النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
(٩) كتاب الدعوات
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٩٨٠،
٢٢٤٨ _ [٢٦] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ◌َ﴿ فِي
الْعُمْرَةِ فَأَذِنَ لِي، وَقَالَ: ((أَشْرِكْنَا يَا أُخَيَّ فِي دُعَائِكَ وَلاَ تَنْسَنَ)). فَقَالَ كَلِمَةً
مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِيَ بِهَا الدُّنْيَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَانْتُهَتْ رِوَايَتُهُ عِنْدَ
قَوْلِهِ ((وَلاَ تَنْسَنَا)). [د: ١٤٩٨، ت: ٣٥٦٢].
٢٢٤٩ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ: ((ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ
دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَالإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ.
تأكيداً وإشارةً إلى أنه غيبة من الداعي والمدعو له مؤثرة في الإجابة، فافهم.
٢٢٤٨ - [٢٦] (عمر بن الخطاب) قوله: (يا أخي) بلفظ التصغير رفقاً وتلطفاً.
وقوله: (ولا تنسنا) تأكيد يفيد غاية التواضع والخضوع.
وفي الحديث إرشادٌ للأمة إلى الرغبة في دعاء الصالحين، وتعليمٌ بأن لا يَخصوا
أنفسهم بالدعاء، ويشاركوا فيه المؤمنين خصوصاً أحبابهم ومعارفهم.
وقوله: (فقال) قول عمر والضمير لرسول الله وَلي، والمراد بـ (الكلمة(١)) هي
المذكورة من قوله وَله: (أشركنا ... إلخ) والتنوين للتعظيم، أو كلمةٌ زادها على ما قال
أولاً، ومعنى التعقيب على الثاني ظاهر، [و] على الأول لتعقيب المفسّر بعد المفسّر
كما قال الطيبي(٢)، والباء في (بها) للمقابلة.
٢٢٤٩ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (دعوة المظلوم) صرح ههنا بالدعوة اهتماماً
(١) قال القاري (٤ / ١٥٣٤): وهي أشركنا، أو يا أخي، أو لا تنسنا، أو غير ما ذكر، ولم يذكره توقيا
عن التفاخر، أو نحوه من آفات النفوس، انتهى.
(٢) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٣١٤).

٢٢
(٩) كتاب الدعوات
يَرْفَعُهَا اللهُ فَوْقَ الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي
لِأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِيْنٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٩٨].
٢٢٥٠ - [٢٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: (( ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ
مُسْتَجَابَاتٌ لاَ شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٤٤٨، د: ١٥٣٦، جه: ٣٨٦٢].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٢٥١ - [٢٩] عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ
حَاجَتَهُ كُلَّهَا، حَتَّى يَسْأَلُهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذا انْقَطَعَ).
بشأنها، و(يرفعها) حال أو استئناف، والضمير لـ (دعوة المظلوم)، ورفعها فوق الغمام
كناية عن إيصالها إلى مصعد القبول والإجابة كما قال.
وقوله: (وتفتح) بصيغة المجهول مؤنثاً، أو المعلوم مذكَّراً، أي: يفتح الله لدعوة
المظلوم أبواب السماء، فيكون قوله: (ويقول الرب) من وضع المظهر موضع
المضمر.
وقوله: (لأنصرنك) بضمير المذكر خطاباً للمظلوم، وقد يكسر للخطاب لدعوته
وهو مجاز، وليس في الأصل إلا الفتح .
٢٢٥٠ - [٢٨] (عنه) قوله: (لا شك فيهن) أي: في استجابتهن.
وقوله: (دعوة الوالد) سواء كان له أو عليه، ودعاء الوالدة بطريق الأولى،
ويجوز أن يجعل الوالد صيغة صفة النسبة .
الفصل الثالث
٢٢٥١، ٢٢٥٢ _ [٢٩، ٣٠] (أنس) قوله: (شع) بكسر المعجمة وسكون

٢٣
(٩) كتاب الدعوات
٢٢٥٢ - [٣٠] زَادَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ مُرْسَلاً: ((حَتَّى يَسْأَلَهُ
الْمِلْحَ، وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَهُ إِذَا انْقَطَعَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٠٧،
٣٦٠٨].
٢٢٥٣ - [٣١] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ
حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِيطَيْهِ.
٢٢٥٤ - [٣٢] وَعَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: كَانَ يَجْعَلُ
أُصْبُعَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ وَيَدْعُو.
٢٢٥٥ _ [٣٣] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ كَانَ إِذَا
دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلاثَةَ فِي ((الدَّعْوَات
الْكَبِير)). [((الدعوات الكبير)): ١٧١، ١٧٤، ١٧٣].
المهملة: قبال النعل، قال الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه الله: من علامات المعرفة
أن لا تسأل حوائجك قلّت أو كثرت إلا من الله سبحانه وتعالى، مثل موسى عليه الصلاة
والسلام اشتاق إلى الرؤية فقال: ﴿رَبِّ أَرِفِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] واحتاج مرة
إلى رغيف فقال: ﴿رَبِّ إِنِ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].
٢٢٥٣ - [٣١] (عنه) قوله: (حتى يرى بياض إبطيه) أي: في بعض الأحيان،
والإبط بكسر الهمزة وسكون الباء: باطن المنكب، وقد يكسر الباء.
٢٢٥٤ - [٣٢] (سهل بن سعد) قوله: (يجعل أُصبعيه) أي: أصابع كفيه، (حذاء
منكبيه) هذا هو التوسط والاقتصاد في رفعهما.
٢٢٥٥ _ [٣٣] (السائب بن يزيد) قوله: (فرفع يديه) عطف على الشرط، و(مسح
وجهه) جوابه، یفید أنہ إن لم یرفع لم یمسح.

