النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ (٨) كتاب فضائل القرآن ٢٢١٠ - [٢٤] وَعَنْ عَبِيدَةَ الْمُلَيْكِيِّ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ! لاَ تَتَوَسَّدُوا الْقُرْآنَ، وَاتْلُوهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَفْضُوهُ وَتَغَنُّوهُ وَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَلاَ تُعَجِّلُوا ثَوَابَهُ فَإِنَّ لَهُ ثَوَاباً)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ١٩/٥]. ٢ - باب أحسن صوتاً، فليس الجواب من الأسلوب الحكيم كما قال الطيبي(١): حيث اشتغل بالجواب عن الصوت الحسن بما يظهر الخشية في القارئ المستمع، فافهم. ٢٢١٠ - [٢٤] قوله: (عبيدة) بفتح العين وكسر الباء (٢) (المليكي) بضم الميم وفتح اللام، كذا صحح في النسخ. وقوله: (لا تتوسدوا القرآن) كناية عن التكاسل والنوم والتغافل عن القيام بحقوقه . وقوله: (وأفشوه) بالإسماع والتعليم والكتابة والتفسير والمدارسة. وقوله: (ولا تعجلوا) أي: لا تطلبوا ثوابه في العاجلة؛ (فإن له ثواباً) عظيماً في الآخرة. بضم التاء وكسر الجيم المشددة ويفتحهما . ٢ - باب في اختلافات القرآن هذا أيضاً باب من غير ترجمة، وفي بعض النسخ: (باب في اختلافات القرآن وجمع القرآن)، ويكون المراد اختلاف قراءاته ولغاته وجمعه في مصحف واحد. (١) ((شرح الطيبي)) (٢٨٦/٤). (٢) قال القاري (٤ / ١٥٠٦): وفي نسخة بضم ففتح. ٦٠٢ (٢) باب * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٢١١ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ بِقْرَأْ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤْهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ أَقْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِوَّهِ، فَقلت: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتِنِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((أَرْسِلْهُ، اقْرَأ)) فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((هَكَذَا أُنْزِلَتْ))، ثُمَّ قَالَ لي: ((اقْرَأ) فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: «مَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا مَا تَسَّرَ مِنْهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظِ لِمُسْلِمٍ. [خ: ٢٤١٩، م: ٨١٨]. الفصل الأول ٢٢١١ - [١] (عمر بن الخطاب) قوله: (هشام بن حكيم بن حزام) بكسر الحاء وبالزاي. وقوله: (على غير ما أقرؤها) أي: على [غير] وجه قراءة كنت أقرأ السورة عليه. وقوله: (أن أعجل) بالتخفيف، وفي بعض النسخ: بالتشديد. وقوله: (ثم [أمهلته حتى] انصرف) أي: عن القراءة، أي: تركها. وقوله: (ثم لبيته بردائه) لبيته تلبيباً: إذا جمعت ثيابه عند نحره في الخصومة ثم جررته، واللَّبَّة واللَّبب: المنحر. وقوله: (أرسله) خطاب لعمر ظُه، و(اقرأ) خطاب لهشام. وقوله: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) قد سبق في كتاب العلم بيان المراد بسبعة أحرف أنها القراءات أو اللغات المختلفة . ٦٠٣ (٨) كتاب فضائل القرآن ٢٢١٢ - [٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً قَرَأَ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَقْرَأُ خِلاَفَهَا، فَجِئْتُ بِهِ النََِّّ ◌َِّ فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيّةَ، فَقَالَ: ((كِلاَكُمَا مُحْسِنٌ، فَلاَ تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٤١٠]. ٢٢١٣ _ [٣] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلاَةَ دَخَلْنَا جَمِيعاً عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَّهُمَا النَّبِيُّ ◌َِ فَقَرَأَ، فَحَسَّنَ شَأْنَهُمَا، فَسُقِطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ(١) وَلاَ إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ٢٢١٢ - [٢] (ابن مسعود) قوله: (في وجهه الكراهية) لجداله وخلافه، والاختلاف المنهي عنه إنكار أحد وجوه القرآن التي أنزل عليها . ٢٢١٣ - [٣] (أبي بن كعب) قوله: (فلما قضينا) بلفظ المتكلم مع الغير، وفي بعض النسخ: (فلما قضيا) بلفظ التثنية. وقوله: (ولا إذ كنت في الجاهلية) أي: ولا وقع في نفسي التكذيب والوسوسة إذ كنت في الجاهلية، وهذا مبالغة، ولأنه كان في الجاهلية جاهلاً، فلا يستبعد وقوع التكذيب والوسوسة إذ ذاك. (١) قال القاري: جاء في الفرقان الحميد: ﴿وَلَا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٩]، يقال: سقط في يده أو يديه بمعنى ندم، فالمراد ههنا: ندمت من تكذيبي إياهم مثل ما لم أندم مثله في زمان قطّ من الإسلام والجاهلية، فتأمل. انتهى ملخصاً. انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٤ /١٥١٠). ٦٠٤ (٢) باب فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ مَا قَدْ غَشِيَتِ ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْت عَرَقاً، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللهِ فَرَقاً، فَقَالَ لِي: ((يَا أُبِيُّ! أُرْسِلَ إِلَيَّ: أَنِ اقْرَأْ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَةً إِلَيَّ الثَّانِيَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَقَّ إِلَّ الثَّالِثَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ. وقوله: (ما قد غشيني) أي: من التكذيب والوسواس. وقوله: (ففضت) على وزن (بعت)، من فاض الماء يفيض فيضاً: كثر حتى سال، و(عرقاً) تمييز، وهذا أبلغ من أن يقول: فاض عرقي، مثل قول القائل: سالت عيني دمعاً، و(فرقاً) بفتحتين، أي: خوفاً، مفعول له، و(أرسل) بصيغة المجهول أو المعلوم، أي: الله تعالى، والأول أشهر رواية، والثاني أبلغ معنى؛ لأنه لما انكشف على أبيّ جلال الله ونظر إليه بعين قلبه أرجع إليه الضمير غير ما سبق ذكره، أي: أرسل الذي رأيته ونظرت إليه. وقوله: (أن أقرأ) بلفظ المتكلم والأمر. وقوله: (فرددت) أي: راجعت إليه (فرد) أي: أرسل (إليّ الثانية) بلفظ المجهول أو المعلوم، والظاهر أن (اقرأه) هذا بلفظ الأمر، وكذا ما بعده. وقوله: (ولك بكل ردة [رَدَدْتُكَهَا] مسألة)(١) أي: إجابة مسألة أيّ مسألة كانت، (١) قال القاري (٤ / ١٥١١): أَيْ لَكَ بِمُقَابَلَةٍ كُلِّ دَفْعَةٍ رَجَعَتْ إِلَيَّ، وَ(رَدَدْتُكَهَا) بِمَعْنَى أَرْجَعْتُكَ إِلَيْهَا بِحَيْثُ مَا هَوَّنْتُ عَلَى أُمَّتِكَ مِنْ أَوَّلِ الأَمْرِ ((مَسْأَلَةٌ تَسْأَلْنِهَا)) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذِهِ الْجُمْلَةُ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، يَعْنِي مَسْأَلَةٌ مُسْتَجَابَةٌ قَطْعاً، وَقَالَ الطَّيِيُّ: أَنْ يَنْبَغِي أَنْ تَسْأَلِنِهَا فَأُجِيبَكَ إِلَيْهَا، انتھی . ٦٠٥ (٨) كتاب فضائل القرآن تَسْأَلْنِهَا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّاغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمِ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ عَ)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٢٠]. ولذا وصفها بصيغة الجنس للتعميم، وقال: (تسألنيها) على وزن ﴿َطَيْرٍ يَطِيرُ﴾. لما سأل رسول الله - ومحبوبه ومقبوله في الحضرة وَّير - ثلاث مرات (أن هون على أمتي)، بارك سبحانه وتعالى عليه وكرّمه زيادة بركات وتكريمات متعلقة بأمر الآخرة لأمته المرحومة بعد أن أنجح مرامه وأسعف سؤله فيهم في أمر الدنيا بجميع التيسير والتسهيل عليهم في الدنيا والآخرة، فأمره تعالى بأن يسأله ثلاث مسائل، فسأل صلاة الله وسلامه المغفرة لهم ثلاثاً، فالأولى للسابقين لما يصدر عنهم من الهفوات والزلات ما لا يليق بشأن قربهم ومكانهم من الله على ما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، والثانية للمقتصدين المقصِّرين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وأَخَّرَ الثالثة للظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكابهم المعاصي وانهماكهم فيها، حتى لعل واحداً منهم لم يكن فيهم إلا مثل حبة خردل من إيمان أو خير. قال الطيبي(١): إنه ◌َي جعل الدعوات الثلاثة مقصورة على دعوة واحدة - وهي المغفرة - اقتصاراً على الأهم والأصل الجامع لجميع الخيرات، وامتثل أمره تعالى بالتثليث بتكراره ثلاثاً بطريق التأكيد، أو في أزمنة متعددة مرتين في الدنيا ومرة في الآخرة يوم تظهر رفعة شأنه وعظمة برهانه، وذلك