النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
(١٠) كتاب المناسك
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٩٨٤، دي: ٢ / ٦٤](١).
٩ - باب (٢)
: الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٦٥٥ - [١] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ وَقَفَ
فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنَّى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ،
فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنَّ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: (اذْبَحْ، وَلاَ حَرَجَ)). فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ
أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَقَالَ: ((ارْمِ،
القصر قدر ثلاث أنملة، كذا في (الهداية)(٣)، وقال الطيبي(٤): أقله ثلاث شعرات.
ثم إن ذكر (على) في قوله: (ليس على النساء الحلق) وهي تدل على نفي
الوجوب، والمراد نفي الجواز، يشبه أن يكون بطريق المشاكلة، فافهم.
٩ - باب
الفصل الأول
٢٦٥٥ - [١] (عبدالله بن عمرو بن العاص) قوله: (وقف) أي: توقف وقام
في مكان، وفي رواية: (وقف على راحلته).
(١) زاد في نسخة: ((وهذا الباب خال من الفصل الثالث)).
(٢) في نسخة: ((باب جواز التقديم والتأخير في بعض أمور الحج)). قاله القاري (٥ / ١٨٣٢).
(٣) ((الهداية)) (١ / ١٤٥).
(٤) ((شرح الطيبي)) (٥ / ١٤٥).

٤٠٢
(٩) باب
وَلاَ حَرَجَ)). فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ نَّهِ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ إِلَّ قَالَ: ((افْعَلْ،
وَلاَ حَرَجَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٣، ١٧٣٦، م: ٢٣٠٦].
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ((ارْمِ
وَلاَ حَرَجَ) وأتاهُ آخرُ فَقَالَ: أَفَضتُ إِلى البيتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ((ارْمِ
وَلاَ حَرَجَ)).
٢٦٥٦ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللّهِ وَ﴿ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ
بِمِنَّى، فَيَقُولُ: لَاَ حَرَجَ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ؟ ....
وقوله: (قدم ولا أخر) بلفظي المجهول، قيل: الغالب في الكلام الفصيح أن
يتكرر (لا) الداخلة على الماضي، أقول: يكفي في فصاحته وقوعه في الحديث،
ولو لم يكف فنقول: لعل ذلك مشروط بقيد تَخرج مثلُ هذه الصورة منه، كأن يقال:
إنما ذلك فيما إذا ابتدئ الكلام بالماضي، ولم يقع الماضي الأول بعد نفي آخر
سوى (لا) أو نحو ذلك، والله أعلم.
ثم اعلم أن أفعال يوم النحر أربعة: الرمي والذبح والحلق والطواف، واختلفوا
في أن هذا الترتيب سنة أو واجب؟ فذهب أكثر العلماء ومنهم الشافعي وأحمد إلى
أنها سنة لهذا الحديث، وذهب جماعة منهم الإمام أبو حنيفة ومالك إلى الوجوب،
وقالوا: المراد بنفي الحرج رفع الإثم للجهل والنسيان، ولكن الدم واجب، وقال
الطيبي(١) رحمه الله: إن ابن عباس روى مثل هذا الحديث، وأوجب الدم، فلولا أنه
فهم ذلك وعلم أنه المراد لما أمر بخلافه.
٢٦٥٦ - [٢] (ابن عباس) قوله: (رميت بعدما أمسيت) قال الطيبي رحمه الله:
(١) ((شرح الطيبي)) (٦/ ٢٠١٢).

٤٠٣
(١٠) كتاب المناسك
فَقَالَ: ((لاَ حَرَجَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٧٢٣].
* الْفَصْلُ الثاني:
٢٦٥٧ _ [٣] عَنْ عَلِيِّ قَالَ: أَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي
أَفَضْتُ قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ؟ فَقَالَ: ((احْلِقْ، أَوْ قَصِّرْ، وَلاَ حَرَجَ)). وَجَاءَ(١) آخَرُ،
فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ((ارْمِ، وَلاَ حَرَجَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت:
٨٨٥].
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٦٥٨ - [٤] عَنْ أَسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ زَلِّ حَاجًّا،
فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ، فَمِنْ قَائِلِ: يَا رَسُولَ اللهِ،
أي: بعد العصر، ونقل عن المُظهر: أنه إذا أخّر إلى الغروب لزمه دم، وهذا مذهبهم،
وعندنا: إن رمى بالليل لم يلزم شيء، وإن أخّر إلى الغد رمى ويلزمه الدم.
الفصل الثاني
٢٦٥٧ - [٣] (علي) قوله: (إني أفضت قبل أن أحلق) هذه الصورة لم تكن
مذكورة فيما قبل.
وقوله: (أو قصر) لمَّا خفف عليه في الترتيب زاد في التخفيف والترخيص
بالتقصير، يعني: احلق، وإن تُرد أن لا تحلق فذلك أيضاً جائز بأن تقصر.
الفصل الثالث
٢٦٥٨ _ [٤] (أسامة) قوله: (عن أسامة بن شريك) بفتح الشين.
(١) في نسخة: ((جاءه)).

