النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
(٧) كتاب الصوم
٨- باب ليلة القدر
٨ - باب ليلة القدر
سميت بها لأنه تقدر فيها الأرزاق وتقضى، وتكتب الآجال والأحكام التي تقدر
في السنة، والقدر بهذا المعنى يجوز فيه تسكين الدال، والمشهور التحريك، وقيل:
سميت بها لعظم قدرها وشرفها، والإضافة على هذا من قبيل: حاتم الجود وزيد
الخير، وقيل: لأن من أتى الطاعات فيها صار ذا قدر، أو أن الطاعات لها قدر زائد
فيها، واعلم أنه قد كثر فيها الاختلاف، واختلفت الأقوال، وقد ذكر الشيخ في (فتح
الباري)(١) أكثر من أربعين قولاً مثل ما ذكر في ساعة الجمعة، ونسب كل قول إلى قائله
وذكر ما استند به قائله من الأحاديث والآثار على ما هو عادته رحمه الله في البحث
والتحقيق في أمثال هذا المقام، وأكثر الأحاديث في أنها في رمضان خصوصاً في أوتار
العشر الأخير لاسيما في السابع والعشرين، وفي قول هي دائرة في تمام السنة وتنتقل
وتتحول، وجعل الشيخ هذا القول مشهوراً من الحنفية، وذكر أن قاضيخان وأبا بكر
الرازي من علماء الحنفية حكيا ذلك، وقالوا: إنه روي عن ابن مسعود وابن عباس
وعكرمة وغیرهم، انتھی.
قال الشيخ ابن الهمام(٢): إنه روي عن أبي حنيفة أن ليلة القدر في رمضان،
ولكن لا يدرى أنها أية ليلة منه، فتارة تتقدم، وأخرى تتأخر، وكذا عن صاحبيه، لكنها
متعينة عندهما لا يتقدم ولا يتأخر، وفي (فتاوى قاضيخان)(٣): أن الرواية المشهورة
(١) «فتح الباري)) (٤ / ٢٥٥).
(٢) ((شرح فتح القدير)) (٢ /٣٨٩).
(٣) ((فتاوى قاضيخان)) (١ /١٠٩).

٥٠٢
(٨) باب ليلة القدر
عن أبي حنيفة أنها تتحول في السنة، وتكون في رمضان وفي غيره، وأجاب أبو حنيفة
عن الأدلة التي دلت على أنها في العشر الأخير من رمضان بأن المراد الرمضان الذي
طلبها فيه رسول الله وَّ ر، وسياق الحديث يدل عند من تأمل طرق الأحاديث وألفاظها
على هذا المعنى، انتهى. وهذا القول أقرب إلى تطبيق الأقوال وجمعها، والله أعلم.
قالوا: والحكمة في إخفائها ليجِدّوا ويجتهدوا في الطاعة، وقيل: من اجتهد
في قيام السنة أدركها إن شاء الله تعالى، وفي مثل هذا المعنى قيل: من لم يعرف قدر
الليلة لم يعرف ليلة القدر، وقد ذكر بعض العلماء لها علامات وأمارات استنبطوها من
بعض الأحاديث والآثار، وأدرك بَعْضَها أهلُ الكشف من ذوي الأبصار، وقال الإمام
الغرالي: ليلة القدر في حق كل أحد ما كوشف فيها له من عالم الملكوت، وقد نقل
الطبري عن قوم أن الأشجار في تلك الليلة تسجد وتقع على الأرض ثم ترجع إلى
منابتها، ويسجد فيها كل شيء.
وروى البيهقي في (فضائل الأوقات)(١) من طريق الأوزاعي عن عبيدة بن أبي
لبابة: أن المياه المالحة تعذب تلك الليلة، وروى ابن عبد البر(٢) من طريق زهرة بن
معبد نحوه، وتسطع الأنوار حتى في الأماكن المظلمة، ويسمع السلام والخطاب من
الملائكة، والتحقيق أنه لا يشترط في إدراكها مشاهدة أمثال هذه الأمور، فقد يكون من
يدركها ولا يشاهد منها، ويمكن أن يكون اثنان في مكان واحد ويدركانها فيكشف
لواحد ولا يكشف لآخر، وأحسن ما يحصل فيها توفيق الذكر والعبادة والمناجات
(١) ((فضائل الأوقات)) (١ / ٢٤٧).
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٢١/ ٢١٦).

