النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ (١٠) كتاب المناسك رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٩٠٢، دي: ٢ / ٥٠]. ٢٦٢٥ - [٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! ألاَ نَّنِي لَكَ بِنَاءً يُظِلُّكَ بِمِنِّى؟ قَالَ: ((لاَ، مِنَّى مُنَعُ مَنْ سَبَقَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٨٨١، جه: ٣٠٠٦، دي: ٢ / ٧٣]. لما كان أفعال الحج أكثرها مما (١) لا يدرك العقلُ أسرارَها، ووجهَ كونها عبادة خصوصاً مثل رمي الجمار والسعي من هنا إلى ههنا، بل هو أمور تعبدية محضة، أشار إلى أن شرع كل منها لإقامة ذكر الله في حد أنفسها، وبما يقارنها من الأذكار والأدعية، وإن لم يظهر عند العقل، على أن العاقل إذا تفكر في السعي والرمي مثلاً يتحير، ولم يفهم منها إلا التعبد المحض، ويرى عقله معزولاً مضمحلاً عند تلك الحركات، فلا يرى غير الله ولا یذکر سواه. ٢٦٢٥ - [٨] (عنها) قوله: (قال: لا) أي: لا تبنوا، و(المناخ) موضع إناخة الإبل، والمراد هنا المنزل، يعني: أن منى ليست مختصًّا بأحد، وإنما هو موضع العبادة، فلو أجيز فيها البناء لكثرت الأبنية وتضيَّق المكان بالشوارع ومقاعد الأسواق، وهذا توجيه الشافعية، وعندنا وجه النهي: أن أرض الحرم موقوفة؛ لأن رسول الله وله فتح مكة قهراً، وجعل أرض الحرم موقوفة، فلا يجوز أن يتملكها أحد، وقال بعضهم: إنما لم يأذن في البناء لنفسه والمهاجرين بمنى؛ لأنها دار هاجروا منها لله تعالى، فلم يختاروا أن يعودوا إليها أو يقيموا فيها، وقد سبق شيء من ذلك في (باب صلاة السفر) . (١) لفظ ((مما)) لم يثبت إلا في (ب). ٣٨٢ (٧) باب الهدي * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٦٢٦ - [٩] عَنْ نَافِع قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الأُولَيْنِ وُقُوفاً طَوِيلاً يُكَبِّرُ اللهَ، وَيُسَبِّحُهُ، وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُو اللهَ، وَلاَ يَقِفُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١ / ٤٠٦]. ٧ - باب المدي الفصل الثالث ٢٦٢٦ - [٩] (نافع) قوله: (ويحمده) من الحمد أو من التحميد. وقوله: (ولا يقف عند جمرة العقبة) وسيجيء في (باب خطبة يوم النحر) أنه قال: هكذا رأيت النبي ◌َّلم يفعله، ويذكر هناك وجه عدم الوقوف عند جمرة العقبة، والوقوف عند الجمرتين الأخريين إن شاء الله تعالى . ٧ - باب الهدي هو بفتح وسكون، وبفتح وكسر وتشديد، والأول لغة أهل الحجاز والآخرين، وهي لغة القرآن، والثاني لغة بني تميم مع آخرين، وقرئ بهما، وواحدهما هَدْيَةٌ وهَدِيَّةٌ، وهو ما يُهدى إلى الكعبة من النعم لتنحر، وقد يطلق على مطلق الإبل وإن لم يكن هدياً، يقال: كم هدي بني فلان؟ أي: كم إبلهم، وسمي هدياً لأن صاحبه يتقرب به ويُهديه إلى الله تعالى كالهدية يُهديها الرجل لغيره. والهدي من الإبل والبقر، وفي الغنم خلاف، وعندنا جاز الهدي من الغنم، ٣٨٣ (١٠) كتاب المناسك * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٦٢٧ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِوَِّ الظُّهْرَ بِذِي الْخُلَقَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ، فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَمِهَا الأَثْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ ... قال في (الهداية)(١): الهدي أدناه شاة؛ لما روي أنه عمدَا سئل عن الهدي قال: (أدناه شاة)، وقال: وهو من ثلاثة أنواع: الإبل، والبقر، والغنم؛ لأنه لميَا لما جعل الشاة أدنى فلا بد أن يكون له أعلى وهو البقر والجزور، ولأن الهدي ما يهدى إلى الحرم ليتقرب به، والأصناف الثلاثة سواء في هذا المعنى، ولا يجوز في الهدايا إلا ما جاز في الضحايا؛ لأنه قربة تعلقت بإراقة الدم كالأضحية فيتخصصان بمحلِّ واحد. الفصل الأول ٢٦٢٧ - [١] (ابن عباس) قوله: (ثم دعا بناقته) أي: التي أراد أن يجعلها هدياً، (فأشعرها) الإشعار: أن يشق أحد سنامي البُدن حتى يسيل دمها، وهو سنة لتعرف أنها هدي، ولتتميز إن خلطت، وعُرفت إذا ضلّت، ويرتدع السرَّاق عنها، ويأكلها الفقراء إذا ذبح حين تعطب، وهو من شعرت بمعنى علمت، وقال في (القاموس): أشعر البدن: أعلمها، وهو أن يشق جلدها أو يطعنها حتى يظهر الدم، و(الصفحة): الجانب، ومنك: جنبك، ومن الوجه والسيف: عرضه، و(السنام) بفتح السين معروف، كذا في (القاموس)(٢). وقوله: (الأيمن) صفة (صفحة) بتأويل جانب. وقوله: (وسلت الدم) أي: أماطه، يقال: سلتت الخضاب عن يدها: إذا مسحته (١) ((الهداية)) (١ / ١٨١). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٣٦). ٣٨٤ (٧) باب الهدي عَنْهَا، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَّهُ، فَلَمَّ اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٤٣]. وألقته، وأصله القطع، يقال: سلت الشيء: قطعه، وسلت أنفه، أي: جدعه، وسلت الشعر: حلقه، وسلت القصعة: مسحها بإصبعه، هذا وقال في (القاموس) (١): سلت دم البدنة: قشره حتى أظهر دمها . قوله: (قلدها نعلين) أي: جعلها قلادةً في عنقه، قالوا: وكان من عادة الجاهلية إشعار الهدي وتقليده بنعل أو عروة أو لحاء شجرة أو غير ذلك، فقرره الإسلام أيضاً لصحة الغرض، واتفقوا على أن الغنم لا تُشعر لضعفها؛ ولأنه يستر بالصوف، ويقلد . واعلم أن الإشعار سنة عند جمهور الأئمة، وروي عن أبي حنيفة أنه يستحب التقليد، والإشعار مكروه بدعة لأنه مُثلة وتعذيب للحيوان وهو حرام، وإنما فعله وَليه لأن المشركين لا يمتنعون عن تعرضه إلا بالإشعار، وقالوا: إنه مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة بالإشعار وليس مثلةً، بل هو كالفصد والحجامة والختان والكي للمصلحة، وأيضاً تعرض المشركين في ذلك الوقت كان بعيداً؛ لقوة الإسلام وشوكة الدين، هذا هو المشهور فيما بينهم. وقد قيل: إن كراهة أبي حنيفة الإشعار إنما كان من أهل زمانه، كانوا يبالغون فيه بحيث يُخاف سراية الجراحة وفساد العضو، وكان يقول: يكفي التقليد في الإحرام ولا حاجة إلى الإشعار؛ لأن الإشعار مكروه، أو كره أن يشعر ولا يقلد، وأيضاً كان الناس في زمانه تركوا الإشعار، ولم يبق الإشعار علامة للإحرام، والذين يفعلون (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٥٥). ٣٨٥ (١٠) كتاب المناسك كانوا يبالغون فيه ويتجاوزون عن الحد، فكره لذلك، والله أعلم. قال التُّوربِشْتِي(١): قد اختلف في الإشعار بالطعن وإسالة الدم، فرآه الجمهور، ونفرَ عنه نفرٌ، وقد صادقتُ [بعض] علماء الحديث [يشدِّد] في النكير على من أباه، حتى أفضَتْ مقالته إلى الطعن فيه، والادعاء بأنه عاند رسول الله إنّۇ في قبول سنته، وكيف يَسُوغ الطعن في أئمة الاجتهاد، وهم في الله يكدحون وعن سنة نبيه يتناضلون، وأنَّى يظن بهم ذلك؟ ولم يدر أن سبيل المجتهد غير سبيل الناقل، وأن ليس للمجتهد أن يسارع إلى قبول النقل والعمل به إلا بعد الاطمئنان والإيقان وتصفح العلل والأسباب، فلعله علم من ذلك ما لا يعلمه غيره، وغاية ما يرمى به المجتهد في قضية يوجد فيها حديث فخالفه، أن يقال: لعله لم يبلغه الحديث، أو بلغه بطريق لم ير قبوله، على أن النبي ◌ّي ساق بعض هديه من ذي الحليفة وساق بعضها من قديد - موضع بين مكة والمدينة، اشترى [﴿ هديه] منه كما روى ابن عمر 4 - وبعضها أتى به عليٍّ ﴿ُه من اليمن، أفلا يحتمل أن يتأمل المجتهد في فعل النبي ◌َّ، فيرى أن النبي ◌َّ إنما أقام الإشعار في واحدة، ثم تركه في البقية حيث رأى الترك أولى لا سيما والترك آخر الأمرين، واكتفى بالإشعار عن التقليد، وهو يسد مسده في المعنى المطلوب، والإشعار يجهد البدنة، وفيه ما لا يخفى من أذية الحيوان، وقد نهى عن ذلك قولاً، ثم استغنى عنه بالتقليد، ولعله بهذه الاحتمالات رأى القول بذلك؛ لأن النبي ◌ّ﴾ قد حج وقد حضره الجم الغفير، ولم يروٍ حديث الإشعار إلا شرذمة قليلون، فنظر المجتهد إلى تلك العلل والأسباب، ورأى كراهة الإشعار جمعٌ من التابعين، والله أعلم. (١) ((كتاب الميسر)) (٢/ ٦١٥). ٣٨٦ (٧) باب الهدي ٢٦٢٨ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْدَى النَّبِيُّ وَّهِ مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَماً، فَقَلَّدَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٠١، م: ٣٦٧]. ٢٦٢٩ - [٣] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣١٩]. ٢٦٣٠ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: نَحَرَ النَّبِيُّ بَّهِ عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً فِي حَجَّتِهِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣١٩]. ٢٦٣١ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلاَئِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ وَهِبِيَدَيَّ، .... ثُمَّ قَلَّدَهَا، وَأَشْعَرَهَا، وَأَهْدَاهَا، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ. ٢٦٢٨ - [٢] (عائشة) قوله: (فقلدها) عُلم من هذا أنه لا إشعار في الغنم. ٢٦٢٩ - [٣] (جابر) قوله: (عن عائشة) أي: من جهتها ولأجلها، ولعله كان ذلك بإذنها؛ لأن التضحية عن الغير لا تجوز بغير إذنه . ٢٦٣٠ - [٤] (عنه) قوله: (عن نسائه بقرة) إن كان عن نسائه كلها فهو متمسّك مالك في اكتفاء البقرة والبعير عن أهل البيت جميعاً وإن كانوا أكثر من سبعة، والله أعلم (١). ٢٦٣١ - [٥] (عائشة) قوله: (وأهداها) أي: مع أبي بكر في السنة التاسعة، لم یحج بنفسه الكريمة، وأمّر أبا بكر، وبعثه حتی یحج بالناس. وقوله: (فما حرم عليه من شيء) يعني: لم يجر عليه أحكام الإحرام. (١) في ((التقرير)): عن نسائه، أي: السبعة، وأما الباقية فلعله أخذ لها أضحية أخرى، وقال القاري (٥/ ١٨١٩): ويمكن أن يكون هذا تطوعاً، كما ضحى عن أمته، وليس في الحديث ما يدل على كونها أضحية مع أن الأضحية غير واجبة على الحاج لا سيما المسافرين عندنا، انتهى. ٣٨٧ (١٠) كتاب المناسك مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٩٦، م: ١٣٢١]. ٢٦٣٢ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: ((فَتَلْتُ قَلاَئِدَهَا مِنْ عِهْنِ كَانَ عِنْدِي، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِيٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٠٥، م: ١٣٢١]. ٢٦٣٣ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: ((ارْكَبْهَا)). فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: ((ارْكَبْهَا)). فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ . قَالَ: ((ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ)) فِي الثَّانِيَةِ، أَوِ الثَّالِثَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٨٩، م: ١٣٢٢]. ٢٦٣٤ - [٨] وَعَنْ أَبِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْىِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِّ ◌َهِ يَقُولُ: وإنما قالت عائشة هذا ردًّا لما بلغها من فتوى ابن عباس فيمن بعث هدياً إلى مكة: أنه يَحرم عليه ما يحرم على المحرم حتى يبلغ الهدي مكة وينحر، وذكر النووي في (شرح مسلم)(١) مع ابن عباس ابنَ عمر وعطاء ومجاهداً وسعيد بن جبير أيضاً. ٢٦٣٢ - [٦] (عائشة) قوله: (من عهن) بكسر العين وسكون الهاء: الصوف أو الملون منه . ٢٦٣٣ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (اركبها) ذهب قوم إلى أنه يجوز ركوب الهدي غيرَ مضرٍّ بها، وقوم آخرون إلى أنه لا يركبها إلا أن يضطر إليه، وهو قول أبي حنيفة . ٢٦٣٤ - [٨] (أبو الزبير) قوله: (وعن أبي الزبير) هو أبو الزبير محمد بن مسلم المكي، تابعي . (١) ((شرح صحيح مسلم)) (٥ / ٨٢). ٣٨٨ (٧) باب الهدي ((ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أَلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْراً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٢٤]. ٢٦٣٥ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِنَّهِ سِتَّةَ عَشَرَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ، وَأَمَّرَهُ فِيهَا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أُبْدِعَ عَلَيَّ مِنْهَا؟ قَالَ: ((انْحَرْهَا،. وقوله: (حتى تجد ظهراً) أي: مركباً، غايةٌ لقوله: (اركبها). ٢٦٣٥ - [٩] (ابن عباس) قوله: (مع رجل) قيل: هو ناجية بالنون وجيم مكسورة وتخفيف التحتانية، الأسلمي، صاحب بدن رسول الله وَله، ويقال: إنه ناجية ابن عمرو، هو معدود في أهل المدينة، وكان اسمه ذكوان، فسماه رسول الله وَلاقه ناجية، وهو الذي نزل قليب الحديبية لسهم رسول الله ويطير فيما قال، روى عنه عروة ابن الزبير، مات في المدينة في أيام معاوية . وقوله: (وأمره) أي: جعله أميراً. وقوله: (بما أُبدع عليّ) بضم الهمزة وكسر الدال مسند إلى الجار والمجرور، وقد يُعدَّى بالباء كما في الحديث الآخر: (أُبْدِعَ بي فاحملني)، وهو الأصل، وتعديته بـ (على) لقصد معنى التضرر، والعائد إلى الموصول محذوف، ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، ومعناه: عطب وهلك، في (المشارق)(١): قال بعضهم: هكذا استعملت العرب هذه اللفظة فيمن وقفت به دابته، وقال غيره: أبدعت الراحلة: إذا كلَّت وعطبت وانقطعت عن السير لكلال أو ضلع، وقيل: الإبداع لا يكون إلا بضلع، وروي: (أبدعت) مجهولاً ومعلوما. وقال السيوطي: المعلوم أوجه وأقيس. (١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ١٥٧). ٠ ٣٨٩ (١٠) كتاب المناسك ثُمَّ اصْبُعْ نَعْلَيْهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اجْعَلْهَا عَلَى صَفْحَتِهَا، وَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٢٥]. وقال القاضي عياض في حديث (فعيي بشأنها إن هي أبدعت): كذلك بضم الهمزة على ما تقدم، وفي أصل ابن عيسى من رواية ابن الحذاء: أبدعت بفتحها، والمعروف ما تقدم، وقال في هذا الحديث الذي نحن فيه: قد رواه العذري: (بدِّع) بغير همزة وتشديد الدال، والمعروف رواية غيره كما ذكرنا، انتهى. وقوله: (ثم اصبغ) أي: اغمس نعليها اللتين قلد بهما، و(اجعلها) أي: النعل كأنهما شيء واحد (على صفحتها) ليعلم المارة أنه هدي فيأكل منه الفقراء دون الأغنياء، و(الرفقة) بتثليث الراء وسكون القاف: جماعةٌ تُرافِقُهم، والجمع ككتاب وأصحاب وصُرد، كذا في (القاموس)(١)، وإضافة (أهل) إليه بيانية، وليس في بعض النسخ لفظ (أهل)، والصحيح ثبوته، وإنما نهاهم رفعاً للتهمة عنهم، أو قطعاً لطريق الخيانة عليهم، وهذا حكم السابق الذي بعثه مالك البدن معه، وكذلك حكم المالك. قال في (الهداية)(٢): وإن عطبت البدنة في الطريق، فإن كانت تطوعاً نحرها وصبغ نعلها بدمها وضرب بها صفحة سنامها، ولم يأكل هو ولا غيره من الأغنياء [منها]، بذلك أمر رسول الله و سلام ناجية الأسلمي ﴿ه، وإن كانت واجبةً أقام غيرها مقامها، وصنع بها ما شاء؛ لأنه لم يبق صالحاً لما عيّنه، وهو ملکه کسائر أملاكه. بقي ما استُشكل: أنه إذا لم يأكله أحد أكلته السباع، وفيه إضاعة المال؟ وجوابه: أن العادة جارية بأن أهل البوادي يتبعون خلفهم فينتفعون، وقد يأتي قافلة أخرى فيأكلون . (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨١٧). (٢) ((الهداية)) (١ / ١٨٣). ٣٩٠ (٧) باب الهدي ٢٦٣٦ - [١٠] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: نَحَرْنَاَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﴿ِ عَامَ الْخُدَيْبِيَّةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣١٨]. ٢٦٣٧ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بِدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا، قَالَ: ابْعَثْهَا قِيَاماً مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ◌َِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧١٣، م: ١٣٢٠]. ٢٦٣٨ - [١٢] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لاَ أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا قَالَ: ((نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧١٧، م: ١٣١٧]. ٢٦٣٩ - [١٣] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: كُنَّا لاَ نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَرَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللهِ فَقَالَ: ٢٦٣٦ - [١٠] (جابر) قوله: (البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة) يدل بظاهره على أن البدنة اسم للبعير، وكأنه باعتبار غالب الاستعمال، وإلا فهو يتناول البعير والبقرة والشاة . ٢٦٣٧ - [١١] (ابن عمر) قوله: (قياماً) حال، أي: انحرها قائمة (مقيدة) أي: مغلولة اليد اليسرى. وقوله: (سنة) بالنصب على أنه مفعول، أي: الزم سنة محمد ◌ّر، فالسنة في الإبل النحر، وفي البقرة والغنم الذبح. ٢٦٣٨ - [١٢] (علي) قوله: (وأن لا أعطي الجزار) أي: في أجرته لأنه في حکم البيع، وإن تصدق جاز. ٢٦٣٩ - [١٣] (جابر) قوله: (فرخص) النهي كان لاحتياج الناس في ابتداء الأمر، فيجب التصدق عليهم ولا يتزود، ولما ارتفع الاحتياج ارتفع النهي، وكما ٣٩١ (١٠) كتاب المناسك (كُلُوا وَتَزَوَّدُوا)) فَأَكَلْنَا، وَتَزَوَّدْنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧١٩، م: ١٩٧٢]. * الْفَصْلُ الثاني: ٢٦٤٠ - [١٤] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهَ أَهْدَى عَامَ الْحُدَيْبِيَّةِ فِي هَذَايَا رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ جَمَلاً كَانَ لِأَبِي جَهْلٍ، فِي رَأْسِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ ذَهَبٍ - يَغِيظُ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٧٤٩]. يأتي من حديث سلمة بن الأكوع ونبيشة ثم الأكل منها إنما هو في غير ما سبق ذكره، وعند أبي حنيفة جاز الأكل من هدايا التطوع والتمتع والقران؛ لأنها دماء النسك فيجوز أكلها كالأضحية، وقد صح أنه ◌َّ ﴿ أكل من لحم الهدي وشرب من مرقها كما مرّ، ولا يجوز الأكل من الهدايا التي هي دماء كفارات الجنايات، والذي جاء في حديث ناجية الأسلمي أنه نهى عن الأكل كانت هدايا بعثها في إحصار يوم الحديبية، كذا في (الهداية)(١). الفصل الثاني ٢٦٤٠ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (في هدايا رسول الله ◌َّ) مِن وضع المظهَر موضع المضمر، (جملاً كان لأبي جهل) اغتنم يوم بدر (في رأسه) أي: في أنفه (برة) بضم الباء وفتح الراء مخففة: حلقة تجعل في أنف البعير أو لحمة أنفه، كذا في (القاموس)(٢) . وقوله: (يغيظ) الغيظ: الغضب أو أشدّه أو سورته وأوله، غاظه يغيظه فاغتاظ، وفيه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿لِيَغِيَظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ ﴾ [الفتح: ٢٩]. (١) ((الهداية)) (١ / ١٨١). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٦١). ٣٩٢ (٧) باب الهدي ٢٦٤١ - [١٥] وَعَنْ نَاَجِيَةَ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنَ الْبُدْنِ؟ قَالَ: (انْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا فَأْكُلُونَهَا)). رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ١٤٨، ت: ٩١٠، جه: ٣١٠٦]. ٢٦٤٢ - [١٦] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ نَاَجِيةَ الأَسْلَمِيِّ. [د: ١٧٦٢، دي: ١٩١٥، ١٩١٦]. ٢٦٤٣ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ». قَالَ ثَوْرٌ: وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّانِي .... ٢٦٤١ - [١٥] (ناجية الخزاعي) قوله: (بين الناس) المراد مَن عدا مَن كانت البدن معهم كما مر . ٢٦٤٢ - [١٦] (ناجية الأسلمي) قوله: (ورواه أبو داود، والدارمي عن ناجية الأسلمي) الظاهر أن الاختلاف في النسبة دون الذات، ولكن ليس من دأب المؤلف التعرض لذلك في الكتاب، ولم يذكر فيما رأينا من الكتب ناجية من الصحابة إلا واحد، هو ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي، وكان اسمه ذكوان، فسماه رسول الله وله ناجية، إذ نجا من قریش. ٢٦٤٣ - [١٧] (عبدالله بن قرط) قوله: (عن عبدالله بن قرط) بضم القاف وسكون الراء وإهمال الطاء. وقوله: (إن أعظم الأيام) أي: من أعظم الأيام، وإلا فقد ورد في الحديث: أن أفضل الأيام يوم عرفة، فأفضل الأيام عشرة ذي الحجة ويوم النحر منها . وقوله: (ثم يوم القر) بفتح القاف من القرار، وهو الغد من يوم النحر، سمي به لأن الناس يقرون ويسكنون فيه بمنى بعد ما تعبوا في أداء المناسك. ٣٩٣ (١٠) كتاب المناسك قَالَ: وَقُرِّبَ لِرَسُولِ اللهِ وَهِ بَدَنَاتٌ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بِأَتِهِنَّ بَيْدَأُ، فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا، قَالَ: فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ قَالَ: ((مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَذُكِرَ حَدِيثُ(١) ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ فِي (بَابِ الأَضْحِيَّةِ). [د: ١٧٦٥]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٦٤٤ - [١٨] عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ نَّهِ: ((مَنْ ضَخَّى مِنْكُمْ، فَلاَ يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ)». فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا الْعَامَ الْمَاضِي؟ قَالَ: ((كُلُوا، .... وقوله: (يزدلفن) أي: يقربن إليه * قاصدين متوجهين(٢)، (بأيتهن يبدأ) والباء صلة (يبدأ). وقوله: (فلما وجبت) أي: سقطت (جنوبها) جمع جنب، والوجوب بمعنى السقوط، أي: سقط على الأرض لسراية النحر. وقوله: (قال) أي: الراوي: (فتكلم) أي: رسول الله وَّ (فقلت) أي: سألت الذي يليه: (ما قال؟) فقال: (قال) وَلّ: (من شاء اقتطع) أي: ليقتطع من شاء من هذا الهدي شيئاً لنفسه، واستدل بعض العلماء على جواز النهب والإغارة في النثار، وقال: ليس هذا من النهب الذي نهي عنه. الفصل الثالث ٢٦٤٤ - [١٨] (سلمة بن الأكوع) قوله :. (١) في نسخة: ((حديثا ابن عباس)). (٢) كذا في نسخة: (ع) و(ر)، وفي (د)، و(ك)، و(ب): ((متوخين)). ٣٩٤ (٨) باب الحلق وَأَطْعِمُوا، وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهِمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٦٩، م: ١٩٧٤]. ٢٦٤٥ - [١٩] وَعَنْ نُبَّيْشَةَ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ: ((إِنَّا كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ لُحُومِهَا أَنْ تَأْكُلُوهَا فَوْقَ ثَلاَثٍ لِكَيْ تَسَعَكُمْ، جَاءَ اللهُ بِالسَّعَةِ، فَكُلُوا وَاذَّخِرُوا وَانْتَجِرُوا، أَ وَإِنَّ هَذِهِ الأَيَامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٨١٣]. ٨-باب الحالى (كان بالناس جهد) بالفتح: المشقة . وقوله: (أن تعينوا فيهم) أي: توقعوا الإعانة فيهم وأحسنوا فيهم. ٢٦٤٥ - [١٩] (نبيشة) قوله: (عن نبيشة) بضم النون وفتح الباء وسكون الياء، الهذلي، ويقال: نبيشة الخير. وقوله: (أن تأكلوها) بدل اشتمال. وقوله: (وائتجروا) من الأجر، أي: اقبلوا الأجر وأصيبوه واطلبوه لا من التجارة، وإلا لكان مشدداً، ولا يصح التجارة في الضحايا. ٨ - باب الحلق(١) اتفقوا على أن الحلق أفضل من القصر للحاج والمعتمر إلا للنساء؛ لأن الحلق (١) قال الموفق في ((المغني)) (٥/ ٣٠٤): الحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة في ظاهر مذهب أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، انتهى. وقد بسط الباجي الكلام على هذا الباب، وانظر: ((أوجز المسالك)) (٨ / ١١٤). ٣٩٥ (١٠) كتاب المناسك : الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥ - ٥ ٢٦٤٦ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٢٦، م: ١٣٠١]. ٢٦٤٧ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي مُعَاوِيَةُ: إِنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رَأْسِ النَِّّ ◌َ﴿ِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٣٠، م: ١٣٢٦]. حرام عليهن، وقال النووي(١): يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج؛ ليقع الحلق في أكمل العبادتين، انتهى. ووجه أفضلية الحلق: أن المقصر مبقٍ على نفسه الزينةَ من الشعر، والحاج مأمور بترك الزينة، ولأنه أدل على التذلل والانكسار لله تعالى، وأدنى التقصير أن يأخذ من رؤوس شعره مقدار الأنملة، ویکفي في الحلق عندنا حلق ربع الرأس اعتباراً بالمسح، وحلق الكل أولى للسنة، ولم يثبت الحلق منه ◌َّ﴿ في غير الحج والعمرة، وفي حلق سائر شعور البدن كلام مذكور في موضعه، ولا كلام في أصل الجواز. الفصل الأول ٢٦٤٦ - [١] (ابن عمر) قوله: (وأناس من أصحابه) لإدراك شرف متابعته وفضيلةِ الحلق التي بيَّنها بالدعاء للمحلقين مرات، (وقصر بعضهم) أخذاً بالرخصة بعد دعائه للمقصرين في المرة الآخرة بالتماسهم. ٢٦٤٧ - [٢] (ابن عباس) قوله: (إني قصرت من رأس النبي ونَ ﴾) وجاء في رواية: (أنه ◌َ﴿ قصَّر عن رأسه)، (بمشقص) وهو كمنبر: نصل عريض، أو سهم فيه ذلك، أو نصل طويل، أو سهم فيه ذلك، وقيل: المراد به الجلم بالجيم بفتحتين، وهو (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٤ / ٤٩١). ٣٩٦ (٨) باب الحلق الذي يجز به الشعر والصوف وهو أشبه. ثم اعلم: أن في هذا الحديث إشكالاً، وهو أنه لا يدرى أن تقصير رأسه وليه الذي أخبر به معاوية كان في الحج أو في العمرة؟ ولا يصح الحمل على الأول، لأن الحلق والتقصير من الحاج يكون بمنى لا عند المروة، وقد ثبت حلق رأسه في الحج، فتعين أن يكون في العمرة. ثم في أيّ عمرة من عُمَره كان؟ لا يجوز أن يكون في العمرة الحكمية التي كانت بالحديبية؛ لأنه حلق يومئذ بالحديبية ولم يدخل مكة، ولم يسلم معاوية يومئذ، ولا يصح أن يحمل على عمرة القضاء؛ لأنه قد ثبت عن أهل العلم بالسير أن معاوية إنما أسلم عام الفتح، نعم قد يُنقل عنه نفسه أنه كان يقول: أسلمت عام القضية، لكن الصحيح أنه أسلم عام الفتح، وفي هذا النقل وهن، أو يحمل على عمرة الجعرانة، وكان في ذي القعدة عام الفتح، وذلك أيضاً لا يصح؛ لأنه قد جاء في بعض ألفاظ الصحيح: (وذلك في حجته)، وفي رواية النسائي بإسناد صحيح: (وذلك في أيام العشر)، وهذا إنما يكون في حجة الوداع، كذا في (المواهب اللدنية)(١)، فتعين حمله على عمرة حجة الوداع، وقد ثبت أنه سير لم يحل يومئذ ولا من كان معه هدي، وإنما أمر بحلٌّ من لم يسق الهدي، نعم قد توهم بعض الناس أنه وُّ حجَّ متمتعاً، حلّ فيه من إحرامه، ثم أحرم يوم التروية بالحج مع سوق الهدي، وتمسكوا بهذا الحديث من معاوية، لكن الصواب أنه ﴾﴾ لم يحلّ يومئذ. وقد قالوا: إن الصحابة # أنكروا هذا القول على معاوية وغلطوه فيه، كما أنكروا على ابن عمر ظه في قوله: (إن إحدى عمره وَّ كان في رجب)، وقالت (١) ((المواهب اللدنية)) (٤/ ٤٥١ - ٤٥٣). ٣٩٧ (١٠) كتاب المناسك ٢٦٤٨ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: (اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ)). قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ)). قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((وَالْمُقَصِّرِينَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٢٧، م: ١٣٠١]. عائشة يقول: (رحم الله أبا عبد الرحمن، لم يعتمر رسول الله وَل عمرة إلا كان هو معه، ولم تكن عمرة في رجب)، فكأنه سها وأخطأ . وقال الشيخ الُّورِبِشْتِي(١): الوجه فيه أن نقول: نسي معاوية أنه كان في حجة الوداع، ولا يستبعد ذلك في من شغلته الشواغل ونازعته الدهور والأعصار في سمعه وبصره وذهنه، وكان قد جاوز الثمانين، وعاش بعد حجة الوداع خمسين سنة، انتهى. فحينئذ يحمل ذلك على عمرة الجعرانة، ويكون ذكر الحجة وأيام العشر سهواً، والله أعلم . ٢٦٤٨ - [٣] (ابن عمر) قوله: (قال في حجة الوداع (٢)) قد سبق الكلام فيه في قصة حجة الوداع أنه كان فيها أو في الحديبية، وفي الحجة إما في يوم الاعتمار أو يوم النحر . وقوله: (والمقصرين) عطف على (المحلقين)، ويقال لهذا النوع من العطف: عطفاً تلقينيًّا، كأن المخاطَب يلقِّن المتكلم أن يعطف عليه، كأنهم قالوا: وضم واعطف يا رسول الله المقصرين على المحلقين، وقل: اللهم ارحم المحلقين والمقصرين، ثلاث مرات أو مرتين، وفي هذه الرواية عن ابن عمر وقع مرتين. (١) ((كتاب الميسر)) (٢/ ٦٢١). (٢) قال شيخنا في ((التقرير)): ومما يجب أن ينبه عليه أن لفظ ((حجة الوداع)) في رواية ابن عمر من سهو المصنف أو الكاتب، ليس في ((المصابيح)) ولا في المتفق عليه. ٣٩٨ (٨) باب الحلق ٢٦٤٩ - [٤] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ الْخُصَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهِ: أَنَّهَا سَمِعَتِ الَّبِيَّ نَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلاَناً، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً وَاحِدَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٠٣]. ٢٦٥٠ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ أَتَى مِنَّى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ، فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنَّى، وَتَحَرَ نُسُكَهُ، ثُمَّ دَعَا بِالْحَلاَّقِ، ٢٦٤٩ - [٤] (يحيى بن الحصين) قوله: (وعن يحيى بن الحصين) بضم الحاء (عن جدته) أم الحصين. وقوله: (دعا للمحلقين ثلاثاً) يحتمل أنه وسلم قال: اللهم ارحم المحلقين ثلاثاً، وقال في الرابعة: والمقصرين، كما جاء في بعض الروايات، فيكون هذا الحديث موافقاً لتلك الرواية، ويحتمل أن يكون قد قال ذلك مرتين، ويكون ثالث دعائه للمحلقين في قوله: (والمقصرين) بدلالة العطف الدال على الاشتراك، فصح أنه دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين واحداً، فيكون موافقاً لحديث ابن عمر(١)، وما أحسن موقع لفظ (المقصرين) ههنا؛ لأنهم لتقصيرهم حرموا عن تكرار الدعاء، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله . ٢٦٥٠ - [٥] (أنس) قوله: (نحر نسكه) أي: ذبائحه. وقوله: (ثم دعا بالحلاق) اسمه في المشهور معمر بن عبدالله بن نضلة العدوي، ويقال له: معمر بن أبي معمر، أسلم قديماً، وهاجر إلى الحبشة، وتأخرت هجرته إلى المدينة، ثم هاجر إليها وسكنها، وهو معدود في أهل المدينة، وحديثه فيهم، (١) ويمكن أن يوجه بما حققه النووي أن الدعاء صار مرتين: في الحديبية وفي حجة الوداع، قاله في ((التقرير)). ٣٩٩ (١٠) كتاب المناسك وَنَوَلَ الْخَالِقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ، فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَ الشِّقَّ الأَيْسَرَ، فَقَالَ: ((احْلِقْ))، فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: ((اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ١٧١، م: ١٣٠٥]. وعند الإمام أحمد: أنه استدعى الحلاق فقال له وهو قائم على رأسه بالموسى ونظر في وجهه وقال له: (يا معمر! أَمْكَنك رسول الله ◌َّ﴿ من شحمة أذنه وفي يدك الموسى) قال: فقلت له: أي والله يا رسول الله، إن ذلك لمن نعم الله عليّ ومَنِّه، قال: (أجل)، ذكره في (المواهب)(١) . قوله: (وناول الحالق شقه الأيمن) دليل على أن المعتبر يمين المحلوق، واعتبر بعضهم يمين الحالق، وفي إسناد القول ببداية الحلق من جانب الأيسر إلى الإمام أبي حنيفة نظر، فقد صرح في بعض شروح (الهداية) بخلاف ذلك، والله أعلم. وقوله: (فحلقه) فإن قلت: ما النكتة في حذف الأمر بالحلق في الأول وذكره في الثاني مع ظاهر أن قياس العبارة يقتضي عكس ذلك، فإنَّ ذكر شيء في أول الكلام والاكتفاء به عن ذكره ثانياً كثير متعارف في العبارات؟ قلت: لعله بادر إلى الحلق في جانب اليمين، واكتفى بمناولته بَّه رأسه إياه، ولم يحوجه إلى صريح الأمر، ووقع منه تأخير ثانياً بسبب من الأسباب في الشروع في الحلق، فأمره استعجالاً لاشتغال الهم بالذهاب إلى طواف الإفاضة، والله أعلم . وقوله: (ثم دعا أبا طلحة الأنصاري، فأعطاه إياه) وهو زوج أم سليم أم أنس ابن مالك، ولهذا وقع في بعض الروايات: (أعطى أم سليم). (١) ((المواهب اللدنية)) (٤ / ٤٥٠). ٤٠٠ (٨) باب الحلق ٢٦٥١ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٣٩، م: ١١٩١]. ٢٦٥٢ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٠٨]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٢٦٥٣ - [٨] عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ قَالاَ: نَهَى رَسُولُ اللهِنَّهِ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٩١٥]. ٢٦٥٤ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الْحَلْقُ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ)» ٢٦٥١ - [٦] (عائشة) قوله: (كنت أطيب) ليس في هذا الحديث ذكر الحلق، وإنما ذكره ههنا لتلوه بالحلق، وبياناً لخروجه عن الإحرام بعد الحلق، وأنه كان يُطلَّب بعده. ٢٦٥٢ - [٧] (ابن عمر) قوله: (فصلى الظهر بمنی) قد سبق في حديث جابر الطويل في قصة حجة الوداع: (فصلى بمكة الظهر) ومضى الكلام فيه هناك. وقوله: (رواه مسلم) جعله في (المواهب(١)) حديثاً متفقاً عليه. الفصل الثاني ٢٦٥٣ - [٨] (علي) قوله: (أن تحلق المرأة رأسها) لأن الحلق في حقها مثلة. ٢٦٥٤ - [٩] (ابن عباس) وقوله: (إنما على النساء التقصير) إبقاء للزينة، وأقل (١) ((المواهب اللدنية)) (٤ / ٤٦٠).