٢٤
(٩) كتاب الدعوات
٢٢٥٦ - [٣٤] وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَسْأَلَةُ أَنْ تَرْفَعَ
يَدَيْكَ حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ أَوْ نَحْوَهمَا، وَالإِسْتِغْفَارُ أَنْ تُشِيرَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ،
وَالِبْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جَمِيعاً. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: وَالإِبْتِهَالُ هَكَذَا، وَرَفَعَ بَدَيْهِ
وَجَعَلَ ظُهُورَهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٨٩، ١٤٩٠].
٢٢٥١ - [٣٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ رَفْعَكُمْ أَيَدِیَكُمْ.
٢٢٥٦ - [٣٤] (عكرمة) قوله: (المسألة) أي: أدب السؤال (أن ترفع يديك
حذو منكبيك) لأن العادة فيمن طلب شيئاً أن يبسط الأكف إلى المدعو له، وأدب
(الاستغفار أن تشير بإصبع واحدة) وهي السبابة سَبًّا للنفس الأمارة والشيطان والتعوذ
منهما إلى الله تعالى، (والابتهال) الاجتهاد في الدعاء وإخلاصه، كذا في (القاموس)(١)،
وفي (الصحاح) (٢): ابتهل: تضرع، [ويقال في] قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ [آل عمران: ٦١]
أي: نُخلِص في الدعاء. وفي (مجمع البحار)(٣): الابتهال: أن تمد يديك، وأصله
التضرع والمبالغة في الدعاء والسؤال. وقال الطيبي(٤): ولعل المراد من الابتهال
في الحديث دفع ما يتصور من مقابلة العذاب، فيجعل يديه كالترس [ليستره] عن
المكروه.
وقوله: (أو نحوهما) الضمير للمنكبين، شك من الراوي أنه قال: لفظ حذاء أو
نحوه .
٢٢٥٧ - [٣٥] (ابن عمر) قوله: (إن رفعكم أيديكم) يعني: فوق صدوركم دائماً
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٩٢).
(٢) ((الصحاح)) (ص: ١٢٤٩).
(٣) «مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٢٣٧).
(٤) ((شرح الطيبي)) (٤ /٣١٨).

٢٥
(٩) كتاب الدعوات
بِدْعَةٌ، مَا زَادَ رَسُوْلُ اللهِ عَلَى هَذَا. يَعْنِي: إِلَى الصَّدْرِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.
[حم: ٢ / ٦١].
٢٢٥٨ - [٣٦] وَعَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ إِذَا ذَكَرَ
أَحَداً فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ
صَحِيحٌ. [ت: ٣٣٨٢].
٢٢٥٩ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ قَالَ: «مَا مِنْ
مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلاَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّ أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى
ثَلاَثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ
يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوْءِ مِثْلَهَا)) قَالُوا: إِذَنْ نُكْثِرُ.
أو في أكثر الأحول من غير تمييز بين الأحوال المذكورة في الحديث السابق (بدعة)
لم يفعله رسول الله *، بل كان حاله ويله مختلفاً تارة فتارة كما ذكر.
وقوله: (على هذا) قد رفعهما ابن عمر إلى الصدر فأراهم إياه بقوله وفعله،
ولذلك فسر الراوي بقوله: (يعني: إلى الصدر).
٢٢٥٨ - [٣٦] (أبي بن كعب) قوله: (فدعا له) عطف على الشرط، وجوابُه
(بدأ) أي: إذا دعا لأحدٍ دعا أولاً لنفسه (١) ثم دعا له، كما قالوا في تقديم: اللهم اغفر
لي ولوالدي وللمؤمنين.
٢٢٥٩ - [٣٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إذن نكثر) ضبط بالرفع في النسخ
المصححة، ويشترط في الرفع بعد (إذن) إرادة معنى الحال، وهو غير ظاهر هنا،
اللهم إلا أن يراد حال الحياة، أو جُعل الاستقبال حالاً مبالغة في الاستعجال، كذا
(١) لئلا يوهم استغناؤه عنه، كذا في ((التقرير)).

