النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ (٩) كتاب الدعوات والإماتة والإحياء، وقالوا: هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويحتاج إليه كلُّ موجود، بل لا يستغني عنه شيء في شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في وجوده ولا في بقائه، فكل شيء سواه فهو له مملوك، وإليه محتاج، وهو مستغنٍ عن كل شيء، متفردٌ بتقديره وتدبيره، ليس لحكمه مرد فهو الملك المطلق، والملك أبلغ وأخص من المالك إذ كلُّ ملكٍ مالكٌ من غير عكس، فإذا عرف العبد أن ما سواه مفتقر إليه مسَخّر لحكمه وقضائه وجب أن يتعلق بجناب قدرته وتصرفه، ويستغني عن الناس رأساً، ولا يُظهر احتياجه إليهم قطعاً، ولا يخاف ولا يرجو أحداً سواه، والتخلق بهذا الاسم أن يتصرف في مملكة نفسه وقلبه وقالبه حتى يملك جوارحه وقواه كلها ويطيعونه. قال الإمام الغزالي(١): فمن ملكها ولم تملكه، وأطاعته ولم يعطها، فقد نال درجة الملك في عالمه، فإن انضم إليه استغناؤه عن كل الناس، واحتاج الناس كلهم إليه في حياتهم العاجلة والآجلة، فهو الملك في عالم الأرض، وذلك رتبة الأنبياء صلوات الله عليهم، فإنهم استغنوا في الهداية إلى الحياة الآخرة عن كل أحد إلا عن الله تعالى، واحتاج إليهم كل أحد، ويليهم في هذا الملك العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وإنما ملكهم بقدر قدرتهم على إرشاد العباد، واستغنائهم عن الاسترشاد، قيل لبعض الشيوخ: أوصني فقال: كن ملكاً في الدنيا [تكن ملكا في] الآخرة، معناه: اقطع حاجتك وشهوتك عن الدنيا، فإن الملك في الحرية والاستغناء، انتهى. اللهم يا مالك الملك تؤتي الملك من تشاء أعطنا من ملكك، وملّكنا في مملكتك، وارزقنا بقدرتك التصرف في نفوسنا وقلوبنا، وأعنّا حتى يطيعنا جمیعُ جوارحنا وقوانا، (١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ٦٧). ٦٢ (٢) كتاب أسماء الله تعالى هو ◌ِ الْقُدُّوسُ، واقطع حاجاتنا وشهواتنا عن الدنيا وما فيها، واجعلنا من ملوك الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير . وقوله: (القدوس) من القدس، وهو الطهارة والنزاهة من سمات النقص ولوازم الحدوث، بل المنزه عن کل وصف یدرکه حس، أو يتصوره خيال، أو يسبق إليه وهم، أو يحيط به عقل، أو يختلج به ضمير، أو يفضي به تفكير، وقال بعض العارفين: إن تنزيهه تعالى من العيوب والنقائص يكاد يقرب من سوء الأدب، فليس من الأدب أن يقول قائل: مَلِكُ البلد ليس بحائكٍ ولا حجام، بل يقول: هو منزه من كل وصف من أوصاف الكمال الذي يظنه الخلق كمالاً، فإنهم ما فهموا الكمال والنقص إلا من معرفة صفاتهم وأضدادها، فغاية ثنائهم على الله سبحانه أن يصفوه بما عرفوا من معاني صفاتهم وينزّهوه عن أضدادها، والله تعالى كما هو منزّه عن أوصاف نقصهم كذلك منزه عن أوصاف كمالهم، بل كل صفة يتصورها الخلق فهو مقدس عنها وعما يشبهها ويماثلها، ونصيب العبد من هذا الاسم أن يتحقق أنه لا يحق الوصول إلا بعد العروج من عالم الحسِّ والخروج عن الحظوظ الجسمانية، وتصفية القلب وتنزيه الباطن عن كل ما سوى الحق . قال الإمام الغزالي(١): قُدُس العبد أن ينزه إرادته وعلمه، أما علمه فينزهه عن المتخيلات والمحسوسات والموهومات وكلٌّ ما يشاركه فيها البهائم من الإدراك، ويكون تردّد نظره وتطواف فكره حول الأمور الإلهية الكلية المتعلقة بالمعلومات الأزلية الأبدية دون الشخصيات المتغيرة، ويقتني من العلوم ما لو سلبت آلة حسه وتخيله بقي ريَّاناً بالعلوم، وأما إرادته فينزهها عن أن تدور حول الحظوظ البشرية التي ترجع (١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ٦٨ -٦٩). ٦٣ (٩) كتاب الدعوات السَّلاَمُ، إلى لذة الشهوة والغضب، بل لا يبقى له حظ إلا في الله، ولا يكون له شوق إلا إلى لقاء الله، ولا فرح إلا في القرب من الله، اللهم قدِّسنا عن كل صفة رديئة، وطهِّر ظواهرنا وبواطننا عن الركون إلى ما سواك، حتى لا يبقى لنا حظ إلا فيك، ولا شوق إلا إلى لقائك، ولا فرح إلا في القرب منك، آمين. وقوله: (السلام) مصدر نُعِتَ به، وهو الذي يسلم ذاته عن العيب، وصفاته عن النقص، وأفعاله عن الشر، أي: الشرِّ المطلق المراد لذاته، لا لخيرٍ حاصلٍ في ضمنه أعظم منه، فأفعال الله تعالى سالمة عن الشر؛ لأنه رحيم يريد الخير للمرحوم، وليس في الوجود شر إلا وفي ضمنه خير، ولو رفع الشر لبطل الخير الذي في ضمنه، وحصل