٥٠٣
(٧) كتاب الصوم
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٠٨٣ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ
فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠١٧].
علىاللّه
وسلم
٢٠٨٤ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ
◌ُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِّ : .
والخضوع والخشوع والذوق والحضور والإخلاص، وهذه الأشياء كرامات بلا شبهة،
ومشاهدة الخوارق محل خطر، ومن مظان الاشتباه، وقد ورد في الأحاديث الترغيب
في إحياء تلك الليلة، والمختار أن المعتبر إحياء أكثرها، ولو أحيا تمام الليلة ولم ينجرّ
إلى مرض وملال واختلال في الفرائض والسنن المؤكدة فهو أفضل وأكمل، وإلا فأي
مقدار قام حصل المرام، وليس للإنسان إلا ما سعى، وكان سعيه مشكوراً، رزقنا الله
السعي والجد في طلب مرضاته، ولم يحرمنا من فضله وبركاته، آمين .
الفصل الأول
٢٠٨٣ - [١] (عائشة) قوله: (تحروا) أمر من تتحرى تفعل من الحر، أو معنى
تحراه تعمد وطلب ما هو أحرى وأولى، أي: اطلبوا ليلة القدر في الأوتار من ليالي
العشر الأواخر من رمضان، وهي خمس ليال.
٢٠٨٤ - [٢] (ابن عمر) قوله: (في السبع الأواخر(١)) الظاهر أن المراد السبع
(١) قال شيخنا في ((التقرير)): قال القاري: اختلف في معناها، فقيل: أراد السبع التي تلي آخر
الشهر، فيكون مبدأه على المحقق من الليلة الثالثة والعشرين، وعلى المحتمل، أي: تقدير الشهر
بثلاثين يكون المبدأ من الرابع والعشرين. وقيل: السبع الأخيرة، أي: السبع الرابع، فيكون
بدؤه من الليلة الثانية والعشرين، والختم على ثمانية وعشرين، وما بعده ساقط؛ لأنه لا يتم=

٥٠٤
(٨) باب ليلة القدر
(أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِِّهَا فَلْيَتَحَرَّهَا
فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠١٥، م: ١١٦٥].
الأواخر التي تلي [آخر] الشهر؛ لأن معنى التأخر فيه أظهر، والله أعلم.
وقوله: (قد تواطأت) بالهمزة، وفي بعض النسخ: تواطت بدونها، والأول
أصوب، قال التُّورِبِشْتِي(١): المواطأة الموافقة، وأصله أن يطأ الرجل برجله موطأ
صاحبه، وقد رواه بعضهم بالهمزة وهو الأصل، وجاء في عامة نسخ الجامعين
الصحيحين وغيرهما بغير همز، ولعل بعضهم لم يكتب للهمزة ألفاً، فترك بعضهم
همزها، فأقرت على ذلك، انتهى. ومثل هذا قال في (المشارق)(٢) حيث قال: جاء
في عامة نسخ البخاري والموطأ ومسلم: تواطت، وعند ابن الحذاء: تواطأت مهموزاً،
= منه سبع. وقيل: المراد السبع بعد العشرين، فيكون البدء من الحادي والعشرين، والختم
على سبع وعشرين، وقيل: هذا أولى لأنه يتناول الليلة الحادية والعشرين، لكن أشكل بأن
إطلاق السبع الأواخر على ما بعد العشرين ليس بوجيه، مع أن ليلة الحادي والعشرين ليست
في السبع الأخير بل في السبع الثالث. وقيل: جاء ذكر السبع فيه ثلاث مرات: الأول بعد
الست قبل الثمانية، والثاني في سبع عشرة، والثالث في سبع وعشرين، فالمراد السبع الأخير
وهو السبع والعشرون، وجمعه باعتبار جنسه، أي: اطلبوا في كل سبع وعشرين. هذا ما فهمت
من كلام القاري مهذباً ومهذباً. وما يخطر بالبال في معناه أن (الأواخر) ليس بصفة لـ (سبع)،
بل موصوفه محذوف اختصاراً، أي: اطلبوا في السبع الأوتار من النصف الآخر، وجمعيته
باعتبار الأيام، فيكون المبدأ من ليلة سبع عشرة، والمنتهى ليلة التسع والعشرين، وقريب منه
الاحتمال الثالث، أي: التمسوها في السبع من العشر الأواخر، فيكون البدء من ليلة إحدى
والعشرين، والختم على سبع وعشرين.
(١) ((كتاب الميسر)) (٢/ ٤٨١).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٤٨٦).

٥٠٥
(٧) كتاب الصوم
٢٠٨٥ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ: ﴿ قَالَ: ((الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ
الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ : فِي تَسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي
خَامِسَةٍ تَبْقَى)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٢١].
وكذا للقابسي مرة بالهمزة، وكذا قيدناه في (الموطأ) عن شيخنا أبي إسحاق، ولعلهم لم
يكتبوا للهمزة ألفاً فترك بعضهم ذكرها جهلاً، وفي الحديث دليل على أن الرؤيا لها
اعتبار في الأمور الوجودية، وذلك حق إذا لم يكن مخالفاً للأحكام الشرعية .
٢٠٨٥ - [٣] (ابن عباس) قوله: (التمسوها) الضمير مبهم يفسره قوله: (ليلة
القدر)، ويمكن أن يكون راجعاً إلى ليلة القدر المذكورة في مقام السؤال، وقوله:
(ليلة القدر) بدلاً منه، ويجوز الإبدال في الضمير الغائب.
وقوله: (في تاسعة تبقى (١) ... إلخ) الذي يظهر في توجيهه أن يكون المراد
التاسعة والعشرين والسابعة والعشرين والخامسة والعشرين كما ذكر في الرواية الأخرى،
من حديث عبادة بن الصامت في الفصل الثالث، فيكون الترديد بين الأوتار الثلاثة من
أوتار العشر الأخير، أو يكون المراد من التاسعة والسابعة والخامسة التسعة والسبعة
والخمسة كما في حديث أبي بكرة في الفصل الثاني، فيكون الترديد بين الأوتار التي
وقعت في تسعة أيام باقية من العشر الأخير وهي أربع ليال، والأوتار التي وقعت في
سبعة أيام وهي ثلاث ليال، والأوتار التي في خمسة أيام، وهي ليلتان، والله أعلم.
وقد يقال: (تاسعة تبقى) الليلة الثانية والعشرون؛ فإنها تاسعة، والرابعة والعشرون
سابعة منها، والسادسة والعشرون خامسة منها، وهذا له وجه إن كان ذهب أحد إلى
أن هذه الليالي ليلة القدر، نعم قد نقل في (فتح الباري)(٢) قول شاذ في أربعة وعشرين،
(١) أي: يرجى بقاؤها.
(٢) «فتح الباري)) (٤ / ٢٥٦).

