النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(٩) كتاب الدعوات
قَالَ: (فَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيِسُهُمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[م: ٢٦٨٩].
٢٢٦٨ - [٨] وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ الرُّبَيِّعِ الأُسَيِدِيْ قَالَ: لَقِي أَبُو بَكْرٍ
فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قُلْتُ: نَفَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَا تَقُولُ؟
قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدِ رَسُولِ اللهِهِ يُذَكِّرُنَاَ بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأَيُّ عَيْنٍ، فَإِذَا
خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِوَهِ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا
كَثِيْراً، قَالَ أَبُو بَكُرِ: فَوَ اللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى
دَخَلْنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ فَقُلْتُ: نَفَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
(وَمَا ذَاكَ؟)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرْنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيُّ
عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ.
وقوله: (وله غفرت) أي: وله أيضاً غفرت.
٢٢٦٨ - [٨] (حنظلة بن الربيع) قوله: (وعن حنظلة بن الربيع) بضم الراء وفتح
الموحدة وكسر التحتانية المشددة وهو الصحيح، وقد جعل في بعض النسخ على وزن
الربيع ضد الخريف، (الأسيدي) بضم الهمزة وفتح السين وتشديد التحتانية المكسورة.
وقوله: (كأنَّا رأيَ عين) بالنصب مفعول مطلق؛ أي: كأنًّ راؤون الجنة والنار
بالعين، ويجوز أن يكون حالاً بمعنى اسم الفاعل، وجعل في بعض النسخ: (رأيُ عين)
بالرفع وصفا بالمصدر.
وقوله: (عافسنا الأزواج والأولاد) أي: خالطناهم، والمعافسة: المعالجة، وفي
(مجمع البحار)(١): أي: لامسنا ولاعبنا، (والضيعات) جمع ضيعة، ويقال: ضيعة
(١) ((مجمع البحار)) (٣/ ٦٢٩).

٤٢
(١) باب ذكر الله من والتقرب إليه
نَسِينَا كَثِيراً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى
مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي
طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً)) ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
٢٧٥٠].
الرجل لما يكون معاشه به كالزراعة والتجارة، وفي (القاموس)(١): الضيعة: العقار
والأرض المُغلة .
وقوله: (وفي الذكر) عطف على (عندي).
وقوله: (على فرشكم وفي طرقكم) أي: دائماً في جميع الأحوال المتضادة
والأوقات المتباينة.
وقوله: (ساعة وساعة) لفظ (المصابيح): (ساعة فساعة) بالفاء، قال التُّورِبِشْتِي:
أي: ساعة في الحضور تؤدون حقوق ربكم، وساعة في الغيبة فتقضون حقوق أنفسكم،
فأدخل فاء التعقيب في الثانية تنبيهاً على أن إحدى الساعتين مُعقَّةٌ بالأخرى، وأن الإنسان
لا يصبر على الحق الصرف والجد المحض.
وقوله: (ثلاث مرات) الظاهر أنه لتكرير هذه العبارة وهو قوله: (ولكن يا حنظلة
ساعة وساعة).
أو قوله: (ساعة وساعة)، ويحتمل أن يكون المراد تثليث لفظ ساعة، أي:
ساعة في الحضور في الذكر، وساعة في أداء حق النفس خاصة، وساعة في العافية،
والله أعلم(٢) .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٨٦).
(٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٥٥٠).

٤٣
(٩) كتاب الدعوات
* الْفَصْلُ الثاني :
٥ - ٥
٢٢٦٩ - [٩] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((أَلَا أُنَُكُمْ
بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ؟ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ؟ وَخَيْرِ لَكُمْ مِنْ
إِنْفَاقِ الذَّهَبِ والوَرِقِ؟ وخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ
وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟)) قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ((ذِكْرُ الله). رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ
وَالتِّرْ مِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، إِلاَّ أَنَّ مَالِكاً وَقَفَهُ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ. [ط: ٧١٦، حم:
٦/ ٤٤٧، ت: ٣٣٧٧، جه: ٣٧٩٠].
٢٢٧٠ - [١٠] وَعَن عَبْدِ اللهِ بنِ بُسْرِ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ وَّل
فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ: ((طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ)) قَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَنْ تُفَارِقَ الدُّنْيَا وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ
ذِكْرِ اللهِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ١٨٨/٤، ت: ٣٣٧٥].
الفصل الثاني
٢٢٦٩ - [٩] (أبو الدرداء) قوله: (والورق) في (القاموس)(١): الوَرْقُ مُثَلَّثَةً،
وككَتِفٍ وجَبَلٍ : الدَّراهِمُ المَضْروبةُ، وفي (مجمع البحار)(٢): الورق بكسر راء وتسكين،
وبكسر واو مع سكون، والرقة بكسر راء وخفة قاف: الدراهم المضروبة، وفي الحديث
دليل على أن ذكر الله تعالى خير من التصدق، فلعل ما يقال: إن العبادة المتعدية أفضل
من اللازمة مخصوص بغير الذكر.
٢٢٧٠ - [١٠] (عبدالله بن بسر) قوله: (ولسانك رطب) عبارة عن سهولة جريانه
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٥٥).
(٢) ((مجمع البحار)) (٥/ ٤٩).