ببطلانه شر أعظم من الشر الذي يتضمنه، فاليد المتآكلة قطعها شر في الظاهر، وفي ضمنها الخير الجزيل وهو سلامة البدن، والمراد الأولُ السابقُ إلى نظر القاطع: السلامة التي هي خير محض، فلذلك قال: (سبقت رحمتي على غضبي)، فالسلامة مطلوب لذاتها، والقطع مطلوب لغيره، فالخير مقضي بالذات والشر مقضي بالعَرَض. قال الإمام الغزالي (١): وإن خطر ببالك نوع من الشر لا ترى تحته خيراً، أو خطر لك أنه كان تحصيل ذلك الخير ممكناً لا في ضمن الشر، فاتَّهم عقلك القاصر في [أحد] الخاطرين، أما الأول: فإنك فيه مثل الصبي الذي يرى الحجامة شرًّا محضاً، ومثل الغبي الذي يرى القتل قصاصاً شراً محضاً، وأما الثاني: فإنه دقيق غامض يقصر عنه الأكثرون، وتحته سِرٌّ يمنع عن إفشائه فاقنع بالإيماء، ولا تطمع في الإفشاء، انتھی . (١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ٦٥). ٦٤ (٢) كتاب أسماء الله تعالى ولعل ذلك السر الذي يمنع عن إفشائه: أنه لابد حينئذٍ أن يبين أنه لا بد من وجود الشر، ولا يكون خير محض لا يكون في ضمن الشر، ويتوهم من ذلك عدم قدرة الحق سبحانه على إيجاد الخير بدون الشر يكون الخير في ضمنه، ويتوهم أن إيجاد الشر شر وإن كان في ضمنه خير، والكمال إيجاد الخير المحض لا في ضمن الشر، وحله: أن ذلك مقتضى الصفات القهرية، فلا بد من ظهورها، والكمال المطلق الاتصافُ بكلا النوعين من الصفات اللطيفة والقهرية، والجمالية والجلالية، وهو ذو الجلال والإكرام، وإن يظهر آثار كل منها فلا بد أن تقع تلك الشرور الظاهرة، ولكن لطفه ورحمته سابقة على غضبه وقهره، فالسابق في الإرادة أولاً وبالذات الخير الذي في ضمنها، وليس هذا سر يمنع في الشرع ذكره، فإن صاحب الشرع يقول: الخير والشر كلاهما مخلوق الله، ولكن مقتضى رحمته أن في ضمن الشر الخير، والله أعلم. وقال الطيبي(١) في الفرق بين القدوس والسلام: إن القدس يدل على براءة الشيء عن نقص يقتضيه ذاته وطهارته في نفسه، ولذا جاء الفعل منه على باب كرُم وشرف، والسلام يدل على نزاهته عن نقص يعتريه لعروض آفة، وقد قيل: القدوس فيما لم يزل، والسلام فيما لا يزال، وهذا قريب من الأول. هذا وقد يُجعل بمعنى المسَلِّم على المؤمنين كما قال: ﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍ رَّحِيمٍ ﴾ [يس: ٥٨]. قال الإمام(٢): وكل عبد سَلِم عن الغش والحقد والحسد وإرادة الشر قلبُه، وسلم من الآثام والمحظورات جوارحُهُ، وسلم عن الانتكاس والانعكاس صفاته، فهو الذي (١) ((شرح الطيبي)) (١٦/٥). (٢) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ٧٠). ٦٥ (٩) كتاب الدعوات الْمُؤْمِنُ، يأتي الله بقلب سليم، وهو السلام من العباد والمشرف بالقرب من جناب الإسلام المطلق الذي لا مثنوية في وصفه، والمراد بالانتكاس في صفاته أن يكون عقله أسِيرَ شهوته وغضبه، والحق عكسه، وهو أن تكون الشهوة والغضب أسير العقل وطوعَه، فإذا انعكس فقد انتكس، ولا سلامة حيث يكون الأمير مأموراً والملك عبداً، ولن يُوصف بالسلام والإسلام إلا من سلم المسلمون من يده ولسانه، اللهم أنت السلام ومنك السلام، حيِّنا ربنا بالسلام، واجعلنا سالمين عن الانتكاس والانعكاس حتى نأتيك بقلب سلیم . وقوله: (المؤمن) مفيد الأمن للبَرِيَّة بخلق أسباب الأمان والآلة؛ كالأعضاء والحواس، وسائر الأسباب من الأغذية والأدوية والبيوت والحصون والأسلحة والجنود والأعوان والأنصار، والعبد في أصل فطرته هو عرضة المخاوف والمهالك من الجوع والعطش والأمراض والأعداء وسائر الآفات، فإذا خلق تلك الأسباب فقد آمنهم منها، هذا في الدنيا، وآمنهم من آفات الآخرة بكلمة التوحيد حيث قال: (لا إله إلا الله حِصني فمن دخل حِصني أَمِنَ عذابي)، بل هو حصن من آفات الدنيا والآخرة، وهذا في ذوي الأرواح، وكذلك في ما سواهم ربط بقاءها بأسباب توجب أمانها من الهلاك والعدم. والكل عرضة لذلك، فلا أمن في العالم إلا وهو مستفاد بأسباب هو متفرد بخلقها، والهداية إلى استعمالها، فهو المؤمن المطلق، ومن جملة إفادة الأمن ما لقّنهم خاصة من الحجج والبراهين على صدق الدين وأنوار اليقين بحفظ الإيمان وتأييدات التوفيق للحفظ والعصمة عن المعاصي، وقد يُجعل المؤمن بمعنى: مصدّق رسله بكلامه وبخلق المعجزات. ومن حق العبد إذا عرف أن الله تعالى هو المؤمن أن يلتجئ إليه ويستأمن به ٦٦ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الْمُهَیْمِنُ، من