٥٠٦
(٨) باب ليلة القدر
٢٠٨٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِِّاعْتَكَفَ
الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَةٍ، ثُمَّ أَطْلَعَ
رَأْسَهُ فَقَالَ: «إِنِّيِ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ
الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ
اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا،
وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ
الأَوَاخِرِ ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ). قَالَ: فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ» .
والله أعلم.
٢٠٨٦ - [٤] (أبي سعيد الخدري) قوله: (في قبة تركية) نوع من القباب من
لبود، ویسمی بالفارسية خر گاه، كذا في بعض شروح (المصابيح).
وقوله: (أطلع) بفتح الهمزة وسكون الطاء، أي: أخرجه من القبة.
وقوله: (اعتكف) حكاية عن الحال الماضية كأنه يعتكف الآن طلباً لها، وإلا
كان الظاهر (اعتكفت).
وقوله: (ثم أتيت) بلفظ المجهول، أي: أتاني آت من الملائكة.
وقوله: (في العشر الأواخر) وصف بالجمع لما أن أوتارها مظنة الليلة كما جاء
في الروايات بخلاف العشر الأول والأوسط فلم يصفهما بالجمع(١).
وقوله: (فقد أريت هذه الليلة) أي: معينة .
(١) قَالَ الطَّيِيُّ (٥/ ١٦٢٣): فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ خُولِفَ بَيْنَ الأَوْصَافِ فَوَصَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ وَالأَوْسَطَ
بِالْمُفْرَدِ، وَالآخِرَ بِالْجَمْعِ؟ قُلْتُ: تَصَوَّرَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ الأَخِيرِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَجَمَعَهُ،
وَلاَ كَذَلِكَ فِي الْعَشْرَينَ، انتهى.

٥٠٧
(٧) كتاب الصوم
وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيْشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللهِّهِ﴾
وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صَبِيِحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ
فِي الْمَعْنَى، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ إِلَى قَوْلِهِ: «فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ».
وَالْبَاقِي لِلْبُخَارِيِّ. [خ: ٢٠١٦، م: ١١٦٧].
٢٠٨٧ - [٥] وَفِي رِوَايَةٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيَّسٍ قَالَ: ((لَيْلَةُ(١) ثَلاَثٍ
وَعِشْرِينَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦٨].
٠٠٠
٢٠٨٨ - [٦] وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَيَّ بْنَ كَعْبٍ.
و(العريش) بيت يسقف من أغصان الشجر كما يجعل للكروم، والعريش كل
ما يستظل به، وكان سقف مسجده في زمانه من أغصان النخل .
وقوله: (فوكف المسجد) أي: قطر ماء المطر من سقفه، وكف البيت يكف وكْفاً
وكيفاً: قطر.
٢٠٨٧ - [٥] (عبدالله بن أنيس) قوله: (من حديث)(٢) وفي بعض النسخ: (في
رواية عبدالله بن أنيس) بضم الهمزة بلفظ التصغير.
٢٠٨٨ - [٦] (زرّ بن حبيش) قوله: (وعن زرّ) بكسر الزاي وتشديد الراء (ابن
حبيش) بضم المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتانية في آخره شين معجمة.
وقوله: (سألتُ أبي بن كعب) وكان كثير الصحبة لأبي، وقال في
(١) قال القاري: بِجَرِّ لَيْلَةٍ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِوَضٌ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ،
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: لَيْلَةُ الْقَذَرِ هِيَ لَيْلَةُ ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ، لِأَنَّهُ أَمَرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَمُ -
بِقِيَامِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلَيْلَةٌ مَرْفُوعَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. ((مرقاة المفاتيح))
(٤ / ١٤٣٩).
(٢) كذا في الأصل، والصواب: ((في حديث))، انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٤٣٩/٤).