٤٠٤
(١٠) باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع
سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ، أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئاً، أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئاً؟ فَكَانَ يَقُولُ:
(لاَ حَرَجَ إِلَّ عَلَى رَجُلٍ اقْتُرَضَ عِرْضَ مُسْلِمٍ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَذَلِكَ الَّذِي حَرِجَ
وَهَلَكَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
١٠- باب خطبة يوم النخر، ورمي أيام التشريق، والتوزيع
وقوله: (إلا على رجل) الاستثناء منقطع، و(اقترض) افتعل من القرض بمعنى
القطع، أي: لكن من قطع (عرض مسلم) بكسر العين، ونال منه بالغيبة أو غيرها،
والحال أن ذلك القاطع ظالم وجائر، والقطع احتراز عما إذا كان ذِكْره لغرض صحيح
كجرح الرواة والشهود ونحوه فإنه مباح، بل قد يجب في بعض المواضع، و(حرج)
بلفظ الماضي من باب سمع، أي: أَثِمَ، يريد أن ترك أمثال هذه الأمور ليس مهماً
عظيماً إذ قد يتدارك ذلك بالجزاء ويعذر عنه بالنسيان، ولكن رعاية حقوق المسلمين
وحفظ أعراضهم أعظم وأعظم.
١٠ - باب خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق والتوديع
الخطب: الشأن، والأمر الذي يقع فيه المخاطبة صغر أو عظم، والخطاب:
توجيه الكلام إلى الغير، والتخاطب والمخاطبة: المراجعة في الكلام، وخطب
الخاطب على المنبر خطابة بالفتح، وخطبة بالضم، وذلك الكلام خُطبة أيضاً،
وهي الكلام المنثور المسجَّع ونحوه. ورجل خطيب: حَسَن الخُطْبة، كذا
في (القاموس) (١)، وقد غلب في العرف على الموعظة كالخِطبة بالكسر على
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٨).

٤٠٥
(١٠) كتاب المناسك
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٦٥٩ - [١] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ◌َهِ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ:
(إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْتَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا
عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ،
طلب المرأة.
وأيام التشريق: الثلاثة بعد يوم النحر، والتشريق: تقديد اللحم وبسطه في
الشمس ليجفّ، ومنه سمي أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي كانت تشرَّق فيها بمنى،
أو لأن الهدي لا ينحر حتى تطلع الشمس، فيكون من الشروق بمعنى ضوء الشمس
وسطوعها، ومنه حديث (من ذبح قبل التشريق فليعد) أي: قبل أن يصلي العيد، وهو
لأن وقتها بعد شروق الشمس .
والمراد بالتوديع الإتيان لطواف الوداع لتوديع الكعبة ــ زادها الله شرفا -، أو
توديع الناس، وقوله يثير: (لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)، بهذا المعنى سميت
حجة الوداع، وقوله: (اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب).
الفصل الأول
٢٦٥٩ - [١] (أبو بكرة) قوله: (إن الزمان) يعني السنة، (قد استدار) أي: عاد
إلى موضعه الذي ابتدأ، و(يوم) متعلق بـ (هيئته).
وقوله: (السنة اثنا عشر شهراً) بيان للاستدارة على تلك الهيئة، قال الله تعالى:
﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَبٍ اُللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، ومعنى الحديث: أن العرب كانوا يؤخرون المحرم
إلى صفر ليقاتلوا فيه، فيفعلون ذلك في كل سنة، وذلك النسيء المذكور في القرآن