٢٦
(٩) كتاب الدعوات
قَالَ: ((اللهُ أَكْثَرُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١٨/٣].
٢٢٦٠ - [٣٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((خَمْسُ دَعَوَاتٍ
يُسْتَجَابُ لَهُنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ حَتَّى يَنْتُصِرَ، وَدَعْوَةُ الْحَاجِّ حَتَّى يَصْدُرَ،
وَدَعْوَةُ الْمُجَاهِدِ حَتَّى يَفْقِدَ، وَدَعْوَةُ الْمَرِيضِ حَتَّى يَيْرَأَ، وَدَعْوَةُ الأَخِ لِأَخِهِ
بِظَهْرِ الْغَيْبِ)). ثُمَّ قَالَ: ((وَأَسْرَعُ هَذِهِ الدَّعْوَاتِ إِجَابَةً دَعْوَةُ الأَخِ بِظَهْرٍ
الْغَيْبِ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ)). [((الدعوات الكبير)): ٦٧١].
في الحواشي، ويجوز أن يقال: اعتبر نية الفعل مقام نفس الفعل.
وقوله: (الله أكثر) بالثاء، أي: أكثر إجابة من دعائكم، وقال الطيبي(١): هذا
قريب من قولهم: العسل أحلى من الخل، والصيف أحر من الشتاء، انتهى. وفيه خفاء
إذ الكثرة ثابتة لدعائهم، لكن الإجابة أكثر بخلاف المثالين المذكورين، فافهم.
٢٢٦٠ - [٣٨] (ابن عباس) قوله: (حتى ينتصر) أي: ينتقم من ظالمه ولو بالدعاء
عليه .
وقوله: (حتى يصدر) أي: يرجع من الحج ويدخل بيته، من صدر عن الشيء
يصدر صدراً: رجع، من باب نصر .
وقوله: (حتى يفقد) بالفاء والقاف من الفقدان من [باب] ضرب، أي: حتى
يفرغ من الجهاد ويفقد أسبابه، وفي بعض النسخ: (حتى يقعد) من القعود، وكذا في
الأصل، وفي بعضها: (يقفل)، أي: يرجع، من القفول.
(١) (شرح الطيبي)) (٤ /٣١٩).

٢٧
(٩) كتاب الدعوات
١- باب ذكر الله عز وجل والتقرب إليه
١ - باب ذكر الله ك والتقرب إليه
في (الصحاح)(١): الذكر والذكرى نقيض النسيان، انتهى. والذكر يكون بالقلب
وباللسان، وقال الفقهاء: الذكر إنما يكون باللسان، وأدناه أن يُسْمِعَ نفسَه على القول
المختار، ولا يعتبر بدون ذلك كما في القراءة والطلاق والعتاق، والذي بالقلب هو
فعل القلب من قسم العلم والتصور وليس بذكرٍ كما هو ليس بقراءة، أما الذكر فهو
اسم لما هو فعل اللسان، ولا يدرى ما مقصودُهم: إن أرادوا أنه لا يسمى ذكراً في اللغة،
فذلك خلاف ما نقلناه من أنه ضد النسيان وهو فعل القلب، نعم يسمى فعل اللسان
أيضاً ذكراً فهو لفظ مشترك بينهما، فالذكر ليس بمعنى القول والكلام، ولو كان بمعناه
فالكلام يكون نفسيًّا ولفظيًّا، فكيف لا يكون الذكر قلبيًّا ولسانيًّا؟ وإن أرادوا أن
الفضلائل والخواص التي وردت في شأن الذكر لا تثبت لما هو بالقلب ولا تترتب عليه،
فذلك أيضاً قول بلا دليل، وكيف لا يكون بعد ما كان اسماً له؟ وإن أرادوا أن الأفضل
أن يكون باللسان مع مواطأة القلب فذلك شيء آخر، وقول لا ينازع فيه.
ونقل الطيبي(٢) عن (شرح صحيح مسلم): أن الذكر قد يكون بالقلب وقد يكون
باللسان، والأفضل منهما ما يكون باللسان مع القلب جميعاً، فإن اقتصر على أحدهما
فبالقلب أفضل.
وفي (شرح صحيح مسلم)(٣): ذكر الله سبحانه ضربان: ذكر القلب وذكر اللسان،
(١) ((الصحاح)) (٢ / ٦٦٤).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٤/ ٣٣٦).
(٣) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٧ / ١٥).