جميع الآفات الظاهرة والباطنة، والتخلقُ به: أن يأمن الخلق جانبه، ويعضدهم في دفع الهلاك عنهم في دينهم ودنياهم، وأحق العباد باسم المؤمن من كان سبباً لأمن الخلق من عذاب الله، بالهداية إلى طريق الحق والإرشاد إلى سبيل النجاة، وهذه حرفة الأنبياء والعلماء. واعلم أن الله تعالى كما هو مؤمن يخلق أسباب الأمن، كذلك هو مخوفٌ يخلق أسباب الخوف، وكونه مَخُوفاً لا يمنع كونه مؤمناً، كما أن كونه مُعزّا لا ينافي كونه مذِلاً، ولكن المخوف لم يَرِدْ به التوقيف. اللهم آمنا من عذابك ومن جميع الآفات الظاهرة والباطنة، واجعلنا سبباً لأمان خلقك في الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير . وقوله: (المهيمن) الرقيب المبالغ في المراقبة والحفظ، يقال: هيمن على كذا: صار رقيباً عليه وحافظاً، كذا في (القاموس)(١)، والفرق بينه وبين الرقيب لما فيه من المبالغة ما ليس في الرقيب. وقال الغزالي(٢): معناه في حق الله تعالى أنه القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وإنما قيامه عليهم باطُلاعه واستيلائه وحفظه، فكل مشرفٍ على كنه الأمر مستولٍ عليه حافظ له فهو مهيمن عليه، ولن يجتمع ذلك على الإطلاق والكمال إلا لله ك، وينبغي للمعبد إذا عرف أن الله تعالى مهيمن ورقيب على أحواله الظاهرة والباطنة أن يراقب هذا المعنى فيها فيكون مستحياً من الله. وهذا المعنى يسمى مراقبة في لسان القوم، والتخلق به أن يراقب قلبه ويشرف (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٤٢). (٢) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ٧٢). ٦٧ (٩) كتاب الدعوات الْعَزِيزُ، على أغواره وأسراره، ويستولي على تقويم أحواله وأوصافه، ويقوم بحفظه على مقتضى تقويمه، فإذا فعل ذلك صار مهيمناً بالنظر إلى نفسه، فإن اتسع إشرافه واستيلاؤه حتى قام بحفظ عباد الله على نهج السداد كان حظه من هذه الصفة أوفر وأتم، اللهم يا من هو الرقيب الناظر المطلَّع على السرائر والضمائر اجعلنا مراقبين بعلمك ونظرك إلى أحوالنا في الباطن والظاهر، ووفقنا لمراقبة أحوال قلوبنا وتقويمها على نهج الاستقامة، واجعلنا مهيمنين على نفوسنا وتزكيتها عما يوجب الملامة والغرامة، وقائمين بحفظ العباد على نهج السداد والرشاد. وقوله: (العزيز) الغالب، ومرجعه إلى القدرة المتعالية عن المعارضة، والقوي الشديد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]، أو عديم المثل، والعزيز كثير استعماله في هذه المعاني. وقال الإمام الغزالي(١): هو الخطير الذي يقل وجود مثله، وتشتد الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه، فما لم يجتمع فيه هذه المعاني الثلاثة لم يطلق عليه اسم العزيز، فكم من شيء يقل وجوده لكن إذا لم يعظم خطره ولم يكثر نفعه لم يسم عزيزاً، وكم من شيء يعظم خطره ويكثر نفعه ولا يوجد نظيره، ولكن [إذا] لم يصعب الوصول إليه لا يسمى عزيزاً؛ كالشمس والأرض لا نظير لهما، وفي كل واحد منهما نفع عظيم، والحاجة شديدة إليهما ولكن لا يوصفان بالعزة؛ لأنه لا يصعب الوصول إلى مشاهدتهما، وليست هذه الصفات الثلاث على الكمال إلا للَّه، فهو العزيز المطلق لا يوازيه فيه غيرُه، انتهى. (١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ٧٣). ٦٨ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الْجَبَّارُ، ومن عرف أن الله هو العزيز من شأنه أن لا يعتقد لمخلوق عزة وإجلالاً، ولا يطلب العزّ إلا في طاعته وخدمته، والتخلق للعبد فيه أن يغلب على نفسه [و] هواها، ويشتد قوته وصولته عليها، ولا يذلها ولا يستهنيها بالمطامع والسؤال عن الناس والافتقار إليهم، بل يسعى أن يصير بحيث يعظم خطره، ويشتد إليه احتياج الناس في الإرفاق والإرشاد، ويصير قليل المِثْل بل عديمَه، ويصعب الوصول إليه وإلى معرفة كنه حاله . قال الإمام الغزالي(١): العزيز من العباد من يحتاج إليه خلق الله في أهم أمورهم، وهي الحياة الأخروية والسعادة الأبدية، وذلك مما يقلُّ لا محالة وجوده ويصعب إدراكه، وهذه رتبة الأنبياء صلوات الله عليهم، ويشاركهم في العزة من ينفرد بالقرب من درجتهم كالخلفاء وورثتهم من العلماء، انتهى. وأقول: وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك، واجعلنا غالبين على النفس بكسر شهواتها عزيزاً في الدنيا والآخرة، إنك أنت العزيز الحكيم. وقوله: (الجبار) المبالغ في الجبر، والجبر يجيء بمعنى