة وحِلُّ عمل الحجامة، (واستعط) استعمل السعوط، السعوط بالفتح: دواء يُصَبُّ في الأنف، وفيه جواز المداواة. ٢٩٨٣ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم) قالوا: الحكمة فيه حصول سياسة الأمم، والشفقة عليهم، والصبر على مشقة الرعي، فإن شأن السلطان مع الرعية كشأن الراعي مع الغنم، وقيل: ذلك ليعرفوا منن الله عليهم حيث بلَّغهم بعد ذلك إلى تلك المراتب، وجعلهم أفضل الكائنات على تفاوت درجاتهم، وقال الخطابي: (١) ((جامع الأصول)) (١٢ / ٦٨٠). ٦٤٨ (١٤) باب الإجارة فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: ((نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَى عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٢٦٢]. لم يضع النبوة في أبناء الدنيا وملوكها، لكن في رعاة الغنم، وأهل التواضع من أصحاب الحرف، فإن أيوب كان خياطاً، وزكريا نجاراً، كذا نقل الكرماني(١)، والله أعلم. وقوله: (على قراريط) الظاهر المشهور أنه جمع قيراط، وهو جزء من أجزاء الدينار نصف عشره أو جزء من أربعة وعشرين، وقالوا: الياء فيه بدل من الراء لأن أصله قِرَّاط بالتشديد، ولهذا يجمع على قراريط، وعدم تعيين عددها لبيان تقليلها أو لنسيان عددها، وجاء في رواية: (بالقراريط). وقيل: قراريط اسم موضع بمكة، وصوّبه ابن الجوزي وغيره، وتعقِّب بأن أهل مكة لا يعرفون بها مكاناً يقال له القراريط . وروى النسائي(٢) من طريق نصر بن حزن: افتخر أهل الإبل، فقال رسول الله إليه: (بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت أنا أرعى غنماً لأهلي بجياد)، وزعم بعضهم أنه ينافي حمل القراريط على معنى جزء الدينار؛ لأنه لم يكن يرعى لأهله بالأجرة، فتعين أنه أراد المكان فعبّر تارة بجياد وتارة بقراريط، ولا منافاة إذ يجوز الجمع بأنه كان يرعى لأهله بغير أجرة، ولغيرهم بأجرة، أو يكون المراد بـ (أهلي) أهل مكة، فيتحد الخبران لكنه بيَّن في أحد الخبرين الأجرة وفي الآخر المكان، والله أعلم. (١) انظر: ((شرح الكرماني)) (١٤ / ٥٦). (٢) ((السنن الكبرى)) للنسائي (١٠ / ١٧١). ٦٤٩ (١١) كتاب البيوع ٢٩٨٤ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَّهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٢٢٧]. ٢٩٨٥ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَفَرَأَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌ِ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيعٌ أَوْ سَلِيمٌ، فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ إِنَّ فِي الْمَاءِ لَدِيغاً أَوْ سَلِيماً، ٢٩٨٤ - [٤] (وعنه) قوله: (رجل أعطى بي) بلفظ المعلوم والمفعول محذوف، أي: أعطى العهد باسمي وبأيماني، بقرينة قوله: (ثم غدر). وقوله: (فأكل ثمنه) تأكيدٌ لزيادة توبيخ وتقريع، لا تقييدٌ، وأما قوله: (فاستوفى منه) أي: العمل، فيشبه أن يكون تقييداً، فإنه إذا عقد الإجارة ولم يستعمله لا يجب عليه إعطاء الأجر، ومع ذلك فيه أيضاً نوع تقريع وتوبيخ، فافهم. ٢٩٨٥ _ [٥] (ابن عباس) قوله: (مروا بماء) أي: بماء يسكنون عليه قوم كما یسکنون أو ينزلون علی أنهار وحیاض . وقوله: (فيهم لديغ أو سليم) في (القاموس)(١): لدغَتْهُ العَقْرَبُ والحَيَّةُ، كمنع، لَدْغاً وتَلْداغاً، فهو مَلْدُوٌ ولَدِيغٌ، وقال أيضاً: السَّلْمُ: لَدْغُ الحية، وفي (مختصر النهاية)(٢): السليم اللديغ، سمي به تفاؤلاً بالسلامة، ويظهر من هذا اتحاد السليم واللديغ (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٢٦، ١٠٣٣). (٢) ((الدر النثير)) (١ / ٤٨٣). ٦٥٠ (١٤) باب الإجارة فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَرَّأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ فَبَرِئَ ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْراً حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْراً؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْراً كِتَابُ اللهِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْماً)). [خ: ٥٧٣٧، ٥٧٤٩]. في المعنى، فيكون (أو) للشك من الراوي، وفي (المشارق)(١): لدغته العقرب: ضربته بذنَبَها، وأشباهُها من ذوات السموم: عضّته، وقال: يقال لمن لدغه ذوات السموم: سليم، على معنى التفاؤل بسلامته من ذلك، انتهى. ونقل الطيبي(٢) عن القاضي: أن أكثر ما يستعمل اللديغ فيمن لدغته العقرب، والسليم فيمن لسعته الحية، فتدبر. وقوله: (على شاء) جمع شاة، أي: بمقابلتها وشرط أجرتها . وقوله: (واضربوا لي معكم سهماً) أي: اجعلوا لي سهماً، والمقصود تطييب قلوبهم وبيان أنه حلال طيب، وفيه دليل على أن الرقية بالقرآن وأخذ الأجرة عليها جائز بلا شبهة، وهكذا حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن وكتابته مع خلاف فيه، والمشهور من مذهب أبي حنيفة الحرمة والكراهة، ورخص فيه المتأخرون . (١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٥٧٩، ٢ / ٣٦٨). (٢) ((شرح الطيبي)) (١٥٨/٦). ٦٥١ (١١) كتاب البيوع * الْفَصْلُ الثاني: ٢٩٨٦ - [٦] عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَقْبَلْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِوَّهِ، فَأَنَّنَا عَلَى حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالُوا: إِنَّ أُنْبِتْنَ أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ، فَهَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رُفْيَّةٍ؟ فَإِنَّ عِنْدَنَ مَعْتُوهاً فِي الْقُيُودِ، فَقُلْنَا: نَعَمْ، فَجَاؤُوا بِمَعْتُوهٍ فِي الْقُودِ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ بِفَاتِحَةٍ الْكِتَابِ ثَلاَثَةَ أَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، أَجْمَعُ بُزَافِي ثُمَّ أَنْفُلُ، قَالَ: فَكَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَأَعْطَوْنِي جُعْلاً، فَقُلْتُ: لاَ، حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِّ ◌َِ، فَقَالَ: ((كُلْ، فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَّةِ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْبَّةٍ حَقِّ). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبَّو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٢١٠ - ٢١١، د: ٣٤٢، ٣٨٩٦]. الفصل الثاني ٢٩٨٦ - [٦] (خارجة بن الصلت) قوله: (فإن عندنا معتوهاً) العته: نقصان العقل، ويقال: المعتوه لمن يُجنّ تارة ويفيق أخرى. وقوله: (فكأنما أنشط) أي: حُلّ (من عِقال) بالكسر: ما يشدّ به وظيف البعير إلى ذراعه، ونشط الحبلَ: عقده، وأنشطه: حلّه، كناية عن سرعة برئه من الجنون وببركة قراءة الفاتحة، و(الجعل) بضم الجيم وسكون العين: ما يجعل للرجل على عمله. وقوله: (لعمري) قيل: هذه الكلمة جارية على ألسنتهم من غير قصد القسم، وقيل: إنه من خواصه وَيهر؛ لأن الله تعالى أقسم بعمره، فيجوز أن يقسم هو أيضاً به، واللام في (لمن أكل) موطئة للقسم. وقوله: (لقد) جواب للقسم سادّ مسدّ الجزاء، (برقية باطل) بالإضافة كرقية حق، ٦٥٢ (١٤) باب الإجارة ٢٩٨٧ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَعْطُوا الأَجيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٤٤٣]. ٢٩٨٨ - [٨] وَعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ: ((لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَس)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي ((الْمَصَابِيحِ)): مُرْسَلٌ. [حم: ١ / ٢٠١، د: ١٦٦٥]. يعني: إنْ أكل غيرك أكلاً برقية باطل فقد أساء، ولا تحزن إذا أنت أكلت برقية حق. ٢٩٨٧ - [٧] (عبدالله بن عمر) قوله: (قبل أن يجف عرقه) بكسر الجيم وهو كناية عن التعجيل بإعطاء الأجر . ٢٩٨٨ - [٨] (الحسين بن علي) قوله: (للسائل حق) بسبب سؤاله، فكأنه أجرة له، وبهذا الوجه يناسب إيراده في هذا الباب. وقوله: (وفي المصابيح مرسل) قد وجد هذا في أكثر النسخ، وفي بعضها لم يوجد، وهو الصحيح لأنه مسند، قال التُّورِبِشْتِي(١): وُصف هذا الحديث في (المصابيح) بالإرسال، فلا أدري أثبت ذلك في الأصل أم هو شيء ألحق به؟ وقد تكلم في هذا الحدیث، وقال أحمد: لا أصل له. وقوله: (رواه أحمد وأبو داود) من طريق يعلى بن أبي يحيى المدني عن فاطمة بنت حسین عن الحسن بن علي، وهذا إسناد جيد، وقد سکت علیه أبو داود، فهو عنده صالح، ويعلى هذا ذكره ابن حبان في (الثقات)، وإن جهله أبو حاتم، وباقي رجاله ثقات، وفيه كلام ذكره بعض النقاد. (١) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٧١٢). ٦٥٣ (١١) كتاب البيوع الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٩٨٩ - [٩] عَنْ عُتْبَةَ بْنِ النُّدَّرِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَقَرَأَ: ﴿طِّمَ﴾ حَتَّى بَلَغَ قِصَّةَ مُوسَى، قَالَ: ((إِنَّ مُوسَى عَلَ آَجَرَ نَفْسَهُ ثَمَان سِنِينَ أَوْ عَشْراً عَلَى عِفَّةٍ فَرْجِهِ وَطَعَامٍ بَطْنِهِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٤٤٤، ولم نجد في «المسند»]. ٢٩٩٠ - [١٠] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوْساً مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، فَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ: (إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقاً مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه. [د: ٣٤١٦، ٢١٥٧]. الفصل الثالث ٢٩٨٩ - [٩] (عتبة بن الندر) قوله: (عن عتبة) بالتاء (ابن الندر) بضم النون وفتح الدال المهملة المشددة، وفي بعض النسخ (عقبة) بالقاف، و(المنذر) على لفظ اسم الفاعل من الإنذار، والصحيح هو الأول. وقوله: (على عفة فرجه) كناية عن النكاح، ولعله كان جَعْلُ الخدمة مهراً في شريعتهم جائزاً، أو كان المهر شيئاً آخر، وكانت هذه الخدمة زائداً عليه تبرعاً . ٢٩٩٠ - [١٠] (عبادة بن الصامت) قوله: (وليست بمال) يريد أن القوس لم يعهد في المتعارف أن يعدّ من الأجرة. وقوله: (إن كنت تحب أن تطوق) فإن قلت: قد سبق (إن أحق ما أخذتم إليه ٦٥٤ (١٥) باب إحياء الموات والشرب ١٥ - باب إحياء الموات والشرب أجراً كتاب الله)، أجيب بأن عبادة كان متبرعاً بالتعليم حسبة لله، فكره رسول الله وَله أن يُضيِّع أجرَه، ويُبْطِلَ حسنتَه بما يأخذه هدية، وذلك لا يمتنع أن يقصد به الأجرة ابتداءً، ويشترط عليه، كذا قيل، وهذا تهديد على فوت العزيمة والإخلاص، وما سبق کان لبيان الرخصة، كذا قالوا. ١٥ - باب إحياء الموات والشرب في (القاموس)(١): الموات كسحاب: أرض لا مالك لها، وفي (النهاية)(٢): المَوَاتُ: الأرضُ التي لم تُزْرَعْ ولَم تُعْمَرْ، ولا جَرى عليها مِلْكُ أحَدٍ، وإحياؤُها: مُبَاشَرَةُ عِمِارتها، ومنه حديث: (مَوَتَان الأرض لله ولرسوله)(٣)، أي: مَوَاتها الذي ليس ملكاً لأحد، وهو بسكون واو وفتحها مع فتح ميم، وفي (الهداية) (٤): الموات: ما لا ينتفع به من الأراضي لانقطاع الماء عنه، أو لغلبة الماء عليه، أو ما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة، سمي بذلك لبطلان الانتفاع به، فما كان منها عادياً لا مالك له، أو كان مملوكاً في الإسلام لا يعرف له مالك بعينه، وهو بعيد من القرية بحيث لو وقف إنسان منه أقصى العامر فصاح لا يسمع الصوت [فيه]، فهو موات. والشرب بالكسر: نصيب الماء، وللناس حق في الماء لا يُمنعون عنه، وفيه تفصيل بين ماء البحار والأنهار والأودية والمياه المحرزة في الأواني وغيرها، وأحكامها (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٦١). (٢) ((النهاية)) (٤ / ٨٠٩). (٣) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١١٧٨٦). (٤) ((الهداية)) (٤ / ٣٨٣). ٦٥٥ (١١) كتاب البيوع مذكورة في الفقه، والمذهب فيه عندنا: أما ماء البحار فللناس كلهم فيها حق الشَفَة، أي: الشُّرب، وسقي الأراضي، وكري الأنهار منها إلى أرضه، والانتفاع بماء البحار كالانتفاع بالشمس والقمر والهواء. ومنها: ماء الأودية العظام كجيحون، وسيحون، ودجلة، والفرات، وحكمه أيضاً حكم ماء البحار إن كان لم يضرّ بأن يميل الماء إلى جانب فيُغرق القرى والأراضي. ومنها: الماء الذي في وحل المقاسم(١) كالبئر والنهر، فحق الشفة فيه ثابت؛ لأن البئر ونحوها ما وضع للإحراز، ولا يُملك المباح بدون الإحراز، كالظبي إذا تَكَنَّس(٢) في أرضه، ولأن في إبقاء الشفة ضرورة؛ لأن الإنسان لا يمكنه استصحاب الماء إلى كل مكان وهو محتاج إليه لنفسه وظهره، وإن أراد أحد أن يسقي بذلك أرضاً أحياها كان لأهل النهر أن يمنعوه عنه أضرّ بهم أو لم يضرّ بهم، لأنه حق خالص لهم ولا ضرورة. ومنها: الماء المحرز في الأواني، وأنه صار مملوكاً له بالإحراز، وانقطع حق غيره عنه كما في الصيد المأخوذ، ولو كان البئر أو العين أو النهر أو الحوض في ملك رجل له أن يمنع من يريد الشفة من الدخول في ملكه، إذا كان يجد ماء آخر يقرب من هذا الماء في غير ملك أحد، وإن كان لا يجد يقال لصاحب النهر: إما أن تعطيه الشفة، أو تتركه يأخذ بنفسه بشرط أن لا يكسر ضِفَّته، وهذا إذا احتفر في أرض مملوكة له، أما إذا احتفرها في أرض موات فليس له أن يمنعه؛ لأن الموات كان مشتركاً، (١) هكذا في الأصل، والظاهر: الماء الذي دخل في المقاسم. انظر: ((الهداية)) (٤ / ٣٨٨). (٢) أي: استتر. ٦٥٦ (١٥) باب إحياء الموات والشرب * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٩٩١ - [١] عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((مَنْ عَمَرَ أَرْضاً لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ)). قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلاَفَتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٣٥]. والحفر لإحياء حق مشترك، فلا يقطع الشركة في الشفة، ولو منعه عن ذلك، وهو يخاف على نفسه وظهره العطش، له أن يقاتله بالسلاح، لأنه قصد إتلافه بمنع حقه، وهو الشفة، والماء في البئر مباح غير مملوك بخلاف الماء المحرز في الإناء حيث يقاتله بغير السلاح بعصاً، لأنه قد ملكه، وكذا الطعام عند إصابة المخمصة، وقيل في البئر نحوها: الأولى أن يقاتله بغير سلاح لأنه ارتكب معصية، فقام ذلك مقام التعزير له، ذكر هذا كله في (الهداية)(١). الفصل الأول ٢٩٩١ - [١] (عائشة) قوله: (من عمر) بالتخفيف، وفي بعض نسخ (المصابيح): (أعمر) بزيادة