٤٤
(١) باب ذكر اللّه ك والتقرب إليه
٢٢٧١ - [١١] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِیَاضٍ
الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا)) قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: ((حِلَقُ الذِّكْرِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
[ت: ٣٥١٠].
٢٢٧٢ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((مَنْ فَعَدَ
مَفْعَداً لَمْ يَذْكُرِ اللّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعاً
لاَ يَذْكُرُ اللهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِتِرَةٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٥٦].
من الموت وهو كناية عن مداومة الذكر، وقيل: أي: متحرك، وقيل: أي: قريب
العهد من الموت .
٢٢٧١ - [١١] (أنس) قوله: (حلق الذكر) في (المشارق)(١): الحلقة بفتح الحاء
وسكون اللام، وقيل: بفتحها، والأول أشهر، وهي حلقة القوم يتحلقون فيها، والجمع
حِلَق بكسر الحاء، مثل: بَدْرة وبِدَر، قاله الخطابي، وذكرها غير واحد بالفتح، ومنه
قوله في الصحيح: الحلق في المسجد، و: حَلَق أصحاب محمد، وقال الحربي: فيه :
الحَلَق والحَلْقة بالسكون مثل: ثمرة وثمر، قال: ولا أعرف حَلَقة بالفتح إلا جمع
حالق.
وفي الحديث دليل على أن التحليق للذكر مشروع.
٢٢٧٢ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (كانت عليه من الله ترة) أي: حسرة ونقصان،
وروي بالرفع والنصب، فبالرفع يكون اسم كان، وبالنصب خبره، و(كانت) إن روي
بالتأنيث فعلى تقدير النصب يجعل ضميره (للقعدة) و(الاضطجاعة)، وإن روي بالتذكير
فلا حاجة إلى ذلك.
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٣٠٩).

٤٥
(٩) كتاب الدعوات
٢٢٧٣ - [١٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ
مِنْ مَجْلِسٍ لاَ يَذْكُرُونَ اللهَفِهِ، إِلَّ قَامُوا عَنْ مِثْلِ حِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ
حَسْرَةً)). رَوَاهُ أحمدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢ / ٥١٥، د: ٤٨٥٥].
٢٢٧٤ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِساً
لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّ كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ
عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٣٨٠].
٢٢٧٥ - [١٥] وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((كُلُّ كَلَام
ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لاَ لَهُ، إِلاَّ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرُ اللهِ) .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤١٢،
جه : ٣٩٧٤].
٢٢٧٣ - [١٣] (عنه) قوله: (وكان عليهم حسرة) (كان) في هذا الحديث
والحديث الآتي مروي بالتذكير .
٢٢٧٤ - [١٤] (عنه) قوله: (لم يذكروا) وجاء في الحديث الآخر تقييد الذكر
بقوله: (قبل أن يقوم)، وتخصيصه بقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله
إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك).
وقوله: (فإن شاء عذبهم) أي: على ترك الذكر والصلاة، أو على ما جرى في
المجلس مما يوجب الإثم، وإذا ذكر وصلى غفر له، فكانت كفارة له.
٢٢٧٥ _ [١٥] (أم حبيبة) قوله: (كل كلام ابن آدم عليه) أي: ضرر عليه (لا له)
أي: لا نفع له، وظاهر الحديث يدل على أن المباح أيضاً ضرر عليه، ففيه تشديد ومبالغة،
وضرر المباح أنه يحاسَب عليه ويورِث قساوة القلب، وقال بعض الفقهاء في باب

٤٦
(١) باب ذكر الله من والتقرب إليه
٢٢٧٦ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((لاَ تُكْثِرُوا
الْكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ
النَّاسِ مِنَ اللهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤١١].
٢٢٧٧ - [١٧] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾ [التوبة: ٣٤] كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ
بَعْضُ أَصْحَابِهِ: نَزَلَتْ فِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ
فَتَتَّخِذَهُ؟ فَقَالَ: ((أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ
عَلَى إِيمَانِهِ). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢٧٨/٥،
جه : ١٨٥٦].
الاعتكاف حيث قالوا: ولا يتكلم إلا بخير، والمراد بالخير ما فيه ثواب أو ما ليس عليه
عقاب، فتدبر .
٢٢٧٦ - [١٦] (ابن عمر) قوله: (قسوة للقلب) في (القاموس)(١): قَسَا قَلْبُه
قَسْواً وقسوة وقَساوة: صَلُبَ وغَلُظَ.
وقوله: (إن أبعد الناس) أي: أبعد قلوب الناس، أو التقدير: ذو القلب القاسي.
٢٢٧٧ - [١٧] (ثوبان) قوله: (لو علمنا أيُّ المال خيرٌ) أي: من غير الذهب
والفضة .
وقوله: (فنتخذه) بالنصب جواباً للتمني.
وقوله: (أفضله) أي: أفضل المال، ففيه المشاكلة، أو أفضل ما ينفع، ففيه
الاستخدام.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢١٦).