الإصلاح وبمعنى القهر، وقد يستعمل بمعنى العلوّ، يقال: نخلة جبارة، للباسقة التي لا تنالها الأيدي، فمعنى الجبار: المصلح لأمور العباد، والمتكفل بفضله لمصالحهم، أو الحامل للعباد على ما يشاء، لا انفكاك لهم عما شاء، أو المتعالي أن يناله كيد الكائدين، ويؤثر فيه قصد القاصدين، وبالنظر إلى المعنيين الأخيرين قال الغزالي: هو الذي ينفّذ مشيئته على (١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ٧٤). ٦٩ (٩) كتاب الدعوات [سبيل] الإجبار في كل أحد، ولا تنفذ فيه مشيئة أحد، الذي لا يخرج أحد عن قبضته، وتقصر الأيدي دون حمى حضرته، والجبار من العباد من ارتفع عن الأتباع، ونال درجة الاستتباع، وتفرد بعلوّ رتبته بحيث يُجْبِرُ الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به، ومتابعته في سَمْته وسيرته، فيفيد الخلق ولا يستفيد، ويستتبع ولا يتبع، ولا يشاهده أحد إلا ويفنى عن ملاحظة نفسه، ولا يطمع [أحد] في استتباعه، وإنما حظي بهذا الوصف سيد البشر وَله حيث قال: (لو كان موسى حيّا ما وسعه إلا اتباعي)(١)، انتهى. وهذا إشارة إلى بيان التخلق بهذا الاسم، وتفصيلُه: أن يُقبل العبد على نفسه، فَيَجْبُرَ نقائصها باستكمال الفضائل، ويَحملَها على ملازمة التقوى، والمواظبة على الطاعة، ويترفع عما سوى الحق غيرَ ملتفت إلى الخلق، فلا يتأثر عن تعاور الحوادث وتعاقب النوازل عن الخلق ونزول الحوادث، بل تقوى على التأثير في الأنفس والآفاق بالإرشاد والإصلاح، وإذا عَرَفَ أن الله هو مصلح الأحوال وجابر القلوب فلا يتوجه إلا إليه، ويكون دائماً منكسر القلب ملتجئاً إليه تعالى، وإذا عرف أنه الجبار الحامل للعباد على ما يشاء لا محيص لهم عما يشاء يكون راضياً بفعله، ومستسلماً لإرادته، قانتاً عن حوله وقوته، وتاركاً لتدبيره واختياره، ومن عرف أنه لا تناله الأيدي بعلوّ قدره يتحقق أنه لا سبیل إلیه إلا بفضله وكرمه، ولا وصول إليه إلا بإيصاله وتقريبه، اللهم يا مصلح الأحوال ويا جابر القلوب المنكسرة أصلح أحوالنا، واجبر كسر بالنا، واجعلنا راضين بفعلك مسلمين لإرادتك، وأوصلنا إلى علوّ جنابك، فلا وصول إليك إلا بفضلك وكرمك، إنك على كل شيء قدير. (١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١٤٦٣١)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٧٥)، وابن أبي شيبة في ((مصنفه) (٢٦٤٢١). ٧٠ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الْمُتَكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ، وقوله: (المتكبر) هو الذي يرى غيره حقيراً بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى الكبرياء إلا لنفسه، فينظر إلى غيره نظر الملوك إلى العبد، ولا يصح ذلك إلا على الكبير على الإطلاق حقًّا، وهو الله تعالى ثّ، ومن عرف كبرياء الحق وعلوَّ قدره لازَم طريق التواضع، وسلك سبيل التذلل. والتخلق فيه: أن يَستحقِرَ كل شيء سوى الوصول إلى جناب القدس من مستلذات الدنيا والآخرة، ويترفّع عن الركون إلى الشهوات والسكون إلى الدنيا وزخارفها بملاحظة علو شأن الإنسانية، وارتفاع قدرها، لا لتعظيم نفسه وذاته، اللهم صغر الدنيا بأعيننا، وعظم جلالك في قلوبنا، وذللنا عند مشاهدة كبريائك وعظمتك، وكبرنا عند ملاحظة المتكبرين، وصغرنا مع المساكين والمنكسرين . وقوله: (الخالق، البارئ ، المصور) قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة، فإن الكل يرجع إلى الخلق والاختراع، وليس كذلك، فإن الخلق هنا بمعنى التقدير، والبرء بمعنى الإيجاد، والتصوير إعطاء الصورة، وكلُّ ما يخرج من العدم إلى الوجود يفتقر إلى التقدير أولاً، وإلى الإيجاد ثانياً، وإلى التصوير ثالثاً؛ كالبناء مثلاً، فالله تعالى خالق من حيث إنه مقدِّر، وبارئ من حيث إنه مخترع موجد، ومصوّر من حيث إنه مرتب صور المخترعات، وهذا ظاهر في أجزاء العالم كالإنسان وسائر الحيوانات والنباتات والجمادات وأجزائها وأعضائها، بل العالم كله في حكم شخص واحد من أجزاء وأعضاء، قد رتبت أجزاؤه ترتيباً محكماً، وصورت صورة بديعة، وفي جميع ذلك حِكَم ومصالح تُحَيِِّ الناظر المتأمل فيها قائلا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وينبغي أن يُديم هذا النظرَ حتى يحصِّل مشاهدة الصانع بحيث يصير كلما نظر إلى شيء وجد الله عنده. ٧١ (٩) كتاب الدعوات الْغَفَّارُ، قال الإمام الغزالي(١): حظ العبد من اسم المصور بأن