٢٨
(١) باب ذكر الله ل والتقرب إليه
وذكر القلب نوعان، أحدهما: أرفع الأذكار وأجلُّها وهو التفكر في عظمة الله وجلاله
وجبروته وملكوته وآياته في أرضه وسماواته، ومنه الذكر الخفي في الحديث: (خير
الذكر الخفيُّ)، والثاني: ذكره بالقلب عند الأمر والنهي .
وعند مشايخ الطريقة الذكر نوعان: قلبي ولساني، وأثر القلبي أقوى وأعظم
من اللساني، بل الذكر القلبي هو الذكر في الحقيقة، وحقيقة الذكر عندهم نسيان
ما سوى الله أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ [الكهف: ٢٤]، والقياس على
الطلاق والعتاق غير صحيح، فإنهما اسمان لما هو باللسان، وقد عرف في الشرع أن
حكمهما لا يترتب بدون فعل اللسان، وكذلك القراءة، وليس كذلك الذكر، ولعلهم
أرادوا أن المعتبر في الأذكار والأوراد الواردة في الشرع فضائله كالتسبيح أدبار الصلوات،
وفي الصلوات وأمثالها، يترتب ثوابها عليها أن يكون بحيث يحصل بها اللفظ وإسماع
النفس كما في القراءة، يدل على ذلك كلام الجزري في (الحصن الحصين)، وأما أن
الذكر بالقلب لا يسمى ذكراً أصلاً، ولا يحصل به ثواب ذكر الله تعالى، فذلك محل
نظر، والله أعلم.
ثم إنهم قالوا: ليس الذكر منحصراً في التسبيح والتهليل والتكبير، بل كل
مطيع لله سبحانه في عمل فهو ذاكر في امتثال أمر الله، وأفضل الذكر القرآن إلا فيما شُرِعَ
لغيره، وقد ورد: (أفضل الذكر لا إله إلا الله)، وهو جزء من القرآن، وقد اختار المشايخ
هذه الفوائد ونتائج تحصل منه يعرفها أرباب هذا الشأن.
ثم إنه قد ثبت بالأحاديث المذكورة في الباب وبغيرها من الأحاديث فضل الاجتماع
للذكر والتسبيح والتحميد والتكبير، والظاهر أنه يكون على ذكر واحد، فإنه إن كان
كل واحد على ذكر على حِدَةٍ، فإن كان سرًّا فجدوى الاجتماع غير ظاهرة، وإن كان

٢٩
(٩) كتاب الدعوات
جهراً وكلٌّ على ذكره ففيه من إساءة الأدب بالتخليط وغيره مما لا يَسُوغ في حديث
الناس فضلاً عن ذكر الله سبحانه.
وتأويل الذكر بالعلم مرة وبذكر الآلاء أخرى بعيد خلاف الظاهر، وتأويل التسبيح
والتكبير والتحميد بالتذاكر في التوحيد وصفاته تعالى أبعد، والنصوص محمولة على
ظواهرها ما لم يصرف عنها الدليل .
ثم الجهر بالذكر مشروع بلا شبهة؛ لقوله بين: (ومن ذكرني في بلاء) كما سيأتي،
ومن أدلته ﴿كَذِكْرِكُرْءَابَآءَ كُمْ أَوْأَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. قال ابن عباس: ما كنت
أعرف انصراف الناس من الصلاة على عهد رسول الله وَّه إلا بالذكر، رواه البخاري(١).
والجهرُ في ذكر العيد وفي أدبار الصلوات وبالثغور وفي الأسفار حتى قال عليه الصلاة
والسلام: (ارْبَعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً)(٢)، ومضمون (اربعوا)
يدل على أن المنع للشفقة عليهم لا لعدم الجواز، وقد جهر ميّي بأذكار وأدعية في
مواطن جمة وكذا السلف، وكل هذه دالة على الجهر والجمع، لكن في قضايا مخصوصة
يكون وجودها مستنداً لا دليلاً؛ لاحتمال قصرها على ما وقعت فيه، فمن نظر إلى
المعنى والعلة أجازها على العموم، ومن نظر إلى الخصوص قصرها على مواردها،
والأول أوفق بمطالب الشرع ومقاصدها، فظهر مما ذكر صحة ما استحسن بعض المشايخ
من الصوفية من الاجتماع للذكر أو الحزب الواحد، والتحليق لذلك، ومنه حديث :
(حِلَقُ الذكر).
(١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) نحوه (٨٤١).
(٢) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٢٩٩٢).

٣٠
(١) باب ذكر اللّه 8 3 والتقرب إليه
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٢٦١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ قَالاَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ:
(لاَ يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ حَقَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ
عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فَيْمَنْ عِنْدَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠٠].
وأما مذهب مالك فالكراهة فيه لعدم عمل السلف، ولسد ذريعة الابتداع بالزيادة
على ذلك من اجتماع الذكور والإناث، والخروج إلى غير الحق، والتجاوز عن الحد،
وقد وقع ما اتقاه
وقال بعض المتأخرين من الشاذلية في مسألة الْحزب: إنه من الروائح التي
يتعين التمسك بها لذهاب حقائق الديانة في هذه الأزمنة، وإن كان بدعة فهو مما اختلف
فيه، وغاية القول فيه الكراهة، فصح العمل به على قول من يقول به، ولعل الشارع
إنما قصد ترغيبه مَنْ هو بعد الصدر الأول لاحتياجهم له، وقد يختلف الحكم بالإباحة
والندب باختلاف الأزمان والأمكنة بل الأشخاص، فتعين القول بجوازه مع رعاية الشروط
والآداب، وهي مذكورة في مواضعها، والله أعلم.
الفصل الأول
٢٢٦١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إلا حفتهم الملائكة) أي: أحاطتهم، وما يحصل
في ذلك الوقت من النورانية وحضور القلب والطمأنينة فهو أثر ذلك، وقد سبق تفصيل
الكلام في هذا الحديث في الفصل الأول من (كتاب العلم).
وقوله: (وذكرهم الله فيمن عنده) من الملائكة المقربين للمباهاة بهم وإظهار
فضلهم عندهم، لِمَا كانوا يدَّعُون لأنفسهم من التسبيح والتقديس ولبني آدم الفساد
وسفك الدماء .