٤٧
(٩) كتاب الدعوات
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٢٧٨ - [١٨] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي
الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ. قَالَ: آللهَمَا أَجْلَسَكُمْ
إِلَّ ذَلِكَ؟ قَالُوا: اللهَ مَا أَجْلَسَنَا غَيْرُهُ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لم أسْتَحْلِفْكُمْ تُهَمَةً
لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثاً مِنِّي، وَإِنَّ
رَسُولَ اللهِوَِّ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: ((مَا أَجْلَسَكُمْ هَاهُنَا؟))
قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَاَ لِلإِسْلاَمِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا. قَالَ:
((آللهَ مَا أجْلَسَكُمْ إِلَّ ذَلِك؟)) قَالُوا: اللهَ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّ ذَلِكَ، قَالَ: ((أَمَا إِنِّي لَمْ
أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهَمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَثَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَتِي أَنَّ اللهَ دَ يَُّاهِي بِكُمُ
الْمَلاَئِكَةَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠١].
٢٢٧٩ - [١٩] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ بُسرٍ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ
شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّهُ بِهِ ..
الفصل الثالث
٢٢٧٨ - [١٨] (أبو سعيد) قوله: (آلله) قد يحذف حرف القسم فينصب بالإيصال،
وقد يجر، نحو: الله لأفعلن كذا، ثم أُدخل حرف الاستفهام فمد، وقيل: حرف
الاستفهام صار بدلاً من حرف القسم فجر به، ويرده جواز النصب بل هو الغالب،
والجر شاذ، وإدخال حرف الاستفهام في الجواب بطريق المشاكلة.
وقوله: (أقل عنه حديثاً مني) إيذان بعدم النسيان.
٢٢٧٩ - [١٩] (عبدالله بن بسر) قوله: (فأخبرني بشيء أتشبث به) أراد أن يعلمه
شيئاً من نوافل الخيرات بعد أداء ما افترض عليه يكون أفضل ما يتمسك به ويستغني

٤٨
(١) باب ذكر الله من والتقرب إليه
قَالَ: ((لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً بِذِكْرِ اللهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ غَرِيْبٌ. [ت: ٠،٣٣٧٢
٢٢٨٠ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَله سُئِلَ: أَيُّ الْعِبَادِ
أَفْضَلُ وَأَرْفَعُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: ((الذَّاكِرُونَ الله ◌َكَثِيراً وَالذَّاكِرَاتُ»
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمِنَ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: ((لَوْ ضَرَبَ بِسَيْقِهِ فِي
الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَماً، فَإِنَّ الذَّاكِرَ لِلَّهِ أَفْضَلُ مِنْهُ
دَرَجَةً). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ(١). [حم: ٣/ ٧٥،
ت: ٣٣٧٣].
٢٢٨١ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((الشَّيْطَانُ
جَائِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا ذَكَرَ اللهَ خَنَسَ، وَإِذا غَفَلَ وَسْوَسَ)). رَوَاهُ
البُخَارِيُّ تَعْلِيقاً. [خت: ك: ٦٥، ب: ١١٤].
به عما سواه.
٢٢٨٠ - [٢٠] (أبو سعيد) قوله: (ويختضب دماً) الظاهر أن الضمير للسيف،
ويجوز أن يكون للغازي .
وقوله: (فإن الذاکر لله أفضل منه) فکیف بغيره.
٢٢٨١ - [٢١] (ابن عباس) قوله: (جاثم) في (القاموس)(٢): جثم الإنسان
والطائر والنعام والخِشف واليربوعُ يجثِمُ ويَجْثُمُ جَثْماً وجُثوماً، فهو جائمٌ وجَثومٌ:
لَزِمَ مكانَهُ، أو وقع على صَدْرِهِ، أو تَلَبَّدَ بالأرضِ، و(خنس) بمعنى تأخر.
(١) زاد في نسخة: ((حسن)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٠٢).

٤٩
(٩) كتاب الدعوات
٢٢٨٢ _ [٢٢] وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِلَهَ كَانَ يَقُولُ:
(ذَاكِرُ اللهِ فِي الْغَافِلِينَ كَالْمُقَاتِلِ خَلْفَ الْفَارِّينَ، وَذَاكِرُ اللهِ فِي الْغَافِلِينَ
كَغُصْنٍ أَخْضَرَ فِي شَجَرٍ بَابِسٍ».
٢٢٨٣ - [٢٣] وَفِي رِوَايَةٍ: ((مَثَلُ الشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ فِي وَسَطِ الشَّجَرِ
وَذَاكِرُ اللهِ فِي الْغَافِينَ مَثَلُ مِصْبَاحٍ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وَذَاكِرُ اللهِ فِي الْغَافِلِينَ
يُرِيهِ اللهُ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ حَيٌّ، وَذَاكِرُ اللهِ فِي الْغَافِينَ يُغْفَرُ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ
فَصِيحٍ وَأَعْجَمَ)). وَالْفَصِيحُ: بَنُو آدَمَ، وَالأَعْجَمُ: الْبَهَائِمِ. رَوَاهُ رَزِئْنٌ.
٢٢٨ - [٢٤] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: مَا عَمِلَ الْعَبْدُ عَمَلاً أَنْجَى
لَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ٧١٧،
ت: ٣٣٧٤، جه: ٣٧٩٠].
٢٢٨٥ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((إِنَّ اللهَ
تَعَالَى يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ»
٢٢٨٢ - [٢٢] (مالك) قوله: (كالمقاتل خلف الفارّين) أي: بعد ما فرّ أصحابه
وانهزموا فهو قاهر لجند الشيطان وهم مقهورون.
وقوله: (في شجر یابس) منتهى للاحتراق.
٢٢٨٣ - [٢٣] قوله: (وفي رواية: مثل) صحح بكسر الميم وفتحها، والأول
أظهر وأوفق، وكذا قوله: (مثل مصباح).
٢٢٨٤ - [٢٤] (معاذ بن جبل) قوله: (من عذاب الله من ذكر الله) (من) الأولى
[متعلقة] بمعنى النجاة في (أنجى)، والثانية بمعنى التفضيل فيه.
٢٢٨٥ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (تحركت بي) أي: بذکري، یرید اجتماع