الألف، وقد ينكر استعمال أَعمر بمعنى عمر، والصحيح وجودهما. وقوله: (أرضاً ليست لأحد فهو أحق) بها، قال أبو حنيفة: يشترط فيه إذن الإمام، وعند الشافعي، وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله: لا يشترط؛ لإطلاق هذا الحديث، ولأنه مال مباح سبقت يده إليه، فيملكه كما في الحطب والصيد، ولأبي حنيفة رحمه الله قوله ويلي: (ليس للمرء إلا ما طاب به نفس إمامه)، وما روي يحتمل أنه إذنٌ لقوم لا نصبٌ لشرع، ولأنه مغنوم لوصوله إلی ید المسلمین بإیجاف الخیل والركاب، (١) ((الهداية)) (٤ / ٣٨٧ -٣٨٨). ٦٥٧ (١١) كتاب البيوع ٢٩٩٢ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس: أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِّهِ يَقُولُ: ((لاَ حِمَى إِلَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٧٠]. ٢٩٩٣ - [٣] وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ))، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: فليس لأحد أن يختص به بدون إذن الإمام كما في سائر الغنائم، كذا في (الهداية)(١). ٢٩٩٢ - [٢] (ابن عباس) قوله: (الصعب) بفتح الصاد وسكون العين المهملة، (ابن جثامة) بفتح الجيم وشدة المثلثة. وقوله: (لا حمى) بغير تنوين لبنائه على أنه اسم (لا): هو ما يحميه الإمام المواشي الصدقة ونحوها، قيل: كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضاً في حيه استعوى كلباً، فحمى مَدَى عواء الكلب لا يشركه فيه غيرُه، وهو يشارك القومَ في سائر ما يرعُون فيه، فنهى عن ذلك، وأضافه إلى الله ورسوله، أي: إلا ما يُحْمَى للخيل التي ترصد للجهاد، والإبلِ التي يحمل عليها في سبيل الله، وإبل الزكاة وغيرها، كما حمى عمر النقيع لنَعَم الصدقة، وخيل الجهاد، كذا في (مجمع البحار)(٢)، وبهذا ظهر أن المختار أنه يجوز للإمام أن يحمي لمصالح العامة، وهو ظاهر مقتضى حديث: (ألا إن لكل ملك حمى). ٢٩٩٣ - [٣] (عروة) قوله: (في شراج) الشراج: بكسر الشين المعجمة جمع (١) ((الهداية)) (٤/ ٣٨٣). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٥٦٨). ٦٥٨ (١٥) باب إحياء الموات والشرب أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ))، فَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ ◌َلُ لِلْزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الْأُنْصَارِيَّ، وَكَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا بِأَمْرِ لَهُمَا فِيهِ سَعَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٥٩، ٤٥٨٥، م: ٢٣٥٧]. شرجة: مسيل ماء من الحرة إلى السهل، والحرّة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء : أرض ذات حجارة. وقوله: (أن كان) بفتح الهمزة، أي: لأنْ كان، وتقدير الجارِّ مع (أنْ) کثیر مطرد، وهذا القول من الرجل إما لكونه منافقاً، وجعله من الأنصار لكونه من قبيلتهم، وقد كان فيهم من يتصف بالنفاق كابن أبيٍّ وغيره، وإما لزلته عند الغضب، وأما القول بكونه يهوديًّا فبعيد غاية البعد، وأما عدم قتله إما لتأليفه أو صبره على أذى المنافقين حتى لا يحدَّث أن محمداً يقتل أصحابه. و(الجدر) بفتح الجيم وسكون الدال: الحائط وأصل الجدار وجانبه، أي: حتى يبلغ الماء جمیع الأرض، وقدروه بأن يبلغ کعب الإنسان . وقوله: (فاستوعى) أي: استحفظ واستوفى. وقوله: (حين أحفظه) أي: أغضبه، في (القاموس)(١): الحفيظة: الحمية، والغضب، وأحفظه: أغضبه، فاحتفظ، أو لا يكون إلا بكلام قبيح، قالوا: كان رسول الله له أمر زبيراً أولاً بالمسامحة وحسن الجوار بترك بعض حقه دون أن يكون حكماً شرعياً، فلما رأى الأنصاري يجهل موضع حقه أمره باستيفاء حقه، وقيل: كان قوله الآخر عقوبة له في ماله، والأول أظهر، والله أعلم. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٤١). ٦٥٩ (١١) كتاب البيوع ٢٩٩٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((لاَ تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكلاِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٥٤، م: ١٥٦٦]. ٢٩٩٥ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ: لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا أَكْثَرَ بِمَّا أُعْطِيَ، وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَاءٍ لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٦٩، م: ١٠٨]. ٢٩٩٤ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (لتمنعوا به فضل الكلأ) يعني يلزم من منع الماء المنع من الكلأ، وهذا لا يجوز؛ للاحتياج إليه في بقاء المواشي، وقد مرّ الحديث في آخر الفصل الأول من (باب المنهي عنه من البيوع). ٢٩٩٥ _ [٥] (وعنه) قوله: (لقد أعطي بها أكثر مما أعطي) كلا الفعلين على بناء المفعول، ويحتمل أن يعتبر فيهما الضمير للحالف أو يسند إلى المصدر، وهو بيان للحلف، ونقلٌ لقول الحالف بالمعنى، ولو حكي لفظه لقيل في الفعل الأول على بناء المفعول بضمير المتكلم، وفي الثاني على بناء الفاعل بضمير الخطاب بأن يقول: لقد أُعطيت بها أكثر مما تُعطي. وقوله: (بعد العصر) خص بعد العصر لأنه زمان شريف تقع الأيمان الغليظة فيه، لأنه وقت اجتماع الناس، وتصادم ملائكة الليل ملائكة النهار، كما في القرآن المجيد: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فسره الأكثرون بصلاة العصر لما ذكر، وقيل: أيّ صلاة كانت، والحديث مؤيِّد للقول الأول. وقوله: (لم تعمل يداك) صفة (ماء)، أي: خرج بمحض قدرتي ورحمتي. ٦٦٠ (١٥) باب إحياء الموات والشرب وَذُكِرَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي ((بَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مِنَ الْبُوعِ)). * الْفَصْلُ الثاني: ٢٩٩٦ - [٦] عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ قَالَ: ((مَنْ أَحَاطَ حَائِطاً عَلَى الأَرْضِ فَهُوَ لَهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٧٧]. ٢٩٩٧ - [٧] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ أَقْطَعَ لِلْزُّبَيْرِ نَخِيلاً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٦٩]. الفصل الثاني ٢٩٩٦ - [٦] (الحسن) قوله: (من أحاط حائطاً على الأرض فهو له) ظاهر الحديث يدل على أن الإحاطة بالحائط كافية في التملك، وإليه ذهب أحمد في أشهر الروايات عنه، لكن يشترط أن يكون الحائط منيعاً مما تجري العادة بمثله، وأكثر العلماء على أن التملك إنما هو بالإحياء، والتحجيرُ ليس من الإحياء في شيء، والحديث محمول على كون الإحياء للسكون، وقال في (الهداية)(١): ومن حجّر أرضاً ولم يعمرها ثلاث سنين، أخذها الإمام ودفعها إلى غيره؛ لأن الدفع إلى الأول كان ليعمرها فتحصل المنفعة للمسلمين من حيث العُشر أو الخراج، فإذا لم تحصل يدفعها إلى غيره تحصيلاً للمقصود، ولأن التحجير ليس بإحياء ليملكه، لأن الإحياء إنما هو العمارة، والتحجير الإعلام، فبقي غير مملوك كما كان هو الصحيح، وإنما اعتبر ترك ثلاث سنين لقول عمر تڅ : ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين حق. ٢٩٩٧ - [٧] (أسماء بنت أبي بكر) قوله: (أقطع) أي: أعطى، والإقطاع: (١) ((الهداية)) (٤/ ٣٨٤).