٥٠٨
(٨) باب ليلة القدر
فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَالَ:
رَحِمَهُ اللهُ، أَرَادَ أَنْ لاَ يَتَّكِلَ النَّاسُ أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا
فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَيْعٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لاَ يَسْتَشْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ
سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ: بِالْعَلَمَةِ
- أَوْ بِالْآيَةِ - الَّتِي أَخْبَرَنَاَ رَسُولُ اللهِوَّهِ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لاَ شُعَاعَ لَهَا. رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٧٦٢].
(الكاشف)(١): قال أبي بن كعب: يا زرّ ما تريد أن تدع آية إلا سألتني عنها.
وقوله: (ثم حلف لا يستثني) عطف على قال، أي: حلف أبي جازماً من غير
أن يقول: إن شاء الله، ويتردد فيه، والضمير في (أنها تطلع) للشمس، وشعاعُ الشمس
وشُغُّها، بضمهما: الذي تراه كأنه الحِبال مقبلةً عليك إذا نظرت إليها، أو الذي ينتشر من
ضَوئها، أو الذي تراه ممتدًّا كالرِّماح بُعَيْدَ الطُّلوع وما أشْبهه، كذا في (القاموس)(٢).
وجاء في رواية من حديث أحمد(٣): (مثل الطست) فظهر أن أُبيّا إنما قال بأمارة
لا بالنص، وروي (٤) أنه دعا عمرُ أصحابَ رسول الله وَله وسألهم عن ليلة القدر فأجمعوا
على أنها في العشر الأواخر، فقال ابن عباس لعمر: إني لأعلم - أو أظن - أيّ ليلة،
هي سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر، فقال: من أين علمت ذلك؟ قال: خلق الله
سبع سماوات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، والدهر يدور في سبع، والإنسان خلق
من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، وذكر الطواف والجمار وأشياء ذكرها،
(١) «الكاشف)) (١ / ٤٠٢).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٧٦).
(٣) («مسند أحمد)) (٥/ ١٣٢).
(٤) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٨٨٢١)، وعبد الرزاق في ((مصنفه)) (٧٦٧٩).

٥٠٩
(٧) كتاب الصوم
فقال: لقد فطنت لأمر ما فطنا له، انتهى.
وقال بعض الفضلاء: إن الله تعالى ذكر ليلة القدر في سورة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ﴾ ثلاث
مرات، وهي تسعة أحرف، ومجموعها سبعة وعشرين، وفيه إشارة إلى أنها الليلة
السابعة والعشرون، وهذه وأمثالها كلها أمارات ظنية لا دلائل قطعية، ولا قطع بتعينها
لأحد، وإن كان رسول الله ◌َّ﴿ عالماً بها قطعاً فلم يؤذن بتعينها للصحابة، وإن كان
من الصحابة من أعلم بها فهو أيضاً ممنوع عنه، وفي ذلك سر وحكمة، والله
أعلم .
وقد روي(١) عن أبي ذر عه: أنه سأل رسول الله رَلي وأقسم عليه ليخبره بها
حتى أغضبه فقال: (لو أذن الله لي أن أخبركم بها لأخبرتكم)، فإن قلت: فكيف حلف
أبيّ من غير استثناء وهو يدل على الجزم والتوقيف؟ قلنا: هو مبالغة منه، ولعله
حلف على غلبة ظنه، ويجوز الحلف على غلبة الظن، وعدم الاستثناء من باب المبالغة،
والله أعلم.
قالوا: قد اختلفت الروايات في تعيين هذه الليلة اختلافاً لا يرتفع معه الخفاء،
إذ لم يثبت فيما يعول عليه من النقل من أحد من الصحابة، فإنه ما قال: سمعت
رسول الله * يحدث بميقاتها مجزوماً به، وإنما ذهب كل واحد إلى ما ذهب مما تبين
له من معاريض الكلام الذي سمعه من رسول الله وَّر، والفهم يبلغ تارة ويقصر أخرى،
والمجتهد يخطئ ويصيب، هذا ما ذكره الشارحون، وأقول: الظاهر أن رسول الله والهم
كان عالماً به، وأيُّ سرِّ هذا يكتم له وقد كوشف له من الأسرار ما لا يعلمه إلا الله؟
(١) أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٦٨٣).

٥١٠
(٨) باب ليلة القدر
٢٠٨٩ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ ◌َ﴾ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَجْتَهِدُ فِي
الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٧٥].
٢٠٩٠ - [٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ
مِثْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٢٤، م: ١١٧٤].
ولا يبعد أن كان هو ◌َّر قد خصه به بعض المقربين من أصحابه كما خص حذيفة بن
اليمان بإعلام المنافقين، ولا يستنكر ذلك، وإنما يستنكر في الحدود والأحكام التي
يتعبد بها المكلفون، فإن قلت: كيف يصح ذلك وقد قال ◌َّيجى: (أريت هذه الليلة ثم
أنسيتها؟) قلنا: يحتمل أنه أنسيها في عامه ذلك ثم كوشف بها بعد، فأخبر بها، كذا ذكر
التُّورِبِشْتِي(١) رحمه الله رحمة واسعة.
٢٠٨٩ - [٧] (عائشة) قوله: (ما لا يجتهد في غيره) وذلك أمارة أن فيها ليلة
القدر ولا يجزم، لعله كان لتمام شهر رمضان وانقضائه، والله أعلم.
٢٠٩٠ - [٨] (عنها) قوله: (شدّ مئزره) أي: إزاره، وهو كناية عن الاجتهاد
في العبادة أو عن الاعتزال عن النساء ومباشرتهن، ولا معنى لإرادة حقيقة شد المئزر،
ولا فائدة في بيانها، والذي تقرر في علم البيان من جواز إرادة المعنى الحقيقي في
الكناية إنما هو بمعنى عدم المانع من إرادته؛ لعدم نصب القرينة المانعة من إرادته كما
في المجاز، لا بإرادتهما معاً إلا بطريق التوسل والعبور عنه إلى المعنى المقصود الذي
کني عنه، فتدبر .
وقوله: (وأحيا ليله) الظاهر أن (ليله) مفعول به، ويحتمل أن يكون ظرفاً،
والمفعول به محذوف، أي: أحيا نفسه في ليله، والاحتمالان جاريان في قولنا: إحياء
(١) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٤٨١).