٥٠
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خت: ك: ٩٧، ب: ٤٣].
٢٢٨٦ - [٢٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ وَ ﴿ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
(لِكُلِّ شَيْءٍ صَقَالَةٌ، وَصَقَالَةُ الْقُلُوبِ ذِكْرُ اللهِ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَنْجَى مِنْ
عَذَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ) قَالُوا: وَلَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: ((وَلاَ أَنْ
يَضْرِبَ بِسَيْقِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ)). رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي ((الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ)). [(الدعوات
الكبير)): ١٩].
٢- كتاب أسماء الله تعالى
ذكر القلب واللسان فهو أفضل كما قالوا.
٢٢٨٦ - [٢٦] (عبدالله بن عمر) قوله: (لكل شيء) أي: مما يصدر (صقالة)
صقله: جلاه، فهو مصقول وصقيل.
وقوله: (ولا أن يضرب بسيفه) وفي رواية: (إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع)
كما روي في (الحصن الحصين)(١).
٢ - كتاب أسماء الله تعالى
اعلم أن أسماء الله تعالى توقيفية، بمعنى أنه لا يجوز أن يطلق عليه اسم ما لم
يأذن به الشرع، وإن كان الشرع ورد بإطلاق ما يرادفه، وإليه ذهب الأشعري، وقالت
المعتزلة والقاضي أبو بكر الباقلاني منا: إن ذلك جائز بطريق العقل فيما يجوِّز العقل
اتصافه سبحانه به جاز التسمية به إلا ما منع الشرع من ذلك أو أشعر بنقصٍ، وقال
(١) ((الحصن الحصين)) (رقم: ٦، ص: ١٦).

٥١
(٩) كتاب الدعوات
الإمام الغزالي في (المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى)(١): المختار عندنا أن
تفصِّل ونقول: كل ما يرجع إلى الاسم فذاك موقوف على الإذن، وما يرجع إلى الوصف
فلا يقف على الإذن، بل الصادق منه مباح دون الكاذب.
وحاصله الفرق بين التسمية والتوصيف، فالتسمية بما سمى به الشخص نفسه
أو سمى به وليه من والديه أو سيده، فاللفظ هو الاسم الموضوع للذات، وذلك - أعني
وضع الاسم - تصرف في المسمى ويستدعي ذلك ولاية، ولذلك لو وضع غير هؤلاء
اسماً أنكره المسمى وغضب عليه، فإذا لم يكن لنا أن نسمي إنساناً - أي: نضع له
اسماً - فكيف نضع لله اسماً ؟ وكذلك في حق الرسول وَل﴾، فزيدٌ مثلاً اسمه زيد
وهو في نفسه أبيض وطويل، فلو سماه أحد ودعاه بالأبيض أو الطويل غضب وكره،
بخلاف ما لو قال: زيد الأبيض، أو: هو أبيض، هذا خلاصة كلامه، وقد فصّله
تفصيلاً كما هو دأبه في توضيح المقاصد وتحريرها .
ثم قد اشتهر بين القوم أن العبد قد يتصف بصفات الله ویتخلق بأخلاقه، ویروی
أن رسول الله وَ ل﴾ قال: (تخلقوا بأخلاق الله).
وقوله: (إن الله أخلاقاً من تخلق بواحد منها دخل الجنة(٢)).
فإن قلت: ظاهر هذا الكلام يشير إلى إثبات مشابهة بين العبد وبين الله سبحانه،
لأنه إذا تخلق بأخلاقه كان شبيهاً له، ومعلوم شرعاً وعقلاً أن الله تعالى ليس كمثله
شيء، وأنه لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء.
(١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ٢٧).
(٢) لم أجدهما، وقال الغزالي في ((الإحياء)) (٤ / ٣٠٦): قيل: تخلقوا بأخلاق الله، وعلق عليه
الزبيدي في «شرح الإحياء)) (١٢ / ٣٥٠): أي: تخلقوا بها في صفاته وأسمائه.

