النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ (١٠) كتاب المناسك وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَنَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ. مراد أحد أجداده. و(يلملم) اسم جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة. وقوله: (فهن لهن) أي: هذه المواضع المذكورة مواقيت لأهل هذه البلاد، بحذف المضاف، أي: الساكنين فيها، ووقع في رواية: (فهن لهم) وهذا أظهر. وقوله: (ولمن أتى عليهن من غير ساكنين) أي: لمن وصل إلى هذه البلاد من بلاد أخر من أكناف العالم، ويجوز أن يجعل هؤلاء داخلين في أهلهن، ويراد بمن أتى عليهن من يمر من أهل بلد على ميقات غيره من مواقيت البلاد، كما يمرّ الشامي على ميقات المدينة وبالعكس، ولهذا قد يحرم أهل المدينة من جحفة كما ذكرنا، وأهل ديارنا من الهند إذا وصل المركب محاذي يلملم أحرموا فيه، ثم قد لا يأتونهن بل یأتون موضعاً یحاذیھن فيحرمون من ذلك الموضع، وهذا حال أهل ديارنا . وقوله: (لمن كان يريد الحج والعمرة) فيه دلالة على أن من مر بالميقات لا يريد حجًّا ولا عمرةً لا يلزمه الإحرام لدخول مكة، كما هو الصحيح عند الشافعية، وعندنا لا يجوز دخول مكة لغير إحرامه وإن لم يرد الحج والعمرة؛ لقوله مَل ـ: (لا يجاوز أحد الميقات إلا محرماً)، لأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعة، فيستوي فيه التاجر والمعتمر وغيرهما، ومن كان داخل الميقات فله أن يدخل مكة بغير إحرام لحاجته؛ لأنه يكثر دخوله مكة، وفي إيجاب الإحرام في كل مرة حرج بيِّن، فصاروا كأهل مكة، كذا في (الهداية)(١). وقوله: (فمن كان دونهن) أي: كان داخل هذه المواقيت، سواء كان من أهل (١) ((الهداية)) (١ / ١٣٤). ٢٨٢ (١٠) كتاب المناسك فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ وَكَذَاكَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٢٦، م: ١١٨١]. ٢٥١٧ - [١٣] وَعَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: ((مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْخُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الآخَرُ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٨٣]. مكة أو لا، (فمهله) بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام، أي: موضع الإهلال بمعنى رفع الصوت بالتلبية بعد الإحرام حیث کان. وقوله: (حتى أهل مكة يهلون منها) أي: من مكة، وهذا مخصوص بالحج، وأما العمرة فيهل لها أهل مكة من الحل، وقد تعارف الآن الموضع الذي يسمى التنعيم لقربه من مكة من باقي مواضع الحل، ومنه أمر النبي ◌ّر عائشة أن تحرم منه للعمرة، وفيه مسجد عائشة ف، أي: الموضع الذي أحرمت ◌َّ منه، كما يأتي في (باب قصة حجة الوداع). ٢٥١٧ - [١٣] (جابر) قوله: (والطريق الآخر)(١) أي: مهلّ أهل الطريق الآخر (الجحفة) وذلك لما ذكرنا أنه يصير في حكم أهل الشام. وقوله: (ومهل أهل العراق) العراق: بلاد معروفة من عبَّادَان إلى الموصل طولاً، ومن القادسية إلى حلوان عرضاً، ويذكّر، سميت بها؛ لأنه على عراق دجلة والفرات، أي: شاطئهما، والعراق: شاطئ البحر. وقوله: (ذات عرق) موضع من شرقي مكة، بينهما مرحلتان يوازي قرناً، والعرق (١) قال شيخنا في ((التقرير)): الطريق في المدينة اثنان: على أحدهما ذو الحليفة، وعلى الثاني الجحفة، فلكل طريق ميقات، فاحفظ ذلك ولا تغفل . ٢٨٣ (١٠) كتاب المناسك ٢٥١٨ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِنَّهِ أَرْبَعَ عُمَرِ كُلَّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، إِلاَّ الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَتِهِ: عُمْرَةً مِنَ الْحُدَيْبِيَّةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، . بالكسر بمعنى: الجبل الصغير. ٢٥١٨ - [١٤] (أنس) قوله: (أربع عمر) بضم العين وفتح الميم جمع عمرة بسكون الميم، وهي في اللغة بمعنى الزيارة، وفيها تعمير للمحبة والوداد، وفي الشرع: اسم لأفعال مخصوصة، هي الطواف والسعي بين الصفا والمروة دون الوقوف بعرفة، والحج وقوف وطواف وسعي، وفيها زيارة البيت وتعمير وتعظيم