النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ (٧) كتاب الصوم إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ فَهُوَ لِلَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ(١). وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: قَالَ: أَهَلَلْنَا رَمَضَانَ وَنَحْنُ بِذَاتِ عِرْقٍ، فَأَرْسَلْنَا رَجُلاً إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللهَِله: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَمَذَّهُ لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٨٨]. وقوله: (مدّه للرؤية) أي: جعل مدة رمضان زمان رؤية الهلال، وقيل: أطال مدته إلى الرؤية، كذا فسره الطيبي(٢). وقوله: (وفي رواية عنه) أي: عن أبي البختري. وقوله: (أهللنا رمضان) أي: أبصرنا هلاله، أهلّ واستهلّ إذا أبصر الهلال، ويجيء بمعنی رفع صوته بالتكبير عند رؤية الهلال، و(ذات عرق) بكسر عين وسكون راء اسم ميقات أهل العراق سمي به لأن فيه عرقاً، وهو الجبل الصغير، وقيل: العرق [أرض] سبخة تُنبت الطرفاء(٣). وقوله: (قد أمدّه) أي: أطال مدته إلى زمان رؤيته، وقيل: هو بتشديد الميم من الأمد. (١) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ بِإِضَافَةِ (لَيْلَةِ) إِلَى الْجُمْلَةِ، وَفِي النُّسَخِ الْمُصَخَّحَةِ بِالتَّنْوِينِ، وَيَدُلُّ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: ((أَيُّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ)) غَايَتُهُ أَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا فِيهِمَا. ((مرقاة المفاتيح)» (١٣٧٩/٤). (٢) ((شرح الطيبي)) (٤ / ١٤٩). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٣٧). ٤٢٢ (٢) باب ٢ - باب * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٩٨٢ - [١] عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((تَسَخَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّخُورِ بَرَكَةً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٢٣، م: ١٠٩٥]. ١٩٨٣ - [٢] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامٍ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٩٦]. ٢ - باب في متممات ولواحق لما سبق. الفصل الأول ١٩٨٢ - [١] (أنس) قوله: (فإن في السحور بركة) السحور هو بالضم مصدر، وبالفتح اسم ما يتسحر من الطعام، والمحفوظ عند المحدثين بالفتح، والأظهر هو الضم؛ لأن البركة إنما هو في الفعل بموافقة السنة، وكذا في حديث أنس(١): (أن نبي الله ◌َّ [وزيد بن ثابت] تسحرا فلما فرغا من سحورهما)، وفي حديث سمرة بن جندب عن النبي ◌َّ(٢): (لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال)، وأما في حديث العرباض ابن سارية الآتي في الفصل الثالث فتعين الفتح، وكذا في حديث أبي هريرة. ١٩٨٣ - [٢] (عمرو بن العاص) قوله: (فصل) بالصاد المهملة و(الأكلة) بفتح الهمزة للمرة، وهي الرواية، وبالضم بمعنى اللقمة، وتوافق رواية السحور بالفتح، (١) ((صحيح البخاري)) (٥٧٦). (٢) ((سنن أبي داود)) (٢٣٤٦)، و ((سنن الترمذي)) (٧٠٦). ٤٢٣ (٧) كتاب الصوم ١٩٨٤ - [٣] وَعَنْ سَهْلِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرِ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٥٧، م: ١٠٥٨]. لكن الرواية ههنا بالفتح(١). ١٩٨٤ - [٣] (سهل) قوله: (ما عجّلوا الفطر) مخالفة لأهل الكتاب، فإنهم يؤخرونه إلى اشتباك النجوم، وقال التُّورِبِشْتِي(٢): وقد صار ذلك في ملتنا شعاراً لبعض أهل البدعة وسمة لهم، ويعتقدون وجوب ذلك، ولو أن بعض الناس صنع هذا الصنع وقصده في ذلك تأديب النفس، ودفع جماحها، أو مواصلة العشاءين بالنوافل غير معتقد لوجوبه لم يضره (٣)، ويصحح هذا التأويل الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد عن النبي ◌َيُ(٤): (لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر)، وتأخير الإفطار نظراً إلى سياسة النفس وقمع الشهوة أمر قد صنعه كثير من الربانيين وأصحاب النظر في الأحوال والمعاملات، أعاد الله علينا من بركاتهم، انتهى كلامه، وأقول: نعم (١) قَالَ النُّورِبِشْتِيُّ (٢ / ٤٦٣): وَالْمَعْنَى أَنَّ السَّحُورَ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَّامٍ أَهْلِ الْكِتَابِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَلَى أَبَاحَهُ لَنَا إِلَى الصُّبْحِ بَعْدَ مَا كَانَ حَرَاماً عَلَيْنَا أَيْضاً فِي بَدْءِ الإِسْلاَمِ، وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ يَنَامُوا أَوْ مُطْلَقاً، وَمُخَالَفَتِنَا إِيَّاهُمْ تَقَعُ مَوْقِعَ الشُّكْرِ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ، انتهى. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٣٨١) . (٢) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٤٦٣). · (٣) قال القاري: بَلْ يَضُرُّهُ حَيْثُ يَقُوتُهُ السُّنَّةَ، وَتَعْجِيلُ الإِنْطَارِ بِشَرْبَةِ مَاءٍ لاَ يُنَفِي التَّأْدِيبَ وَالْمُوَاصَلَةَ، وقال: ثُمَّ رَأَيْتُ الْتُّورِبِشْتِيَّ قَالَ: وَهَذِهِ الْخَصْلَةُ الَّتِي لَمْ يَرْضَهَا رَسُولُ اللهِوَّةِ، وَأَقُولُ: يُشَابِهُ هَذَا الَّأْخِيرُ تَقَدُّمَ صَوْمٍ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ عَلَى صَوْمٍ رَمَضَانَ، وَفِيهِ أَنَّ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ هِيَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ، مَنْ تَعَزَّجَ عَنْهَا فَقَدِ ارْتَكَبَ الْمُعْوَجَّ مِنَ الصَّلاَلِ وَلَوْ فِي الْعِبَادَةِ، اهـ. وَيُؤَيِّلُهُ مَا صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا أَعْجَلَ النَّاسِ إِفْطَاراً وَأَبْطَأَهُمْ سَحُوراً، انتهى. ((مرقاة المفاتيح)) (٤/ ١٣٨١). (٤) أخرجه البخاري (١٩٩٣)، وأبو داود (٢٣٦٣). ٤٢٤ (٢) باب ١٩٨٥ - [٤] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٥٤، م: ١١٠٠]. ١٩٨٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِنَّهُ عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟. التعجيل مستحب، ولكن لابد من تحقيق الوقت وتيقنه والاحتياط لا الاستعجال بحيث تردد الباطن في ذلك كما يفعله بعض أرباب التكلف في إظهار رعاية السنة. ١٩٨٥ - [٤] (عمر) قوله: (إذا أقبل الليل) أي: ظلمته (من ههنا) أي: المشرق (وأدبر النهار) أي: ضوؤه (من ههنا) أي المغرب (فقد أفطر الصائم) أي: دخل في وقت الإفطار كأمسى وأصبح وأظهر إذا دخل في هذه الأوقات، أو صار مفطراً حكماً وإن لم يفطر حسًّا. وقوله: (وغربت الشمس) تأكيد لدخول الليل وتقرير له، أي: غربت بتمامها (١). ١٩٨٦ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (نهى رسول الله ولي عن الوصال في الصوم) وهو عبارة عن صوم يومين فصاعداً من غير أكل وشرب بينهما(٢). (١) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ فَلْيُفْطِرِ الصَّائِمُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَيْرِيَّةَ مَنُوطَةٌ بِتَعْجِيلِ الإِفْطَارِ فَكَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ وَحَصَلَ وَهُوَ يُخْبِرُ عَنْهُ. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٣٨٢). (٢) قال الطحاوي: هو أن يصوم ولا يفطر بعد الغروب أصلاً حتى يتصل صوم الغد بالأمس، والفرق بین صیام الوصال وصیام الدهر، أن من صام یومین أو أکثر ولم یفطر لیلتهما فهو مواصل، وليس هذا صوم الدهر، ومن صام عمره وأفطر جميع لياليه هو صائم الدهر، وليس بمواصل، فهما حقيقتان مختلفان متغايرتان. ((مرعاة المفاتيح)) (٦ / ٤٥٧). ٤٢٥ (٧) كتاب الصوم إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ)). مُتَّفَقٌ عَليْهِ. [خ: ١٩٦٥، م: ١١٠٣]. وقوله: (إني أبيت) وفي رواية أنس ظه(١): (إني أظل). وقوله: (يطعمني ربي ويسقيني) اختلف في معناه فقيل: هو على حقيقته، وأنه چ كان يؤتى بطعام وشراب من عند ربه كرامة له، وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلاً، ورواية (أظل) يدل على وقوع ذلك بالنهار، فلم يكن صوماً، وأجيب بأن ما يؤتى به من طعام الجنة وشرابها كرامة لا يجري عليه أحكام التكليف كغسل صدره الشريف في طست الذهب مع أن استعمال أواني الذهب الدنيوية محرم. وقال ابن المنير: الذي يفطر شرعاً إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فلا، وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب كأكل أهل الجنة في الجنة، وأما رواية (أظل) فهي محمولة على مطلق الكون كما يقال: أضحى زيد قائماً بمعنى صار، ولا يراد تخصيص ذلك بوقت الضحى، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَإِذَابُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِلْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا﴾ [النحل: ٥٨] فإن المراد به مطلق الوقت، ولا اختصاص لذلك بنهار أو بليل، وعلى تقدير التسليم تفطيره بذلك وإن كان نهاراً ممنوع، على أن الرواية المشهورة هو (أبيت) الدال على وقوعه ليلاً دون أظل، وعلى تقدير ثبوته محمول على مطلق الكون . وقال الأكثرون: هو مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة، وهذا الوجه يرجع إلى معنيين، إما أنه يعطى القوة من غير وجود شبع وريّ بل مع الجوع والعطش، أو يخلق الشبع والري أيضاً بدون الطعام والشراب، ويرجح المعنى الأول بأن الثاني ينافي حال الصائم، ويفوت المقصود من الصوم والوصال؛ لأن الجوع والعطش هو روح هذه العبادة والمقصود منها، وأيضاً كانت حالته الشريفة في الأكثر الجوع حتى (١) أخرجه البخاري (٧٢٤١)، وصحيح مسلم (١١٠٤). ٤٢٦ (٢) باب يربط على بطنه الحجر، والمختار أن المراد بالطعام والشراب الغذاء الروحاني الحاصل