٥١١
(٧) كتاب الصوم
الْفَصْلُ الثَّانِي:
*
٢٠٩١ - [٩] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ
أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: ((قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوَّ تُحِبُّ الْعَفْوَ
فَاعَفُ عَنِّي)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْ مِذِيُّ وَصَخَّحَهُ. [حم: ٦ / ١٧١،
جه: ٣٨٥٠، ت: ٣٥١٣].
الليل، بأن تكون الإضافة معنوية بمعنى (في)، أو لفظية إلى المفعول به، وجهها أن
النائم في حكم الميت، وأن الزمان حياته أن يعبد فيه، كذا قالوا(١).
الفصل الثاني
٢٠٩١ - [٩] (عائشة) قوله: (أيّ ليلة) الظاهر (أية ليلة) بالتأنيث، وإنما ذكره
بتأويل الزمان، وقد وقع مثل ذلك في قوله وَّه: (أيّ آية من كتاب الله معك أعظم)
باعتبار الكلام أو اللفظ، كذا قيل، ويجوز أن يكون ذلك باعتبار أن التأنيث
لفظي.
(١) قَالَ الطَّيِيُّ (٥/ ١٦٢٥): وَفِي إِحْيَاءِ اللَّيْلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهمَا رَاجِعٌ إِلَى نَفْسِ الْعَابِدِ، فَإِنَّ
الْعَابِدَ إِذَا اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ عَنِ النَّوْمِ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا نَفْسَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿ اللَّهُ يَتَوَّنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَّمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَاً﴾ [الزمر: ٤٢]. وَثَانِيهُمَا أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى
نَفْسِ اللَّيْلِ فَإِنَّ لَيْلَهُ لَمَّ صَارَ بِمَنْزِلَةِ نَهَارِهِ فِي الْقِيَامِ فِيهِ كَأنه أَحْيَاهُ وَزََّهُ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَمِنْهُ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُّحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَهَاً﴾ [الروم: ٥٠]، فَمَنِ اجْتَهَدَ
فِيهِ وَأَحْيَاهُ كُلَّهُ وَفَّرَ نَصِيبَهُ مِنْهَا، وَمَنْ قَامَ فِي بَعْضِهِ أَخَذَ نَصِيبَهُ بِقَدْرِ مَا قَامَ فِيهَا، وَإِلَيْهِ لَمَّحَ
سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بِقَوْلِهِ: مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَقَدْ أَخَذَ حَظّهُ مِنْهَا، انتهى. ((مرقاة
المفاتيح)) (٤ / ١٤٤١).

٥١٢
(٨) باب ليلة القدر
٢٠٩٢ - [١٠] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
(الْتَمِسُوهَا - يَعْنَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ - فِي تِسْعِ يَبْقَيْنَ، أَوْ فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ، أَوَ فِي
خَمْسٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ ثَلاَثٍ أَوْ آخِرٍ لَيْلَةٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٧٩٤].
٢٠٩٣ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
فَقَالَ: ((هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: رَوَاهُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ عَنْ
أَبِي إِسْحَاقَ مَوْقُوفاً عَلَى ابْنِ عُمَرَ. [د: ١٣٨٧].
٢٠٩٢ - [١٠] (أبي بكرة) قوله: (في تسع يبقين أو في سبع بيقين أو في
خمس يبقين) قيل: (في تسع يبقين) محمول على الثانية والعشرين، و(في سبع يبقين)
محمول على الرابعة والعشرين، و(في خمس) على السادسة والعشرين، و(أو ثلاث)
على الثامن والعشرين .
وقوله: (أو آخر ليلة) محمول على التاسع والعشرين، وقيل: على السلخ،
أقول: هذا إذا كان الشهر ثلاثين يوماً، وأما إذا كان تسعاً وعشرين فالأولى على الحادية
والعشرين، والثانية على الثالثة والعشرين، والثالثة على الخامسة والعشرين، والرابعة
على السابعة والعشرين، وهذا أولى لكثرة الأحاديث الواردة في الأوتار، بل
نقول: لا دليل على كونها أولى هذه الأعداد، فالظاهر أن المراد من كونها (في تسع
يبقين ... إلخ) ترديدها في الليالي الخمس أو الأربع أو الثلاث أو الاثنين أو الواحدة،
وآخر ليلة يحتمل التاسعة والعشرين والسلخ، فافهم.
٢٠٩٣ - [١١] (ابن عمر) قوله: (في كل رمضان) أي: ليست مخصوصة بالعشر
الآخر، فهذا متمسك ما روي عن أبي حنيفة أن ليلة القدر في رمضان، ولكن لا يدرى
أنها أية ليلة منه على ما ذكر الشيخ ابن الهمام كما مر، أو ليست مخصوصة برمضان