٤٠٦
(١٠) باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع
ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي
بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» ..
في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾ الآية [التوبة: ٣٧]، قال: النسيء: شهر كانت
تؤخره العرب في الجاهلية، فنهى الله عنه، وذلك يحصل من كبيسة العرب وهي السنة
التي يسرق منها يوم، وذلك في كل أربع سنين، ويجيء السنة بها بعد سنين ثلاثة
عشر شهراً، والسنة التي حج فيها رسول الله يوم قد عاد إلى زمنه المخصوص به قبل،
واستدارت كهيئتها الأولى، وعاد المحرم إلى أصله، وكذا كل شهر قبل، ولذلك أخَّر
النبي ◌َّ الحج تلك السنة؛ ليقع حجه في ذي الحجة.
والتاء في (أربعة) باعتبار الأشهر، وحذفها في (ثلاث) باعتبار ابتداء الشهور من
الليالي، کذا قالوا، و(ذو القعدة) بفتح القاف، وقد یکسر، شهر کانوا یقعدون فيه عن
الأسفار، و(ذو الحجة) بالكسر، شهر الحج، كذا في (النهاية)(١)، وقد فتح في بعض
النسخ .
وقال في (المشارق)(٢): ذو الحجة بفتح الحاء، ولا يجوز الكسر عند الأكثر،
وأجازه بعضهم، وأما اسم الحج فالحجة بالفتح، والمرة الواحدة منه حِجة بالكسر،
ولم يأت فِعْلة بالكسر في المرة الواحدة إلا في هذه، والباب كله فَعْلة بالفتح.
وقوله: (ورجب مضر) مضر بن نزار، كزفر، أبو قبيلة، سمي لولعه بشرب
المضر، وهو اللبن الحامض، أو لبياض لونه، وإنما أضافوا رجب إليها لأنها كانت
أشدَّ محافظةً على تحريمه .
وقوله: (الذي بين جمادى وشعبان) زيادة بيان، وجمادى بضم الجيم.
(١) ((النهاية)) (١ / ٣٤١).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٨٣).

٤٠٧
(١٠) كتاب المناسك
وَقَالَ: ((أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟)) قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ
سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرٍ اسْمِهِ. فَقَالَ: ((أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟)) قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: ((أَيُّ بَلَدٍ
هَذَا؟)) قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ .
قَالَ: ((أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟)). قُلْنَا بَلَى. قَالَ: ((فَأَيُّ يَوْمِ هَذَا؟)) قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟»
قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: ((فَإِنَّ ◌ِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةٍ
يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ
عَنْ أَعْمَالِكُمْ،
وقوله: (أيّ شهر هذا؟) تمهيد وتأسيس لبيان المقصد وتقريره في أذهانهم،
وليس المقصود حقيقة الاستفهام.
وقوله: (الله ورسوله أعلم) تأدب وإحالة للعلم باعتبار احتمال تسميته بغير
اسمه .
وقوله: (أليس البلدة؟) قيل: إن البلدة اسم خاص بمكة كالبيت بالكعبة غلبة
لكمالهما، وبَلَدَ بالمكان: إذا أقام.
وقوله: (وأعراضكم) جمع عرض بالكسر، وهو موضع المدح والذم من
الإنسان، سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه
من نفسه وحَسَبه، ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب، كذا في (النهاية)(١)، وزاد في
(القاموس)(٢): أو ما يفتخر به من حسب وشرف، وقد يراد به الآباء والأجداد، انتهى.
(١) ((النهاية)) (٣/ ٢٠٩).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٩٥).

٤٠٨
(١٠) باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع
أَلَاَ فَلاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلاَّلاَ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟))
قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: ((اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى
مِنْ سَامِعِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٤١، م: ١٦٧٩].
٢٦٦٠ - [٢] وَعَنْ وَبَرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ: مَتَى أَرْمِي الْحِمَارَ؟
قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهِ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ، فَقَالَ:
وقد يفسر العرض بالنفس وبالأخلاق النفسانية، وقيل: ذلك مجاز إطلاقاً للمحل
على الحالِّ في الأول، واللازِمِ على الملزوم في الثاني، فتدبر.
وقوله: (فلا ترجعوا) أي: لا تصيروا بعدي، أي: بعد مفارقتي من الدنيا (ضلالاً)
جمع ضال، ويروى: (كفاراً)، والمقصود النهي عن الظلم والتجاوز عن الحد في
حفظ حرمة الدماء والأموال والأعراض، وذكروا في توجيه رواية (كفاراً) وجوهاً:
أن ذلك كفر في حق المستحِل، أو المراد كفران النعمة وحقِّ الإسلام، أو المراد أنه
يقرِّب إلى الكفر ويؤدي إليه، أو أنه فعل شبه فعل الكفار، وقيل: المراد بالكفر لبس
السلاح، يقال: تكفَّر الرجل بسلاحه: إذا لبسه، أو المراد: لا يكفِّر بعضكم بعضاً.
وقوله: (يضرب بعضكم رقاب بعض) تخصيص للاهتمام، و(مبلغ) بفتح اللام
والصلة محذوفة، أي: إليه (أوعى) أي: أحفظ وأعلم (من سامع) مني.
٢٦٦٠ - [٢] (وبرة) قوله: (وعن وبرة) بفتح الواو وسكون الباء الموحدة، كذا
في (جامع الأصول)(١)، وبفتح الباء للكرماني والزركشي، وكذا في (المغني) (٢).
وقوله: (إذا رمى إمامك فارمه) الظاهر أن المراد السلطان والأمير النائب في
(١) ((جامع الأصول)) (١٢ / ٩٦٩).
(٢) «المغني في ضبط الأسماء)) (ص: ٢٨٤).

