النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١
(١٠) كتاب المناسك
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٧٢٨ - [١] عَنْ عَلِيٍّ ◌َ﴾(١) قَالَ: مَا كَتَبْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ إِلاَّ
الْقُرآنَ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: «الْمَدِينَةُ حَرَامٌ
مَا بَیْنَ عَيْرِ إِلَی ثُوْرِ،
عنه في موضع الحاجة، واحتج بعضهم بحديث أنس في قصة قطع النخل لبناء المسجد،
ولو كان قطع شجرها حراماً ما فعله ◌َّر، وتعقب بأن ذلك كان في أول الهجرة،
وحدیث تحریم المدینة کان بعد رجوعه {آل﴾ من خيبر.
وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون سبب النهي عن صيد المدينة وقطع شجرها
كون الهجرة إليها، فكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في زينتها ويدعو إلى ألفتها،
كما روى ابن عمر: أن النبي ◌َّ﴿ نهى عن هدم آطام المدينة، فإنها من زينة المدينة،
فلما انقطعت الهجرة ارتفع ذلك، وتعقب بأن النسخ لا يثبت إلا بدليل.
وقيل: الجزاء في حرم المدينة أخذُ السلب، حديث (صحيح مسلم) عن سعد بن
أبي وقاص، وفي رواية لأبي داود: (من أخذ [أحداً] بالصيد في حرم المدينة فَلْيَسْلُبْه)،
قال القاضي عياض: لم يقل أحد بهذا بعد الصحابة إلا الشافعي في قوله القديم، قال
الشيخ: اختاره جماعة معه بعده لصحة الخبر به، وأغرب بعض الحنفية، فادعى الإجماع
على ترك الأخذ بحديث السلب، وفي السلب وجهان؛ أحدهما: ثيابه فقط، وأصحهما:
ثيابه وفرسه وسلاحه وغير ذلك.
الفصل الأول
٢٧٢٨ - [١] (علي) قوله: (ما بين عير إلى ثور) قيل: وهما اسما جبلين، فعيرٌ
(١) سقطت الترضية في نسخة.
٤٦٢
(١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
بفتح العين المهملة وسكون التحتانية: جبل مشهور بالمدينة، وأما ثور فهو بمكة، وهو
الذي توارى في غاره النبي ◌ّ في الهجرة، وليس في المشهور بالمدينة جبل يسمى
ثوراً، فهذا مشكل، قال في (فتح الباري)(١): اتفقت روايات البخاري كلها على إبهام
الثاني، ووقع عند مسلم: (إلى ثور)، فقيل: إن البخاري أبهمه عمداً لما وقع عنده أنه
وهم .
وقال صاحب (المشارق)(٢): أكثر رواة البخاري ذكروا عيراً، وأما ثور فمنهم
من كنى عنه بـ (كذا)، ومنهم من ترك مكانه بياضاً، والأصل في هذا التوقفِ قول
مصعب الزبيري: ليس بالمدينة عير ولا ثور، وأثبت غيره عیراً، ووافقه على إنكار ثور،
قال أبو عبيد: قوله: (ما بين عير إلى ثور) هذه رواية أهل العراق، وأما أهل المدينة
فلا يعرفون جبلاً عندهم يقال له: ثور، وإنما ثور بمكة، ونرى أن أصل الحديث (ما
بين عير إلى أُحد).
قلت: وقد وقع ذلك في حديث عبدالله بن سلام عند أحمد والطبراني، وقال
عياض: لا معنى لإنكار (عير) بالمدينة، فإنه معروف، وقد جاء ذكره في أشعارهم،
وقال ابن الأثير(٣): قيل: إن عيراً جبل بمكة، ويكون المراد: حرِّم من المدينة مقدار
ما بين عير وثور من مكة، وكأنه قال: حرّمت المدينة تحريماً مثل تحريم ما بين عير
وثور بمكة، على حذف المضاف ووصف المصدر المحذوف، انتهى.
(١) «فتح الباري)) (٤ / ٨٢).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢١١).
(٣) ((النهاية)) (٣/ ٣٢٨).
٤٦٣
(١٠) كتاب المناسك
قال الشيخ مجد الدين في (القاموس)(١): ثور جبل بالمدينة، ومنه الحديث
الصحيح: (المدينة حرام ما بين عير إلى ثور)، وأما قول أبي عبيد بن سلام وغيرِه من
أكابر الأعلام: إن هذا تصحيف، والصواب: إلى أحد، لأن ثوراً إنما هو بمكة، فغير
جيد؛ لِمَا أخبرني الشجاع البعلي الشيخ الزاهد عن الحافظ أبي محمد عبد السلام البصري
أن حذاء أحد جانحاً إلى ورائه جبلاً صغيراً يقال له: ثور، وتكرر سؤالي عنه طوائفَ
من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال، وكلُّ أخبرني أن ذلك الجبل
اسمه ثور، ولِمَا كتب إلي الشيخ عفيف الدين المطري عن والده الحافظ الثقة: أن
خلف أحد عن شماليِّه جبلاً صغيراً مدوراً يسمى ثوراً، يعرفه أهل المدينة خلفاً عن
سلفٍ، انتهى كلام (القاموس).
ونقل هذا الكلام المذكور في (فتح الباري)(٢) عن المحب الطبري أنه قال في
(الأحكام) بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه: قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد
عبد السلام البصري: أن حذاء أحد ... إلخ. ونقل عنه في آخر كلامه أنه قال: فعلمنا
أن ذكر ثور في الحديث صحيح، وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم
بحثهم عنه، قال: وهذه فائدة جلیلة، انتھی.
وقال الشيخ: وقرأت بخط شيخ شيوخنا القطب الحلبي في شرحه: حكى لنا
شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري: أنه خرج رسولاً إلى العراق،
فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل، فكان يذكر له الأماكن والجبال، قال: فلما وصلنا
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٣٧).
(٢) (فتح الباري)) (٤ / ٨٢).
٤٦٤
(١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
فَمَنْ أَحْدَثَ فِيْهَا حَدَثاً أَوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاس
أَجْمَعِينَ، وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ،
إلى أحد إذا بقربه جبل صغير، فسألته عنه، فقال: هذا يسمى ثوراً، انتهى.
وقد نقل كلام المحب الطبري السيد السمهودي في (تاريخ المدينة الطيبة) وقال :
وردّ الجمال المطري في تاريخه على من أنكر وجود ثور، وقال: إن خلف أحد من
شماليّة جبلاً صغيراً مدوراً يعرفه أهل المدينة خلفاً عن سلف، وقال الأقشهري: وقد
استقصينا من أهل المدينة تحقيق خبر جبل يقال له ثور عندهم، فوجدنا ذلك اسم
جبل خلف جبل أحد يعرفه القدماء دون المحدثين من أهل المدينة، والذي يَعلم حجةٌ
على من لا يعلم.
ونقل السيد السمهودي أيضاً عن الشيخ مجد الدين: لا أدري كيف وقعت
المسارعة من هؤلاء الأعلام إلى إثبات وهم في الحديث المتفق على صحته بمجرد
ادعاء أن أهل المدينة لا يعرفون جبلاً يسمى ثوراً مع احتمال تطرق التغير في الأسماء
والنسيان؟! ولعل ثوراً جبل عند أحد، وهذا غاية الاستقصاء في تحقيق المرام في هذا
المقام، والله أعلم(١).
وقوله: (فمن أحدث فيها حدثاً) أي: أمراً حادثاً منكراً في السنَّة، أو (آوى)
أي: مكَّن وأجار وأعان (محدثاً) بكسر الدال، أي: مبتدعاً أو جانياً، وقد يفتح الدال
أي: أمراً مبتدعاً، ويجعل (آوی) بمعنی رضي، فيكون المعنى: من ابتدع فيه أو رضي
بالبدعة من غيره، (فعليه لعنة الله) لعنة طردٍ وإبعاد من جناب القرب والرضا.
وقوله: (صرف ولا عدل) المشهور في تفسيره: فريضة ونافلة، وقد يراد بالصرف
(١) انظر: ((وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى)) (١ /١٩٤ -٢٠٠).
٤٦٥
(١٠) كتاب المناسك
ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ
وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ، وَمَنْ وَالَى قَوْماً
بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ
صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٧٠، م: ١٣٦٣].
الشفاعة؛ لأنها تَصرِف العذاب عمن يستحقه، أو التوبة لأنها تصرف العبد عن
المعصية، وبالعدل الفدية لأنها تعادل المُفْدى، ومن الأحكام المكتوبة في الصحيفة
العلوية هذا الحكم: (ذمة المسلمين واحدة) والذمة بالكسر: العهد؛ لأنه يذم على
إضاعتها.
وقوله: (يسعى بها أدناهم) أي: إذا آمن أحدٌ المسلمين - ولو كان وضيعاً أو
عبداً أو امرأةً - كافراً لم يحل لأحد نقضه، (فمن أخفر مسلماً) أي: نقض عهده،
وخفرْتُه بمعنى: حفظت عهده، وأخفرتُ بمعنى: نقضت عهده، والخفرة: الإزالة.
وقوله: (ومن والى قوماً بغير إذن مواليه) يحتمل أن يراد ولاء الموالاة؛ بأن
يكون لرجل موالي فأبطل موالاتهم، واتخذ قوماً آخرين مواليَ بغير إذن مواليه والاستشارة
بهم، فإن فيه نوعاً من نقض العهد والإيذاء، وقيل: المراد: من والى كفاراً لإيذاء
المسلمين، ويحتمل أن يراد ولاء العتاقة، وهذا أنسب بما جاء في الروايات الأخرى
من أقرانه، وذكرِه مع قوله: (ومن ادعى إلى غير أبيه) فإنهم قالوا: العتق له لحمة
كلحمة النسب، أي: من انتسب إلى غير من هو معتِق له کان کالداعي الذي ينتسب
إلی غیر أبيه .