٥١٣
(٧) كتاب الصوم
٢٠٩٤ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنْيَّسٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ!
إِنَّ لِي بَادِيَةً أَكُونُ فِيهَا، وَأَنَا أُصَلِّي فِهَا بِحَمْدِ الهِ، فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ أَنْزِلُهَا
إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: ((انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ)). قِيلَ لإِئْنِهِ:
كَيْفَ كَانَ أَبُّوكَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ،
فَلاَ يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ وَجَدَ دَابَّتَهُ
عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَلَحِقَ بِبَادِيَتِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د:
١٣٨٠].
سنة دون سنة بل في رمضانات جميع السنين، فلا ترفع كما قيل: ولا في غير رمضان،
وهذا أيضاً قول من الأقوال.
٢٠٩٤ - [١٢] (عبدالله بن أنيس) قوله: (إن لي بادية(١)) إما دار إقامة له فيها
فيكون من الأعراب، أو خيمة أو بيتاً هناك كما هو دأب العرب.
و قوله: (فمرني بليلة) أي: من رمضان.
وقوله: (أنزلها) بلفظ المتكلم من النزول مرفوع أو مجزوم، أي: أنزل فيها كما
في: دخلت الدار، وفي ترك (في) إشارة إلى قيام الليل كله.
وقوله: (إلى هذا المسجد) أي: قاصداً إليه أو منتهياً إليه، والمراد المسجد
النبوي، ولفظ (هذا) لتعظيمه وقربه إلى القلوب وانجذابها إليه.
وقوله: (فلا يخرج منه لحاجة) أي: لحاجة منافية للاعتكاف، وفي رواية :
إلا في حاجة، أي: ضرورية يضطر إليه .
(١) اسم البادية: الوَطَاءة.

٥١٤
(٨) باب ليلة القدر
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٠٩٥ - [١٣] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ وَّهُ لِيُخْبِرَنَ
بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلاَحَى رَجُلاَنٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: ((خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ
الْقَدْرِ، فَتَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْراً لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا
فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٣٣].
٢٠٩٦ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا كَانَ لَيْلَةُ
الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيِلُ ع ◌َ فِي تُبْكَُةٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، يُصَلُّونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ قَائِمٍ
أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ اللهَ وَتْ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدِهِمْ - يَغْنِي يَوْمَ فِطْرِهِمْ - بَاهَى بِهِمْ
مَلاَئِكَتَهُ.
الفصل الثالث
٢٠٩٥ - [١٣] (عبادة بن الصامت) قوله: (فتلاحى رجلان (١)) في (القاموس)(٢):
لَحَاه: شَتَمَه، ولاَحَاه مُلاحاةً ولِحاءً: نازعَه، فيكون تلاحی بمعنى تنازع وتخاصم.
وقوله: (فرفعت) أي: رفع عن خاطري تعيينها، ولذلك قال: فالتمسوها في
الليالي المذكورة، لعلها يصادف أحد بها، ويعلم من هذا أنها كانت مترددة بين هذه
الليالي، أو قال ذلك لغلبة الظن، والله أعلم.
٢٠٩٦ - [١٤] (أنس) قوله: (كبكبة) الكبة والكبكب والكبكبة بالفتح والضم:
(١) قِيلَ: هُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكِ، أَيْ: وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا
الَّتِي كَانَتْ فِي الدَّيْنِ الَّذِي لِلأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي فَأَمَرَهُ وَّه ◌ِوَضْعِ شَطْرِ دَيْنِهِ عَنْهُ فَوَضَعَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ
حَجَرٍ. ((مرقاة المفاتيح)) (١٤٤٤/٤).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٢١).

٥١٥
(٧) كتاب الصوم
فَقَالَ: يَا مَلاَئِكَتِ! مَا جَزَاءُ أَجِيرٍ وَفَّى عَمَلَهُ؟ قَالُوا: رَّنَا جَزَاؤُهُ أَنْ يُوَفَّى
أَجْرَهُ. قَالَ: مَلاَئِكَتِي! عَبِيدِي وَإِمَائِي قَضَوْا فَرِيْضَتِي عَلَيْهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا
يَعُجُّونَ إِلَى الدُّعَاءِ، وَعِزَّتِي وَجَلَاَلِي وَكَرَمِي وَعُلُوِّي وَارْتِفَاعٍ مَكَانِي لِأُجِنَّهُمْ.
فَيَقُولُ: ارْجِعُوا قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، وَبَدَّلْتُ سَيََّتِكُمْ حَسَنَاتٍ. قَالَ: فَيَرْجِعُونَ
و
مَغْفُوراً لَهُمْ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٣٧١٧].
٩ - باب الاعتكاف
جماعة، والمباهاة (١): المفاخرة.
وقوله: (يعجون) عج يعج من ضرب وعلم صاح ورفع صوته، (لأجيبنهم) أي :
لأقبلن دعاءهم .
٩ - باب الاعتكاف
الاعتكاف في اللغة: الحبس، والمكث، واللزوم، والإقبال على شيء، وفي
الشرع عبارة عن المكث في المسجد ولزومه على وجه مخصوص، وهو في الظاهر
من مذهب الحنفية سنة مؤكدة المواظبة رسول الله و * حتى توفاه الله تعالى، كما جاء
في الصحيحين من حديث عائشة، قال الزهري(٢): عجباً من الناس كيف تركوا الاعتكاف
ورسول الله وَ﴿ كان يعمل من النوافل تارة ويتركها أخرى، ولم يترك الاعتكاف أبداً،
ولم يجب؛ لأنه كان من دأبه ◌َّه في الواجب مع وجود المواظبة أن يأمر به وينكر على
(١) قال القاري: الأَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْمُبَاهَاةَ مَعَ الْمَلاَئِكَةِ الَّذِينَ طَعَنُوا فِي بَنِي آدَمَ فَيَكُونُ بَيَاناً لإِظْهَارِ
قُدْرَتِهِ وَإِحَاطَةِ عِلْمِهِ، انتهى. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ /١٤٤٥).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (١١ / ١٤٠)، و((فتح الباري)) (٤ /٢٨٥).