٤٠٩
(١٠) كتاب المناسك
كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٧٤٦].
٢٦٦١ - [٣] وَعَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي جَمْرَةَ الدُّنْيَا
بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومُ
مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ طَوِيلاً، وَيَدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى بِسَبْعِ
خَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ تَأْخُذُ بِذَاتِ الشِّمَالِ، فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ
مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلاً، ثُمَّيَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ
الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَلاَ يَقِفُ
عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، .
إقامة مناسك الحج، لكن بشرط أن يكون أعلم، وكذا فسره الطيبي(١) بقوله: أي:
اقتد في الرمي بمن هو أعلم منك بوقت الرمي.
وقوله: (نتحين) أي: نطلب دخول الوقت وننتظره.
٢٦٦١ - [٣] (سالم) قوله: (جمرة الدنيا) من إضافة الموصوف إلى الصفة،
وتأويله: جمرة البقعة الدنيا، كجانب الغربي بتأويل: جانب المكان الغربي، وصف
بالدنيا لقربه من منازل النازلين عند مسجد الخيف، وهناك كان مناخ النبي مليلتر.
وقوله: (حتى يسهل) من أسهل: إذا دخل في السهل من الأرض، وهي ضد
الحزن .
وقوله: (طويلاً) روي عن ابن عمر: أنه كان يقوم مقدار ما يقرأ سورة البقرة،
وعن بعضهم: حتى تتورم قدماه.
وقوله: (ولا يقف عندها) بل كما رمى انصرف، هكذا السنة، ولهذا قال ابن
(١) (شرح الطيبي)) (٣١٩/٥).

٤١٠
(١٠) باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع
فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٧٥٢].
عمر: (هكذا رأيت رسول الله ﴿ يفعله)، وقد عرفتَ أن معظم أركان الحج وأفعاله
مما لا يدرك العقل معناه، قال الشيخ ابن الهمام(١): الروايات متظافرة على أنه وله
لم يقف بعد رمي جمرة العقبة، ولا يدرك في تخصيص الوقوف والدعاء بالجمرتين
غير هذه الجمرة وجه، وقد يتخيل أن في اليوم [الأول] كانت مشاغل كثيرة من الذبح
والحلق والإفاضة إلى مكة، فلم يقف لوجود هذه المشاغل، ولكن هذا المعنى معدوم
في الأيام الأخر، إلا أن يقال: جمرة العقبة وقعت في الطريق، فالوقوف فيها يوجب
قطع الطريق على المار ويضيقها، وكان موجباً لشدة ازدحام الواقفين والمارين، ومفضيان
إلى لحوق ضرر عظيم بهم بخلاف باقي الجمرات، فإنها ليست في وسط الطريق بل
على طرف منها، انتهى .
وقد يقال: إن الدعاء إنما يكون في صلب العبادة لا في انتهائها، والدعاء في
صلب العبادة أفضل، وكان أكثر دعائه وَّر في الصلاة في التشهد قبل السلام، ورمي
الجمرتين الأوليين كان في الوسط، فدعا فيهما، وبعد رمي جمرة العقبة قد انتهت
العبادة، وإليه أشار في (الهداية) وذكره في (سفر السعادة).
وهذا كما ترى ضعيف، فقد شرع الدعاء بعد أداء الصلاة وإفطار الصوم، وقد
جعل أحد أحوال الإجابة دبر الصلوات المكتوبة وعقيب تلاوة القرآن، والعبد الضعيف
كاتب هذه السطور لما تشرف بهذه العبادة ألقي في رُوعه بلا سابقة فكر وتأمل بطريق
الإلهام نكتة في عدم الوقوف عند هذه الجمرة، وأرجو أن يكون صواباً، وهو أن في
عدم وقوفه عندها إشارة من الرب الرحيم ورسوله الكريم أن العبد لما بلغ الجهد في
(١) ((شرح فتح القدير)) (٢ / ٤٨٦).