وقوله: (بغير إذن مواليه) للتنبيه على ما هو المانع من إبطال حق مواليه وعهدهم،
وعلى ما هو الغالب في الوقوع، لا لتقييد الحكم بعدم الإذن حتى يجوز بإذنهم.
٤٦٦
(١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: ((مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِهِ، أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ،
فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ
وَلاَ عَدْلٌ)).
٢٧٢٩ - [٢] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ
لاَبَيِ الْمَدِينَةِ: أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا)) وَقَالَ: ((الْمَدِينَةُ خَيْرٌ
لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لاَ يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّ أَبْدَلَ اللهُ فِيْهَا مَنْ هُوَ
خَيْرٌ مِنْهُ، وَلاَ يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لِأَوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعاً أَوْ شَهِيداً
يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٦٣].
٢٧٢٩ - [٢] (سعد) قوله: (ما بين لابتي المدينة) أي: حَرَّتيها اللتين تكتنفانها،
واللابة بالتخفيف واللَّوبة بالضم: الحرة، وهي أرض ذات حجارة.
وقوله: (أن يقطع عضاهها) بدل اشتمال من (بين لابتي المدينة)، والضمير
للمدينة، و(العضاه) جمع عضاهة بالكسر: أعظم الشجر، أو الخَمْط، أو كلُّ ذات
شوك، أو ما عظم منها وطال، أو جمع ◌ِضَهٍ كعنب أو عِضَهةٍ كعنبة .
وقوله: (أو يقتل صيدها) والدلالة والإشارة والإعانة عليه في حكم القتل.
وقوله: (والمدينة خير لهم) قيل: الضمير للمهاجرين، والظاهر العموم.
وقوله: (لا يثبت) أي: لا يصبر، و(اللأواء) بالمد: الشدة والجوع، و(جهدها)
صحح في النسخ بالضم، والظاهر الفتح بمعنى المشقة، وأما بالضم فمعنى الوسع
والطاقة، وقيل: هما لغتان، و(أو) في قوله: (شفيعاً أو شهيداً) للشك، وقيل:
للتنويع، أي: شفيعاً للعاصين وشهيداً للمتقين.
٤٦٧
(١٠) كتاب المناسك
٢٧٣٠ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((لاَ يَصْبِرُ عَلَى
لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي إِلَّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ١٣٧٨].
٢٧٣١ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرَةِ جَاءُوا بِهِ إِلَى
النَّبِيِّنَ﴿ِ، فَإِذَا أَخَذَهُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا،
وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَاَ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ
وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَأَنَا أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ
مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ). ثُمَّ قَالَ: يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ،
٢٧٣٠ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (لا يصبر على لأواء المدينة) قيل: مخصوص
بزمان حياته وَّر، وقيل: عام، غايته أن الشدة في ذلك الزمان أكثر وأعظم.
٢٧٣١ - [٤] (عنه) قوله: (وبارك لنا في مدينتنا) البركة تكون بمعنى النماء
والزيادة، وبمعنى الثبات واللزوم، وهي تشمل البركة الدينية والدنيوية، وأيّ بركة لم
تُرْزِقْها تلك البلدة، وقد فتح كنوز العالم فيها، وأضاء بأنوارها وآثارها المشارق
والمغارب.
وقوله: (وإني عبدك ونبيك) لم يذكر الخلة لنفسه مع ثبوتها له أكمل مما ثبتت
لإبراهيم، ولا الحبَّ الذي هو أكمل من الخلة عند البعض، فإن الحبيب هو المحب
الذي وصل إلى مقام المحبوبية تواضعاً مع إثبات صفة العبودية الخاصة التي هي
أكمل الصفات وأرفع المقامات، والعبودية الحقيقية خاصة بالمحمدية، وكل من سواه
فهو دونه في هذه الصفة، كما قرره أهل التحقيق.
وقوله: (يدعو أصغر وليد) تخصيصه بالأصاغر لرعاية المناسبة الواقعة بينهم
٤٦٨
(١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٧٣].
٢٧٣٢ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ بَهِ قَالَ: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ
مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَاماً، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَ حَرَاماً مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا؛ أَنْ لاَ يُهْرَاقَ
فِيهَا دٌَّ، وَلاَ يُحْمَلَ فِيهَا سِلاَحٌ لِقِتَالٍ، وَلاَ تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلاَّ لِعَلَفٍ)) ...