٣١
(٩) كتاب الدعوات
٢٢٦٢ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ يَسِيرُ فِي طَرِيقٍ
مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ، فَقَالَ: ((سِيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ
الْمُفَرِّدُونَ»
٢٢٦٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (في طريق مكة) قاصداً المدينة، و(جمدان)
بضم الجيم وسكون الميم: جبل قريب المدينة على ليلة .
وقوله: (سبق المفردون) قال عياض في (المشارق)(١): هو بفتح الفاء وكسر
الراء، كذا ضبطناه.
وقال التُّورِبِشْتِي(٢): يروى (المفردون) بتشديد الراء وكسرها، وبالفتح وبالتخفيف
بهما، واللفظان وإن اختلفا في الصيغة فإن كل واحد منهما في المعنى قريب من الآخر،
إذ المراد منه: المتخلصون لعبادة الله، المتخلُّون بذكره عن الناس، المعتزلون فيه،
المتبتِّلون إليه، الذين وضع الذكرُ أوزارهم، فهجروا الخِلاّن وتركوا الأسباب، فأفردوا
أنفسهم لله عن العلائق، وأُفردوا عن الأقران، وفروا عن الشهوات، وهو مقام التفريد
المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَّبِيلًا﴾ [المزمل: ٨].
وقيل: (المفردون): الموحدون الذين لا يرون إلا الله، واعتقدوه واحداً، وخلصوا
له بكليتهم، وفي (المشارق)(٣): قال ابن الأعرابي: يقال: فَرَّد الرجل مشدد الراء:
إذا تفقه واعتزل الناس، وخلا بمراعاة الأمر والنهي. وعُبِّر معناه بعبارات كلها راجعة
إلى معنى الاعتزال عن الناس بعبادة الله .
(١) ((مشارق الأنوار)) (٢/ ٢٥٢).
(٢) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٥١٩).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (٢/ ٢٥٢).

٣٢
(١) باب ذكر اللّه مك والتقرب إليه
قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيْراً وَالذَّاكِرَاتُ(١)).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٧٦].
٢٢٦٣ - [٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَثَلُ الَّذِي
يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٠٧،
م: ٧٧٩].
وقد جاء مفسراً في حديث الترمذي: فقال: (المستهتَرون - هم الذين أهْتِروا -
في ذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافاً) وقيل: اهتروا: أصابهم
خبال، وقيل: أُولعوا، من أهتر فلان به واستهتر فهو مهترٌ ومستهترٌ، أي: مولع،
ولا يتحدث بغيره ولا يعقل.
وفي (القاموس)(٢): الْهُتر بالضم: ذهاب العقل من كِبَر أو مرض أو حزن، وقد
أَهتَرَ فهو مُهتَرٌّ بفتح التاء شاذ، وقد قيل: أُهتِرِ بالضم، ولم يذكر الجوهري [غيره]،
وأُهْتِر، بالضم فهو مُهتَرٌ: أُولِعَ بالقول في الشيء.
وقوله: (وما المفردون) أي: ما صفتهم، على طريقة قوله تعالى: ﴿وَمَارَبُّ
اٌلْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] والجواب من الأسلوب الحكيم، والواو في (وما المفردون)
للعطف على محذوف، كأنه قيل: لا نعلم المفردين، ونقول: ما المفردون؟ وقيل :
الواو زائدة للتحسين .
٢٢٦٣ - [٣] (أبو موسى) قوله: (مثل الحي والميت) في ظهور الآثار الروحانية
(١) قال القاري (٤ / ١٥٤١): أي: الله، وحذفه للاكتفاء، أو لأن كثرة الذكر توجد كثيراً في
الرجال دون النساء. وقال الطيبي (٥/ ١٧٢٢): أي: الذاكراته، فحذف الهاء كما حذف في
التنزيل؛ لأنه رأس آية، ولأنه مفعول وحذفه سائغ، اهـ.
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٦٠).

٣٣
(٩) كتاب الدعوات
٢٢٦٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ: (( يَقُولُ اللهُ
تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنَّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، .
من المعرفة والذوق والشوق في الذكر وعدمه في غيره، كظهور الآثار الجسمانية وعدمه
في الحي والميت.
٢٢٦٤ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (أنا عند ظن عبدي بي) أي: بالغفران إذا استغفر،
والقبول إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا طلبها، والأصح أنه أراد الرجاء وتأميل
العفو، فإنْ ظَنَّ العفو فله ذلك، وإن ظن العقوبة فكذلك، وهو إشارة إلى ترجيح جانب
الرجاء، ويجوز أن يريد به العلم، أي: أنا عند يقينه بي وعلمه أن مصيره إليَّ وحسابه
عليَّ، وأن ما قضيت له من خير وشر فلا مَرَدّ له، أي: إذا تمكن في مقام التوحيد
قرب بي بحيث إذا دعاني أجيب.
أو المراد: علمه بأني معه إذا ذكرني، وأني أجازيه على عمله سرًّا أو علانية،
فيكون ما بعده تفصيلاً له، كما قال الطيبي(١)، والله أعلم.
وقوله: (وأنا معه إذا ذكرني) اعلم أن المعية المفهومة عند العقل لا تخلو عن
أحد هذه الأقسام، إما معية الجزء مع الكل، أو معية العَرَض مع الجوهر، والصفة مع
الموصوف، أو الساري مع المسريِّ فيه، كالماء مع الورد، أو الظرف مع المظروف،
أو الجارين أو المتلاصقين، ويستحيل ذلك كله في الباري تعالى وتقدس، وما هو
إلا بالتوفيق والمعونة، أو كنايةٌ عن سماعه ما يقوله الذاكر، أو إظهار نور حضوره وشهوده
في قلبه، وفي الحقيقة لا يمكن التعبير عنه بلسان القال، والله أعلم بحقيقة الحال.
وفي رواية: (أنا جليس من ذكرني) وهو أيضاً محمول على مثل هذا المعنى.
(١) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٣٢٢).