٤١١
(١٠) كتاب المناسك
٢٦٦٢ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ أَنْ يَبِيِتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنَّى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ١٦٣٤، م: ١٣١٥].
العبادة، وسعى في طريق المجاهدة والرياضة، وقف على باب الرحمة ودعا وسأل،
وأدى حق الخدمة والطاعة في الجمرتين الأوليين، سهّل الله تعالى عليه الأمر، وأباح
عليه الدعة والراحة بفضله وكرمه، وأفاض علیه آثار رحمته وعفوه ومغفرته، لا سيما
في هذه العبادة التي هي الحج المثمرة لغاية آثار الرحمة والمغفرة، فكأنه قال: يا عبادي!
قد أتعبتم أنفسكم، وجاهدتم حق الجهاد، اربعوا على أنفسكم، فقد غفرت لكم،
وعرضت هذه النكتة على أكابر علماء مكة المعظمة الذين كانوا حاضرين في ذلك
المقام خصوصاً شيخنا ومولانا القاضي علي بن قاضي جار الله القرشي الخالدي الشهير
بابن ظهير فقبلوه واستحسنوه ودعوا بالبركة لهذا الفقير الحقير، والله أعلم.
٢٦٦٢ - [٤] (ابن عمر) قوله: (أن يبيت بمكة ليالي منى) اعلم أن المبيت بمنى
واجب عند جمهور العلماء، وسنة عند الإمام أبي حنيفة، وكذا في رواية عن الشافعي
وأحمد، والمعتبر في المبيت أكثر الليل، وكذا في أمثاله مما یندب فيه قيام الليل،
وقيل: يكفي في ذلك ساعة، وتمسك القائلون بالسنة بهذا الحديث؛ لأنه لو كان واجباً
لما أذن للعباس في المبيت بمكة، وأجيب بأنه رخصة للضرورة، وقد وقع في بعض
الروايات بلفظ الرخصة، وقد يتمسك باستئذان العباس أنه لو لم يكن واجباً لما استأذن،
وجاز ذهابه بلا إذن، وهذا ضعيف؛ لأن مخالفة السنة كان أمراً خطيراً عندهم في مثل
هذا المقام؛ لاستلزامه مجانبة الناس كلهم، وتركه ملازمة حضرة الرسول صلي، ولا شك
أن في ترك السنة إساءةً، فالاستئذان لإسقاط تلك الإساءة.

٤١٢
(١٠) باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع
٢٦٦٣ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ،
فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، إِذْهَبْ إِلَى أُمَّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللهِلَُّ
بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ: (اسْقِي)) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ
أَيَدِيَهُمْ فِيهِ. قَالَ: ((اسْقِ) فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ
فِيهَا، فَقَالَ: ((اعْمَلُوا، فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ)) ثُمَّ قَالَ: (لَوْلاَ أَنْ تُغْلَبُوا،
لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ). وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[خ: ١٦٣٥].
٢٦٦٤ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ صَلَّى الُّهْرَ، وَالْعَصْرَ،
وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ، فَطَافَ
بِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٧٥٦].
وقال في (الهداية)(١): البيتوتة بمنى ليست من مناسك الحج وأفعاله المقصودة
لذاته، بل ليسهل عليه الرمي في الأيام، وإن بات في غير منى وحضر الرمي لم يلزمه
شيء، ولکن کره لترك متابعة فعل رسول الله پێ، وكان عمر يؤدب على تركه.
٢٦٦٣ - [٥] (ابن عباس) قوله: (لولا أن تغلبوا) قد عرف معناه في حديث
جابر في قصة حجة الوداع.
٢٦٦٤ - [٦] (أنس) قوله: (بالمحصب) متعلق بقوله: (صلى) و(رقد) على سبيل
التنازع، و(المحصب) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة المشددة:
اسم مكان خارج مكة؛ سمي به لكثرة الحصباء فيه، ويسمى أبطح أيضاً وهو مسيل
واسع يكون فيه حصَى دقيقةٌ كما يكون في الأودية، وبهذا سميت مكة بطحاء، ويسمى
(١) ((الهداية)) (١ / ١٤٧).

٤١٣
(١٠) كتاب المناسك
أيضاً خَيْفَ بني كنانة، والنزول في هذا المكان كان بعد النفر من منى في اليوم الرابع
من يوم النحر بعد أيام التشريق، فجاء ◌َّ بهذا المكان، وصلى الظهر والعصر والمغرب
والعشاء، ورقد بعدها، ثم ركب فأتى البيت، فطاف به طواف الوداع.
واختلفوا في أن التحصيب - وهو النزول في المحصب - سنة أم لا؟ فقال بعضهم
- وهو قول ابن عمر -: إنه من سنن الحج وتمام مناسكه؛ لأنهلمَ ﴾ قال: (إنا نازلون
غداً إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا - يعني قريشاً - على الكفر)، وتعاهدوا
على أن لا يخالطوا بني هاشم وبني المطلب، ولا يناكحوهم، ولا يواصلوهم
ولا يبايعوهم، حتى يسلّموا محمداً إليهم، فقصد رسول الله وَلهم أن يُظهر شعائر الإسلام
في مكان أظهروا شعائر الكفر، ويؤدي شكر نعمة الله وفضله تعالى عليه، وأخرج
الطبراني في (الأوسط)(١): عن عمر بن الخطاب به قال: من السنة النزول بالأبطح
في ليلة يوم النفر، وكان ظه يأمر بالتحصيب في ليلة يوم النفر.
وقال في (الهداية)(٢): الأصح أن نزوله وَله بالمحصب كان قصد إراءة المشركين
لطيف صنع الله تعالى به، فصار سنة كالرمل في الطواف، انتهى.
وقيل: إن ذلك ليس بسنة، بل كان أمراً اتفاقياً، ضرب أبو رافع خيمته صل هناك
من عند نفسه، لا بأمر من الرسول ◌ٍَّ، كما رواه مسلم عنه، وهذا قول ابن عباس حيث
قال: التحصيب ليس بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله صل﴿، رواه البخاري، وكذا
قول عائشة كما يأتي.
(١) ((المعجم الأوسط)) (٣٤٨٣).
(٢) ((الهداية)) (١ / ١٤٧).