يحصِّل في نفسه صورة الموجود كله على هيئته وترتيبه حتى يحيط بهيئة العالم كله، كأنه ينظر إليها، ثم ينزل من الكل إلى التفاصيل من الجسمانيات والروحانيات، وبذلك يستفيد العلمَ بمعنى اسم المصور، ويصير أيضاً باكتساب الصورة في نفسه كأنه مصوّر وإن كان على سبيل المجاز، فإن تلك الصور العلمية إنما تحدث فيه على التحقيق بخلق الله تعالى واختراعه لا بفعل العبد، ولكنْ للعبد سعيٌّ في التعرض لنفحات الله وفيضانه. وكذلك اسم الخالق والبارئ لا مدخل للعبد أيضاً فيهما إلا بنوع من المجاز بعيدٍ، ووجهه: أن الخلق والإيجاد يرجع إلى استعمال القدرة بموجب العلم، وقد خلق الله تعالى له علماً وقدرة، وله سبيل إلى تحصيل مقدوراته على وفق تقديره وعلمه، وهي التي ترجع إلى أعمال العباد كالصناعات والسياسات والعبادات، وإذا بلغ العبد في مجاهدة نفسه [مبلغاً] ينفرد [فيه] باستنباط أمور لم يُسبق إليها [كان كالمخترع لمَا لم يكن له وجود من قبل]. ومن أسماء الله تعالى ما يكون نقلها إلى العبد مجازاً وهو الأكثر، ومنها ما يكون في حق العبد حقيقةً وفي حق الله مجازاً، كالصبور والشكور، ولا ينبغي أن تُلاحظ المشاركة في الاسم، ويُذهَل عن هذا التفاوت العظيم الذي ذكرناه، انتھی . وقوله: (الغفار) الغفر: الستر، والله تعالى ساتر القبيح ومظهر الجميل، والذنوب من جملة القبائح التي سترها بإرسال الستر عليها في الدنيا، والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة، ومن جملة ستره على العبد أن جعل مقابح بدنه التي تستقبحها الأعين مستورة (١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ٧٨، ٧٩). ٧٢ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الْقَهَارُ، الْوَهَّابُ، في باطنه مغطّاة بجمال ظاهره، وأن جعل مستقرّ خواطره المذمومة وإرادته القبيحة سرّ قلبه حتى لا يطلع أحد على سر، ولو انكشف للخلق ما يخطر بباله في مجاري وسواسه وما ينطوي عليه ضميره من القبائح لَمَقتوه وأهلكوه، وقد علم بما ذكر أن معنى الغفار والستار واحد، ولكن ليس في هذه الرواية اسم الستار، فلا يحتاج إلى ذكر الفرق بينهما، ولو كان مذكوراً لحملنا الغفار على مغفرة الذنوب، والستارَ على ستر العيوب : ووجه التخلق بهذا الاسم ظاهرٌ وهو أن يستر عن غيره ما يجب أن يُستر منه، ولا يكافئءَ على الإساءة، ولا يُظهر من الخُلق إلا ما هو أحسن منه، اللهم إنك قد سترت علينا المعصية فاسترها عنَّا، وأرسل أستار حفظك بيننا وبين المعاصي حتى لا يجيء إلينا، فهذا هو الستر القوي والفضل العظيم. وقوله: (القهار) الذي قصم ظهور الجبابرة وأذلهم وأهلكهم، والذي طاحت عند صولته صولة المخلوقين، بل لا موجود إلا وهو مقهور تحت قدرته مسخر لقضائه عاجز في قبضته، كما قال تعالى: ﴿لَمَنِ اَلْمُلْكُ الْيَوْمِ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، ومَن عَرف أنه القهار خشي بغتاتٍ مكره وفجاءةً قهره، فیکون خائفاً وچِلاً ملتجئاً إلى جناب لطفه وكرمه، [و] القهار من العباد من قهر أعداءه من الجن والإنس والشياطين، وسدّ مداخلهم حتى لا يُخرجوه عن سلوك طريق الحق، وأعدی عدوِّه نفسُه التي بين جنبيه، اللهم سخّر لنا أعداءنا، وذلّلهم واقهرهم، وسخّر لنا نفوسنا حتى تصير مطيعة لأمرك، ومستسلمة لحكمك، ومطمئنة بذكرك، إنك على كل شيء قدير. وقوله: (الوهاب) كثير الهبة، دائم العطاء، والهبة الحقيقية هي العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، فإن المعطي لغرضٍ مستعيضٌ وليس بواهب، وهو بمعنى ٧٣ (٩) كتاب الدعوات الزَّزَّاقُ، الجواد، لكنه لم يَرِدْ في هذه الرواية، ولن يتصور الجود والهبة حقيقةً إلا من الله تعالى؛ فإنه الذي يعطي كل محتاج ما يحتاج إليه وأكثر وأزيد من ذلك، لا بعوضٍ ولا لغرضٍ عاجل ولا آجل، والعبد إذا عرف أن الله تعالى هو الوهّاب يرجو ويسأل من فضله، ولا يرجو غيره ولا يسأل من غيره، ولا يتوقع إلا من الله. وأما التخلق بهذا الاسم فلا يتصور من العبد الجود والهبة الحقيقية؛ فإنه ما لم يكن الفعل أولى عنده من الترك لم يقدم عليه، فيكون فعله لغرض نفسه، لكن الذي يبذل جميع ما يملكه حتى الروحَ لوجه الله تعالى فقط، لا للوصول إلى نعيم الجنة، أو الحذر من عذاب النار، أو لحظٍ عاجلٍ أو آجل مما يعدّ من حظوظ البشرية، فهو جدير بأن يسمى وهّاباً وجواداً، ودونه الذي يجود لينال نعيم الجنة، ودونه من يجود لينال حسن الأحدوثة، وقد