٥١٦
(٩) باب الاعتكاف
تركه، ولم يفعل في الإنكار كذلك، بل قال: (من أحب منكم أن يعتكف فليفعل)
كما جاء في الصحيحين، انتهى .
والحق أنه ثبت ترك الاعتكاف منه * في بعض الرمضانات، وقيل: يستحب
استحباباً متأكداً، والصواب أنه على ثلاثة أقسام: واجب، وهو الاعتكاف المنذور،
وسنة، وهو في العشر الأخير، وما سواهما مستحب، واتفق العلماء(١) على اشتراط
المسجد في الاعتكاف إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي؛ فإنه جوزه في کل مکان،
وجوز الحنفية للنساء في مسجد البيت، والمراد بمسجد البيت مكان تقرر فيه للصلاة،
وليس له حكم المسجد إلا في هذا الحكم، وهو قول قديم للشافعي، ونقل عن بعض
أصحابنا أن اعتكاف المرأة في المسجد مع زوجه جائز، وبه قال الإمام أحمد، وإذنه وله
للأزواج المطهرة دليل على ذلك، والمنع كان لمصلحة أخرى كما سيأتي. ثم خص
أبو حنيفة وأحمد بمسجد تقام فيه الصلوات الخمس لئلا يكون الاعتكاف سبباً لترك
الجماعة، ولا يكون باعثاً على الخروج في خمس أوقات مع إمكان الاحتراز عنه،
وفي شرح ابن الهمام(٢): أنه قال بعضهم: إن المراد غير مسجد الجامع؛ فإنه يجوز
فيه، وإن لم تقم فيه الصلوات الخمس، وفي رواية عن أبي يوسف: أن الاعتكاف
الواجب لا يجوز في غير مسجد الجماعة، ويجوز النفل، ومالك رحمه الله شرط
مسجد الجامع، وهو قول للشافعي، وقال في (الحاوي)(٣): الجامع أولى، وعند جمهور
الشافعية جاز في کل مسجد.
(١) انظر: ((أوجز المسالك إلى موطأ مالك)) (٥ / ٤٢٣).
(٢) ((فتح القدير)) (٢ / ٣٩٤).
(٣) ((الحاوي الكبير)) (٣/ ٤٨٥).

٥١٧
(٧) كتاب الصوم
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٠٩٧ - [١] عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ
مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ:
٢٠٢٦، م: ١١٧٢].
٢٠٩٨ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ أَجْوَدَ النَّاس
بِالْخَيْرِ، ..
ثم اعلم أنه ليس لأكثر مدة الاعتكاف حد، فإن نوى الاعتكاف مدة عمره جاز،
وإنما الاختلاف في أقل مدته، فعند البعض أقله ساعة، ولهذا قالوا: ينبغي للمرء إذا
دخل المسجد أن ينوي الاعتكاف ليحرز ثوابه، وعند هذا القائل القعود أيضاً ليس
بشرط، والصحيح أن العبور غير معتبر، وعند البعض أقله يوم، وهو المختار في مذهب
الحنفية، وقيل: هذا الاختلاف فرع الاختلاف في اشتراط الصوم، والتحقيق أن مع
وجود اشتراط الصوم يحتمل الاعتكاف أن يكون في أقل من يوم، فإن الصائم إن مكث
ساعة أو ساعتين حصل الاعتكاف، وثمرة اشتراط الصوم أنه إذا نوى اعتكاف الليلة
لم يجز عند من يشرط الصوم؛ فإنه ليس محلاً للصوم، وسيأتي الكلام فيه في ضمن
شرح الأحاديث .
الفصل الأول
٢٠٩٧ - [١] (عائشة) قوله: (حتى توفاه الله) هذا دليل لمن قال: إنه سنة مؤكدة
كما قلنا .
٢٠٩٨ - [٢] (ابن عباس) قوله: (كان رسول الله وَ لفي أجود الناس) الحديث،
كان هو ◌َّ المظهر الأتم الأكمل لجود الله سبحانه وكرمه، فكان أجود الناس وأكرمهم