٥٢
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
قلنا: المراد بتخلق العبد بالأخلاق الإلهية: حصول شيء شبيه بها بوجه من
الوجوه على ما يناسب حال العبد ويُتصور في حقه كما ستعرفه في أثناء شرح الأسماء،
ولا ينبغي أن يظن أن المشاركة في كل وصف توجب المماثلة؛ فإن الضدين بينهما غاية
البعد الذي لا يتصور أن يكون بعدٌ فوقه، وهما يتشاركان في أوصاف كثيرة إذ السواد
يشارك البياض في كونه عرضاً، وفي كونه لوناً، وفي كونه مدركاً بالبصر، وأمورٌ أُخر،
بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية، والفرس يشابه الإنسان في الكياسة،
ولا يكون مِثْلاً للإنسان - وإن كان بالغاً في الكياسة - لأنه مخالف له بالنوع، فكون
العبد رحيماً صبوراً شكوراً لا يوجب المماثلة ككونه سميعاً وبصيراً وعالماً وحيًّا،
وليست صفات العبد مماثلة لصفاته تعالى، بل مشابهة لها بوجه من الوجوه حتى إن
الاشتراك ليس إلا لفظيًّا .
قال الغزالي: وما تداولته ألسنة الصوفية من كلمات تشير إلى ما ذكرناه، لكن
على وجه يوهم عند غير المحصِّل شيئاً من معنى الحلول والاتحاد، وذلك غير مظنون
العاقل فضلاً من المميزين بخصائص المكاشفات؛ فإن معاني الأسماء هي صفات
الله تعالى، وصفاته لا تصير صفة لغيره، ولكن معناه أنه يحصل له شيء يناسب تلك
الأوصاف، كما يقال: فلان حصَّل علم أستاذه، وعلمُ الأستاذ لا يحصل للتلميذ، بل
یحصل له مِثْلُ علمه وشبهه، وإن ظن ظانّ أن المراد به لیس ما ذكرناه فهو باطل،
وجملة الأمر أن قول القائل: إن صفات الله تعالى تصير أوصافاً للعبد لا يخلو: إما
أن يعنى بها عين تلك الصفات أو مثلها، وإن عني به مثلها فلا يخلو: إما أن يعنى به
مثلها مطلقاً من كل وجه، أو مثلها من حيث الاسم أو من وجه المشاركة في عموم
الصفات دون خواص المعاني، وإن عني به عينها فلا يخلو: إما أن يكون بطريق انتقال

٥٣
(٩) كتاب الدعوات
الصفات من الرب إلى العبد أو لا بالانتقال، فإن لم يكن بالانتقال فلا يخلو: إما أن
یکون باتحاد ذات العبد بذات الرب حتى يكون هو هو فيكون صفاته، وإما أن يكون
بطريق الحلول، والمجموع خمسة أقسام، والصحيح منها قسم واحد وهو أن تثبت
للعبد من هذه الصفات أمور تناسبها على الجملة وتشاركها في الاسم ولكن لا تماثلها
مماثلة تامة، هذا محصل كلام الغزالي، وقد أبطل الأقسام الأربعة الباقية بما لا مزيد
عليه فانظر ثمة .
قال الإمام أبو القاسم القشيري: ومما يجب أن يشتدّ به العناية أن يتحقق العبد
أن المخلوق لا يجوز أن يكون متصفاً بصفات ذات الحق تعالى، فلا يجوز أن يكون
العبد عالماً بعلم الحق، ولا قادراً بقدرته، ولا سميعاً بسمعه، ولا بصيراً ببصره، ولا باقياً
ببقائه؛ لأن الصفة القديمة لا يجوز قيامها بالذات الحادثة كما لا يجوز قيام الصفة الحادثة
بالذات القديمة، وحفظ هذا الباب أصل التوحيد، وإن كثيراً ممن لا تحصيل له ولا تحقيق
زعموا أن العبد يصير باقياً ببقاء الحق، سميعاً بسمعه، بصيراً ببصره، وهذا خروج
عن الدين وانسلاخ عن الإسلام بالكلية، وربما تعلقوا في نصرة هذه المقالة الشنيعة
بما روي في الخبر: (فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً، فبي يسمع وبي يبصر)(١)،
ولا احتجاج لهم في ظاهره إذ ليس فيه أنه يسمع بسمعي ويبصر ببصري، بل قال:
(بي يسمع)، قال النصر آبادي: الله تعالى باق ببقائه، والعبد باق بإبقائه، ولقد حقق
رحمه الله وحصَّل، وأخذ عن نكتة الباب وفضّل، هذه عبارته نقلها الطيبي(٢) في آخر
الباب، فافهم.
(١) أخرج نحوه البخاري (٦٥٠٢).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٥/ ٦٤).