٤١٤
(١٠) باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع
٢٦٦٥ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْع قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ
قُلْتُ: أَخْبِرْنِ بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الثَّرْوِيَةِ؟
قَالَ: بِمِنِّى؟ قَالَ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ بَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ.
ولكن لا يخفى أنه لما نزل رسول الله و له وإن لم يكن على سبيل النسك والتعبد
فاتباعه أحب وأحسن، وكانوا يفعلونه والخلفاء الراشدون.
وقال محمد في (الموطأ)(١): حدثنا مالك قال: حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنه
كان يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمحصب، ثم يدخل من الليل فيطوف
بالبيت، قال محمد: هذا أحسن، ومن ترك النزول بالمحصب فلا شيء عليه، وهو
قول أبي حنيفة .
والعبد الضعيف لما حج في خدمة الشيخ الأجل الأكرم الأوحد عبد الوهاب
المتقي رحمة الله عليه، ونفر من منى معه إلى المحصب نزل الشيخ به، وصلى الظهر،
ثم رقد، ثم صلى العصر، ثم قال: اركبوا، هذا القدر يكفي في إحراز سعادة الاتِّباع،
أو قال: يكفي بزائد إن شاء الله، وقوله هذا رحمه الله مبني على ما قيل: إن النزول
بالمحصب سنة، ولكن توقفه وله إلى صلاة العشاء كان لأجل عمرة عائشة كما يأتي،
والله أعلم.
٢٦٦٥ - [٧] (عبد العزيز بن رفيع) قوله: (وعن عبد العزيز بن رفيع) بلفظ
التصغير .
وقوله: (فأين صلى العصر يوم النفر؟) بالسكون وقد يفتح. (قال: بالأبطح)
ظاهره أن العصر أول صلاة صلاها بالأبطح، فيعارض الحديث السابق، وكأنه وهم
(١) (التعليق الممجد)) (٤٣٩/٢، ٤٤٠، رقم: ٥١٨).

٤١٥
(١٠) كتاب المناسك
ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٥٣، م: ١٣٠٩].
٢٦٦٦ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نُزُولُ الأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إِنَّمَا نَزَلَهُ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إِذَا خَرَجَ. مُنَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٦٥،
م: ١٣١١].
٢٦٦٧ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: أَحْرَمْتُ مِنَ التَّنْعِيمِ بِعُمْرَةٍ، فَدَخَلْتُ
فَقَضَيْتُ عُمْرَّتِي، وَانْتُظَرَنِي رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ بِالأَنْطَحِ حَتَّى فَرَغْتُ، فَأَمَرَ النَّاسَ
بِالرَّحِيلِ، فَخَرَجَ، فَمَزَّ بِالْبَيْتِ، فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى
الْمَدِينَةِ. هَذَا الْحَدِيثُ مَا وَجَدْتُهُ بِرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ، بَلْ بِرِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ مَعَ
اخْتِلاَفٍ يَسِيرٍ فِي آخِرِهِ. [د: ١٧٥٥]
٢٦٦٨ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ،
.
فيه أنس أنه الظهر أو العصر، ولهذا قال: (افعل كما فعل أمراؤك) أو قال [ذلك]
لاعتقاده بأنه ليس بسنة، وفي هذا المقام كلام ذكرته في (شرح سفر السعادة).
٢٦٦٦ - [٨] (عنها) قوله: (لأنه كان أسمح لخروجه) يعني: يترك به ثقله
ومتاعه، ثم يدخل مكة ليكون خروجه منها أسهل.
٢٦٦٧ - [٩] (عائشة) قوله: (أحرمت من التنعيم بعمرة) قد مر شرحه في (الفصل
الأول) من (باب قصة حجة الوداع) في حديث عائشة.
وقوله: (فطاف به) وذلك طواف الوداع، وليس فيه الرمل ولا بعده السعي.
٢٦٦٨ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده
بالبيت) يدل على وجوب طواف الوداع، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد والصحيح