٣٤
(١) باب ذكر الله 4 والتقرب إليه
فَإِنْ ذَكَرَتِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَتِي فِي مَلٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلٍ.
خَيْرِ مِنْهُمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤٠٥، م: ٢٦٧٥].
وقوله: (فإن ذكرني في نفسه) أي: سرًّا (ذكرته في نفسي) أي: أُسرُّ ثوابَه وأتولى
بنفسي إثباته بحيث لا يعلمه أحد من الملائكة، كذا قالوا، ولا يخفى أن لله تعالى كلاماً
نفسيًّا ولفظًّا كما حقق في موضعه، فيذكر العبدَ بكلا الكلامين، ولا محذور فيه،
والثواب لازم لذكره تعالى عبده وأثرٌ له، وهذا كما قالوا: إن محبة الله للعبد توفيقُه
له، والتحقيق أن المحبة صفة لله تعالى من غير أن يكون هنا انجذاب وانفعال، والتوفيق
أثره ولازمه، فتدبر.
وقال القاضي عياض: يحتمل كونه على ظاهره تشريفاً له .
وقوله: (وإن ذكرني في ملأ) الملأ بفتح الميم واللام واحد الأملاء، وهم أشراف
القوم ورؤساؤهم ومقدَّموهم، وفيه دليل على جواز الذكر جهراً.
وقوله: (ذكرته في ملأ خير منهم) قد يستدل بهذا على أفضلية الملائكة من
البشر، قال الطيبي(١): المراد ملأ من الملائكة المقربين وأرواح المرسلين لا الملائكة
فحسب .
وفيه نظر؛ لأن النقص باق بالذاكر في مجلسه وَله، إلا أن يقال: إن روحه الأقدس
قد كان في الملائكة في الأوقات، وبهذا صار ذلك الملأ خيراً، ولا يجب أن يكون
في وقت الذكر هنالك.
والأحسن أن يقال: الخيرية من جهة النزاهة والتقدس والعلو والقرب ثابتة للملأ
الأعلى، وهي لا تنافي أفضيلة البشر من جهة كثرة الثواب كما قالوا، وإلى هذا مآل
(١) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٣٢٣).

٣٥
(٩) كتاب الدعوات
٢٢٦٥ - [٥] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: (( يَقُولُ اللهُ تَعَالَى:
مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيْدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ
مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْراً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعاً، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعاً
تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً، وَمَنْ أَتَانِ يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيَتِي بِقَرَابِ الأَرْضِ
خَطِيئَةً لاَ يُشْرِكُ بِي شَيْئاً لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٨٧].
٢٢٦٦ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى
قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ،.
ما قيل: إن خيريتهم لكونهم عند الله وكونهِ سبحانه وتعالى معهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾[الأعراف: ٢٠٦] وقوله تعالى للملائكة: ﴿أَنِي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢]،
والعندية والمعية وإن كان شاملا للبشر أيضاً، ولكن للملائكة أقدم وأسبق، وظهور
سلطان الربوبية وأنوار القدس في عالم الملكوت أكثر وأظهر، وإن كان البشر أفضل
من وجه آخر، وقد صرح باختلاف الجهتين كثير من العلماء، ولعل هذا هو الوجه،
والله أعلم.
٢٢٦٥ - [٥] (أبو ذر) قوله: (من تقرب مني شبراً) الشبر بالكسر: ما بين
أعلى الإبهام وأعلى الخنصر، و(الذراع) من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى،
وما يُذْرَع به الثوب، و(الباع) قدر مد اليدين كالبَوع ويُضمّ، و(الهرولة) بين العَدْو
والمشي، وهو كناية عن سبق رحمة الله تعالى وقربه من العباد، وزيادة ثوابه وعطائه
وفضله على طاعاتهم وأعمالهم.
وقوله: (من لقيني بقراب الأرض) بالضم والكسر، أي: بملئه وقَدْره، وقراب
الشيء: ما قارب قدره.
٢٢٦٦ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من عادى لي وليًّا) (لي) صفة لقوله: (وليًّا)،