اليوم يوم ينادي كل نبي: نفسي نفسي، وهو رَّ﴾ يقول: (أمتي أمتي). وقوله: (حتى إبراهيم) تخصيصه بالذكر لأنه أبوه وأصله وأفضل الأنبياء بعد نبينا صلوات الله وسلامه عليه كما نص عليه العلماء، وليس عنهم نص في غيره من الأنبياء (١) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٢٩١). ٦٠٦ (٢) باب ٢٢١٤ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((أَقْرَأَنِى جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتُهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الأَحْرُفَ إِنَّمَا هِيَ فِي الأَمْرِ تَكُونُ وَاحِداً لاَ تَخْتَلِفُ فِي خَلاَلٍ وَلاَ حَرَامٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٩١، م: ٨١٩]. * الْفَصْلُ الثَّانِ: ٢٢١٥ - [٥] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ جِبْرِيلَ فَقَالَ: (يَا جِبْرِيلُ! إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ، مِنْهُمُ الْعَجُوزُ، . مراتب(١)، وقيل: موسى أفضل بعد إبراهيم صلوات الله وسلامه أجمعين، بل كلهم في الحقيقة داخلون في حوزة أمته؛ لأنه نبي الأنبياء ورسول الرسل، وكأنه لهذا تمنى من تمنى منهم: اللهم اجعلني من أمة محمد مَّ أجمعين. ٢٢١٤ - [٤] (ابن عباس) قوله: (إنما هي في الأمر) أي: أمر الدين (تكون واحداً لا تختلف) مرجع الجميع إلى معنى واحد وإن اختلف اللفظ؛ فإن القراءات السبع لا تتناقض، وكذا اللغات المذكورة. الفصل الثاني ٢٢١٥ _ [٥] (أبي بن كعب) قوله: (أميين) في (القاموس)(٢): الأمي: من لا یکتب، ولم يتعلم الکتاب، وهو باق على جبلته کما ولدته أمه. وقوله: (منهم العجوز) العجوز والعجوزة: امرأة مسنّة، كذا في (مجمع (١) كذا في الأصول، والظاهر: ((في ذكر المراتب)». (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٩٤). ٦٠٧ (٨) كتاب فضائل القرآن وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَالْغُلاَمُ، وَالْجَارِيَةُ، وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَاباً قَطُّ، قَالَ: يَا مُحَمَّد! إِن الْقُرْآن أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: قَالَ: ((لَيْسَ مِنْهَا إِلَّ شَافٍ كَافٍ)). [ت: ٢٩٤٤، حم: ٥/ ١٢٤، د: ١٤٧٧]. وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِّ قَالَ: ((إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَنْيَانِي، فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِي وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي، فَقَالَ حِبْرِيلُ: اقْرَأْ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، فَكُلُّ حَرْفٍ شَافٍ كَافٍ)). [ن: ٩٤١]. ٢٢١٦ - [٦] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَاصِّ يَقْرَأُ ثُمَّ يَسْأَلُ، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: البحار)(١)، وقال في (القاموس)(٢): العجوز: الشيخ والشيخة، ولا تقل: عجوزة، أو هي لُغَيَّةٌ رَدِيئَةٌ. وقوله: (والرجل الذي لم يقرأ كتابا قطّ) وإن تعلمه. وقوله: (ليس منها إلا شاف كاف) أي: ليس حرف منها إلا هو شاف للصدور وكاف في الحجة . ٢٢١٦ - [٦] (عمران بن حصين) قوله: (مر على قاص) قص الخبر: أعلمه، والقاصّ: من يأتي بالقصة، ويطلق القُصّاص على الوعاظ، والمراد ههنا من يقصّ الأخبار ويقرأ آيات القرآن أيضاً، و(يسأل) الناس (فاسترجع) عمران، أي: قال: إنا لله (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٥٣٠). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٧٨). ٦٠٨ (٢) باب (مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلِ اللهَ بِهِ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ بِهِ النَّاسَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْ مِذِيُّ. [حم: ٤ / ٤٣٢، ت: ٢٩١٧]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٢١٧ - [٧] عَنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يَتَأَكَّلُ بِهِ النَّاسَ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ لَيْسَ عَلَيْهِ لَحْمٌ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ و فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٢٦٢٥]. ٢٢١٨ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ لاَ يَعْرِفُ فَضْلَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ِسْمِ اللهِ الرَِّْ الرَّحِيمِ﴾. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٧٨٨]. وإنا إليه راجعون؛ لابتلاء القاصّ بهذه المصيبة التي هي السؤال من الناس بالقرآن، أو لابتلاء عمران بمشاهدة هذه الحال الشنيعة، وهي مصيبة . وقوله: (فليسأل الله به) أي: بالقرآن حاجاته الدنيوية والأخروية. الفصل الثالث ٢٢١٧ - [٧] (بريدة) قوله: (يتأكل به الناس) أي: يستأكل ويطلب منهم الأكل، أي: يجعل القرآن وسيلة إلى حطام الدنيا. ٢٢١٨ - [٨] (ابن عباس) قوله: (لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه ﴿ِنجِ اللهِالرَّغْنِ الرَّحِيدِ﴾) قال الطيبي(١): هذا الحديث وما سيرد في آخر هذا الباب دليلان ظاهران على أن البسملة آية من كل سورة، أنزلت مكررة للفصل. أقول: في دلالتهما على أنها جزء من كل سورة كما هو مذهب الشافعي خفاء ظاهر. (١) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٢٩٥). ٦٠٩ (٨) كتاب فضائل القرآن ٢٢١٩ - [٩] وَعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ، فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ، فَقَالَ عَبْدُاللهِ: وَاللهِ لَقَرَأْتُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِوَّهِ فَقَالَ: ((أَحْسَنْتَ))، فَبَيْنَ هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ وَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ، فَقَالَ: أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ وَتُكَذِّبُ بِالْكِتَابِ؟ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧١٥، م: ١٨٦٧]. ٢٢٢ - [١٠] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْتَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ : . نعم يدلان على أنها من القرآن أنزلت للفصل، كما هو مذهبنا، والله أعلم. ٢٢١٩ - [٩] (علقمة) قوله: (فقال) الضمير فيه لرسول الله وَله، وفي قوله: (فبينا هو) لرجل، وفي (يكلمه) لابن مسعود، و(وجد) بلفظ المعلوم أو المجهول. و قوله: (وتكذب بالكتاب) لا شك أن ما ثبت کونه من کتاب الله یقیناً فتكذيبه كفر، وكان ذلك معلوماً قطعاً عند الصحابة خصوصاً على أمثال ابن مسعود، وبعدهم يثبت ذلك بالتواتر، وقد ادعى الجمهور ذلك في القراءات السبع، وبعضهم في العشرة، وفي هذا الباب كلام يعرف في كتب هذا الفن، وكتاب (الإتقان) للسيوطي وافٍ بذلك، وإن لم يكن ما قرأ ابن مسعود من سورة يوسف في هذه القصة من ذلك القبيل، فإطلاق تكذيب الكتاب عليه المستلزم للكفر تغليظ وتشديد، ولذا لم يحكم بارتداده، والله أعلم. ٢٢٢٠ - [١٠] (زيد بن ثابت) قوله: (مقتل أهل اليمامة) بالنصب ظرف زمان، أي: أرسل إليّ وطلبني عنده في زمان قتل أهل اليمامة، وهو مقتل بني حنيفة الذي قتل فيه مسيلمة الكذاب - لعنة الله عليه - في خلافة أبي بكر الصديق حظه. ٦١٠ (٢) باب إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ بَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنِ اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِوَِّ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرِ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لاَ نَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَتَتَبَّعَ الْقَرْآنَ فَاجْمَعْهُ،. وقوله: (إن القتل قد استحر) في (القاموس)(١): استحر القتل: اشتد، والحارّ من العمل: شاقّه. وقوله: (بقراء القرآن) وكان عِدّة من قتل من القرّاء سبع مئة. وقوله: (وإني أخشى أن استحرّ) إن كان (أن) بالفتح فهو مفعول (أخشى)، وإن كان بالكسر فمفعول (أخشى) محذوف، وكذا جزاء الشرط محذوف بقرينة ما قبله، أو ما قبله هو الجزاء على المذهبين للنحاة في مثل هذا التركيب. و قوله: (فیذهب) مرفوع أو منصوب. وقوله: (إني أرى) من الرأي. وقوله: (قلت: لعمر) قول أبي بكر. وقوله: (هذا والله خير) فيه أنه بدعة حسنة، ومن البدع ما هو واجب كتعلم الصرف والنحو، ومنه ما هو مستحب، وقد مر بيانه في أول الكتاب في (باب الاعتصام بالكتاب والسنة). وقوله: (فتتبع [القرآن] فاجمعه) أمر من الجمع. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٥٠). ٦١١ (٨) كتاب فضائل القرآن فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفُوْنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَنْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآن، قَالَ: قُلْتُ: كَيفَ تَفْعَلُونَ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَّلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَتَتَبَعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَال، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْيَّةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ، لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَ كُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ حَتَّى خَاتِمَةٍ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، وقوله: (فوالله) قول زید بن ثابت. وقوله: (لو كلفوني) أي: الناس، ولم يسنده إلى أبي بكر څ تأدّباً وصوناً له عن الأمر بالمحال، ولو فرضاً وتقديراً. وقوله: (العسب) بضمتين جمع عسيب بالمهملة، وهو جريدة النخل أو ورقه، وأكثر ما يقال إذا يبست، وإذا كانت رطبة فَشَطْبَةٌ، وقال السيوطي: كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض، (واللخاف) بالكسر جمع لخفة بالفتح: حجارة بيض رقاق، وفي رواية: والرقاع، وفي أخرى: وقطع الأديم، وفي أخرى: والأكتاف، وفي أخرى: والأضلاع، وفي أخرى: والأقتاب، والرقاع جمع رقعة، وقد يكون من جلد أو ورق أو كاغد، والأكتاف جمع كتف: وهو العظم الذي للبعير أو الشاة، كانوا إذا جف كتبوا عليه، والأقتاب جمع قتب، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير لیر کب عليه . وقوله: (وصدور الرجال) هذا هو الأصل والمعتمد، ووجدانه من العسب واللِّخاف وغيرها تقرير على تقرير، والمراد بقوله: (لم أجدها مع أحد غيره) يعني ٦١٢ (٢) باب ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٦٩٠]. مكتوباً لا محفوظاً، وكذا ما ورد في بعض الروايات: أنهم كانوا يحلفون من عنده أنه من القرآن، أو قام على ذلك شاهدان، والمراد به التأكيد والتحقيق والمبالغة في الاحتياط، وإلا فقد كان زيد وعدة من الأصحاب حافظين له، وقال الشيخ ابن حجر (١): المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب، وقال السخاوي في (جمال القراء)(٢): المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ◌َّة، وقال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي ◌ّ و لا من مجرد الحفظ، قال: ولذلك قال في آخر سورة التوبة: لم أجدها مع غيره، أي: لم أجدها مكتوبة مع غيره؛ لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبي ◌َّ عام وفاته، وكل ذلك تأكيد ومبالغة في التحقيق والتفتيش، ذكر هذا كله السيوطي في (الإتقان)(٣). وأقول: لا شبهة أن القرآن كان معلوماً بالقطع، معروفاً عندهم، متميزاً عما سواه، وكان مجمعاً عليه مقطوعاً به لا أنه كان مشتبهاً، وكان بعضه عند أحد ولا يعرفه آخر، أو ینکر کونه قرآناً، أو یثبت بالحلف أو الشهادة، حاشا من ذلك، وكانوا يُبدون عن تأليف معجز ونظم معروف، وقد شاهدوا تلاوته من النبي ◌َّ ثلاثاً وعشرين سنة، فكان عن تزوير ما ليس منه مأموناً، وإنما كان الخوف من ذهاب شيء من صحيفة، ونقل السيوطي عن الحارث المحاسبي من (كتاب فهم السنن): كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإنه ا ﴿ كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقاً في الرقاع وغيرها، وإنما أمر الصديق (١) انظر: ((فتح الباري)) (٩ / ١٤). (٢) ((جمال القراء)) (١ / ١٦١). (٣) انظر: ((الإتقان في علوم القرآن)) (١ / ٦٨). ٦١٣ (٨) كتاب فضائل القرآن بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعاً، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله له فيها القرآن منتشراً، فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء. وقال الخطابي: إنما لم يجمع ◌ّ ه القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بفوته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاءً بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق الأكبر بمشورة عمره، والكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة(١). تنبيه: قد كان القرآن كله كتب في عهد رسول الله بصير، لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السورة، ولهذا قال الحاكم(٢): جمع القرآن ثلاث مرات: أحدها: بحضرة النبي ◌َّ﴾، وأخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال: (كنا عند رسول الله ◌َ﴿ نؤلف القرآن في الرقاع)، الحديث. وقال البيهقي(٣): يشبه أن يكون المراد تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي (قلاآر . والثانية: بحضرة أبي بكر الصديق ظه، روى البخاري في (صحيحه)(٤) عن زيد ابن ثابت قال: (أرسل إليّ أبو بكر)، الحديث المذكور في الكتاب، وأخرج ابن أبي داود في (المصاحف) بسند حسن عن عبد خير قال: سمعت عليًّا ظُ يقول: أعظم (١) انظر: ((فتح الباري)) (٩/ ١٢). (٢) ((المستدرك)) (٢٩١٠). (٣) ((شعب الإيمان)) (١ / ١٩٥). (٤) ((صحيح البخاري)) (٤٩٨٦). ٦١٤ (٢) باب الناس في المصحف أجراً أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله (١) . الثالث: جمع عثمان ه، جمع الصحابة فسخوها في المصاحف وكتبوها بلغة قريش، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا كما يأتي في الحديث الآتي. قال ابن حجر (٢): وكان ذلك في سنة خمس وعشرين، وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال: قال علي له: لا تقولوا في عثمان إلا خيراً، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا، قال: فما يقولون في هذا القرآن، فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفراً، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت. قال ابن التين وغيره(٣): الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان ﴿﴾ أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعاً في موضع واحد، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءات حين قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضاً، فخشي من تفاقم الأمر، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجًا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت، فاقتصر على لغة واحدة. (١) انظر: ((المصاحف)) (١ / ١٥٤، رقم: ١٧). (٢) انظر: ((فتح الباري)» (٩ /١٢). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٩/ ٢١). ٦١٥ (٨) كتاب فضائل القرآن وقال الحارث المحاسبي: المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن، فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق، وقد قال علي ظه: لو وليت لعملت بالمصاحف عمل عثمان بها(١)، انتهى. واختلف في عدة المصاحف التي أرسلها عثمان إلى الآفاق، فالمشهور أنها خمسة، قال أبو داود: سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: كتب سبعة مصاحف، فأرسل إلى مكة وإلى الشام وإلى اليمن وإلى البحرين وإلى البصرة وإلى الكوفة، وحبس واحداً بالمدينة، هذا في جمع المصاحف. أما ترتيب السور والآيات فالإجماع والنصوص مترادفة على أن ترتیب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك ولا خلاف فيه بين المسلمين، أما النصوص فمنها حديث ابن عباس الآتي، ومنها ما أخرج أحمد(٢) بإسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالساً عند رسول الله #* إذ شخص ببصره ثم صوبه، قال: (أتاني جبريل عتَ﴾ فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ وَإِيَتٍَّ ذِى الْقُرْبَ﴾ [النحل: ٩٠] الآية. ومنها حديث في خواتيم سورة البقرة. (١) ((الإتقان في علوم القرآن)) (١ / ٦٩). (٢) ((مسند أحمد)) (٤ /٢١٨، رقم: ١٧٩٤٧). ٦١٦ (٢) باب ومنها ما جاء من حفظ عشر آيات من أول سورة البقرة، ومنها ما أخرجه ابن أبي داود(١) من طريق أبي الغالب(٢) عن أبي بن كعب أنهم جمعوا القرآن، فلما انتهوا إلى الآية التي في سورة براءة: ﴿ثُمَّ أَنصَرَ فُواْ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧] ظنوا أن هذا آخر ما نزل، فقال أبي: إن رسول الله وَلم أقرأني بعد هذا آيتين ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ إلى آخر السورة، وغير ذلك من الأحاديث. وقال مكي وغيره: ترتيب الآيات في السورة بأمر من النبي ◌َّ. وقال البغوي في (شرح السنة)(٣): الصحابة جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزل الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا شيئاً؛ خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله وَل﴿ من غير أن قدموا شيئاً أو أخروه، أو وضعوا له ترتيباً لم يأخذوه من رسول الله وَّر، وكان رسول الله يَلم يلقن أصحابه ويعلمهم ما أنزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفها بتوقيف جبرئيل إياه على ذلك وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقيب آية كذا في سورة كذا، فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه؛ فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، أنزله الله جملة إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله مفرقاً عند الحاجة، فترتيب النزول على غير ترتيب التلاوة. وقال ابن الحصّار: ترتيب السور ووضع الآيات موضعها إنما كان بالوحي، وكان رسول الله وَله يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، وقد حصل اليقين من النقل (١) ((المصاحف)) (٨١). (٢) كذا في الأصل، والصواب: أبي العالية. (٣) ((شرح السنة)) (٤ / ٥٢١). ٦١٧ (٨) كتاب فضائل القرآن المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله وَله، ومما أجمع الصحابة على وضعه بكذا في المصحف، هذا وقد ظهر به أن ترتيب السور أيضاً توقيفي(١). وقال الكرماني في (البرهان)(٢): ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ، [وهو] على هذا الترتيب كان * يعرض على جبرئيل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه في السنة التي توفي فيها مرتين، هذا هو الذي عليه الجمهور، وقد ينقل عن بعض العلماء، منهم مالك والقاضي أبو بكر في أحد قوليه. وقال القاضي: قال أبو بكر ابن الأنباري: أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرّقه في بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث والآية جواباً لمستخبر، ويُوقف جبرئيل النبي ◌َّر على موضع الآية والسور، فاتساق السور كاتساق الآيات، والحروف كلها عن النبي ◌َّر، فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن، وقال القاضي في قوله الآخر في أن ترتيب السور باجتهاد من الصحابة، ومما يستدل به لذلك اختلاف مصاحف بعض السلف في ترتيب السور، فمنهم من رتبها على النزول، وهو مصحف علي ته، كان أوله: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾، ثم ﴿الْمُدَِّرُ﴾، ثم ﴿ الْمُزَّيِّلُ﴾، ثم ﴿َتَبَّتْ﴾، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني، وكان أول مصحف ابن مسعود البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران على اختلاف شديد، وكذا مصحف أُبي وغيره. وقال الزركشي في (البرهان)(٣): الخلاف بين الفريقين لفظي؛ لأن القائل بأن (١) انظر: ((الإتقان في علوم القرآن)) (١ / ٧٠ - ٧٢). (٢) انظر: ((البرهان في توجيه متشابه القرآن)) (ص: ٦٨). (٣) ((البرهان في علوم القرآن)) (١ / ٢٥٧). ٦١٨ (٢) باب ٢٢٢١ - [١١] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ أَرْمِيَّةً وَأَذَرْبِجَانَ مَعَ أَهْلٍ الْعِرَاقِ، ترتيب السور باتفاق الصحابة واجتهادهم يقول: إنه رمز إليهم بذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته، ولهذا قال مالك: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعون من النبي ◌ّله مع قوله بأن ترتيب السور باجتهاد منهم، فآل الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قولي أو بمجرد إستناد فِعْلِيٍّ بحيث بقي لهم فيه مجال للنظر، وسبقه إلى ذلك جعفر ابن الزبير، هذا كله مما نقلناه من كتاب (الإتقان)(١) للسيوطي الذي هو أجمع كتاب في علوم القرآن، ولقد وقع فيه الإكثار والإطناب، ولا بأس فإن المطلب مهم يكثر فيه التكلم والتفاؤل، والله أعلم بالصواب. ٢٢٢١ - [١١] (أنس بن مالك) قوله: (أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان) قد [تقدم] شرح