وبين الباكورة، ولأن الصغير أرغب فيه وأكثر تطلعاً إليه وأشد فرحاً بذلك، وفي إيثار
الغير تنبيه وتعليم للأمة على منع الشره والشهوة، خصوصاً فيما فيه ميل الطبع أشدُّ
وأكثر كالباكورة.
٢٧٣٢ - [٥] (أبو سعيد) قوله: (إن إبراهيم حرم مكة) نسبة التحريم إلى إبراهيم
باعتبار دعائه وسؤاله ذلك، فلا ينافي ما سبق في حرم مكة من قوله: (إن مكة حرمها الله
ولم يحرمها الناس).
وقوله: (وإني حرمت المدينة حراماً) مصدر للتأكيد من قبيل: أنبته نباتاً، وقيل:
التقدير: جعلتها حراماً كما في قرينه، و(المأزمين) بكسر الزاي، أي: طرفيها من الجبال
في معنى: ما بين لابتيها، والمأزم: المضيق بين الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض
ويتسع، ويقال: المأزمان، لمضيق بين جمع وعرفة وبين مكة ومنى .
والمراد بإهراق الدم القتال، وإلا فإراقة الدم منهي عنها على الإطلاق، كذا
قيل، والأظهر أن المراد النهي عن قتل الجاني فيها حتى يخرج، كما هو مذهب أبي
حنيفة، والحمل على النهي عن القتال يوجب التكرار لقوله: (ولا يحمل فيها سلاح
لقتال).
وقوله: (ولا تخبط) بالتاء والياء، خبط الشجرة: شدَّها ثم نقض ورقها.
وقوله: (إلا لعلف) قد يجعل القائلون بأن تحريم المدينة تحريم التعظيم بدون
٤٦٩
(١٠) كتاب المناسك
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٧٤].
٢٧٣٣ - [٦] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ سَعْداً رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ،
فَوَجَدَ عَبْداً يَقْطَعُ شَجَراً أَوْ يَخْبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَّهُ أَهْلُ الْعَبْدِ،
فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلاَمِهِمْ أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلاَمِهِمْ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ
أَنْ أَرُدَّ شَيْئاً نَقَّلَنِيهِ رَسُولُ اللهِ، وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
١٣٦٤].
٢٧٣٤ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ الْمَدِينَةَ
وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلاَلٌ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ حَبِّبْ
إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا وَبَارِْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا،
وَانْقُلْ حُمَّاهَا ..
الجزاء هذا القولَ قرينةً على ذلك، لأن أشجار مكة لا يجوز خبطها بحال، وفيه ما فيه.
٢٧٣٣ - [٦] (عامر بن سعد) قوله: (بالعقيق) موضع قريب من المدينة، كذا
في (القاموس)(١)، كان يسكنه سعد بن أبي وقاص ، وله فيه قصر.
و قوله: (فسلبه) أي: أخذ ثوبه وسلاحه.
وقوله: (على غلامهم أو عليهم) الظاهر أن (أو) للشك.
وقوله: (نفلنيه) بالتشديد، أي: جعله لي نفلاً بالتحريك، أي: غنيمة.
٢٧٣٤ - [٧] (عائشة) قوله: (وعك أبو بكر وبلال ظا)، الوعك: الحمى أو
وجعها .
(١) («القاموس المحيط)) (ص: ٨٣٨).
٤٧٠
(١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [ح: ١٨٨٩، م: ١٣٧٦].
٢٧٣٥ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّوَهُ فِي الْمَدِينَةِ:
((رَأَيْتُ امْرَأَةَ سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَتْ مَهْيَعَةً،
فَتَأَوَّلْتُهَا أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَى مَهْيَعَةَ وَهِيَ الْجُحْفَةُ). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[خ: ٧٠٣٩].
وقوله: (بالجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة: موضع بين مكة والمدينة،
وفيها موضع یسمی بغدیر الخم، وكان ساكنوها يومئذ اليهود، قالوا: كانت أرض
المدينة قبل هجرة النبي وسيم أرض وباء وبلاء وشدة ولأواء وحمى، فأمرها ◌َّ أن تنتقل
إلى أراضي الكفار، وفيه دليل على جواز الدعاء على الكفار بالأمراض والأسقام والموت
والهلاك وفساد بلادهم.
٢٧٣٥ - [٨] (عبدالله بن عمر) قوله: (في رؤيا النبي ◌َّ) الإضافة إلى الفاعل.
وقوله: (في المدينة) أي: في شأن المدينة.
وقوله: (رأيت امرأة) بيان لرؤيا النبي ◌َّ ذكره حكاية عنه اَل .
وقوله: (ثائرة الرأس) أي: شعثاً، و(مهيعة) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح
التحتانية .
وقوله: (إن وباء المدينة) أي: حمَّاها وأمراضها، وفي (القاموس)(١): الوباء:
الطاعون أو كل مرض عام، وقال في حرف النون: الطاعون: الوباء، وقد يطلق أيضاً
على الأرض الوخمة التي تكثر بها الأمراض، ولم يكن هذا المعنى معلوماً لهم قبل
القدوم، وأيضاً لم يكن النهي عن قدوم أرض الوباء ثابتاً .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٤).