٤١٦
(١٠) باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع
إِلَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْخَائِضِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٥٥، م: ١٣٢٧].
٢٦٦٩ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ، فَقَالَتْ:
مَا أُرَانِي إِلَّ حَابِسَتَكُمْ. قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((عَقْرَى حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّخْرِ؟»
قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَانْفِرِي))(١). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٧١، م: ١٢١١].
من مذهب الشافعي، وذلك لغير المكي، وسنةٌ عند مالك، وليس بفرض بالاتفاق.
وقوله: (إلا أنه خفف عن الحائض) فليس واجباً عليها، ولا يلزمها دم،
وذلك إن طافت طواف الزيارة، كما يأتي في الحديث الآتي.
٢٦٦٩ - [١١] (عائشة) قوله: (ليلة النفر) أي: ليلة يوم النفر.
وقوله: (ما أراني إلا حابستكم) استثناء مفرغ من ثاني مفعولي (أراني)، أي:
لا أظنني فاعلة بشيء إلا حابستكم.
وقوله: (عقرى حلقى) العَقْر: الجَرح والقتل والقطع والهلاك، والحَلَق متحركاً:
إصابة وجع في الحلق، يروونه غير منون كغضبى وعطشى، حيث هو جار على
المؤنث، والمعروف في اللغة التنوين على أنه مصدرٌ محذوفُ الفعل، أي: حلَقَها
[حَلَقاً] وعقرها عَقْراً، ويقال لأمر يُتَعجب منه: عقراً حلقاً، وللمرأة إذا كانت مؤذية
مشؤومة، ولا يراد حقيقة الدعاء، بل جرت عادتهم بالتكلم بذلك تعجباً وتلطفاً، كذا
في (النهاية) .
وقال في (المشارق)(٢): (عقرى حلقى) مقصور غير منون مثل سكرى، ومن
المحدثين من ينونهما، وهو الذي صوَّب أبو عبيد، قال: معناه: عقرها الله عقراً، أي:
(١) لأن طواف الصدر ساقط عنها، قاله في ((التقرير)).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ١٩٧).

٤١٧
(١٠) كتاب المناسك
الْفَصْلُ الثاني :
٢٦٧٠ - [١٢] عَنْ عَمْرِو بْنِ الأَخْوَصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلقول
يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ((أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ. قَالَ: ((فَإِنَّ
دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَخُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَدِكُمْ
هَذَا، أَلَاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ إِلَّ عَلَى نَفْسِهِ، وَلاَ يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ، وَلاَ مَوْلُودٌ
عَلَى وَالِدِهِ،
أهلكها وأصابها بوجع في حلقها، قال ابن الأنباري: ظاهره الدعاء عليها وليس بدعاء،
وقال غير أبي عبيد: (عقرى حلقى) صواب مثل غَضْبى، أي: جعلها الله كذلك،
والألف ألف التأنيث، وقيل: عقرى، أي: عاقر، أي: لا تلد، وقال الأصمعي: هي
كلمة تقال للأمر يعجب منه، عقرى وحلقى وخمشى، أي: يَعقر منه النساء خدودهن
بالخدش، ويحلقن رؤوسهن للتسلب على أزواجهن لمصائبهن، ومن التعجب في
حديث الطفل الذي تكلم في المهد فقالت له أمه: حلقى، وقال الليث: (معنى عقرى
حلقى): مشؤومة مؤذية تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها، وقيل: معنى ذلك: أي: ثكلى،
فتحلق أمها رأسها، وهي عاقر لا تلد، وقيل: هي كلمة تقولها اليهود للحائض، وفيها
جاء الحديث، ونحوه لابن الأعرابي، وفي البخاري: أنها لغة لقريش، وقال الداودي:
معناه: أنت طويلة اللسان لمَّا كلمته بما يكره، مأخوذ من الحَلْق الذي يخرج منه
الصوت، وكذلك عقرى من العقيرة، وهو الصوت، وهذا تفسير متكلف .
الفصل الثاني
٢٦٧٠ - [١٢] (عمرو بن الأحوص) قوله: (ألا لا يجني جان إلا على نفسه)
خبر في معنى النهي، والمراد: لا يجنِ أحدكم على الغير فيكونَ ذلك سبباً للجناية