مما يفيض عليه ربه من المعارف ولذة مناجاته ونعيمه بحبه والشوق إليه وما تتبعه من الأنوار والأسرار والأحوال التي هي غذاء القلوب ونعيم الأرواح وقرة العين وبهجة النفوس، وقد يغني هذا الغذاء عن غذاء الأجسام لما يحصل من القوة والقدرة والمسرة كما يشاهد ذلك في المحبة المجازية والمسرة الصورية، فكيف في المحبة الحقيقية المعنوية، وكيف بسيد المحبين وأفضلهم مع أعظم المحبوبين وأجملهم، ولا محبية ولا محبوبية أعلى وأرفع من ذلك، وفي مثل ذلك أنشد بعضهم: عن الشراب وتلهيها عن الزّاد لها أحاديث من ذكراك تشغلها ومن حديثك في أعقابها حاد لها بوجهك نور تستضيء به روحُ القلوب(١) فتحيا عند ميعاد إذا اشتكت من كلال السير أَوْعَدَهَا ثم اختلفوا في أنه هل يجوز صوم الوصال لنا أم هو مكروه أو محرم؟ والأكثر على أنه لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة ومالك ــ رحمهما الله -، ونص الشافعي وأصحابه على كراهته، إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه، والأول أصح، وقال محمد في (الموطأ)(٢): الوصال مكروه، وهو قول أبي حنيفة، انتهى. وذهب طائفة إلى أنه جائز لمن قدر عليه، وقد يروى عن عبدالله بن الزبير وغيره من السلف: وكان ابن الزبير ﴾ يواصل الأيام، وروى ابن أبي شيبة(٣) بإسناد صحيح (١) هكذا في الأصل، والظاهر: ((روح القدوم)) كما في ((جامع العلوم والحكم)) (٢/ ٥٠٠)، أو (روح اللقاء)) كما في ((موارد الظمآن لدروس الزمان)) (٢ / ٢٦٨). (٢) ((التعليق الممجد)) (٢ /١٩٠). (٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٩٥٩٩). ٤٢٧ (٧) كتاب الصوم أنه كان يواصل خمسة عشر يوماً، وذكر معه بعض الصحابة، ومن التابعين عبد الرحمن ابن أبي يعمر وعامر بن عبدالله بن الزبير، وإبراهيم التيمي، وأبو الجوزاء، كما نقله أبو نعيم في (الحلية)(١)، كذا ذكر في (المواهب اللدنية)(٢)، ومن حجتهم ما روي أنه وَليه واصل بأصحابه بعد النهي وأقرهم على ذلك، فعلم أنه أراد بالنهي الرحمة لهم والتخفيف عنهم لا التحریم کذا قيل. لكن روي عن أبي هريرة أنه(٣) قال: نهى رسول الله وَّ ل عن الوصال في الصوم، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم رأوا الهلال، فقال: (لو تأخر لزدتكم)، كالتنكيل لهم، يدل على أن مقصوده وَّله من تركهم على المواصلة يوماً أو يومين تأكيد زجرهم وبيان المصلحة في نهيهم وإظهار المفسدة عن الوصال، وهي الملل من العبادة والتعرض للتقصير في بعض وظائف الدين من القوة في الصلاة وإتمام أركانها وأدائها، والخشوع فيها لحصول الضعف والتواني، وتعلق الباطن بالطعام والشراب، ويحتج أيضاً بإقدام الصحابة عليه بعد النهي، فدل على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم، وهو لا ينافي الجواز، ويفهم من هذا أن القول بالجواز ليس مطلقاً، بل مع الكراهة ولو تنزيهاً، كذا قيل، لكن يفهم من كلام بعضهم أنهم واصلوا بعدما رأوه بيّه يواصل، وقالوا: إنك تواصل فنهاهم عن ذلك، فكان وصالهم قبل النهي، والله أعلم. واختار أحمد وابن وهب وإسحاق جواز الوصال إلى السحر لحديث أبي سعيد عند البخاري (٤) أن رسول الله وَ ل ﴿ قال: (لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل (١) ((حلية الأولياء)) (٥ / ٧٠ -٧١). (٢) ((المواهب اللدنية)) (٤ / ٣٥٠). (٣) أخرجه البخاري (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣). (٤) ((صحيح البخاري (١٩٦٣). ٤٢٨ (٢) باب ٥ / ٥,وُ * الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٩٨٧ - [٦] عَنِ حَفْصَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمَيُّ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَفَهُ عَلَى حَفْصَةَ مَعْمَرٌ وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيّ. [ت: ٧٣٠، د: ٢٤٥٤، ن: ٢٣٣٣، دي: ٥ وَيُونُسُ الأَيْلِيُّ كَلَهُـ ٢ / ٧٠٦]. إلى السحر) وهذا في الحقيقة تأخير في الإفطار، وليس من الوصال في شيء، وذلك أخف في قيام الليل، وذلك أيضاً ما لم يشق على الصائم، هذا والظاهر من الحديث أن الوصال من خصائص رسول الله وَّر، ولهذا ذهب الجمهور من الأئمة أن النهي للتحريم لعموم النهي في قوله بطالة: (لا تواصلوا)، وتعليله بما يختص بنفسه الكريمة بقوله: (لست كهيئتكم)، و(أيكم مثلي) كما جاء في الروايات الأخر، والرحمة والشفقة لا يمنع كون النهي للتحريم، غايته أن التحريم كان بسبب الشفقة، وكم من حكم إيجابي من أمر ونهي سببه الشفقة والرحمة، وروى الطبراني في (الأوسط)(١) من حديث أبي ذر: أن جبريل عَلَا قال للنبي ◌َّهُ: (إن الله قد قبل وصالك، ولا يحل لأحد بعدك)، وقد تكلم في إسناده، كذا في (المواهب)(٢)، والله أعلم. الفصل الثاني ١٩٨٧ - [٦] (حفصة) قوله: (من لم يجمع) من الإجماع بمعنى العزم وإحكام النية، يقال: أجمع على الأمر: عزم كما في قوله تعالى: ﴿فَأَ خِعُواْأَمْرَّكُمْ وَشُرَّكَكُمْ﴾ (١) ((المعجم الأوسط)) (٣١٣٨). (٢) ((المواهب اللدنية)) (٤/ ٣٥١). ٤٢٩ (٧) كتاب الصوم [يونس: ٧١] أي: من لم ينو الصوم من الليل فلا صيام له، وفي رواية: (من لم يبيّت الصيام)، وهذا حديث صحيح رواه الخمسة(١)، ورواه الدارقطني(٢) وقال: رجال إسناده كلهم ثقات، وظاهره أنه لا يصح الصوم بلا نية من الليل فرضاً كان كصوم رمضان والكفارة والقضاء والنذر أو نفلاً، وهو مذهب مالك رحمه الله، فيشترط التبييت في كل صوم نظراً إلى عموم الحديث، وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله - في غير النفل، ثم عند أحمد في بعض الروايات تبطل النية إن عمل بعدها في الليل ما ينافي الصوم من الوطء والأكل والشرب، والصحيح عند أصحابه أنها لا تبطل. وأما النفل فيجوز عندهما بنية في نصف النهار الشرعي، وهو قبل الزوال، بل يجوز عند الشافعي بعده لكونه مبنياً على النشاط كجواز صلاة النفل قاعداً مع القدرة على القيام، ولعله ينشط بعد الزوال إلا أن من شرطه الإمساك في أول النهار، ويصير صائماً من حين نوى، ويتجزى الصوم عند الشافعي، كذا عند أحمد في المختار من مذهبه، فهما خصصا النفل من هذا الحديث؛ لأن مبناه على التخفيف، وتمسكا في ذلك بحديث عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله وسلم ذات يوم فقال: (هل عندكم شيء؟) قلنا: لا، فقال: (إني صائم)، وجاء في بعض الروايات قالت: كان النبي وَل يأتيني [فيقول: ] (أعندك غداء؟) فأقول: لا، فيقول: (إني صائم)، وأوله المالكية بأنه إخبار منه ◌َّر بصومه السابق على السؤال الذي نواه من الليل، وهو خلاف الظاهر جداً من كلمة الفاء في قوله: (فإني صائم)، ويبطله ما جاء في رواية أخرى صحيحة عند مسلم: (إني إذن صائم) وإذن للاستقبال، والمذهب عندنا أنه يجوز صوم رمضان (١) (سنن الترمذي)) (٧٣٠)، و((سنن أبي داود)) (٢٤٥٤)، و((سنن النسائي)) (٢٣٣١). (٢) ((سنن الدارقطني)) (٢٢٣٦). ٤٣٠ (٢) باب والنفل والنذر المعين بنية من نصف النهار الشرعي، وشرط للقضاء والكفارة والنذر المطلق أن يبيت النية؛ لأنها غير متعينة، فلابد من التعيين من الابتداء. والدليل لنا في الفرض قوله و 8* وقد روي في السنن الأربعة (١) بعدما شهد عنده الأعرابي برؤية الهلال: (ألا من أكل فلا يأكل بقية يومه، ومن لم يأكل فليصم)، وما روي عن حفصة ﴾ مع أنه قد اختلف في وقفه ورفعه، وبعض طرقه لا يخلو عن ضعف كما قال الشيخ ابن الهمام(٢) محمولٌ على نفي الفضيلة والكمال، أو معناه لم ينو أنه صوم من الليل، وحديث حفصة عام خص منه النفل، فيخص هذا أيضاً بالقياس، وهو أن هذا يوم صوم، فيتوقف الإمساك في أول النهار على أن يصير قربة بالنية المتأخرة المقترنة بأكثره كالنفل، وبالكثير يترجح جانب الوجود على جانب العدم فيجعل كاقتران النية بجميعه، ثم اقتران النية بحالة الشروع ليس بشرط في باب الصوم بدليل جواز التقديم، فتصير حالة الشروع في الصوم كحالة البقاء، وإذا جاز بنية متقدمة دفعاً للحرج جاز بنية متأخرة عن حالة الشروع بطريق الأولى، كذا في (الهداية)(٣) وشروحه، وقال الشيخ ابن الهمام(٤): رواية حديث الأعرابي على ما في (الهداية) مستغرب جداً، والمعروف فيه أنه وسير أمر أن ينادي في الناس يصومون غداً، وظاهره أن شهادة الأعرابي كان في الليل، والله أعلم. (١) ((سنن أبي داود)) (٢٣٤٠)، و((سنن الترمذي)) (٦٩١)، و((سنن النسائي)) (٢١١٢)، و((سنن ابن ماجه)» (١٦٥٢). (٢) ((فتح القدير)) (٢ / ٣٠٦). (٣) انظر: ((الهداية)) (١ / ١١٧). (٤) (فتح القدير)) (٢ / ٣٠٤). ٤٣١ (٧) كتاب الصوم ١٩٨٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِنَاءُ فِي يَدِهِ فَلاَ يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٣٥٠]. وقد يستدل بما في (الصحيحين)(١) من حديث سلمة بن الأكوع في صوم عاشوراء: أن رسول الله ◌َ﴿ أمر رجلاً من أسلم أن أذن في الناس: (من أكل فليمسك بقية يومه، ومن لم یکن أكل فليصم فإن الیوم یوم عاشوراء)، وقال الطحاوي: فيه دليل على أن من يعين صوم يوم ولم ينوه ليلاً يجزيه النية نهاراً، كذا قال الشُّمُنِّي، وتعقب بأن وجوب عاشوراء كان في ذلك النهار، فلذلك أجزأت النية، ولم يكن فرضاً قبل ذلك كما في رمضان، فتدبر. وسيأتي بقية الكلام فيه في باب قبل (باب ليلة القدر). ١٩٨٨ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (إذا سمع النداء أحدكم) يحتمل أن يراد بالنداء نداء المغرب، فيكون تأكيداً لتعجيل الإفطار، وإن كان ترك الأكل والشرب عند الأذان مسنوناً، أو نداء الصبح، فقيل: المراد نداء بلال فإنه كان ينادي بالليل كما سبق في (باب الأذان)، وقيل: المراد يسمع النداء وهو شاك في طلوع الصبح للتغيم، فلا يقع العلم له بأذانه أن الفجر قد طلع، فينبغي أن يتحرى، وإذا لم يقع تحريه على أحد الجانبين فلا ينبغي أن يشرب، وقيد كون الإناء في يده اتفاقي (٢). (١) ((صحيح البخاري)) (٢٠٠٧)، و((صحيح مسلم)) (١١٣٥). (٢) وفي ((البذل)) (٨ / ٤٩٠): وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - رحمه الله تعالى -: قوله: ((إذا سمع أحدكم النداء ... إلخ)) إن كان المراد بالنداء نداء المغرب فالمعنى ظاهر، وهو أنه لا ينبغي له أن ينتظر بعد الغروب شيئاً من تمام النداء أو غيره، بل يجب له المسارعة في الإفطار، وإن أريد به نداء صلاة الفجر فالمعنى أن النداء لا يعتدُّ به، وإنما المناط هو الفجر، فلو أذَّن المؤذن والصائم یعلم أن الفجر لم ینبلج بعدُ، فليس له أن يضعه من یده = ٤٣٢ (٢) باب ١٩٨٩ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْراً). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٧٠٠]. ١٩٩٠ - [٩] وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فَإِنَّهُ بَرَكَّةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْتُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ فَإِنََّ طَهُورٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. وَلَمْ يَذْكُرْ: ((فَإِنَّهُ ٩ بَرَكَةٌ)) غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ فِي رِوَايَةٍ أَخْرَى(١). [حم: ٤/ ١٧، ت: ٦٥٨، د: ٢٣٥٥، جه: ١٦٩٩، دي: ٢ / ٧]. ١٩٨٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (أحب عبادي إلي أعجلهم فطراً) لأن متابعة النبي ◌ّله سبب لمحبة الله تعالى، وقيل: المراد بهم المسلمون؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون الفطر، والأول أظهر. ١٩٩٠ - [٩] (سلمان بن عامر) قوله: (فليفطر على تمر) وقد ذكر بعض العلماء في ذلك حكمة بالغة وهي أن المعدة حين خلوها وسبق الطلب والاشتهاء يقبل الطعام = حتى يقضي حاجته، هذا وقد ذهب به وبما يشير إليه قوله تعالى: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى أن المراد هو التبين دون نفس انبلاج الفجر، وهو أولى بحال العوام نظراً إلى تيسير الشرع، فإن أكثر الخواص أيضاً عاجزون عن درك حقيقته فكيف لغير الخواص؟ فإناطة الأمر بنفس الانبلاج لا يخلو من إحراج وتكليف، فلا تتعلق هي بالفجر ولا بالمغرب، بل هي واردة على أمر الصلاة، كورود قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا حضر العَشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعَشاء)»، فإنهما سيقا على نمط واحد، والمرعي فيهما قطع بال المصلي عن الاشتغال بغير أمر الصلاة، فكما أنها واردة بقضاء حاجته فكذلك هي واردة بقضاء حاجته من الشراب، فلا يلزم ما لزم، والله تعالى أعلم. انتهى. (١) قال القاري: ((فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى)) أَيْ لَهُمْ أَوْلَهُ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ. ((مرقاة المفاتيح)» (٤ / ١٣٨٥). ٤٣٣ (٧) كتاب الصوم ١٩٩١ - [١٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٦٩٦، د: ٢٣٥٦]. ١٩٩٢ - [١١] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((من فَطَّرَ .. بإقبال تام، وإذا كان أول ما يصل إليه من الطعام حلواً انتفع البدن به غاية الانتفاع، لا سيما القوة الباصرة؛ فإن انتفاعها من الحلاوة أكثر وأقوى من سائر القوى، ولما كان حلاوة الحجاز التمر، وقد جبلت طباعهم وربيت به، كان انتفاعهم به أكثر من الانتفاع بغيرها من الحلاوات، وأما الماء فإن الكبد يحصل لها من الصوم نوع ييس، فإذا رطب بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده، ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ بشرب قليل من الماء، ثم يأكل بعده، قاله ابن القيم، كذا في (المواهب)(١). ١٩٩١ - [١٠] (أنس) قوله: (فتميرات) بلفظ التصغير مجرور ومرفوع، وقد وقع في بعض الروايات: (ثلاث رطبات) و(ثلاث تميرات). وقوله: (حسا) أي: شرب قليلاً، وفي (القاموس)(٢): حسا الطائرُ الماءَ حسْواً، ولا تقُل: شرِبَ، وزيدُ الماءَ: شرِبِهُ شيئاً بعد شيءٍ كتحسّاهُ واحتسَاءُ(٣). ١٩٩٢ - [١١] (زيد بن خالد) قوله: (من فطر) بالتشديد، والتفطير جعل أحد (١) ((المواهب اللدنية)) (٤/ ٣٤٢). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٧١). (٣) قال القاري: وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: السُّنَّةُ بِمَكَّةَ تَقْدِيمُ مَاءِ زَمْزَمَ عَلَى الَّمْرِ أَوْ خَلْطُهُ بِهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ خِلاَفُ الإِتْبَاعِ، وَبِأَنَّهُن ◌َّهِ صَامَ عَامَ الْفَتْحِ أَّماً كَثِيرَةً بِمَّةَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ خَالَفَ عَادَتَهُ الَّتِي هِيَ تَقْدِيمُ النَّمْرِ عَلَى الْمَاءِ، وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ، انتهى. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٣٨٦). ٤٣٤ (٢) باب صَائِماً أَوْ جَهَّزَ غَازِباً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ». رَوَاهُ الْبَنْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))، وَمُحْيِي السُّنَّةِ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) وَقَالَ: صَحِيحٌ(١). [شعب: ٣٩٥٣، شرح السنة: ١ / ٤٤٩]. ١٩٩٣ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: ((ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللهُ(٢)). وقوله: (جهز غازياً) وزاد ابن خزيمة والنسائي: (أو جهز حاجاً أو خلفه في أهله)(٣). ١٩٩٣ - [١٢] (ابن عمر) وقوله: (ذهب الظمأ) هو مهموز مقصور وممدود، مفطراً، أي: أطعمَ. (١) قَالَ الْجَزَرِيُّ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِهِ جُمْلَةً، وَالتِّرْ مِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُقَطَّعاً، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِي كُلِّ مِنْهُمَا حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ مِيرَكُ: وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ حَدِيثِ زَئِدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ عَنِ النَّبِّ بَ قَالَ: ((مَنْ فَطَّرَ صَائِماً كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مَنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ)) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَفْظُ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَالنَّسَائِيِّ: ((مَنْ جَهَّزَ غَازِياً أَوْ جَهَّزَ حَاجًّا أَوْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ فَطَّرَ صَائِماً كَانَ لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ)، وَكَأَنَّ الْمُصَنَّفَ لَمْ يَقِفْ عَلَى هَذَيْنِ الطّرِيقَيْنِ فَعَزَا الْحَدِيثَ إِلَى الْبَيْهَقِيِّ وَاشَرْحِ السُّنَّةِ)، وَالْعَزْوُ إِلَى أَصْحَابِ السُّنَنِ أَوْلَى وَأَصْوَبُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ أَنَّهُ إِنَّمَا نُسِبَ إِلَيْهِمَا لِأَنَّ لَفْظَهُمَا مُغَايِرٌ لِلَفْظِ الطَّرِيقَيْنِ، فَإِنَّ الأَوَّلَ مُخْتَصَرٌ وَالثَّانِي مُطَوَّلٌ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُخَالَفَةِ بَقِيَّةِ الأَلْفَاظِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٣٨٦). (٢) قوله: ((إِنْ شَاءَ الله) مُتَعَلِّقٌ بِالأَخِيرِ عَلَى سَبِيلِ الَّبُّكِ، وَيَصِحُ التَّعْلِيقُ لِعَدَمِ وُجُوبِ الأَجْرِ عَلَيْهِ - تَعَالَى -، رَدَّا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ، أَوْ لِئَلَّ يَجْزِمَ كُلُّ أَحَدٍ فَإِنَّ ثُبُوتَ أَجْرِ الأَفْرَادِ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِنْ بِمَعْنَى إِذْ فَتَتَعَلَّقُ بِجَمِيعٍ مَا سَبَقَ. انتهى. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٣٨٦). (٣) قَالَ الطِّبِيُّ (٥/ ١٥٨٨): نَظَمَ الصَّائِمَ فِي سِلْكِ الْغَازِي لِإِنْخِرَاطِهِمَا فِي مَعْنَى الْمُجَاهَدَةِ مَعَ أَعْدَاءِ اللهِ، وَقَدَّمَ الْجِهَادَ الأَكْبَرَ. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ /١٣٨٦). ٤٣٥ (٧) كتاب الصوم ١٩٩٤ - [١٣] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ صَمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ(١)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلاً. [د: ٢٣٥٨]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٩٩٥ - [١٤] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لاَ يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِراً مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ؛ لأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٣٥٣، جه: ١٦٩٨]. والقصر لغة القرآن قوله تعالى: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلَا نَصَبٌ ﴾ [التوبة: ١٢٠] وهو العطش أو شدته(٢). ١٩٩٤ - [١٣] قوله: (معاذ بن زهرة) بضم الزاي، تابعي. الفصل الثالث ١٩٩٥ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (لا يزال الدين ظاهراً) أي: غالباً، وفي تعليله بأن (اليهود والنصارى يؤخرون) إشارة إلى أن قوام الدين وغلبته في مخالفة أعدائه . (١) قال المظهر (٣/ ٢٤): يعني لم يكن صومي رياءً، بل كان خالصاً لك؛ لأنك الرازق أنت، فإذا أكلتُ رزقك ولا رازقَ غيرُك فلا ينبغي العبادةُ لغيرك. انتهى. وَقَالَ الطَّيبِيُّ (١٥٨٨/٥): قَدَّمَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فِي الْقَرِينَيْنِ عَلَى الْعَامِلِ دَلاَلَةً عَلَى الإِخْتِصَاصِ إِظْهَاراً لِلإِخْتِصَاصِ فِي الإِفْتِتَاحِ وَإِنْدَاءَ لِشُكْرِ الصَّنِعِ الْمُخْتَصِّ بِهِ فِي الإِخْتِتَامِ. انتهى. (٢) قَالَ الطَّيِيُّ (٥/ ١٥٨٨): ذِكْرُ ثُبُوتِ الأَجْرِ بَعْدَ زَوَالِ الثَّعَبِ اسْتِلْذَاذٌ أَيَّ اسْتِلْذَاذٍ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر: ٣٤]. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٣٨٦). ٤٣٦ (٢) باب ١٩٩٦ - [١٥] وَعَنْ أَبِى عَطِيَّةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! رَجُلاَنِ مِنْ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ تٍَّ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلاَةَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ. قَالَتْ: أَيُّهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلاَةَ؟ قُلْنَا: عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ. قَالَتْ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِوَّهِ، وَالآخَرُ أَبُو مُوسَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٩٩]. ١٩٩٧ - [١٦] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ وَّل إِلَى السَّحُورِ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: ((هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٣٤٤، ن: ٢١٦٣]. ١٩٩٦ - [١٥] (أبو عطية) قوله: (قالت: هكذا صنع رسول الله وَّ) فابن مسعود عمل بالعزيمة، وأبو موسى بالرخصة(١)، أو كان ظه رأى الاحتياط في التيقن بالوقت، أو منعه من التعجيل شيء، والله أعلم. ١٩٩٧ - [١٦] (العرباض بن سارية) قوله: (هلم) أي: تعال، قد سبق تحقيقه في أوائل الكتاب، و(الغداء) بفتح المعجمة والدال المهملة طعام الغُدْوة، ولما كان السحر قريباً من الغدوة سمي طعامه الغداء، وفيه إشارة ما إلى تأخير التسحر، وهو المسنون كتعجيل الإفطار، وفي بعض النسخ: (الغذاء) بكسر المعجمة وبالذال المعجمة بمعنى ما به نماء الجسم وقوامه، أي: الطعام. (١) قال القاري: وَهَذَا إنما يَصِحُّ لَوْ كَانَ الإِخْتِلاَفُ فِي الْفِعْلِ فَقَطْ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْخِلاَفُ قَوْلِيًّا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودِ اخْتَارَ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّعْجِيلِ وَأَبَا مُوسَى اخْتَارَ عَدَمَ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ، وَإِلاَّ فَالرُّخْصَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ الْكُلِّ، وَالأَحْسَنُ أَنْ يُحْمَلَ عَمَلُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى السُّنَّةِ وَعَمَلُ أَبِي مُوسَى عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، كَمَا سَبَقَ مِنْ عَمَلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٣٨٧). ٤٣٧ (٧) كتاب الصوم ١٩٩٨ - [١٧] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((نِعْمَ سَخُورُ الْمُؤْمِنِ الثَّمْرُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٣٤٥]. ٣- باب تشري الصوم * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٩٩٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَه ١٩٩٨ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (نعم سحور المؤمن) بفتح السين فحسب، والتمر بركة، وتناوله في وقت السحر بركة على بركة، ونور على نور، ولما كان الإفطار والتسحر به كان الابتداء والانتهاء بركة. ٣ - باب تنزيه الصوم أي: تبعيده عما يفسده أو يكره فيه (١)، والنزه: البعد، نزه نزاهة وتنزه تنزهاً إذا بعد، وكل مشتقاته وتصاريفه لا يخلو عن معنى البعد، وتنزيه الله تبعيده عما لا يجوز عليه من النقائص، ومنه حديث(٢): (الإيمان نزه)، أي: بعيد عن المعاصي، وحديث(٣): (الجابية نزهة)، أي: بعيدة من الوباء، وهي قرية بدمشق . الفصل الأول ١٩٩٩ - [١] (أبو هريرة) قوله: (قول الزور) بالضم الكذب، وهو قسم من (١) قال القاري: أَيْ في بَيَّان مَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَجِبُ تَبْعِيدُ الصَّوْمِ عَمَّا يُبْطِلُهُ من أصله، أَوْ يُبْطِلُ ثَوَابَهُ أَوْ يَنْقُصُهُ. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٣٨٨). (٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٩٨٠). (٣) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٣/ ٣٩٥). ٤٣٨ (٣) باب تنزيه الصوم (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٩٠٣]. القول، ولعل المراد به هنا ما يشتمل الفعل ليصح قوله: (والعمل به)، أو محمول على القول، والفواحش عمل بمقتضاه، كما أشار إليه الطيبي(١)، وفي بعض الحواشي أن الفواحش عمل بالزور؛ لأنها في الإثم کالزور. وقوله: (فليس لله حاجة)(٢) أي: عناية ومبالاة، وهو كناية عن عدم القبول، قال المشايخ - رحمهم الله -: الصوم ثلاثة: صوم العوام: وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، وصوم الخواص: وهو منع الحواس كلها عن شهواتها ولذاتها المحرمة والمكروهة، بل وعن الانهماك في المباح أيضاً عما ينافي كسر النفس وقمعها، وصوم خواص الخواص: وهو الإمساك عما دون الله وعدم الالتفات إلى غيره