٤٧١
(١٠) كتاب المناسك
٢٧٣٦ - [٩] وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَّه
يَقُولُ: (( يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَيُسُونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ،
وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَيُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبْسُونَ،
فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَيُفْتَحُ
الْعِرَاقُ فَأْتِي قَوْمٌ يَبْشُونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ
لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٧٥، م: ١٣٨٨].
٢٧٣٧ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((وَأُمِرْتُ
بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى،
٢٧٣٦ - [٩] (سفيان بن أبي زهير) قوله: (يبسون) أي: يسيرون، من البس،
وهو السير باللين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًا﴾ [الواقعة: ٥]، وقيل: من
بَسَسْتُ الدابة، أي: سُقتها. (فيتحملون) بمعنى: يرتحلون، والمراد: يخرجون من
المدينة إلى البلاد، ويسوقون دوابهم ورحالهم إليها، بطلب سعة المعيشة وحظوظ
الدنيا وحطامها الفانية، وأعرضوا عن جوار رسول الله صل﴾ والإقامة في مهبط الوحي
ومنزل البركات، ففيه تحقيرهم وتوهين أمرهم، وقيل: المراد أن يخرجوا من البلاد
ويسكنون بالمدينة، ففيه مدح المدينة ومدح النازلين فيها، والمعنى الأول أصح وأوجه
وأظهر من الحديث، والله أعلم.
٢٧٣٧ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (أمرت بقرية) أي: بالهجرة إليها واستيطانها،
(تأكل القرى) أي: تغلبها وتظهر عليها، بمعنى أن من سكنها واستوطنها غلب على
سائر البلاد وفتحها، وهذه خاصية هذا البلد الشريف، سكنها أولاً العمالقة، فغلبوا
وفتحوا البلاد والولايات ما بين البحرين وعمان والحجاز والشام ومصر وغير ذلك،
٤٧٢
(١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
يَقُولُونَ: يَثْرِبَ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ.
ثم سكن اليهود فغلبوا العمالقة، ثم جاء الأنصار فغلبوا اليهود، ثم جاء سيد
المرسلين و 98 ومن معه من المهاجرين فغلبوا، وأيّ غلبة وشوكة حصلت لهم حتى
شمل العالم من مشرقها إلى مغربها، وهذه الأخبار بتفاصيلها مذكورة في كتاب (جذب
القلوب إلى ديار المحبوب)(١) تاريخ المدينة المطهرة على ساكنها السلام والتحية.
ومن أسماء هذه البلدة المكرمة: (أكالة القرى) و(أكالة البلدان) من جهة تسلطها
وغلبتها على سائر البلدان والأمصار، وتنفيذ أمر أهلها على سائر أهل الأقطار، وحمله
بعضهم على معنى زيادة الفضل والكرامة لها بالنسبة إلى فضائل سائر الأماكن، بمعنى
أن الفضائل كلها مضمحلة ومتوارية في جنب فضائلها، كما سميت مكة أم القرى من
جهة أصالتها وعراقتها بالنسبة إلى سائر بقاع الأرض، كما جاء في الأخبار، وقال
بعضهم: مضمون (أكالة القرى) أبلغ وأكمل من معنى (أم القرى)، لأن الأمومة
لا تقتضي المحو والإهلاك والإفناء إلا ثبوت الأصالة وحق الأمومة بخلاف الأكل، فإنه
يقتضي التواري والاضمحلال، ولهذه البلدة أسماء كثيرة تبلغ المئة، ذكرنا نبذة منها
في الكتاب المذكور.
وقوله: (يقولون: يثرب وهي المدينة) كان اسم هذه البلدة الشريفة قبل زمان
النبوة يثرب وأَثْرِب على وزن مسجد، فسماها رسول الله وَّ﴾ (المدينة) من التمدن
واجتماع الناس واستئناسهم وائتلافهم فيها، و(طابة) و(طيبة) و(محبوبة) وغيرها من
الأسماء، ونهى أن تسمى يثرب إما لأنها اسم جاهلي، أو لأنه مشتق من الثرب بمعنى
الهلاك والفساد، والتثريب هو التوبيخ والملامة، أو لأنه في الأصل اسم صنم أو
(١) هو من مؤلفات المصنف باللغة الفارسية، مطبوع.
٤٧٣
(١٠) كتاب المناسك
تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٧١، م:
١٣٨٢].
٢٧٣٨ - [١١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴾
يَقُولُ: (إِنَّ اللهَ سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٨٥].
أحد من الجبابرة.