فضَّل الإمام هذا الكلام تفصيلاً في (المقصد الأسنى)(١) فليُنظر ثمة . ولا يكمل معنى الهبة والجود لعبد من عباد الله إلا لسيد البشر وَله، فإنه أعطى وأنعم بإذن الله تعالى من غير غرض ولا لعوض، بل لمحض امتثال أمر الله، وكذلك سائر الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، يا وهاب هب لنا من لدنك رحمة، وهَيِّعْ لنا من أمرنا رشداً، إنك أنت الوهاب. وقوله: (الرزاق) خالق الأرزاق وأسبابِها، وموصلُها إلى العباد، والأرزاق قسمان: محسوسة ومعقولة، فالمحسوسة للأبدان، والمعقولة للقلوب، وقد قسمها بين عباده ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، (١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ٨٢). ٧٤ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الْفَتَّاحُ، ومن عرف أن الله هو الرزاق فلا ينتظر الرزق ولا يتوقعه إلا منه، فيكِلُ أمره إليه، ولا يتوكل إلا عليه، وأما التخلق به فبأن يجعل يده خزانة أرزاق الأبدان، ولسانَه خزانة أرزاق القلوب، فيكون واسطة بين الرب تعالى وعباده في وصول الأرزاق الجسمانية والروحانية بصرف المال والإرشاد والتعليم ودعاء الخير وغير ذلك، ومن رزق ذلك نال حظاً وافراً من هذا الاسم، اللهم ارزقنا رزقاً واسعاً من فضلك وكرمك، رزقاً لا ينفد ولا يزول، واجعلنا سبب إرزاقك لعبادك الصالحين، أنت الرزاق ذو القوة المتين. وقوله: (الفتاح) الفتح ضد الغلق، فالفتاح هو الذي يفتح خزائن الرحمة على أصناف البرية، وقيل: معناه: الحاكم بين الخلائق، من الفتح بمعنى الحكم، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: احكم، وقال: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِآلْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦]؛ لأن الحكم فتح الأمر المغلق بين الخصمين، وقيل: هو مبدع الفتح والنصر، قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ ﴾ [النصر: ١]. وقوله: ﴿إِنَّ فَتَحْنَالَكَ فَتْحَامُّبِينًا﴾ [الفتح: ١]، وقيل: الفتاح الذي فتح قلوب المؤمنين بمعرفته، وفتح على العاصين أبواب مغفرته، وبالجملة هو اسم جامع لفتح أبواب الخيرات وإفاضة أنواع البركات. وقال الإمام الغزالي(١): هو الذي ينفتح بعنايته كلُّ منغلِقٍ، وبهدايته ينكشف كل مشكل، فتارة يفتح الممالك لأنبيائه ويخرجها من أيدي أعدائه، ويقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَامُّبِينًا﴾ [الفتح: ١]، وتارة يرفع الحجاب عن قلوب أوليائه، ويفتح لهم الأبواب (١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ٨٦). ٧٥ (٩) كتاب الدعوات الْعَلِيمُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، . إلى ملكوت سمائه وجمال كبريائه، ويقول: ﴿ مَّا يَفْتَحِاَللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]، ومَنْ بيده مفاتيح الغيب ومفاتيح الرزق فبالحري أن يكون فتّاحاً، ومن عرف أنه الفتاح فأدبه أن يجلس على باب كرمه بحسن الرجاء منتظراً لفتحه، ويكون دائم الترقب لحصول فضله، ومتطلعاً لنيل كرمه، تاركاً للاستعجال، ساكناً تحت جریان الحكم، والتخلق [به]: أن يكون يسعى في الفصل بين الناس، وانتصار المظلومين، وفتح ما يتغلَّق على الخلق، وتيسير ما يتعسر عليهم من الأمور الدينية والدنيوية، ويكون بلسانه بحيث ينفتح مغاليق المشكلات العلمية والمعارف الإلهية . اللهم افتح علينا أبواب فضلك ورحمتك، واجعلنا حاكمين على أنفسنا بإيضاح الحق وإدحاض الباطل، واجعل ألسنتنا مفاتيح أبواب المعارف، وأيدينا خزائن الأرزاق، إنك أنت الفتاح على الإطلاق . وقوله: (العليم) بناءُ مبالغةٍ من العلم، وعلمه تعالى محيط بجميع المعلومات ظاهرها وباطنها، دقيقها وجليلها، أولها وآخرها، عاقبتها وفاتحها، وليس علمه مستفاداً من المعلومات بل تكون المعلومات مستفادة منه، وسابق على الأشياء وسبب لها، وعلم العباد بخلاف ذلك، وحظ العبد أن يكون مشغوفاً بتحصيل العلوم الدينية خصوصاً المعارف الإلهية منها المتعلقة بذاته وصفاته، فإن شرف العلم بشرف معلومه، وأشرف المعلومات ذات الله وصفاته، بل العلم بسائر الأشياء إنما تشرف لأنها معرفة لأفعال الله تعالى، أو معرفة إلى معرفة القرب منه، وكل معرفة خارجة منها فليس لها شرف، اللهم ارزقنا علماً نافعاً وزدنا منه، وعلمنا من لدنك علماً علمته عبادك المقربين، إنك أنت العليم الحكيم. وقوله: (القابض، الباسط) يقبض الرزق على من يشاء، ويبسط لمن يشاء، حسيًّا ٧٦ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الْخَافِضُ، الرَّافِعُ، أو معنويًّا، ويقبض الأرواح عن الأشباح عند الإماتة، ويبسط الأرواح - أي ينشرها فيها - عند الإحياء، ويمكن أن يعتبر ذلك في النوم والاستيقاظ، ويقبض القلوب فيضيقها بما یکشف لها من صفات جلاله، [و ]يبسطها بصفات جماله. وقيل: يقبض الصدقات عن الأغنياء، ويبسط الأرزاق للفقراء. ومن عرف الله أنه القابض والباسط رأى القبض عدلاً منه فيصبر، والبسطَ فضلا منه فیشکر علیه . قال الإمام الغزالي(١): القابض والباسط من العباد من يبسط قلوب العباد بما یبشرهم به من آلاء الله ونعمائه، ویقبضها بما ينذرهم بها من جلال الله و کبریائه، وفنون عذابه وبلائه، وقيل: يكون ذا قبض وضَّةٍ على الأسرار الإلهية على غير أهلها، وبسطُه إفاضة لها على أهلها . وللقوم كلام في معنى القبض والبسط وآدابهما، وقد أوردت منه في شرح (فتوح الغيب) لسيدنا ومولانا القطب السامي محي الدين عبد القادر الجيلاني رحمه الله ناقلاً من كلام السيد الأستاذ القطب أبي الحسن الشاذلي على ما نقله الشيخ الولي العارف بالله علي المتقي ما لا يُرى ذلك التفصيل في كتبهم فعليك بها . اللهم ألهمنا من علومك بدائع الحكم، وأعطنا جوامع الكلم، نذكِّر عبادك بها، فنبسط قلوبهم ونقبضها بالبشارات والنذارات، بأوضح العبارات وأدق الإشارات، وأنت القابض الباسط . وقوله: (الخافض، الرافع) يخفض الكفار بالإشقاء، ويرفع المؤمنين بالإسعاد، ويرفع أولياءه بالتقريب، ويخفض أعداءه بالإبعاد، وقيل: يخفض القسط ويرفعه، (١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ٨٨). ٧٧ (٩) كتاب الدعوات الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ، ولما عرف العبد أن الله تعالى هو الخافض والرافع التجأ إليه واستعاذ به أن يخفضه ويجاوره الأشقياء، ودعا وسأله أن يرفعه ويرزقه مصاحبة السعداء. وحظ العبد من ذلك: أن يخفض الباطل ويرفع الحق، ويعاديَ أعداء الله ليخفضهم، ويواليَ أولياء الله ليرفعهم، ومن أفضل الأعمال الحبُّ الله والبغض لله، كما ورد في الكلام القدسي: (أما زهدك في الدنيا فقد استعجلت به راحة [نفسك]، وأما ذكرك إياي فقد تشرفت بي، فهل واليت لي وليًّا؟ وهل عاديت لي عدوا؟(١)). اللهم ارفعنا ولا تخفضنا، وانصرنا ولا تخذلنا، وأعطنا ولا تحرمنا، لنرفع الحق وأهله، ونخفض الباطل وحزبه، يا ناصر يا معين يا حق يا مبين. وقوله: (المعز، والمذل) يعز من يشاء، ويذل من يشاء، قال الغزالي(٢): هو الذي يؤتي الملك من يشاء ويسلبه عمن يشاء، والعز الدائم والملك الحقيقي في الخلاص عن ذل الحاجة وأسر النفس وقهر الشهوة ووصمة الجهل، فمن رفع الحجاب عن قلبه حتى شاهد جمال حضرته، ورزق القناعة حتى استغنى بها عن خلقه، وأمدّه بالقوة والتأييد حتى استولى بها على صفات نفسه، فقد أعزه وآتاه الملك عاجلاً وآجلاً، ومن مدّ عينه إلى الخلق حتى احتاج إليهم، وسلط عليه الحرص حتى لم يقنع بالقناعة، واستدرجه بمكره حتى اغترّ بنفسه. وبقي في ظلمة الجهل، فقد أذلّه وسلبه الملك، انتھی . (١) هكذا أورده الدينوري في كتابه ((المجالسة وجواهر العلم)) (٣/ ٣٣٦، و٧/ ١٤٢) عن الفضيل وابن المبارك. (٢) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ٨٩). ٧٨ (٢) كتاب أسماء الله تعالى السَّمِیعُ، الْبَصِيرُ، وهذا هو الإعزاز أو الإذلال الحقيقيين الروحانيين(١)، وقد يشمل الإعزاز والإذلال الحسيين الجسمانيين؛ كالقوة والجمال، والجاه والمال وشرف النسب، والتظاهر بالأتباع والأنصار وأضدادها، إن ظهر نفع ذلك وضرره في الدين ويبقى أثره في المسلمين، وحظ العبد: أن يسأل الله التوفيق لِمَا يعزه وهو الطاعة، ويستعيذ به من موجبات الإذلال أعني المعصية، وأن يعز الحق وأهله، ويذل الباطل وحزبه، كما عرفت في الخافض والرافع. قال بعض المشايخ: ما أعز الله عبداً بمثل ما يرشده إلى ذل نفسه، وما أذل الله عبداً بمثل ما يردُّه إلى توهم عزّه، اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلّا بمعصيتك، فإنه لا يذلّ من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، يا ذا الجلال والإكرام. وقوله: (السميع البصير) هما صفتان الله تعالى تنكشف بهما المسموعات والمبصَرات انكشافاً تاماً من غير احتياج إلى حاسة وآلة، وهو الأكمل؛ لأن الجوارح والآلات معرّضة للتغير