٥٤
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٢٨٧ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى
تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً.
ثم إنهم قالوا: معاني سائر الأسماء الحسنى يجوز التخلَّق بها، ويتصور أن
يتصف العبد بشيء منها حتى ينطلق عليه الاسم كالرحيم الحليم والصبور والشكور
مثلاً، وأما معنى اسم الله فخاص به تعالى لا يتصور فيه مشاركه لا بالمجاز ولا بالحقيقة،
فهذا الاسم للتعلق دون التخلق، كذا قالوا، ولا يخفى أن التعلق جاز في كل اسم بأن
يعتقد معناه، ويتوجه إليه بصدق الهمة وشراشره، ويستغرق فيه ويستفيض من أنواره
وآثاره، ويؤدي فيه حق العبودية، ومع ذلك يتحقق معناه ویتخلق به على وجه عرفت،
وأما اسم الله فليس فيه إلا التعلق، ولعل هذا مرادهم مما قالوا، وفي كلامهم إشارة
إلى ذلك .
الفصل الأول
٢٢٨٧ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إن الله تعالى تسعة وتسعين اسماً) فإن قلت: قد
ثبت من مذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى سبع صفات، فكيف بهذه الأسامي
الكثيرة، وقد منعوا الترادف، فإن معنى المترادفين واحد، فلا وجه بِعدِّهما اثنين
والمقصود هو المعنى؟
فالجواب: أن الصفات وإن كانت سبعة فالأفعال كثيرة، وبهذا الاعتبار تكثر
الأوصاف والأسماء، فإن قلت: فما وجه حصر الأسماء في التسعة والتسعين، والأفعال
والأوصاف والسلوب أكثر من ذلك؟ .
قلنا: قد عرفتَ أن المذهب المختار أن أسماء الله توقيفية، ولعل التوقيف وارد
بهذه الأسامي، وهذا الجواب غير مرضي؛ لأن التوقيف وارد بأسام سواها؛ فإنه قد

٥٥
(٩) كتاب الدعوات
وردت في السنة والكتاب أسام كثيرة مما يقرب منها في المعنى ومما لا يقرب مفردات
ومركبات، وقد نسبت أفعال إلى الله تعالى نحو: يكشف السوء، ويقذف بالحق، ويفصل
بينهم، فلو جوِّز اشتقاق الأسماء لکثرت، وقد روى ابن ماجه مثل هذا الحديث، وقد
ذكر فيها أسماء زائدة بالتبديل والاختلاف كما أورده الطيبي(١).
وبالجملة الأشبه في كثرة أسماء الله تعالى غير منحصرة في هذا العدد، فقيل :
التخصيص بذكر هذا العدد لا ينافي الزيادة، فمن ملك ألف درهم جاز أن يقول: لي
تسعة وتسعون درهماً، وهذا الجواب أيضاً غير مرضي؛ لأن تخصيص العدد بالذكر
يُفهم نفي وراء العدد في المخاطبات ظاهراً.
فالجواب الصحيح: أن الحديث الوارد في الحصر يشتمل على قضية واحدة
لا على قضيتين، فتنحصر أسماء الله في هذا العدد باعتبار هذه الخاصية المذكورة،
وهي أن من أحصاها دخل الجنة، كالملك الذي له ألف عبد مثلاً، فيقول القائل: أن
للملك تسعاً وتسعين عبداً، من استظهرهم لم يقاومه الأعداء، فيكون التخصيص لأجل
حصول الاستظهار بهم إما لمزيد قوتهم وإما لكفاية ذلك العدد في دفع الأعداء من
غير حاجة إلى زيادة، لا لاختصاص الوجود بهم. ويجوز أن تتفاوت فضيلة أسماء
الله تعالى لتفاوت معانيها في الجلالة والشرف وغير ذلك مما يعلمه الله ورسوله، وأما
الاسم الأعظم فيجوز أن يكون خارجاً عنها، ويكون المقصود ترغيب الجماهير بإحصاء
أسماء يعرفونها، والاسم الأعظم لا يعرفه إلا الأنبياء والأولياء، ويحتمل أن يقال:
يعلم اسم الله الأعظم لكنه مبهم لا يعرفه بعينه إلا من شاء الله، والله أعلم.
(١) ((شرح الطيبي)) (٦/٥).

٥٦
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
مِئَةً إِلَّ وَاحِدَةً(١)، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ
الْوِتْرَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٩٢، م: ٢٦٧٧].
وقوله: (مئة إلا واحداً) وفي رواية: (واحدة)، بتأويل الكلمة أو الصفة وهو
بدل الكل من قوله: (تسعة وتسعين)، وفائدته التأكيد والمبالغة في المنع عن الزيادة
والنقصان لرعاية التوقيف والاحتياط.
وقوله: (من أحصاها) أي: حفظها من قلبه كما جاء في رواية أخرى رواها
البخاري(٢) في آخر (كتاب الدعوات)، ومنه قولهم: أَكُلّ القرآنِ أحصيت؟ أي: حفظت،
وبهذا فسره الأكثرون.
وقيل: من علمها وأحاط علماً بها وآمن بها، وقيل: استخرجها من الكتاب
والسنة، وقيل: من أطاق العمل والطاعة بمقتضى كل اسم منها، وهو قريب من معنى
التعلق والتخلق، وقيل في قوله تعالى: ﴿عَلِّمَ أَنْ لَّنْ تُخْصُوهُ ﴾ [المزمل: ٢٠]: أي: تطيقوه.
وقيل: معناه: من حفظ القرآن فأحصاها بحفظه للقرآن، وقيل: (أحصاها): وجدها
ودعا إليها، وقيل: من أحاط بمعانيها في مدلولاتها معظَّماً لمسماها ومقدِّساً لذاته
معتبراً بمعانيها ومتدبراً راغباً فيها وراهباً، أقوال.
وقوله: (دخل الجنة) أي: دخولاً أوّليًّا مع المقربين السابقين، و(الوتر) بكسر
الواو وفتحها: الفرد، والله تعالى واحد في ذاته لا يقبل التجزي والانقسام، واحد في
صفاته لا شِبه له ولا مثل، واحد في أفعاله فلا معين له، والعدد الفرد يشابهه في بعض
المعاني من وجه.
وقوله: (يحب الوتر) أي: يُثيب عليه، ولهذا روعي الوتر في مواضع كثيرة
(١) في نسخة: ((واحداً).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٦٤١٠).