وروى البخاري في (التاريخ) حديثاً معناه: أن من قال: يثرب مرة فليقل:
المدينة عشر مرات ليتدارك ذلك، وجاء في رواية أخرى: فليستغفر، وعن بعضهم:
أنه يعزر قائله، وما جاء في القرآن ﴿يَتَأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣] فإنما هو حكاية عن
قول المنافقين، ولذلك قال يقولون: يثرب، يعني إهانة وقصداً إلى أنها ليست محل
الإقامة والتوطن.
وقوله: (وهي المدينة) يعني مستحقة لأن تُستوطن ويجتمع فيها.
وقوله: (تنفي) أي: تخرج (الناس) من أهل الكفر والخبث، كما يزيل (الكير)
بكسر الكاف وسكون التحتانية بمعنى الكورة أو الزق الذي ينفخ به وهو الأرجح،
و(الخبث) بفتحتين: ما تلقيه النار وتبرزه من وسخ الفضة والنحاس والحديد وغيرها إذا
أذيبت فيجعلها خالصة نقية .
٢٧٣٨ _ [١١] (جابر بن سمرة) قوله: (إن الله سمى المدينة(١)) على لسان
حبيبه (طابة)، وكذلك (طيبة) بسكون المثناة، و(طيبة) بالتشديد، و(طائب) من
الطيب بمعنى طهارتها من أنجاس الشرك، وموافقتها للطباع السليم، ولطيب رائحته،
(١) ذكر المجد الفيروزآبادي في ((المغانم المطابة)) (٩٦ - ١٣٥) خمسة وستين اسماً للمدينة،
وزاد عليه السمهودي في ((وفاء الوفاء)) (١ / ٦١ - ٩٢) نحو ثلاثين اسماً.
٤٧٤
(١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
٢٧٣٩ - [١٢] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللهِ وَّ﴾
فَأَصَابَ الأَعْرَابِيَّ وَعَكِّ بِالْمَدِينَةِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقِلْنِي
بَيْعَتِي، فَأَتَى رَسُولُ اللهِوَّهِ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ
فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَّى، فَخَرَجَ الأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: ((إِنَّمَا
الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَتُنُصِعُ طَيِّبَهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨٣، م:
١٣٨٣].
بل طيب أمورها كلها، قال بعض العارفين: تهب من تربتها وأبوابها وجدرانها روائح
طيبة يجدها من لا تزكم شامة باطنه بزكام الكفر والنفاق، قال أبو عبدالله العطار:
فَمَا المسكُ والكافورُ والمنْدلُ
بطيبِ رسولِ اللهِ طابَ نسيمُها
وقيل: لطيب ساكنها وأمنهم بها وسكون حال من هاجر إليها، واليوم الطيب:
الساكن الريح، والريح الطيبة: الساكنة، أو من الطيب وحسن العيش بها، من طاب
لي الشيء: إذا وافقك، كذا في (المشارق)(١).
٢٧٣٩ - [١٢] (جابر بن عبدالله) قوله: (أن أعرابياً بايع) قالوا: كان ممن هاجر
وبايع النبي ◌َّر على الإقامة عنده، ثم أبى وبالغ في الخروج من عنده.
وقوله: (تنصع) في (القاموس) (٢): نصع كمنع نصاعة ونصوعاً: خلص، ونصع
لونه: اشتدّ بياضه، والناصع: الخالص من كل شيء، انتهى. فهو لازم، (يَنْصَع)
بمهملتين، أي: يَخْلُص، (طيبها) بالرفع، وروي من التفعيل فـ (طيبها) بالنصب،
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٣٢٦).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٧٠٨).
٤٧٥
(١٠) كتاب المناسك
٢٧٤٠ _ [١٣] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لاَ تَقُومُ
السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ١٣٨١].
٢٧٤١ _ [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ ..
وقيل: (ينصع) إما من النصوع بمعنى الخلوص، أو من النصع بمعنى الإخلاص،
و(طيبها) رفع على الأول ونصب على الثاني، وروي بموحدة مع مهملتين من البصع
وهو الجمع، وبمعجمة فمهملة من بضعت اللحم قطعته، كذا في (مجمع البحار)(١)،
أي: يخرج ويصفي الطيب من الخبيث.
وقوله: (طيبها) بكسر طاء وسكون ياء، ويروى بفتح طاء وكسر تحتية مشددة،
وهو أصح وأقوم لأنه في مقابلة الخبيث.
ثم قيل: يحتمل كونه في زمن النبي ◌ّ، وكونه آخر الزمان حين يخرج الدجال،
ترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق، ويحتمل كونه في أزمنة
متفرقة، يحكى أن عمر بن عبد العزيز كان يقول حين خرج منها بعد كونه أميراً من
جانب هشام بن عبد الملك: أخاف أن أكون ممن نفته المدينة، كذلك يخاف كل من
خرج منها، اللهم إلا لضرورة وحق شرعي، نسأل الله العافية.