الحديث في ضمن ما بيناه من الكلام في جمع القرآن، فلم يبق إلا بيان معنى بعض الألفاظ الواقعة فيه . وقوله: (فتح أرمينية)(٢) في (القاموس)(٣): بالكسر، وقد تشدد الياء الأخيرة، (١) ((الإتقان في علوم القرآن)) (١ / ٧٣). (٢) قال الحافظ (٩/ ١٦): إن أرمينية فتحت في خلافة عثمان، وكان أمير العسكر من أهل العراق سلمان بن ربيعة الباهلي، وكان عثمان أمر أهل الشام وأهل العراق أن يجتمعوا على ذلك، وكان أمير أهل الشام على ذلك العسكر حبيب بن مسلمة الفهري، وكان حذيفة من جملة من غزا معهم، وكان هو على أهل المدائن، وهي من جملة أعمال العراق. انتهى. قال العيني (٢٠ / ١٨): قال الرشاطي: افتتحت فِي سنة أربع وَعشْرِين فِي خِلاَفَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُ، على يَد سلمانَ بن ربيعةَ الْبَاهِلِيّ. (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٠٧). ٦١٩ (٨) كتاب فضائل القرآن فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلاَفَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرَّدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَاللهِ ابْنَ الزََّيْرِ وَسَعِيدَ بنَ الْعَاصِ وَعَبدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ(١) بْنِ هِشَامٍ، فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاَثِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا تَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا، حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أَفْقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا،. وفي (المغني)(٢) بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الميم وسكون تحتية أولى وكسر نون وخفة ثانية، ونقل عن (جامع الأصول) بتثليث الهمزة، وفيه لغات أخر، وقد اجتمعت فيه خمس أسباب لمنع الصرف(٣) . وقوله: (فأفزع حذيفة اختلافهم) الرواية المشهورة بنصب (حذيفة) ورفع (اختلافهم) وهو الظاهر، وقد یعکس. و(القرشیین الثلاث) هم غیر زید. (١) في الأصل: ((عبد الله بن الحارث))، والتصحيح من ((الجامع الصحيح)) للبخاري. (٢) ((المغني)) (ص: ٣٥). (٣) هذا الكلام في شأن أذربيجان، قال القسطلاني (١١ / ٣٠٢): وهو اسم اجتمعت فيه خمس موانع من الصرف: العجمة والتعريف والتأنيث والتركيب ولحاق الألف والنون. وقال الحافظ (٩/ ١٧): وهي الآن تبريز وقصباتها، وهي تلي أرمينية من جهة غربيها، انتهى. ٦٢٠ (٢) باب وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بنُ زَيدِ بنِ ثَابتٍ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ وَّـ يَقْرَأُ بِهَا، فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَهَا مَعَ خُزَيِّمَةَ بْنِ ثَابِتِ الأَنْصَارِيِّ ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٩٨٧]. ٢٢٢٢ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلتُ لعُثْمَان: مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الأَنْقَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى بَرَاءَةٍ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينِ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلم تَكْتُبُوا سَطْرَ ﴿إِسْمِ لَّهِالَّعْنِ الرَّحِ﴾، وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبعِ الطُّوَلِ؟ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِك؟. و(أن يحرق) المشهور بالحاء المهملة، وقد یروی بالمعجمة، ولعله بعد ردها إلى حفصة ٢٢٢٢ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (وهي من المثاني) أي: من السبع المثاني، وهي السبع الطوال(١). وقوله: (وهي من المئين) وهي السور التي تلي المثاني، سميت بذلك لأن كل سورة تزيد على مئة آية أو تقاربها، ثم ما يلي المئين تسمى الثواني؛ لأنها تَثْنيها، أي: كانت بعدها، فهي لها ثوان، والمئون لها أوائل، وقيل: هي السور التي آيها أقل من مئة؛ لأنها تثنى أكثر مما يثنى الطوال والمئون، وقيل: لتثنية الأمثال فيها بالعبر والخبر، (١) في هامش ((الكوكب)) (٤ / ٧): أول القرآن السبع الطول، ثم المثاني، وهي ما لم تبلغ مئة آية، وهي عشرون سورة، ثم المفصل.