٥٧
(٩) كتاب الدعوات
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٢٨٨ - [٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى
تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً(١)، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَه هُوَ،
الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ،.
في الشرع.
الفصل الثاني
٢٢٨٨ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم)
كان ظاهر سياق الحديث أن يذكر الأسماء بطريق التعداد من غير إعراب، لكنه ذكرها
بطريق التوصيف والإخبار توصيفاً له تعالى بالوحدانية، وإخباراً عنه بصفات الكمال،
وتعليماً بطريق الإحصاء وذِكْرٍ الأسماء ليفيد شوقاً وذوقاً وتيقظاً ولذةً بتوحيد الله
وصفاته، وإشعاراً بأن الله اسم للذات، وهذه صفاته، ويحصل في ضمنه التعداد.
وقيل: لما ذكر أن لله تعالى كذا أسماً، كأنه قيل: ما ذلك المسمى؟ وما تلك
الأسماء؟ فقال: ذلك المسمى هو الذي له هذه الأسماء، فافهم.
وكلمة (هو) إشارة إلى الذات المجردة الهوية المطلقة، و(الله) إشارة إلى المرتبة
الجامعة للصفات مجملاً، و(الرحمن الرحيم) إلى تفاصيل الصفات واتصاف الذات
بها مفصلاً، فهو لاتصال السر، والله لمشاهدة الروح، والرحمن والرحيم لمكاشفة
القلب. وللقوم في شرح (هو) كلمات وإشارات عجيبة يضيق عنها نطاق البيان، والآن
نشرع في شرح الأسماء بتوفيق الله وكرمه.
(١) في ((التقرير)): وفي الحديث إشكال أيضاً وهو أن تسعة وتسعين معدودة في الأولى، و((الحنان))
و ((المنان)) الآتيان في الرواية الآتية لم يعدًا منها مع أنهما من أسمائه تعالى؟ وأجيب عنه بأن
الأسماء لا تنحصر في هذا العدد، نعم ينحصر الخصوصية في هذه، انتهى.

٥٨
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
واعلم أن الشارح - رحمه الله - فسرها نقلاً عن كلام القاضي ناصر الدين البيضاوي
في (شرح المصابيح)(١) بلا تغيير، وأضاف إليه من كلام الشيخ الإمام الأستاذ أبي
القاسم القشيري، فوشّحها بالأشعار اللطيفة والحكايات الغريبة فأفاد وأجاد، ونحن
اختصرنا كتاب الإمام العالم الرباني أبي حامد محمد الغزالي، وأضفنا إليه شيئاً قليلاً
من الشرح وغيره، فليس لنا مجال أن نتكلم في هذا المقام إلا بالنقل من كلام العلماء
الأعلام فنقول ـ وبالله التوفيق -: (الله) اسم للموجود الحق الجامع للصفات الإلاهية
المتفرد بالوجود الحقيقي، وكل موجود سواه إنما استفاد الوجود منه، فهو من حيث
ذاته هالك، ومن الجهة التي تليه موجود، فكل شيء هالك إلا وجهه، وكل شيء
معدوم في ذاته، إلا بوجوده الذي أفاض عليه، وهو عَلَم للذات الواجب الوجود المعبود
بالحق غلب عليه باللام كالنجم والصَّعْق، وإله بمعنى المعبود مطلقاً، فهذا الاسم
أخذ في مفهومه الجامعيةَ لجميع صفات الكمال، وسائرُ الأسماء لا يدل إلا على آحادها،
لا يسمى غيره تعالى به لا حقيقة ولا مجازاً، وسائر الأسماء قد يسمى بها غير الله تعالى
ولو مجازاً، ولهذين الوجهين يشبه أن يكون هذا الاسم أعظم هذه الأسماء، ووصف
سائر الأسماء كالقادر والمريد بأنها أسماء الله تعالى وأضاف إليه، ولا يقال لهذا الاسم:
إنه اسمها، ولا يضاف إليها.
ومعاني سائر الأسماء يتصور أن يتصف العبد ويتخلق بشيء منها حتى يطلق
عليه الاسم، وإن كان إطلاق الاسم عليه على وجه آخر يباين إطلاقه على الله تعالى؛
لأن مفهوم هذا الاسم أنه الموجود الحقيقي الحق، وكل ما سواه فَانٍ وهالكٌ وباطل،
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٢٢ - ٦٠).