والتعلق بما سواه (٣). (١) ((شرح الطيبي)) (٤ / ١٥٧). (٢) قال البيضاوي: ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول، فقوله: ((ليس لله حاجة)) مجاز عن عدم قبول، فنفى السبب وأراد المسبب، وإلا فالله تعالى لا يحتاج إلى شيء. وقال ابن بطال: ليس معناه يؤمر بأن يدع صيامه وإنما معناه التحذير من قول الزور، وما ذکر معه، كذا في ((فتح الباري)) (٤ / ١١٧). وفي ((هامش البذل)) (٨ / ٥٠٥): قال الشعراني في «ميزانه)) (٢/ ٢٨٢): ومن ذلك إبطال الأوزاعي الصوم بالغيبة والكذب مع قول الأئمة بصحة الصوم مع النقص، انتهى. وفي ((نفع المفتي والسائل)): حكي الإجماع على عدم النقص، وقال: الروايات فيها كلها مدخولة أو مؤولة بفساد الثواب، أو بأن الصوم له ثلاث مراتب: صوم العوام والخواص والمقربين، فهذا يفسد غير الأول، وكذا جعل الصيام ثلاثة أنواع شارح ((الإحياء)). (٣) قَالَ الطَّيِيُّ (٥/ ١٥٩٠): وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ وَالزُّورَ أَصْلُ الْفَوَاحِشِ، وَمَعْدِنُ = ٤٣٩ (٧) كتاب الصوم ٢٠٠٠ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِأَرَبِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٢٧، م: ١١٠٦]. ٢٠٠٠ - [٢] (عائشة) قوله: (ويباشر) أي: يلامس، وجاء في رواية أنها قالت: (وكان ◌َّه يقبّل بعض أزواجه وهو صائم فضحكت)، وزاد في بعضها: (وظننا أنها هي). وقوله: (وكان أملككم لأربه) وفي رواية: لنفسه، والأرب بفتح الهمزة والراء بمعنى الحاجة، وهو المشهور من الرواية عند المحدثين، وقد يروى بكسر الهمزة وسكون الراء وهو أيضاً بمعنى الحاجة، وقد يجيء بمعنى العضو والفرج، كذا في (القاموس)(١)، وعلى تقدير إرادة العضو المراد به العضو المخصوص، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): حمله على العضو غير سديد مائل عن سنن الأدب و[نهج] الصواب(٣)، فالأحسن حمله على الحاجة . = الْمَنَاهِي، بَلْ قَرِينُ الشِّرْكِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُواْالْرّحْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الشِّرْكَ مُضَادٌّ لِلإِخْلاَصِ، وَالصَّوْم مزيد اختصاص بِالإِخْتِصَاصِ فَرْتَفِعُ بِمَا يُضَادُّهُ. انتهى. ((مرقاة المفاتيح)) (٤/ ١٣٨٨). (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٨). (٢) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٤٦٧). (٣) قال الطيبي (٥/ ١٥٩١): ولعل ذلك مستقيم؛ لأَنَّ الصَّدِّيقَةَ لَّهَ ذَكَرَتْ أَنْوَاعَ الشَّهْوَةِ مُتَرَقِيّةً مِنَ الأَدْنَى إِلَى الأَعْلَى، فَبَدَأَتْ بِمُقَدِّمَتِهَا الَّتِي هِيَ الْقُبْلَةُ ثُمَّ ثَنَّتْ بِالْمُبَاشَرَةِ مِنْ نَحْوِ الْمُدَاعَبَةِ وَالْمُعَانَقَةِ، وَأَرَادَتْ أَنْ تُعَبِّرَ عَنِ الْمُجَامَعَةِ فَكَنَّتْ عَنْهَا بِالأَرَبِ، وَأَيُّ عِبَارَةٍ أَحْسَنَ مِنْهَا، انتهى. وَفِيهِ أَنَّ الْمُسْتَحْسَنَ إِذاً أَنَّ الأَرَبَ بِمَعْنَى الْحَاجَةِ كِنَايَةً عَنِ الْمُجَامَعَةِ، وَأَمَّا ذكر الذَّكَر فَغَيْرُ مُلاَئِمٍ لِلأُنْثَى كَمَا لاَ يَخْفَى، لاَ سِيَّمَا فِي حُضُورِ الرِّجَالِ، قاله القاري. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٣٨٩). ٤٤٠ (٣) باب تنزيه الصوم قال الترمذي(١): وفي الباب عن عمر بن الخطاب وحفصة وأبي سعيد وأم سلمة وابن عباس وأنس وأبي هريرة، وحديث عائشة حديث حسن صحيح. واختلف أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّر وغيرهم في القبلة للصائم، فرخص بعض أصحاب النبي ◌َّ في القبلة للشيخ، ولم يرخصوا للشاب مخافة أن لا يسلم له صومه، والمباشرة عندهم أشد، وقد قال بعض أهل العلم: القبلة ينقص الأجر ولا يفطر الصائم، ورأوا أن الصائم إذا ملك نفسه له أن يقبّل، وإذا لم يأمن على نفسه ترك القبلة ليسلم له، وهو قول سفيان الثوري والشافعي، انتھی. والمذهب عندنا أنه لا بأس بالقبلة إذا أمن على نفسه الجماع أو الإنزال، ويُكْرَهُ إن لم يأمن؛ لأن القبلة ليست بمفطر لذاتها، ويمكن أن تفضي إليه في العاقبة، فاعتبرت في حالة الأمن ذاتها، وفي غير حالة الأمن تعتبر عاقبتها، وقال محمد في (الموطأ)(٢): والكف أفضل، وهو قول أبي حنيفة والعامة ممن قبلنا. والمباشرة في حكم التقبيل في ظاهر الرواية، ويروى عن محمد أنه تكره المباشرة الفاحشة لغلبة خوف الفتنة فيها، وفي (المواهب اللدنية)(٣): أن مذهب الشافعي وأصحابه أن القبلة ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، لكن الأولى تركها، وأما من حركت شهوته فهي حرام في حقه على الأصح، وقد روى ابن ماجه(٤): أنه سئل رسول الله وَّ ل عن رجل قبّل امرأته وهما صائمان، فقال: (فقد أفطرا) وإسناده ليس بثابت، أو يؤول بأنهما تعرضا للإفطار (١) ((سنن الترمذي)) (٧٢٧). (٢) ((الموطأ)) لمحمد (٣٥٢). (٣) ((المواهب اللدنية)) (٤/ ٣٣٨). (٤) ((سنن ابن ماجه)) (١٦٨٦).