٣٦
(١) باب ذكر الله 3 والتقرب إليه
وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي
يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أَحْبَبْتُهُ،
والولي بمعنى المحب والناصر ومن يتولى الأمر، فعيل بمعنى فاعل ومفعول.
وقوله: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه) يدل على
أن قرب العبد من ربه بأداء الفرائض أتمُّ وأكمل مما يحصل من أداء النوافل؛ لأن فناء
العبد وانعزاله من اختياره في امتثال الأمر أشد في أداء الفرائض؛ فإن النوافل يهديها
العبد إلى الرب بالاختيار والتبرع، ويحصل في الأول فناء الذات وفي الثاني فناء الصفات،
كذا قالوا، وهذا هو المشهور المتداول بألسنة القوم في متأخر الزمان.
وأقول - وبالله التوفيق -: إن فائدة النوافل في الحقيقة تكميل الفرائض وتتميم
ما وقع فيها من النقصان، فيكون القربُ الحاصل بأداء النوافل بعد أداء الفرائض وتكميلها
بها أتمَّ وأكمل باجتماع القربين، فهذا المقام المشار إليه بالحديث هو مقام الفناء في
التوحيد الذي يكون وجود العبد وأفعاله وذاته وصفاته فانياً، ولم يبق في نظر شهوده
سوى الحق وذاته وصفاته وأفعاله، وهي أكمل المراتب وأعلى المقامات في القرب
شاملاً لجميع أقسامها التي قسَّمها إليها بعض المتأخرين من الصوفية، ولهذا قصر
عليه سيدنا ومولانا قطب العارفين غوث الثقلين محي الدين عبد القادر الجيلاني
رحمه الله في كتابه (فتوح الغيب)، وجعله آخر المراتب ونهايتها، قال: قال الله تعالى :
أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، فالله تعالى لا يكون عندك حتى تنكسر جملة هواك
وإرادتك؛ فإذا انكسرت ولم يثبت فيك شيء ولم تصلح لشيء، فيجعل فيك إرادة
فتريد بتلك الإرادة، فإذا وُجِدْت بتلك الإرادة المنشأة فيك كَسَرها الرب تعالى لوجودك،
فتكون منكسر القلب أبداً، فهو ◌ّ لا يزال يجدد فيك إرادة، ثم يزيلها عند وجودك
فيها، هكذا إلى أن يبلغ الكتاب أجله فيحصل اللقاء، قال الله تعالى تك في بعض ما يذكره

٣٧
(٩) كتاب الدعوات
فَإِذَا أَحْبَيْتُهُ فَكُنْتُ سَمْعَهُ(١) الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ
الَّتِي يَبْطِئُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ
اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ.
عنه نبيه وَلّى: (لا يزال عبدي المؤمن يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت
سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي
بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش)، وهذا إنما يكون حالة الفناء لا غير، فتعمى
عما سواه فلا ترى بغيره وجوداً.
هذا كلامه الأقدس، وهو كلام تام شامل لجميع مراتب الفناء، لا كما يزعمه
بعض القاصرين أنه مرتبة قرب النوافل وأدنى المراتب، فافهم. وبالله التوفيق، وهو
يقول الحق ويهدي السبيل .
وقوله: (فكنت سمعه ... إلخ) يعني: ما يسمع شيئاً ولا يبصر شيئاً ولا يبطش
شيئاً ولا يمشي إلى شيء إلا والحق سبحانه منظوره ومشهوده، على ما أشار إليه بعض
العارفين بقوله: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله فيه أو معه أو قبله أو بعده على تفاوت
الأحوال، وأول هذه المراتب العمل لامتثال أمر الله ونية التقرب إليه، وآخره الفناء في
التوحيد، وإذا بلغ العبد هذه المرتبة يستجاب دعاؤه البتة بفنائه عن إرادته وتمحض
عبوديته .
وقوله: (ولئن استعاذني) بنون الوقاية، وفي بعض النسخ بالموحدة، وهذا
أظهر معنى وإن كان الأول أشهر رواية.
وقوله: (وما ترددت) إشارة إلى بعض آثار المحبة وخواصها، وتولي الحق سبحانه
(١) وقال ابن حجر: والذي في الأصول المشهورة: ((حتى أحببته فكنت سمعه))، وفي نسخة
صحيحة: ((فإذا أحببته كنت سمعه)). ((مرقاة المفاتيح)) (٤ /١٥٤٥).