٥٩
(٩) كتاب الدعوات
ولا يمكن اتصاف العبد بذلك، فهذا الاسم للتعلق دون التخلق، فحظ العبد من هذا
الاسم التألّه، وأن يكون العبد مستغرق القلب والهمة بالله لا يرى غيره، ولا يلتفت
إلى ما سواه، ولا يرجو ولا يخاف إلا إياه، اللهم اجعلنا مستغرقين في بحر ألوهيتك
وَالهين، متألهين بك، متوجهين إليك، منقطعين عما سواك، يَا مَنْ كل شيءٍ يرجع
إليه، وكل شيء صادر من لديه(١).
وقوله: (الرحمن، الرحيم) اسمان مبنيان للمبالغة من الرحمة، والرحمن أبلغ
من الرحيم لزيادة بنائه، ولهذا قال صاحب (الكشاف)(٢): لما قال: الرحمن، تناول
جلائل النعم وعظائمها وأصولها، وأردف الرحيم كالتتمة والرديف ليتناول ما دقّ منها
ولطُف.
والرحمن مختص به تعالى لا يطلق على غيره وصار كالعَلَم، وإن كان صفة
مشتقة من الرحمة قطعاً، ولهذا ذكر تِلو الله، وجمع معه في قوله تعالى: ﴿قُلِ آَدْعُواْ
اللَّهَ أَوِ ادْعُوْ الرَّحْمَنَّ﴾ [الإسراء: ١١٠] [فيمكان المفهوم من الرحمن نوعاً من الرحمة هي أبعد
من مقدورات العباد دنيا وآخرةً فلا يلزم الترادف.
(١) قال القاري: (٤/ ١٥٦٣): ولهذه الكلمة مراتب، الأولى: أن يتكلم بها المنافق مجرداً عن
التصديق، وذلك ينفعه في الدنيا بحقن دمه وحرز ماله وأهله. الثانية: أن ينضم إليها عقد قلب
بمحض التقليد، وفي صحتها خلاف، والصحيح أنه صحيح. الثالثة: أن يكون معها اعتقاد
مستفاد من الأمارات والأكثر على اعتبارها. الرابعة: أن يكون معها اعتقاد جازم من جهة قاطعة
وهي مقبولة اتفاقاً. والخامسة: أن يكون المتكلم مكاشفاً بمعناها معايناً ببصيرته، وهذه هي
الرتبة العليا، انتهى.
(٢) ((الكشاف)) (٨/١).

٦٠
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
الْمَلِكُ،
قال الإمام الغزالي(١): الرحمة إفاضة الخير على المحتاجين، وإرادته لهم عناية
بهم، والرحمة العامة التي تتناول المستحق وغير المستحق، ورحمة الله تامة عامة،
تشمل المستحق وغيره وتعمُّ الدنيا والآخرة، وتتناول الضرورات والحاجات والمزايا
الخارجة عنهما، فهو الرحيم المطلق حقًّا، والرحمة عبارة عن رقة مؤلمة تعتري الرحيم
فتحركه إلى قضاء حاجة المرحوم، والرب تعالى منزه عنها، وذلك كمال في معنى
الرحمة، فإن الرحيم عن رقة وتألم يكاد يريد بفعله دفع ألم الرقة عن نفسه، فيكون
قد نظر لنفسه وسعى في غرض نفسه، وذلك ينقص عن كمال معنى الرحمة، وكمال
الرحمة أن يكون نظره إلى المرحوم [لأجل المرحوم] لا لأجل استراحة نفسه من ألم
الرقة، والعبد لما عرف أنه المنعم الحقيقي المُؤلي للنعم كلها عاجلها وآجلها وجب
أن يتوجه بكليته إلى جناب رحمته، ويلتجئ فيما يعنُّ له من الحاجات إليه، ويشغل
قلبه بالاستمداد به عن غيره، وهذا وجه التعلق بهذا الاسم والتخلق به: أن يرحم
عباد الله، وينظر إلى المعاصي بعين الرحمة دون الازدراء، ويجتهد في إزالة المنكر،
ويسعى في سدّ خلة المحتاجين بقدر وسعه وطاقته عناية بهم وإرادة الخير لهم، فظهر
بما ذكرنا أن التعلق والتخلق كليهما جاز في الأسماء، وهكذا نشير في سائر الأسماء وإن
لم يذكر، فلا تنس أنت ذلك واعتبر، والله الموفق، اللهم يا رحمن يا رحيم ارحمنا،
وأفض علينا جلائل نعمك ولطائفها، واجعلنا متعلقين بذيل رحمتك، واجعلنا مظهر
رحمتك لعبادك يا أرحم الراحمين .
وقوله: (الملك) ذو الملك والقدرة على التصرف في الأشياء بالإيجاد والإعدام
(١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ٦٢ - ٦٣).