٢٧٤٠ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة) هذا
الحديث ظاهر في كونه في آخر الزمان، كما قيل.
٢٧٤١ - [١٤] (عنه) قوله: (على أنقاب المدينة) جمع نقب بفتح النون - وحكي
ضمها - وسكون قاف: الطريق بين الجبلين أو الفرجة بينهما .
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٧٣٤).
٤٧٦
(١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
مَلاَئِكَةٌ لاَ يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلاَ الدَّجَّالُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨٠، م:
١٣٧٩].
٢٧٤٢ - [١٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ((لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلاَّ
سَيَطَوْهُ الدَّجَّلُ إِلَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، لَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أَنْقَابِهَا إِلَّ عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ
صَافِينَ يَحْرُسُونَهَا، فَيَنْزِلُ السَّبِخَةَ، فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلاَثَ
رَجَفَاتٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨١، م:
٢٩٤٤٣].
٢٧٤٢ - [١٥] (أنس) قوله: (من أنقابها) الظاهر أن الضمير للمدينة، كما يدل
عليه سياق الحديث، فإن السبخة إنما هي أرض المدينة، فلعل مكة تحفظ بدون
حراسة الملائكة.
وقوله: (فينزل السبخة) بفتحات وقد تكسر الباء: أرض يعلوها الملوحة، وفي
(القاموس)(١): السَّبْخة ويحرك: أرض ذات نزِّ وملح.
وقوله: (فترجف المدينة بأهلها) في (القاموس)(٢): رجف: حرك وتحرك،
انتهى. والظاهر في الحديث المعنى الثاني، فالباء إما للتعدية أو للملابسة، وقال
الطيبي(٣): يحتمل أن تكون للسببية، ويجوز أن يحمل على الأول وتكون الباء
زائدة .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٤٤).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٤٩).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٥/ ٣٧٧).
٤٧٧
(١٠) كتاب المناسك
٢٧٤٣ - [١٦] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لاَ يَكِيدُ أَهْلَ
الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلَّ انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٧٧،
م: ١٣٨٧].
٢٧٤٤ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَنَظَرَ
إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَبَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٨٨٦].
٢٧٤٣ - [١٦] (سعد) قوله: (إلا انماع) أي: ذاب وفني، يعني: من أراد المكر
بهم وإيذاءهم لا يمهله الله، ولم يبق له سلطان بل يذهبه عن قريب، كما يرى ذلك
من حال يزيدَ الشقيِّ علیه ما يستحقه.
٢٧٤٤ - [١٧] (أنس) قوله: (إلى جدرات) الجدر والجدار: الحائط، والجمع:
جدر وجدور وجدران، وفي الحديث جمع الجمع بالألف والتاء.
وقوله: (أوضع راحلته) وضع البعيرُ: أسرع، وأوضعه راكبه إيضاعاً: إذا حمله
على سرعة السير، وفي الحديث: (شر الناس في الفتنة الراكب الموضع)(١)، أي:
المسرع إليها، ومنه (فإن البر ليس بالإيضاع) قاله حين الدفع من عرفة وأوضع في
وادي محسر، كما مر، وقيل: الإيضاع خاص بالراحلة، أي: بالبعير، ويقال في غيرها
كالفرس والبغل والحمار: حركها، ولذا قال: (وإن كان على دابة) يعني: سوى البعير
(حركها)، وأعظم ما يكون الشوق يوماً إذا دنت الخيام من الخيام.
(١) ينظر: ((كنز العمال)) (ح: ٣١٠٨٧).
٤٧٨
(١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
٢٧٤٥ - [١٨] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ: ((هَذَا جَبَلٌ
يُحِبَُّ وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا)). مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٨٩، م: ١٣٦٥].
٢٧٤٦ - [١٩] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: «أُحُدٌ
جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٤٨٢].
٢٧٤٥ - [١٨] (عنه) قوله: (هذا جبل يحبنا ونحبه) قيل: هذا مجاز باعتبار
محبة أهلها، وهم المؤمنون وأهل التوحيد من الأنصار، كما أنشد:
ومن مذهبي حب الديار لأهلها
ولذا قال في مقابلته: (وعیر جبل یبغضنا ونبغضه) لكون ساكنيه المنافقين،
والحق أنه محمول على ظاهره؛ لإيداع العلم والفهم ولوازمهما من المحبة والعداوة
في الجمادات على ما يليق بشأنها، خصوصاً مع الأنبياء والأولياء، خصوصاً سيد
الأنبياء وسلطان الأولياء كان محبوب العالمين لكونه محبوب رب العالمين، ومن
أحبه الله أحبه كل شيء، إذ كل شيء خلقه ومحكومه، وحنين الجذع لمفارقته وَي أدل
دلیل علی ذلك، وهو حديث مشهور بلغ حدّ التواتر.