والآفات، وهذا محل الحذر عن التشبيه، ولما ثبت تنزيهه تعالى عن صفات الجسم ثبت أنه منزَّه عن ذلك، ومن عرف أنّ الله تعالى سميع بصير فلا يتكلم إلا بما يرضاه، ولا يتحرك إلا في رضاه، ويلزم دوام المراقبة ومطالبةً النفس بالمحاسبة، وإليه الإشارة بقوله: (فبي يسمع وبي يبصر). والتخلق بهذين الاسمين: أن يسمع كلام الله وكتابه العزيز الذي أنزله فيستفيد به الهداية، ويسمع الحق فيتبعه، ويبصر عجائب ملكوت السماوات والأرض فلا يكون نظره إلا عبرة، اللهم ارزقنا سمعاً نسمع به كلامك، وبصراً نبصر به آياتك، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا، واجعله الوارث منا، إنك أنت السميع البصير. (١) كذا في المخطوطة، والظاهر أنهما الحقيقيان والروحانيان. ٧٩ (٩) كتاب الدعوات الْحَكَمُ، وقوله: (الحكم) الحاكم الذي لا مردّ لقضائه، ولا مُعَقِّب لحكمه، في (القاموس)(١): الحُكم: القضاء، وقال الغزالي(٢): ومن الحكم ينشعب القضاء والقدر، فتدبيره أصل وضع الأسباب ليتوجه إلى المسبَّبات حكمُه، ونصبُه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول كالأرض والسماوات والكواكب وحركاتها المتناسبة التي لا تتغير ولا تنعدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله قضاؤه كما قال تعالى: ﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]. وتوجيهُ هذه الأسباب بحركاتها المتناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة إلى المسببات الحادثة منها لحظة فلحظة قدرُه، فالحكم هو التدبير الكلي والأمر [الأزلي] الذي كلمح البصر، والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة، والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة بعدد معلوم لا يزيد ولا ينقص، ولذلك لا يخرج شيء عن قضائه وقدره. ومَثَّلَ لذلك بصندوق الساعات التي بها يعرف أوقات الصلوات، وبيَّته بما لا يخلو ذكره عن تطويل. وحظ العبد منه: أن يستسلم لحكمه، وينقاد لأمره، ويرضى بقضائه، والتخلق : أن يحكم العبد ويقضيَ على نفسه بتدبير الرياضات والمجاهدات، وتقدير السياسات التي تفضي إلى مصالح الدنيا والدين، ولذلك استخلف الله عباده في الأرض واستعمرهم فيها لينظر كيف يعملون، وهذا بحكم الظاهر، والكل على حسب قضاء الله وقدره، وتدبير العبد أيضا بتقدير الله. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠١١). (٢) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ٩٢). ٨٠ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الْعَدْلُ، اللهم يا من لا مَرَدّ لقضائه، ولا مُعَقُّب لحكمه بعطائه وبلائه، رضينا بقضائك وتقديرك، واعزلنا عن تدبيرنا لأنفسنا بتدبيرك، واجعلنا مستسلمين لحكمك منقادين لأمرك، وأخرجنا عن القلق والتحير في بادية القضاء ودائرة التكليف حتى نكون مسلمين مستسلمين محكومين لحكمك، وحاكمين على أنفسنا بأمرك، وأنت أحكم الحاكمين. وقوله: (العدل) بمعنى العادل مصدر نعت به للمبالغة، والعدل يجيء بمعنى ضد الجور والظلم وبمعنى الاستقامة والاعتدال، والمعاني الثلاثة قريبة، فهو سبحانه لا يميل عن طريق الحق في أفعاله، ولا يظلم عباده؛ لأنه الحق، والكل ملكه، وكل أفعاله مستقيم واقع على ما ينبغي، متضمن لحِكَم لا تُعدّ ولا تحصى، كما قال تعالى: ﴿َّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُنِ﴾ الآية [الملك: ٣]، ومن نظر في ملكوت السماوات والأرض، وطالع آيات الله في الأنفس والآفاق، كما في ترتيب الأجرام العلوية والسفلية، وأجزاءِ الإنسان وأعضائه، وباقي أوضاع المخلوقات وأحوالها وصفاتها، عرف أن الكل واقع على ما ينبغي أن يكون عليه، وقد فصَّل بعضها الإمام الغزالي. فينبغي للعبد أن لا يعترض على الله سبحانه في تدبيره وحكمه، بل يرى الكل منه حقًّا وعدلاً، وينبغي أن يعدل فيما بين الناس، خصوصاً فيمن كان من رعيته وفي مملكة وجوده [و] يجعل الشهوة والغضب أسيرين تحت سياسة العقل والدين ومنقادين لهما، ويقوِّم أفعاله ليستقيم على حد التوسط بين الإفراط والتفريط الذي هو معنى العدالة، وتنكشف له معرفة الحق وعدالة أفعاله مشاهدة وعياناً على قدر التصفية والتجلية، وأنّی يفتح ذلك لمن استغرقه هَمُ الدنيا واستعبده الهوى. اللهم افتح علينا أبواب حكمتك، وأقمنا في مقام العدل والاستقامة مائلاً عن الزيغ والظلم على أنفسنا، وأرنا ملكوت السماوات والأرض لنكون من الموقنين.