٣٨
(١) باب ذكر اللّه 48 والتقرب إليه
تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ، وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ)).
رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٠٢].
٢٢٦٧ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ
فِي الظُرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرٍ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْماً يَذْكُرُونَ اللهَ تَنَادَوْا: هَلُوا
إِلَى حَاجَتِكُمْ) قَالَ: ((فَحُقُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَ)) قَالَ: ((فَيَسْأَلُهُمْ
رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟)) قَالَ: «يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ
وَيُكَبُِّونَكَ وَيُحَمِّدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ))، قَالَ: ((فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟)) قَالَ:
(فَيَقُولُونَ: لاَ وَاللهِ مَا رَأَوْكَ))، قَالَ فَيَقُولُ: كَيْفَ لَوْ رَأَوْنِ؟ قَالَ: ((فَيَقُولُونَ:
لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، .
لوليه إلى آخر وقت الموت، وتخصيصه برضوانه وكرامته، وتحبيب الموت والوصول
بجنابه إليه، وإطلاقُ التردد على الله سبحانه غير جائز، والمراد به التأخر والتوقف،
وعبر به عما صنع بعبده مما يهوّن عليه الموت بحبه إليه، أو يصيره مشتاقاً إلى الآخرة
بإنزال البلايا والأمراض الموصلة له إلى النعيم الباقي ودار البقاء والكرامة والرضوان.
٢٢٦٧ - [٧] (عنه) قوله: (هلموا إلى حاجتكم) وارد على استعمال بني تميم
في الجمع والتثنية، وأهل الحجاز يوحدونه في كل حال، وقد سبق تحقيقه في بعض
المواضع من الكتاب.
وقوله: (فيسألهم ربهم) فائدة السؤال: إظهار شرف بني آدم وصلاحهم وتسبيحهم
وتقديسهم، والتعريض للملائكة في قولهم: ﴿أَتَحْمَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكٌ ﴾ [البقرة: ٣٠].
وقوله: (ويمجدونك) قريب من معنى التكبير، وفي بعض الشروح: أي يذكرونك

٣٩
(٩) كتاب الدعوات
وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيداً، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِحاً)، قَالَ: ((فَيَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونَ؟ قَالُوا:
يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ، قَالَ: ((يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟)) قَالَ: ((فَيَقُولُونَ: لاَ وَاللّهِ يَا رَبِّ
مَا رَأَوْهَا))، قَالَ: ((يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟)) قَالَ: ((يَقُوْلُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا
كَانُوا أَشَدَّ عَليْهَا حِرْصاً، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَباً، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ
يَتَعَوَّذُونَ؟)) قَالَ: ((يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ))، قَالَ: ((يَقُولُ: فَهَلْ رَأَوْهَا؟))، قَالَ:
يَقُولُونَ: ((لاَ وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا)) قَالَ: ((يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟)) قَالَ:
(يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَاراً وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً)) قَالَ: ((فَيَقُولُ:
فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ) قَالَ: ((يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ: فِيهِمْ فُلاَنٌ
لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لاَ يَشْقَى جَلِيسُهُمْ)). رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٤٠٨].
وَفِي رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ قَالَ: ((إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً سَيَّارَةً فُضْلاً يَبْتَغُونَ مَجَالِسَ
الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِساً فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا معَهُم،
بالعظمة. وفي (مجمع البحار)(١): المجد لغةً: الشرف الواسع، ورجل ماجد: مفضال
شريف، وقيل: المجيد: الكريم الفعال، وفي (القاموس)(٢): مَجَّدَهُ: عَظَّمَه، وأَثْنَى
عليه، والعطاءَ: كَثَّرَهُ، وسيأتي شرحه في (باب الأسماء الحسنى).
وقوله: (وهل رأوها؟) أي: الجنة، المراد أن إيمانهم بالغيب مع ذلك على
يقين وثبات، بخلاف إيمان الملائكة فإنه عياني .
وقوله: (فضلاً) بضم الفاء وسكون الضاد وضمها: جمع فاضل كبزل وبازل
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٥٥٨).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠١).

٤٠
(١) باب ذكر الله 3 والتقرب إليه
وحَفَّ بَعضُهُم بَعْضاً بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمِلؤُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيًا،
فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ قَالَ: فَيَسْأَلُهُمُ اللهُ وَهُوَ أَعْلَمْ (١):
مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادِكَ فِي الأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ
وَيُكَبُِّونَكَ وَيُهَلِلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ (٢) وَيَسْأَلُونَكَ، قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟
قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَتَكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لاَ أَيْ رَبِّ، قَالَ:
وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَِّي؟ قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونِي؟ قَالُوا :
مِنْ نَارِكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَرِي؟ قَالُوا: لاَ. قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَرِي؟
قَالُوا: يَسْتَغْفِرُونَكَ، قَالَ: ((فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا
وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا)) قَالَ: ((يَقُولُونَ: رَبٌّ فِيهِمْ فُلاَنْ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، وَإِنَّمَا
مََّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ)).
ونزل ونازل، وفي بعض النسخ: (فضلاء) بالمد كفصحاء وعلماء، وقد جاء: (فضل)
بضمتين مرفوعاً خبر مبتدأ محذوف، وفي (المشارق)(٣): روايتنا فيه عن أكثرهم بسكون
الضاد وهو الصواب، وقد رواه بعضهم بضم الضاد، وكان هذا الحرف في كتاب ابن
عيسى: (فضلاء) بضم الفاء وفتح الضاد وهو وهم هنا، وإن كانت صفتهم.
وقوله: (ويستجيرونك) أي: يستعيذون ويستأمنون بك.
وقوله: (إنما مر فجلس) أي: إنما صدر منه المرور ثم الجلوس لا تسبيح
ولا تکبیر ولا تحمید.
(١) في نسخة: ((أعلم بهم))، وفي نسخة: ((أعلم بحالهم)).
(٢) في نسخة: ((ويمجدونك)).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٢٦٩).