٢٧٤٦ - [١٩] (سهل بن سعد) قوله: (أحد جبل يحبنا ونحبه) الظاهر أن هذا
القول أيضاً في المقام المذكور، أعني: إذا طلع أحدٌ، ففي العدول عن اسم الإشارة
والتعبير باسمه تشريف وتعظيم له والتذاذ، كما يكون بذكر اسم المحبوب، ويحتمل
أن یکون صدوره في وقت آخر لم یکن بحضرته.
٤٧٩
(١٠) كتاب المناسك
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٧٤٧ - [٢٠] عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ قَالَ: رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي
وَقَّاصٍ أَخَذَ رَجُلاً يَصِيدُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ الَّذِي حَرَّمَ رَسُولُ اللهِوَّهِ، فَسَلَبَهُ
ثِيَابَهُ، فَجَاءَ مَوَالِيهِ فَكَلَّمُوهُ فِيهِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ حَرَّمَ هَذَا الْحَرَمَ،
وَقَالَ: ((مَنْ أَخَذَ أَحَداً يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلُبُهُ»، فَلاَ أَرُدُ عَلَيْكُمْ طُعْمَةً أَطْعَمَنِيهَا
رَسُولُ اللهِوَّهِ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إِلَيْكُمْ ثَمَنَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د:
٢٠٣٧].
٢٧٤٨ - [٢١] وَعَنْ صَالِحِ مَوْلَى لِسَعْدٍ: أَنَّ سَعْدَاً وَجَدَ عَبِيداً مِنْ
عَبِيدِ الْمَدِينَةِ يَقْطَعُونَ مِنْ شَجَرِ الْمَدِينَةِ، فَأَخَذَ مَتَاعَهُمْ وَقَالَ - يَعْنِي
لِمَوَالِيهِمْ -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَنْهَى أَنْ يُقْطَعَ مِنْ شَجَرِ الْمَدِينَةِ شَيْءٌ
وَقَالَ: ((مَنْ قَطَعَ مِنْهُ شَيْئاً فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَبُهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٠٣٨].
الفصل الثاني
٢٧٤٧ - [٢٠] (سليمان بن أبي عبدالله) قوله: (فسلبه ثيابه) بدل كما في
سُلب زيدٌ ثوبُه.
وقوله: (دفعت إليكم ثمنه) أي: تبرعاً.
٢٧٤٨ - [٢١] (صالح مولى لسعد) قوله: (وجد عبيداً من عبيد المدينة)
بلفظ الجمع فيهما، ومر في (الفصل الأول) عن عامر بن سعد: (عبداً) بلفظ المفرد،
وفي حديث: (رجلاً)، فإما أن تكون القضية متعددة، وعلى تقدير التعدد وجد عبيداً
مجتمعين، أو وجد مراراً كلَّ مرة واحداً منهم، أو يكون من وهم الراوي، والله
أعلم .
٤٨٠
(١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى
٢٧٤٩ - [٢٢] وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ صَيْدَ وَجِّ
وَعِضَاهَهُ حِرْمٌ مُحَرَّمٌ لِلَّهِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: وَجٌ ذَكَرُوا
أَنَّهَا مِنْ نَحِيَةِ الطَّائِفِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: ((أَنَّهُ)) بَدَلُ ((أَنَّهَا)). [د: ٢٠٣٢].
٢٧٥٠ _ [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنِ اسْتَطَاعَ
أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا)).
٢٧٤٩ - [٢٢] (الزبير) قوله: (إن صيد وج) الوج بفتح الواو وتشديد الجيم:
وادٍ بالطائف، ووقع في حديث متشابه: (إن وجاً مقدس، منه عرج الرب إلى السماء)،
كما في (مجمع البحار)(١)، وتحريمه يحتمل أن يكون على سبيل الحِمَى، أو حرِّم
في وقت ثم نسخ، كذا قال الشافعية وغيرهم، ومثل هذا قالت الحنفية في تحريم
المدينة .
وقوله: (حرم محرم لله) الحرم بكسر الحاء بمعنى حرام، و(محرم لله) للتأكيد.
وقوله: (أنه) بضمير المذكر الراجع إلى (وج) (بدل أنها) بضمير المؤنث راجعاً
إليه، ويجوز في أسماء المواضع التأنيث بتأويل البقعة أو الناحية، والتذكير بتأويل
الموضع أو المكان، ولهذا يصرف ولا يصرف.
٢٧٥٠ - [٢٣] (ابن عمر) قوله: (فليمت) أي: فليُقم بها حتى يموت، وكان
من دعاء عمر : اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي ببلد رسولك،
فاستجيب، ونحن أيضاً ندعو الله رجاء الإجابة: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل
موتي ببلد رسولك، آمين آمين.
وقوله: (فإني أشفع) بالتخفيف معلوماً، وبالتشديد مجهولاً .
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٥/ ٢٠).