المسجد، ويفهم من (المشارق)(١) أن الحج والعمرة كلاهما يجيء بمعنى القصد؛ ولذا قد يسمى الحج عمرة، كذا قال. وقوله: (عمرة من الحديبية) بالرفع والنصب، و(الحديبية) بتخفيف الياء وتشديدها، والتخفيف أكثر وأشهر، قيل: هي اسم بئر سمي المكان بها، وقيل: شجرة، وقيل: قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم، وهي على تسعة أميال من مكة، وفيها كانت بيعة الرضوان التي كانت تحت الشجرة، خرج رسول الله وقيم يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة للعمرة في ألف وأربع مئةٍ أو أكثر، فاجتمع له قریش، وصدّوه عن دخول مكة، وكان ◌َّ يسير حتى إذا وصل إلى هذا الموضع برکت راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحّت على عدم القيام، فقال ◌َ : (حبسها حابس الفيل)، فصالحهم، ورجع إلى المدينة على أن يأتي العام المقبل، ولم يعتمر، ومن ههنا شرع حكم الإحصار، فعلم أنه لم يكن في الحديبية عمرة، ولكنهم عدُّوها من العُمَر لترتب (١) انظر: ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٥٣). ٢٨٤ (١٠) كتاب المناسك وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْجِعِرَّانَةِ حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيَّنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٤٨، م: ١٢٥٣]. أحكامها من إرسال الهدي والخروج عن الإحرام. وقوله: (وعمرة من العام المقبل) حيث قدم يلي مكة بحكم المصالحة، واعتمر ومكث بمكة ثلاثة أيام، وخرج في اليوم الرابع، وتسمى هذه العمرة عمرة القضاء، وقد أطلق هذا الاسم في الأحاديث عليها، وهذا يؤيد مذهب الحنفية حيث قالوا: إن المحرم يصير بالإحصار حلالاً، ويجب عليه القضاء، وعند الشافعي لا قضاء عليه، والقضاء الذي وقع في الأحاديث بمعنى الصلح، والقضاء والمقاضاة يجيء بمعنى الصلح والمصالحة، فمعنى عمرة القضاء عندهم: عمرة كانت بمقاضاته مع قريش على أن يأتي في العام المقبل؛ لا أنها وقعت قضاء عما صُدَّ عنه. وقوله: (وعمرة من الجعرانة) بكسر الجيم والعين وتشديد الراء: موضع على مرحلة من مكة، اعتمر منها في السنة الثامنة بعد فتح مكة حين قسم غنائم حنين في ذي القعدة، روي أنه ◌َّار خرج من الجعرانة ليلاً معتمراً، فدخل مكة ليلاً، فقضى عمرته، ثم خرج من ليلته، فأصبح بالجعرانة كبائت فيها . وقوله: (وعمرة مع حجته) أي: حجة الوداع، فهذه أربع عمر، وبعض العلماء عدوها ثلاثاً بناء على أنه لم يكن في الحديبية عمرة حقيقةً كما ذكرنا، فكانت عمره وَليه في ذي القعدة إلا التي كانت في الحج فإنها كانت في ذي الحجة، وقد ورد عن ابن عمر: أنه ﴿ اعتمر أربعاً إحداهن في رجب، رواه الترمذي(١) وقال: حديث صحيح (١) ((سنن الترمذي)) (٩٣٦، ٩٣٧). ٢٨٥ (١٠) كتاب المناسك ٢٥١٩ - [١٥] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَآلآ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٧٨١]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٢٥٢٠ - [١٦] عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ)، فَقَامَ الأَفْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (لَوْ قُلْتُهَا نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا، وَالْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ» غريب، ولما بلغ هذا القولُ من ابن عمر إلى عائشة خطأته وقالت: رحم الله أبا عبد الرحمن لم يعتمر رسول الله وَ﴿ عمرة إلا كان هو معه، ولم يكن له عمرة في رجب، فكأنه سها وأخطأ، والله أعلم. ٢٥١٩ - [١٥] (البراء بن عازب) قوله: (اعتمر رسول الله وَّي في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين) كأنه لم يَعدَّ عمرة الحديبية؛ لأنها لم تكن عمرة حقيقةً كما عرفْتَ، فتكون عمره ثلاثاً: في العام المقبل من الحديبية، والتي من الجعرانة وهما قبل أن يحج، وثالثها التي مع حجته . الفصل الثاني ٢٥٢٠ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (لو قلتها) أي: لو قلت لها، أي: للحجة، أي: لإيجابها (نعم)، فالضمير في (لوجبت) للحجة، ويمكن أن يكون الضمير في (قلتها) مبهماً يفسره قوله: (نعم)، والمراد: لو