٥١٨
(٩) باب الاعتكاف
وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، كَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ،
يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ وَهِ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ
الْمُرْسَلَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٠٢، م: ٢٣٠٨].
٢٠٩٩ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ يُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َهِ الْقُرْآنُ
كُلَّ عَامٍ مَرَّةً،
دائماً، ولما كان هذا الشهر العظيم موسم الخيرات ومنبع البركات، وكان نعم الله سبحانه
وفيوضه فيه أجلّ وأعظم، كان يفعل العبادات والقربات فيه أكثر وأوفر شكراً لنعم الله،
وأيضا لما كان جوده سبحانه على عباده فيه مضاعفاً كان جوده وَله على أمته أيضاً
متكاثراً؛ لأنه تعالى جعله مظهراً لأنوار صفاته، ومحلاً لآثار كمالاته، فجبله على
مجابه، وجعلها عادة له، فافهم.
وقوله: (وكان أجود ما يكون في رمضان) (ما) مصدرية، والوقت مقدر، أي:
كان أجود أوقات كونه حال كونه في رمضان، وفي الحديث إشارة إلى أن الإنسان ينبغي
أن يكون في موسم الخيرات وأفاضل الأوقات، وفي حضرة الصلحاء وصحبتهم أشد
في اكتساب الخيرات والميراث.
وقوله: (من الريح المرسلة)(١) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَحَ
بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] فإن الرياح تبعث السحاب، وتنزل الأمطار،
وبها تنشأ الأرزاق والبركات والروح والريحان.
٢٠٩٩ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (كان يعرض) بلفظ المجهول، أي: يعرض جبرئيل
(١) في ((التقرير)): مناسبة الحديث بالترجمة إما لأن الأجودية تكون بالاعتكاف أكثر الأكثر، أو
الغرض إتيان أفضل الملائكة إلى أفضل البشر بأفضل الكلام في أفضل الأوقات ينبغي أن يكون
في أفضل البقاع.

٥١٩
(٧) كتاب الصوم
فَعُرِضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْراً،
فَاعْتَكَفَ عَشْرَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٩٩٨].
٢١٠٠ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ إِذَاَ اعْتَكَفَ أَدْنَى
إِلَيَّ رَأَسَهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ،
على النبي ◌ّ القرآن، ولا منافاة بين عرض النبي ◌َّ القرآن على جبرئيل وبين عرض
جبرئيل عليه؛ لأنه كان يعرض جبرئيل ثم يعرض هو على جبرئيل كما في السماع عن
الشيخ ثم القراءة عليه، وفيه أحكام القراءة وإتقانها، وقد ورد أنهما كانا يقرأان بطريق
المدارسة، فيصح العرض من الجانبين(١)، فلا حاجة إلى القول بالقلب كما قال
الطيبي(٢).
وقوله: (فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض) ومنه علم النبي تَّ أنه عام
وفاته، فأخبر به بنته فاطمة الزهراء فبكت، ثم أخبر بأنها أول من يلحق به فضحكت،
كما جاء في الحديث.
وقوله: (عشرين) بفتح العين والراء تثنية (عشر)، أو بكسرهما: العقد الذي بعد
العشر.
٢١٠٠ - [٤] (عائشة) قوله: (أدنى إليّ رأسه) فيه أنه لا بأس بإخراج المعتكف
رأسه من المسجد، وقد سبق في (باب الحيض) أنها ◌َّ كانت حائضة فيقول وَّ لها:
(إن حيضتك ليست في يدك).
(١) في ((التقرير)): هل يعرض سائر القرآن أو المنزل فقط؟ الظاهر الثاني وبه أفاد الشيخ، وصرح
صاحب ((المظاهر)) بالأول.
(٢) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٢٠٩).

٥٢٠
(٩) باب الاعتكاف
وَكَانَ لاَ يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٢٩، م: ٢٩٧].
٢١٠١ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ
فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: ((فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ)).
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٣٢، م: ١٦٥٦].
وقوله: (إلا لحاجة الإنسان) من بول أو غائط وكذا غسل الجنابة لوجوب
خروجه من المسجد إذ ذاك، وكذا لصلاة الجمعة، وأما غسل الجمعة فلا ندري أنه
من الحاجة أم لا، ولا نجد فيه رواية صريحة سوى ما ذكر في (شرح الأوراد): أنه
يخرج للغسل فرضاً كان أو نفلاً.
٢١٠١ - [٥] (ابن عمر) قوله: (فأوف بنذرك) استدل به الشافعي وأحمد في
رواية، وعلى قولهما أن الصوم ليس بشرط في الاعتكاف إلا بالتزامه بالنذر؛ لأنه لو
كان الصوم شرطاً لما أمر بوفاء هذا النذر، والجواب عن هذا الاستدلال أنه قد جاء
في رواية صحيحة (١) أنه قال عمر: أن أعتكف يوماً، والجمع بين الروايتين: المراد
الليلة مع يومها أو يوم مع ليلة، واستدل أيضاً بحديث رواه الدار قطني والحاكم
والبيهقي(٢) عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَّيقول: (ليس على المعتكف صيام إلا أن
يلتزم على نفسه)، وقال بعض الحفاظ: إن في إسناد هذا الحديث عبدالله بن محمد
الرملي وهو مجهول، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس ومذهبه، ومع ذلك لا يخلو
عن معارض؛ لأن البيهقي(٣) روى عن ابن عمر وابن عباس : (أن المعتكف يصوم)،
(١) أخرجه مسلم (١٦٥٦).
(٢) ((سنن الدارقطني)) (٢ / ١٩٩)، و((المستدرك)) (١٦٠٣)، و((السنن الكبرى)) (٨٨٤٩).
(٣) ((السنن الكبرى)) (٨٨٤٧).