٤١٨
(١٠) باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع
أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَداً، وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ
طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ
وَصَخَّحَهُ. [جه: ٣٠٥٥، ت: ٢١٥٩].
٢٦٧١ - [١٣] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍ و الْمُزَنِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّه
يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنَّى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى.
على نفسه اقتصاصاً مجازاة، ولما كان هذا في معنى النهي عن الجناية على الغير،
والغير أعم، أردفه بذكر النهي عن الجناية على والد ومولود تخصيصاً بعد تعميم
لاختصاصه بمزيد قبح وشناعة، وقد روي: (ألا لا يجني جان إلا على نفسه)، وحينئذ
يكون خبراً بحسب المعنى أيضاً، ويجوز أن يكون المراد النهي عن أخذ أقارب
الشخص بجنايته على ما جرت عادتهم في الجاهلية، ويجوز أن يكون قوله: (ألا لا يجني
جان على ولده ولا مولود على والده) أيضاً بهذا المعنى، فافهم.
وقوله: (أن يعبد في بلدكم) كناية عن عبادة الأصنام.
وقوله: (أبداً) أي: إلى يوم القيامة.
وقوله: (فيما تحتقرون) أي: تعملون أعمالاً تحسبونها حقيرةً صغيرةً، ويكون
فيها طاعة ومرضاة للشيطان، فتكون مؤدية إلى الفتن وهيجان الحروب، وهو المراد
بالتحريش بينهم كما وقع في حديث آخر(١).
٢٦٧١ - [١٣] (رافع بن عمرو) قوله: (عن رافع بن عمرو المزني) بضم
الميم وفتح الزاي.
(١) رواه مسلم (٢٨١٢) ولفظه: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ،
وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ».

٤١٩
(١٠) كتاب المناسك
عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، وَعَلِيٍّ يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ. رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ. [د: ١٩٥٦].
٢٦٧٢ - [١٤] وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ أَخَّرَ طَوَافَ
الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى اللَّيْلِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [ت:
٩٢٠، ٥: ٢٠٠، جه: ٣٠٥٩].
٢٦٧٣ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَِّيَّ ◌َّهُلَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي
أَفَاضَ فِيهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٠٠١، جه: ٣٠٦٠].
وقوله: (على بغلة شهباء) الشهب محركة: بياض يصدعه سواد كالشُّهْبة بالضم،
وشھب ککرم وسمع.
وقوله: (يعبر عنه) من التعبير، وأصله من العبور، فالكلام يَعْبُر من لسان
المتكلم إلى سمع السامع، والمراد من التعبير: التبليغ لمن كان بعيداً ولا يسمع
صوته ليلة .
٢٦٧٢ - [١٤] (عائشة، وابن عباس) قوله: (أخر طواف الزيارة يوم النحر
إلى الليل) يخالف ظاهر الحديث: أنه صلى الظهر بمكة (١)، وهذا الاضطراب الذي
وقع في حديث عائشة ® ولسببه قدم حديث ابن عمر عليه بأنه صلى الظهر بمنى،
كما ذكرنا في (قصة حجة الوداع).
٢٦٧٣ _ [١٥] (ابن عباس) قوله: (لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه) يعني:
لا رمل في طواف الإفاضة كما في طواف الوداع، وإنما هو في طواف القدوم.
(١) فمعنى أخَّر: أباح التأخير، قاله في ((التقرير)).

٤٢٠
(١٠) باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع
٢٦٧٤ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ: إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ
الْعَقْبَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّ النِّسَاءَ. رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ) وَقَالَ: إِسْنَادُهُ
ضَعِيفٌ. [د: ١٩٧٨].
٢٦٧٥ - [١٧] وَفِي رِوَايَةٍ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا
رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّ النِّسَاءَ. [حم: ٦ /١٤٣، ن: ٣٠٨٤].
٢٦٧٦ - وَعَنْهَا قَالَتْ: أَفَاضَ رَسُولُ الهِنَّهِ مِنْ آخِرٍ بَوْمِهِ حِينَ صَلَّى
الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنَّى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا
زَالَتِ الشَّمْسُ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ
الأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَيُطِيلُ الْقِيَامَ وَيَتَضَزَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ فَلاَ يَقِفُ عِنْدَهَا. رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٩٧٣].
٢٦٧٧ - وَعَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِمٍ بْنِ عَدٍِّ،
٢٦٧٤، ٢٦٧٥ - [١٦، ١٧] (عائشة، ابن عباس) قوله: (إذا رمى أحدكم
جمرة العقبة فقد حل له كل شيء) أي: كل شيء حرم بالإحرام، ومنه الحلق فإنه
حرام على المحرم، فلا يتجه ما قيل: إنه يفهم من بعض الأحاديث أن الحلق محلل،
أي: لما بعده من اللبس والتطيب، والنزاع لفظي، فافهم.
٢٦٧٦ - [١٨] (عنها) قوله: (أفاض رسول الله ◌َّ﴾ من آخر يومه حين صلى
الظهر) أي: بمنى، فهذا أيضاً يخالف بظاهره رواية: أنه صلى الظهر بمكة، فهو من
الاضطراب، إلا أن يقال: إنه أخر الطواف إلى آخر اليوم عن صلاة الظهر بمكة، فلا
منافاة، فتدبر.
٢٦٧٧ - [١٩] (أبو البداح) قوله: (وعن أبي البداح) بفتح الموحدة وتشديد الدال.