قلت هذه الكلمة لوجبت، أي: لزمت موجبها . وقوله: (الحج مرة) مبتدأ وخبر، أي: واحدة . ٢٨٦ (١٠) كتاب المناسك رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ١ / ٢٥٥، ن: ٢٦٢٠، دي: ٢ /٣٩]. ٢٥٢١ - [١٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ مَلَكَ زَاداً وَرَاحِلَةَ تُبُلَّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللهِ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ بَهُوِيَّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلِلَِّ عَلَى النَّاسِ حِيُ اَلْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ [آل عمران: ٩٧])). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَهِلاَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَجْهُولٌ، وَالْحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. [ت: ٨١٢]. ٢٥٢١ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لَ صَرُورَةَ فِي الإِسْلاَم)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٧٢٩]. ٢٥٢١ - [١٧] (علي) قوله: (تُبلّغه) صفة لقوله: (راحلة). وقوله: (فلا عليه) أي: لا تفاوت عليه، وفيه تغليظ شديد، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] حيث عبّر عن ترك الحج بالكفر تغليظاً، وقيل: المراد التشبيه بأحد هذين الفريقين في عدم المبالاة بالحج؛ فإنه لم يكن مفروضاً عليهم، بل فرضه من شعار هذه الملة البيضاء وخصائصهم. ٢٥٢٢ - [١٨] (ابن عباس) قوله: (لا صرورة في الإسلام) بالصاد المهملة على وزن الضرورة، وهو التبتل وترك النكاح، والصرورة أيضاً الذي لم يحج قط، وأصله من الصر بمعنى الحبس والمنع، وفي (القاموس)(١): رجل صَرورٌ وصرارةٌ وصارورة: لم يحج أو لم يتزوج، انتهى. أي: لا ينبغي للمسلم أن يقول: لا أتزوج ولا أحج، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٩٥). ٢٨٧ (١٠) كتاب المناسك ٢٥٢٣ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُعَجِّلْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٧٣٢، دي: ٢٨/٢]. ٢٥٢٤ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: («تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وقيل: أراد أن من قَتَل في الحرم قُتِل، ولا يقبل قوله: إني صرورة ما حججت ولا عرفت حرمة الحرم، كذا في (مجمع البحار)(١). ٢٥٢٣ - [١٩] (عنه) قوله: (من أراد الحج) أي: قدر على أدائه بوجود الاستطاعة، (فليعجل) ويَغنم الفرصة قبل أن يَمنع منه مانع لم يقدر عليه، وهذا أمر استحباب(٢) . ٢٥٢٤ - [٢٠] (ابن مسعود) قوله: (تابعوا بين الحج والعمرة) أي: ائتوا كُلّ (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٣١٤). (٢) قال القاري (٥ / ١٧٤٩): الأصح عندنا أن الحج واجب على الفور، وهو قول أبي يوسف ومالك رحمهما الله، وعن أبي حنيفة - رحمه الله - ما يدل عليه، وهو ما روى ابن شجاع عنه أن الرجل يجد ما یحج به وقصد التزوج أنه یحج به، وقال محمد - رحمه الله -: وهو رواية عن أبي حنيفة، وقول الشافعي أنه على التراخي إلا أن يظن فواته لو أخره لأن الحج وقته العمر نظراً إلى ظاهر الحال في بقاء الإنسان، فكان كالصلاة في وقتها يجوز تأخيره إلى آخر العمر كما يجوز تأخيرها إلى آخر وقتها، إلا أن جواز تأخيره مشروط عند محمد بأن لا يفوت، يعني : لو مات ولم يحج أثم، ولأبي يوسف أن الحج في وقت معين من السنة والموت فيها ليس بنادر، فيضيق عليه للاحتياط لا لانقطاع التوسع بالكلية، فلو حج في العام الثاني كان مؤدياً باتفاقهما، ولو مات قبل العام الثاني كان آثماً باتفاقهما، وثمرة الخلاف بينهما إنما تظهر في حق تفسيق المؤخر وردِّ شهادته عند من يقول بالفور، وعدم ذلك عند من يقول بالتراخي، كذا حققه الشُّمُنِّي، انتهى. ٢٨٨ (١٠) كتاب المناسك فَإِنَّهُمَا يَتْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّ الْجَنَّةَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٨١٠، ن: ٢٦٢٩]. ٢٥٢٥ - [٢١] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ إِلَى قَوْلِهِ: ((خَبَثَ الْحَدِيدِ)). [حم: ٣ / ٤٤٧، جه: ٢٩١٨]. ٢٥٢٦ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: ((الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٨١٣، جه: ٢٨٩٦] منهما بعد الآخر، و(الكير) كير الحداد، وهو المبني من الطين، وقيل: زق ينفخ به النار، والمبني الكور، كذا في (النهاية)(١)، وفي (القاموس)(٢): الكير: زق ينفخ فيه الحداد، وأما المبني من الطين فكور. ٢٥٢٥ - [٢١] (ابن عمر) قوله: (خبث) بفتحتين: ما تُبرزه النار من الجواهر المعدنية فتخلِّصها، وقد يروى بضم وسكون، أي: الشيء الخبيث، والأول أظهر. ولعل السبب في نفي الحج والعمرة الفقرَ: أنه ينفق فيهما من الأموال فيتحرى أضعافاً مضاعفة، ويكثر في المال، مع ما يحصل من التعب والمشقة المقتضي لتضعيف الأجر إلى ما شاء الله. ٢٥٢٦ - [٢٢] (ابن عمر) قوله: (الزاد والراحلة)(٣) لما كان هذا عمدةً في (١) ((النهاية)) (٤ / ٢١٧). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٤٠). (٣) في ((التقرير)): الاقتصار على الزاد والراحلة لكونهما أعظم الشروط، فلا إشكال بترك مثل= ٢٨٩ (١٠) كتاب المناسك ٢٥٢٧ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: مَا الْحَاجُّ؟ قَالَ: ((الشَّعِثُ الثَّفِلُ))، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الْعَجُّ وَالَّجُّ)، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: ((زَادٌ وَرَاحِلَةٌ)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السَُّّةِ»، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي ((سُنَّتِهِ) إِلَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْفَصْلَ الأَخِيرَ. [جه: ٢٨٩٦]. شرائطه وآخرها كالجزء الأخير من العلة أسند الإيجاب إليه، والسبب للحج هو البيت وتعظيمه، كما تقرر في علم أصول الفقه، والسبب الحقيقي في العبادات هو أمر الله تعالی . ٢٥٢٧ - [٢٣] (عنه) قوله: (ما الحاج؟) أي: ما صفته، (فقال: الشعث) بكسر العين: المُغْيَزُ الرأس، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح)(٢): أشعث ژولیدہ موئ*، وهو المغبر الرأس أيضاً، وبفتحها مصدر من باب سمع، و(التفل) ككتف: المتغير الرائحة لعدم تطبيبه في مدة الإحرام، يقال: تفل كفرح: تغيرت رائحته، وهي تفلة، وهذان الوصفان أبلغ في سَمْت المحرم ورياضته ومشقته. وقوله: (أي الحج أفضل؟) أي: أيّ أعمال الحج، والمراد بـ (العج) بفتح العين وبالجيم: رفع الصوت بالتلبية، يقال: عجَّ عجًّا وعجيجاً: صاح ورفع صوته، وبـ (الثج): إراقة دم الهدي، يقال: ثجَّ الماءُ: سال، وثجَّه: أَسَالَه. وقوله: (وما السبيل؟) أي: الذي ذكر في الآية من قوله تعالى: ﴿مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ [آل عمران: ٩٧]. = صحة البدن وغيره، وفي ((رسائل)) (ص: ٢٣٦): أن الطريق إذا كان مأموناً. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٧٠). (٢) ((الصراح)) (ص: ٧٤). ٢٩٠ (١٠) كتاب المناسك ٢٥٢٨ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي رَزِينِ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ◌َّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لاَ يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلاَ الْعُمْرَةَ وَلاَ الظَّعْنَ، قَالَ: (حُجَّ عَنْ أَبِيِكَ وَاعْتَمِرْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٩٣٠، د: ١٨١٠، ن: ٢٦٢١]. ٢٥٢٩ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: لَبَيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ؟ قَالَ: (مَنْ شُبْرُمَةُ؟)) قَالَ: أَخْ لِي - أَوْ: قَرِيبٌ لِي - قَالَ: ((أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟)) قَالَ: لاَ، قَالَ: ((حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ)). رَوَاهُ الشَّانِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٨١١، جه: ٢٩٠٣]. ٢٥٣٠ - [٢٦] وَعَنْهُ قَالَ: ((وَقَّتَ رَسُولُ اللهِنَّهِ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٨٣٢، د: ١٧٤٠]. ٢٥٢٨ - [٢٤] (أبو رزين العقيلي) قوله: (لا يستطيع الحج والعمرة) أي: أسباب ما يستطيع به السبيل من الزاد والراحلة ومع ذلك بلغ ضعفه إلى حد لا يقوى على الركوب، أو المعنى: لا يستطيع راجلاً ولا راكباً، و(الظعن) السير والسفر، يقال: ظعن ظعناً بالسكون والتحريك: سار، وأظعنه: سيَّره، والمراد ههنا السير بالركوب على الراحلة . ٢٥٢٩ _ [٢٥] (ابن عباس) قوله: (عن شبرمة) بضم الشين والراء وسكون الموحدة بينهما . وقوله: (ثم حُجّ) بلفظ الأمر، وهو يدل بظاهره أن النيابة إنما تجوز بعد أداء فرض الحج، وإليه ذهب جماعة من الأئمة، والشافعي وأحمد منهم، وذهب آخرون إلى أنه يجوز بدونه وهو مذهبنا ومذهب مالك. * ٠٠ ٢٥٣٠ - [٢٦] (عنه) قوله: (العقيق) موضع قريب ذات عرق. ٢٩١ (١٠) كتاب المناسك ٢٥٣١ - [٢٧] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٧٣٩، ن: ٢٦٥٦]. ٢٥٣٢ - [٢٨] وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لهِ يَقُولُ: (مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٧٤١، جه: ٣٠٠١]. الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٥٣٣ - [٢٩] عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ فَلاَ يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَّوَدُواْ فَإِنَ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. ٢٥٣١ - [٢٧] (عائشة) قوله: (وقّت لأهل العراق ذات عرق) لا العقيق وهما متقاربان، لكن العقيق قبل ذات عرق، فقال الشافعي: ينبغي أن يحرم من العقيق احتياطاً وجمعاً بين الحديثين، وقال الطيبي: والأصح أن النبي ◌َّ ما بيّن لأهل المشرق ميقاتاً، وإنما حدَّ لهم عمر ◌ُه حين فتح العراق، انتهى. وليس في كتبنا ذكر العقيق، فتدبر. ٢٥٣٢ - [٢٨] (أم سلمة) قوله: (من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام) ولا بد أن يمر بين ذلك بالمدينة المطهرة، فتشرّف بأفضل المقامات في الابتداء والوسط والانتهاء، فثبت له هذا الأجر العظيم. الفصل الثالث ٢٥٣٣ - [٢٩] (ابن عباس) قوله: ﴿﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾﴾ أي: ٢٩٢ (١٠) كتاب المناسك رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٥٤١]. ٢٥٣٤ - [٣٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لاَ قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٩٣٣]. ٢٥٣٥ - [٣١] وَعَنْ أَبِى أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ، فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّ)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢ / ٤٥]. ٢٥٣٦ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ أَنَّهُ قَالَ: ((الْحَاجُّ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللهِ، إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٨٩٢]. تزودوا واتقوا الإبرام بالسؤال من الناس؛ فإن التقوى خير زاد للإنسان لسفر يوم القيامة، وكأنهم جعلوا التوكل واتخذوه زاداً، فقال: التقوى خير من ذلك، ولم يكونوا متوكلين في الحقيقة ولم يفوا بحقه، فافهم. ٢٥٣٤ - [٣٠] (عائشة) قوله: (عليهن جهاد لا قتال فيه) قد مر معناه في حديث عائشة في (الفصل الأول). ٢٥٣٥ - [٣١] (أبو أمامة) قوله: (حاجة ظاهرة) أرادوا بها فقد الزاد والراحلة. ٢٥٣٦ - [٣٢] (أبو هريرة) قوله: (الحاج) واحد الحجاج، وقد يطلق على الجماعة مجازاً، أو المراد ههنا الجنس. (والعمار) جمع عامر بمعنى المعتمر من عمر بمعنی اعتمر، و(الوفد) جمع وافد؛ کرکب جمع راکب، وفد علیه وإلیه: قدم وورد. ٢٩٣ (١٠) كتاب المناسك ٢٥٣٧ - [٣٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: ((وَقْدُ اللهِ ثَلاَثَةٌ: الْغَازِي وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبٍ الإِيمَانِ)). [ن: ٢٦٢٥، شعب: ٣٨٠٨]. ٢٥٣٨ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا لَقِيتَ الْحَاجَّ فَسَلَّمْ عَلَيْهِ، وَصَافِحْهُ، وَمُرْهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، فَإِنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢ /٦٩، ١٢٩]. ٢٥٣٩ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِراً أَوْ غَازِباً ثُمَّ مَاتَ فِي طَرِيقِهِ، كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجْرَ الْغَازِي وَالْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٣٨٠٦]. ٢٥٣٧ - [٣٣] (عنه) قوله: (ثلاثة) وفي حكمهم جماعةٌ وفدوا على رسول الله وَّه لتعلم الأحكام، ولما كانوا في الظاهر وافدين من قوم إلى رسول الله بصير أضيفوا إليه وَلات، ولكنهم وافدون على الله حقيقة: ﴿إِنَّالَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَابِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]. ٢٥٣٨ - [٣٤] (ابن عمر) قوله: (قبل أن يدخل بيته) لأنه إلى الآن في سبيل الله غير مشتغل عنه بأهله وعياله، وحقيقة المراد أن ثوابه وكونه من وفد الله ثابت من حین خروجه من بيته إلى دخوله. ٢٥٣٩ - [٣٥] (أبو هريرة) قوله: (أو غازياً) وفي حكمهم من خرج متعلماً کما ذكرنا . ٢٩٤ (١) باب الإحرام والتلبية ١ - باب الإحرام والتحلية * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٢٥٠ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ وَِّ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلَّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيِصِ الطَّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٣٩، ٢٧١، م: ١١٨٩، ١١٩٠]. ١ - باب الإحرام والتلبية الإحرام والتحريم: جعل الشيء حراماً، ومنه تحريمة الصلاة، والتاء للنقل، أو بتقدير التكبيرة، ويجوز أن يكون من أحرم بمعنى: دخل في الحرم، ولما كان عقد الإحرام سبباً لاستباحة دخوله سمي به. الفصل الأول ٢٥٤٠ - [١] (عائشة) قوله: (ولحلّه) أي: خروجه من الإحرام، حل وأحل بمعنى، وقد وقع في بعض الروايات: (لإحلاله). وقوله: (قبل أن يطوف بالبيت) فإن الحاج بعد رمي جمرة العقبة يخرج من الإحرام، ويحل له كل شيء سوى النساء. وقوله: (وبيص الطيب) بالصاد المهملة: بريقه، يقال: وَبَصَ البرقُ يَبِصُ وَبْصاً ووبيصاً: لمع وبرق، وفيه مبالغة في بقاء أثر الطيب، و(المفارق) جمع مفرق بمعنى موضع الفرق وهو وسط الرأس، والجمع باعتبار نواحيه وأطرافه وأجزائه. وفي الحديث دليل على أن للمحرم أن يتطيب قبل إحرامه بطيبٍ يبقى أثره عليه بعد الإحرام، وأن بقاءه بعد الإحرام لا يضره، وهو المشهور من مذهبنا لهذا الحديث؛ ٢٩٥ (١٠) كتاب المناسك ولأن الممنوع التطيب، والباقي بعده كالتابع له لاتصاله به بخلاف الثوب؛ لأنه مباين فلا يصح اعتباره تبعاً، وأيضاً يُعدُّ الرجل بعد بقاء الثوب على بدنه لابساً، ولا يُعدُّ بعد بقاء الطيب متطيباً، وكذا لو حلف لا يتطيب فدام على طيب يجده لم يحنث، ولو حلف لا يلبس فدام عليه حنث. وعن محمد أنه يكره إذا تطيب بما تبقى عينُه بعد الإحرام، وهو قول مالك والشافعي؛ لأنه منتفع بالطيب بعد الإحرام. وجعل الطيبي(١) الإباحة قول الشافعي، والكراهة قول مالك، وإيجاب الفدية قول أبي حنيفة، والمذكور في (الهداية)(٢) وشروحه ما ذكرناه. وفي (شرح كتاب الخرقي)(٣): سئل عبدالله بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرماً؟ فقال: ما أحب أن أصبح محرماً أنضح طيباً؛ لأن أُطلى بقطرانٍ أحبُّ إليّ [من] أن أفعل ذلك، فبلغ ذلك عائشة فأنكرت ذلك من ابن عمر، وقال مسلم بن صبيح: رأيت ابن الزبير وهو محرم وفي رأسه ولحيته من الطيب (ما لو كان لرجل لاتخذ منه رأس مال]، وما جاء في حديث يعلى بن أمية: أنه ◌َّه رأى رجلاً وهو مصفِّر لحيته ورأسه وعليه جبة، فقال: (انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة)، متفق عليه، وفي رواية أبي داود: (اغسل عنك أثر الخلوق)، فذلك محمول على أنه كان زعفراناً، والنبي ◌َّ نهى أن يتزعفر الرجل، وإذا نهى عن ذلك في غير الإحرام ففيه أجدر، انتھی . (١) انظر: ((شرح الطيبي)) (٥/ ٢٣٤). (٢) انظر: ((الهداية)) (١ / ١٣٤). (٣) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (٣/ ٧٦). ٢٩٦ (١) باب الإحرام والتلبية ٢٥٤١ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يُّهِلُّ مُلَبِّداً، يَقُولُ: ((لَّيْكَ اللَّهُمَّ لَّيْكَ، لَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ))، لاَ يَزِيدُ عَلَى هَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩١٥، م: ١١٨٤]. ٢٥٤٢ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدٍ ذِي الْخُلَيْفَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٦٥، م: ١١٨٧]. ٢٥٤١ - [٢] (ابن عمر) قوله: (ملبداً) بلفظ اسم الفاعل من التلبيد، وهو أن يجعل المحرم في رأسه شيئاً من صمغ أو غيره ليتلبد شعره وينضم بعضه ببعض دفعاً للشعث . وقوله: (إن الحمد لك) بكسر (إن) وهو أظهر معنًى ورواية، وقد تفتح الهمزة ولعله بتقدير : لأن الحمد . ٢٥٤٢ - [٣] (عنه) قوله: (في الغرز) بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها زاي: رکاب الرجل من جلد، وإذا كان من خشب أو حدید فهو ركاب. وقوله: (واستوت به ناقته) أي: رفعته مستوياً على ظهرها، وهذا الحديث يدل على أنه وَ ﴿ لَبَّى بعد استوائه على ظهرها، وبه أخذ الشافعي، وعندنا يُلبِّي بعد الصلاة، وهو قول مالك، قال في (الهداية)(١): ثم يلبي عقيب صلاته لما روي أن النبي وَليه لبّی في دبر صلاته، فإن لبى بعد ما استوت به راحلته جاز، ولكن الأول أفضل لما روينا، والمشهور في مذهب أحمد بعد الصلاة، والمختار عند بعض أصحابه عند الاستواء. (١) ((الهداية)) (١ / ١٣٥). ٢٩٧ (١٠) كتاب المناسك ٢٥٤٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَه نَصْرُغُ بِالْحَجِّ صُرَاخاً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٤٧]. ٢٥٤٤ _ [٥] وَعَنْ أَنَسٍ: قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّهُمْ لَيَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعاً الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٩٨٦]. ٢٥٤٥ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِنَ ◌ّهِ عَامَ حَجَّةٍ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ وَعُمْرَةٍ، وفي (شرح كتاب الخرقي)(١): أنه روى سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا ابن العباس! عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله وَّةٍ في إهلال رسول الله ◌ِّ! فقال: إني لأَعلمُ الناسِ بذلك، أهلّ بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظت عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهلّ، فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله مَّ﴿، فلما علا على شرف البيداء أهلّ، وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهل حين علا من البيداء، وايم الله لقد أوجب في مصلاه [وأهلَّ حين استوت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء]، رواه أبو داود(٢)، وبما ذكر يحصل به التوفيق بین الروايات. ٢٥٤٣ - [٤] (أبو سعيد الخدري) قوله: (نصرخ بالحج صراخاً) هذا الحديث يدل على أنهم كانوا مُفْردين بالحج. ٢٥٤٤ - [٥] (أنس) قوله: (وإنهم ليصرخون بهما) يدل على كونهم قارنين. ٢٥٤٥ - [٦] (عائشة) قوله: (فمنا من أهل بعمرة ... إلخ)، يدل على أن (١) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (٣/ ٩٦). (٢) ((سنن أبي داود)) (رقم: ١٧٧٠). ٢٩٨ (١) باب الإحرام والتلبية وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ وَهَ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَخَلَّ، بعضهم كانوا متمتعين، وبعضهم كانوا قارنين، وبعضهم مفردين بالحج(١)، وكذلك اختلفت الأخبار والروايات في فعله وسين: هل كان قارناً؟ وفيه أكثر الأحاديث الصحيحة الصريحة مروية عن سبعة عشر من عظام الصحابة، أو مفرداً بالحج؟ وفيه أيضاً أحاديث كثيرة، وجاءت أحاديث صحيحة في التمتع أيضاً، وذكروا في توفيقها وترجيح كونه قارناً وجوهاً متعددة، وقد ذكرناها في (شرح سفر السعادة)(٢) مستوفى، فلينظر ثمة، (١) أجمعت الأمة على جواز كل من الأقسام الثلاثة مع الاختلاف في الأفضلية، فعند الإمام أحمد في ذلك روايتان: أفضلية التمتع ثم الإفراد ثم القران، الثانية: إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسق فالتمتع أفضل. ومختار المالكية أفضلية الإفراد ثم القران ثم التمتع، وعن الشافعية في ذلك ثلاث روايات، وقال النووي: والصحيح تفضيل الإفراد ثم التمتع ثم القران، لكن أفضلية الإفراد مشروطة بأن يعتمر في هذه السنة وإلا فهما أفضل منه، ومختار الحنفية أفضلية القران ثم التمتع ثم الإفراد. ثم بعد ذلك اختلفوا في حجه عليه الصلاة والسلام فقال النووي: وأما حجة النبي ◌َّ فاختلفوا فيها هل كان مفرداً أم متمتعاً أم قارناً؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة، وكل طائفة رجحت نوعاً وادعت أن حجة النبي ◌ّ﴿ كانت كذلك، والصحيح أنه لو كان أولاً مفرداً ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارناً، انتهى. وقد اختلفت روايات الصحابة في حجه ◌ّ﴾ حجة الوداع، هل كان مفرداً أم قارناً أم متمتعاً؟ وروي كل منها في البخاري ومسلم وغيرهما، وطريق الجمع بينها ما ذكرت أنه اليه كان أولاً مفرداً ثم صار قارناً، فمن روى الإفراد هو الأصل، ومن روى القران اعتمد آخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع والارتفاق، وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها. انظر: ((جزء حجة الوداع)) (ص: ٦٣)، و((أوجز المسالك)) (٦ / ٥٠٤)، و((بذل المجهود)) (٧/ ١٠٠). (٢) (شرح سفر السعادة)) (ص: ٣٣٠). ٠٠٠٠ ٢٩٩ (١٠) كتاب المناسك وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٦٢، م: ١٢١١] ٢٥٤٦ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِوَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٩١، م: ١٢٢٧]. والله أعلم. ٢٥٤٦ - [٧] (ابن عمر) قوله: (تمتع بالعمرة إلى الحج) أي: استمتع وانتفع بالتقرب إلى الله بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج في أشهره، وقيل: معناه: استمتع بعد التحلل من عمرته باستباحة محظورات الإحرام إلى أن يحرم بالحج، هكذا فسر البيضاوي (١) قوله تعالى: ﴿فَن تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وحاصله تضمين معنى الانضمام للتعدية بكلمة إلى. ولا بد أن نشير مجملاً إلى معنى القران والتمتع والإفراد؛ فالإفراد(٢): أن يحرم بالحج أو العمرة منفرداً، والقران: أن يحرم لهما معاً، فيعتمر أولاً ويبقى على إحرامه ويحج، والتمتع: أن يحرم للعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحج من عامه، وفضله أنه أحرز الفضيلتين في عام واحد، وحكمه أنه إن ساق الهدي بقي على إحرامه، وإن لم يسق يحل، كما يأتي بيانه في (باب حجة الوداع)، وعندنا القران أفضل، ثم التمتع، ثم الإفراد. (١) ((تفسير البيضاوي)) (١ / ١١٠). (٢) قال في ((المغني)) (٥/ ٩٤): هو الإحرام مفرداً من الميقات. ٣٠٠ (١) باب الإحرام والتلبية * الْفَصْلُ الثاني: ٢٥٤٧ - [٨] عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ وَلِ تَجَرَّدَ لإِهْلاَلِهِ وَاغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٨٣٠، دي: ٢ /٣١]. ٢٥٤٨ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ لَيَّدَ رَأْسَهُ بِالْغِسْلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٧٤٨]. ٢٥٤٩ - [١٠] وَعَنْ خَلَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ : (أَثَانِي جِبْرَئِيلُ، فَأَمَرَِّي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلاَلِ أَوِ التَّلْبِيَةِ)). رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ط: ١/ ٣٣٤، ت: ٨٢٩، د: ١٨١٤، ن: ٢٧٥٣، جه: ٢٩٢٢، دي: ٢ /٣٤]. ٢٥٥٠ _ [١١] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ لِّ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّلَتَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، . الفصل الثاني ٢٥٤٧ - [٨] (زيد بن ثابت) قوله: (تجرد لإهلاله) أي: لإحرامه؛ لأن الإهلال هو رفع الصوت بالتلبية، وفي نسخ (المصابيح): (لإحرامه). ٢٥٤٨ _ [٩] (ابن عمر) قوله: (بالغسل) بالكسر: وهو ما يغسل به كالخطمي وغيره؛ لئلا ينتشر الشعر، وروى بعضهم: (بالعَسَل) بفتحتين والعين المهملة، وهو تصحيف . ٢٥٤٩ - [١٠] (خلاد بن السائب) قوله: (أن يرفعوا أصواتهم) وتأتي فضيلته في الحديث الآتي. وقوله: (أو التلبية): (أو) للشك. ٢٥٥٠ - [١١] (سهل بن سعد) قوله: (من عن يمينه) وفي بعض الروايات: