النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
(٦) كتاب الزكاة
الوجوب بالمعنى العرفي عندنا، والله سبحانه أعلم. كذا قال الشخ ابن الهمام(١).
وشرط عندنا ملك النصاب الفاضل عن حاجته الأصلية من غير اشتراط النماء،
وعند الشافعي رحمه الله هي فرض على من ملك قوت يومه لنفسه، ولمن وجب عليه
نفقته فاضل عن اللباس والمسكن والخادم والدين، ولا يشترط النصاب، وهم يقولون:
إن صدقة الفطر من العبادات البدنية دون المالية، وتسميتها بزكاة الفطر كما وقع في
الأحاديث ينافي هذا القول.
ثم اعلم أنه قد وقع في بعض الأحاديث: نصف صاع من البر، لكن بلفظ: مدان
من قمح، والصاع أربعة أمداد، وقد جاء في بعضها: نصف صاع من قمح، وفي
بعضها: نصف صاع من بر وصاع منه من اثنين، وفي بعضها: صاع مطلقاً، وفي بعضها:
صاع من طعام، أو صاع من شعير، أو صاع من تمر، أو من أقط، أو من زبيب، فقيل:
المراد بالطعام الحنطة على ما هو المتعارف، وبقرينة مقابلتها بالأشياء المذكورة، وقيل:
المراد به الذرة؛ لأنه كان متعارفاً عند أهل الحجاز في ذلك الوقت، وكانت غالب
أقواتهم، والواجب عند الأئمة الثلاثة هو الصاع من كل منها، وعندنا وعليه سفيان
الثوري وابن المبارك نصف صاع من بر أو صاع من شعير أو تمر، والذي وقع في الحديث
منه مطلق الصاع محمول على التطوع، كما جاء عن علي به في رواية النسائي أنه قال
في نوبة خلافته: إن الواجب نصف صاع من تمر أو شعير، أما إذا وسع الله عليكم
اجعلوها صاعاً من بر وغيره، وفي لفظ لأبي داود(٢): فلما قدم علي ظُ رَأَى رُخْصَ
(١) ((شرح فتح القدير)) (٢/ ٢٨٢).
(٢) ((سنن أبي داود)) (١٦٢٢).

٢٨٢
(٢) باب صدقة الفطر
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٨١٥ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِوَلِ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعاً
مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ .
السِّعْرِ فقال: قد أوسع الله عليكم، فلو جعلتموه صاعاً من كل شيء، ولا شك أن
الصاع الذي قال به عليّ ◌ُه كان تطوعاً، فالذي وقع في زمان النبوة كان تطوعاً أيضاً،
وذكر بعض الأئمة أن الواجب في زمن النبوة كان صاعاً من بر أو تمر أو شعير، فأخذ
الناس بعده نصف صاع من بر لكونه معادلاً في القيمة بصاع من تمر أو شعير، والصواب
عندنا هو الأول.
وقال في (الهداية)(١): مذهبنا مذهب جماعة من الصحابة منهم الخلفاء الراشدون،
والزيادة محمولة على التطوع، والتمر عند أبي حنيفة رحمه الله في حكم الشعير، والزبيب
في حكم البر، وعندهما الزبيب في حكم الشعير، وعليه ظاهر الأحاديث، وقد روي
ذلك عن ابن عمر ﴾، والأحاديث في الباب كثيرة ذكرناها في (شرح سفر السعادة)(٢)،
وما ذكرنا ههنا يكفي.
الفصل الأول
١٨١٥ - [١] (ابن عمر) قوله: (صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير) ليس في هذا
الحديث ذكر البر، ومن هنا ذهب بعض الأئمة [إلى] أن إخراج نصف صاع من البر
كان بعده لمعادلته صاعاً من تمر أو شعير، والصواب كما ذكر أنه قد وقع ذلك في بعض
الأحاديث، وفي بعضها: صاع منه، وكان ذلك تطوعاً، وقد جاء في بعض الآثار أنه
(١) ((الهداية)) (١ / ١١٤).
(٢) ((شرح سفر السعادة)) (ص: ٢٨٤).

٢٨٣
(٦) كتاب الزكاة
عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ
بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٠٣، م:
٩٨٦].
١٨١٦ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ
صَاعاً مِنْ طَعَامِ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعاً مَنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مَنْ أَقِطٍ،
أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٠٦، م: ٩٨٥].
كان ابن عمر ظل﴾ لا يخرج إلا من التمر، ولما ندر وجود التمر في المدينة أخرج من
الشعير، وفي رواية: كان لا يخرج إلا من التمر إلا مرة أخرج من الشعير.
وقوله: (على العبد والحر) الإيجاب على العبد مجازاً باعتبار وجوبه على سيده،
وكذا على الصغير، وقيل: (على) بمعنى عن.
وقوله: (وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) ظاهر الحديث أنه
لا يجزئ إخراجها بعد الصلاة، لكن الأئمة الأربعة اتفقوا على أن إخراجها قبل الصلاة
مستحب غير واجب، وقال في (الهداية)(١): فإن قدموها على يوم الفطر لم تسقط(٢)،
ثم في تقديمها على يوم الفطر أقوال شتى نقلتها في (شرح سفر السعادة)(٣).
١٨١٦ - [٢] (أبو سعيد) قوله: (وعن أبي سعيد الخدري) وكان ظُه لا يخرج
إلا من هذه الأشياء اتباعاً لما كان في زمن النبوة.
(١) ((الهداية)) (١ / ١١٥).
(٢) قوله: ((لم تسقط)) هكذا في الأصل، والصواب بدله ((جاز)) كما في ((الهداية)).
(٣) ((شرح سفر السعادة)) (ص: ٢٨٧). وانظر: ((بذل المجهود)) (٦ / ٤٣٤).

٢٨٤
(٢) باب صدقة الفطر
* الْفَصْلُ الثَّانِي :
١٨١٧ - [٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: فِي آخِرِ رَمَضَانَ أَخْرِجُوا صَدَقَةَ
صَوْمِكِمْ، فَرَضَ رَسُولُ اللهِوَهِ هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ
نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحِ، عَلَى كُلِّ حُرِّ أَوْ مَغْلُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
الفصل الثاني
١٨١٧ - [٣] (ابن عباس) قوله: (أو نصف صاع من قمح) صريح في أن إيجاب
نصف صاع من البر كان في زمن النبوة.
وقوله: (رواه أبو داود) وذكر في (جامع الأصول)(١) حديث أبي داود والنسائي
عن الحسن البصري رحمة الله عليه قال: خطب ابن عباس في آخر رمضان على منبر
البصرة وقال: أخرجوا صدقة صومكم، وكان الناس لا يعلمون فقال: مَنْ ههنا من أهل
المدينة؟ قوموا إلى إخوانكم فعلُّموهم فإنهم لا يعلمون، ثم قال: فرض رسول الله ول
هذه الصدقة صاعاً من تمر أو من شعير، أو نصف صاع من قمح على كل حر أو مملوك
ذكر أو أنثى صغير أو كبير، فلما قدم علي ظُه ورأى رخص الشعير فقال: قد أوسع الله
عليكم فلو جعلتموها صاعاً من كل شيء، أخرجه أبو داود(٢)، وفي رواية النسائي(٣)
بعد قوله: فإنهم لا يعلمون أن رسول الله وسلم فرض صدقة الفطر على الصغير والكبير
والحر والعبد والذكر والأنثى: نصف صاع من تمر وشعير، وفي الأخرى للنسائي
(١) ((جامع الأصول)) (٢٧٣١).
(٢) («أبو داود)) (١٦٢٢).
(٣) ((سنن النسائي)) (١٥٨٠).

٢٨٥
(٦) كتاب الزكاة
وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٢٢،
١٨١٨ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَ
الصِّيَامِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د:
١٦٠٩].
مختصراً: قال ابن عباس في صدقة الفطر: صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً
من تمر أو صاعاً من أقط.
١٨١٨ - [٤] (ابن عباس) قوله: (طهر الصيام) بالإضافة، وفي بعض النسخ:
(طهرة للصيام) بضم الطاء، و(اللغو) ما لا يعتد به من كلام وغيره، و﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ
بِلَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، أي: الإثم في الحلف إذا كفرتم، ولغا في القول كسعى
ودعا ورضي: أخطأ، وكلمة لاغية، أي: فاحشة، كذا في (القاموس)(١). وفي (مجمع
البحار)(٢): لغا يلغو ولغي يلغى: إذا تكلم بالمطرح من القول وما لا يعني، وألغى:
أسقط، وفسر البيضاوي(٣) قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوًا ﴾ [الواقعة: ٢٥]: أي: باطلاً،
و(الرفث) محركة: الجماع والفحش، وكلام النساء في الجماع، أو ما وُوجِهْن به
من الفحش، كنصر وفرح وكرم، كذا في (القاموس)(٤)، والرفث المنهي عنه في الحج
ما خوطبت به المرأة لا ما يقال بغير سماعها، وقال الأزهري: هو كل ما يريده الرجل
من المرأة .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٢٢).
(٢) ((مجمع البحار)) (٤ /٥٠٥).
(٣) ((تفسير البيضاوي)) (٢/ ٤٦٠).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٦٩).

٢٨٦
(٢) باب صدقة الفطر
: الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٨١٩ - [٥] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ
بَعَثَ مُنَادِياً فِي فِجَاجٍ مَكَّةَ: ((أَلاَ إِنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ،
ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرِّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، مُذَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ سِوَاهُ، أَوْ
صَاعٌ مِنْ طَعَامِ،
الفصل الثالث
١٨١٩ - [٥] (عمرو بن شعيب) قوله: (في فجاج مكة) جمع فج، وهو الطريق
الواسع، ولا أدري متى كان بعث المنادي بمكة بوجوب صدقة الفطر، فإن فرضية صدقة
الفطر بعد فرضية صوم رمضان الذي هو بعد الهجرة بالاتفاق، فما معنى بعث المنادي
في مكة، إلا أن يقال: بعث المنادي بمكة من المدينة، ولما كانت فرضيتها في السنة
الثانية فذلك أيضاً بعيد؛ لأن مكة إذ ذاك كانت دار الحرب، فما الغرض ببعث الشريعة
فيها، وكيف يمكن ذلك، أو فعل ذلك عام فتح مكة أو في حجة الوداع، هذا أيضاً
لا يخلو عن خلاف الظاهر؛ لأن المسلمين قد علموا ذلك قبل ذلك، فما الفائدة في
بعث المنادي، وأيضاً الظاهر في بعث المنادي الوارد في أمثال ذلك أن یکون عند نزول
الشريعة المجددة إلا أن يكون لتعليم الجماعة الذين أسلموا في فتح مكة، وقصد إلى
إشاعة الشرائع وشعائرها، والله أعلم .
وقوله: (مدان من قمح أو سواه أو صاع من طعام) قال الطيبي(١): (أو) في (أو
سواه) للتنويع، وفيه: أن المدين نصف صاع، وهو إنما يكون في البر، إلا أن يراد
بـ (سواه) الزبيب، ولكن الأحاديث أكثرها يدل على أن الزبيب في حكم التمر كما هو
(١) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٤٥ - ٤٦).

٢٨٧
(٦) كتاب الزكاة
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٦٧٤].
١٨٢٠ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِبْنِ ثَعْلَبَةَ، أَوْ ثَعْلَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِبْنِ أَبِي صُعَيْرٍ
عَنْ أَبِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((صَاعٌ مِنْ بُرِّ أَوْ قَمْحٍ عَنْ كُلِّ اثنَيْنِ، صَغِيرٍ
أَوْ كَبِيرٍ، حُرِّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِِّهِ اللهُ، وَأَّا فَقِيرُكُمْ فَرُُّ
عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦١٩].
مذهب أبي يوسف ومحمد، فهذا الحديث إن صح حجةٌ لأبي حنيفة في جعله الزبيب
في حكم البر، وقال: و(أو) في قوله: (أو صاع من طعام) للشك من الراوي، انتهى.
وهذا إن أريد بالطعام البر حمله عليه في الأحاديث الأخر، وإن أريد غيره من التمر أو
الذرة كما قيل فهي للتنويع، فتأمل.
١٨٢٠ - [٦] (عبدالله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبدالله) قوله: (وعن عبدالله بن
ثعلبة أو ثعلبة بن عبدالله بن أبي صعير عن أبيه) هكذا في نسخ (المشكاة)، والصواب
عبدالله بن ثعلبة بن صعير أو ابن أبي صعير، بالصاد والعين المهملتين، على لفظ
التصغير، وثعلبة صحابي، له حديث واحد عن النبي ◌َّ في صدقة الفطر، قال في
(الكاشف)(١): ثعلبة بن صعير، وقيل: ابن أبي صعير، له صحبة، عنه ابنه عبدالله،
وصعير بمهملتين مصغراً، وأما بالفتح وكسر المعجمة فلم يأت علماً إلا مع الهاء، كذا
في (المغني)(٢).
(١) ((الكاشف)) (١ / ٢٨٣، رقم: ٧٠٧).
(٢) («المغني في ضبط الأسماء)) (ص: ١٧٥).

٢٨٨
(٣) باب من لا تحل له الصدقة
٣- باب من وحل د الصدقة
٣ - باب من لا تحل له الصدقة
والظاهر أن معناه من لا يحل له أكل الصدقة كبني هاشم ومواليهم، وقد يجعل
العنوان: باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه، والمآل واحد، لكنه يختلف المعنى في تأدية
الكافر، فإنه لا يجوز أن يدفع إليه الزكاة، يعني لا تسقط الذمة بأدائها إليه، ولا يبحث
من عدم حلها عليه، ويصدق المعنيان في مثل بني هاشم، فافهم، فمن لا تدفع الزكاة
إليه الكافر الذمي، ويجوز دفع ما سوى الزكاة من الصدقات كصدقة الفطر والكفارات،
ولا يجوز دفعها إلى حربي مستأمن، وفقراء المسلمين أحب، ولا تدفع إلى غني يملك
النصاب، ولا إلى من بينه وبين المزكي نسبة ولاء، ولا تدفع إلى المخلوق من مائه
بالزنا، ولا إلى أولاده وسائر أولي القربات غير الولاء، ويجوز الدفع إليهم وهم أولى
بالصلة مع الصدقة كالإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وأولاد
هؤلاء وإن كان بعضهم في عياله، ولا في نسبة الزوجية، ولا إلى مكاتبه ومدبره وأم
ولده، ولا إلى بني هاشم ومواليهم، وهذا في ظاهر الرواية، وروى أبو عصمة عن أبي
حنيفة رحمة الله عليه أنه يجوز في هذا الزمان، وإنما كان ممتنعاً في ذلك الزمان،
وعنه وعن أبي يوسف يجوز أن يدفع بعض بني هاشم إلى بعض، وفسروا بني هاشم
بآل عباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل حارث بن عبد المطلب تظله، والمقصود
من هذا التفسير أن ليس جميع بني هاشم ممن تحرم عليهم الصدقة كأبي لهب فإنه يجوز
الدفع إلى بنيه؛ لأن حرمة الصدقة لبني هاشم كرامة من الله تعالى لهم ولذريتهم حيث
نصروه ◌َّيّة في جاهليتهم وإسلامهم، وأبو لهب كان حريصاً على أذاه فلم يستحقها بنوه،
كذا قال الشيخ ابن الهمام(١).
(١) ((شرح فتح القدير)) (٢ / ٢٧٤).

٢٨٩
(٦) كتاب الزكاة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٨٢١ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّلَهُ بِتَمْرَةِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: (لَوْلاَ
أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لِأَكْلَتُهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٥٥، م:
١٠٧١ ].
١٨٢١ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ تَمْرَةً مِنْ
تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ: ((كِخْ كِخْ)) لِبَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ:
((أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لاَ نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟!)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤١٩، م: ١٠٦٩].
الفصل الأول
١٨٢١ - [١] (أنس) قوله: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة) فيه حسن
التواضع بتعظيم التقاطه أدنى شيء من الطعام ساقط على الأرض، وجواز أكله، ورعاية
الاحتياط فيما فيه شبهة في الحل .
١٨٢٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (كخ كخ) هو زجر للصبي وردع له، ويقال عند
التعذر أيضاً، فكأنه أمر بإلقائها من فيه، وتكسر الكاف وتفتح وتسكن الخاء وتكسر
بتنوين وتركه، وقيل: هي كلمة أعجمية.
وقوله: (أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة؟)(١) يشعر سبق علم بهذا الحكم
(١) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْآبَاءِ نَهيُ الأَوْلاَدِ عَمَّا لاَ يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ، اهـ.
وَلِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يَحْرُمُ عَلَى الْآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ إِلْبَاسُ الصَّبِيِّ الْحَرِيرَ وَالْحُلِيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
خِلاَفَاً لِلشَّافِعِيِّ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي ((الإِحْيَاءِ» عِنْدَ ذِكْرٍ وَرَعِ الْمُتَّقِينَ، وَقَالَ ابْنُ
حَجَرٍ: يَحْرُمُ عَلَيْهِوَ الصَّدَقَةُ الْوَاحِبَةُ وَالْمَنْدُوبَةُ، وَأَمَّا عَلَى آلِهِ فَالْمَفْرُوضَةُ لاَ غَيْرَ. ((مرقاة المفاتيح))
(٤ / ٠١ ٣ ١ ) .

٢٩٠
(٣) باب من لا تحل له الصدقة
١٨٢٣ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ :
(إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاغُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لاَ تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ،
وَلَاَ لِلِ مُحَمَّدٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٧٢].
١٨٢٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِلَّهِ إِذَا أُنِيَ بِطَعَامٍ
سَأَلَ عَنْهُ: ((أَهَدْيَةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟)) فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ((كَلُوا))،
و و
وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ، ضَرَبَ بِيَدِهِ.
صَلَىاللّه
للحسن ظه، فكأنه كان صغيراً يعقل، وقد تحمّل الإمامان أحاديث من رسول الله
في صغرهما، وقد كانا ئها عند وفاة النبي ومليّ ابني ثمان سنة، إذ ولادتهما في سنة اثنين
من الهجرة(١).
١٨٢٣ - [٣] (عبد المطلب) قوله: (وعن عبد المطلب بن ربيعة) بن حارث
ابن عبد المطلب بن هاشم .
وقوله: (وأنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) أما له مر فكان لا تجوز [له]
الصدقة نافلة ك ٠٠ ١ واحد، وأما لآله وعليه فلا تجوز الزكاة، ويجوز سائر الصدقات.
١٨٢٤ ٤/١ ٥ ديرة) قوله: (فإن قيل: صدقة) نافلة أو واجبة، والصفقة
ما ينفق على التفاسيراء.، ثواب الآخرة ولا يكافئ، وفيه ذل للمعطى له، والهدية
يراد به الإكرام، ويتغنى على الأغنياء ويكافئ.
وقوله: (ضرب بيده) أي: مدّ يده إلى الطعام من غير تحام، والضرب بمعنى
(١) ولد الحسن بْن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وولد الحسين
ابْن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة. انظر: ((أسد الغابة))
(٢ / ١٣ - ٢٤).

٢٩١
(٦) كتاب الزكاة
فَأَكَلَ مَعَهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٧٦، م: ١٠٧٧].
١٨٢٥ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلاَثُ سُنَنٍ: إِحْدَى
السُّنَنِ أَنَّهَا عَتَقَتْ، فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((الْوَلاَءُ لِمَنْ
أَعْتَقَ))، وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَّه.
الإسراع في الذهاب، وبمعنى الذهاب لطلب الرزق كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبُّ
فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]، كذا في (الصحاح)(١).
١٨٢٥ - [٥] (عائشة) قوله: (كان في بريرة) على وزن كريمة براءين، كانت
مولاة لأم المؤمنين عائشة ، روت عنها عائشة وابن عباس وعروة بن الزبير
وجعلها محلاً للسنن لورودها فيه وشرعها بسببها، وقد روى عروة عنها أنها قالت:
كانت فيَّ ثلاث سنن، والظاهر أن في تعليلة كما في: (عذبت امرأة في هرة).
وقوله: (إحدى السنن) الإظهار موضع الإضمار للاهتمام بكونها سنة وتأكيده.
وقوله: (فخيرت في زوجها) اسمه مغيث بضم الميم وكسر الغين المعجمة
وسكون الياء تحتها نقطتان وبالثاء المثلثة، وكانت بريرة مملوكة لليهود، فكاتبوها،
فجاءت عائشة ◌ًَّ، فقالت: أعينيني، فقالت عائشة: إن أحبوا أن أشتريك ويكون
ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم
ورسول الله وَّ جالس، فقالت: إني عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم،
فسمع النبي 9َّ فقال: ((خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق))، ففعلت
عائشة، ثم قام رسول الله ◌َّ في الناس فخطب وقال: (ما بال أقوام يشترطون شروطاً
ليست في كتاب الله، [ما كان] من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإنما الولاء لمن
(١) ((الصحاح)) (١ / ١٦٨).

٢٩٢
(٣) باب من لا تحل له الصدقة
وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدٌْ مِنْ أُدُمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: ((أَلَمْ أَرَ
بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ؟)) قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ،
وَأَنْتَ لاَ تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ: ((هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٥٢٧٩، م: ١٥٠٤].
١٨٢٦ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِبُ
عَلَيْهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٥٨٥].
أعتق)(١)، ولما عتقت بريرة خيرها رسول الله وَّر في زوجها بأن تختاره أو تفارقه، وذلك
خيار العتق الذي أثبته العلماء إذا عتقت الزوجة، فعندنا هو ثابت وإن كان الزوج حرًّا،
وعند الشافعي إن كان عبداً، كما ذكر في أصول الفقه، وقد اختلف في أنه كان مغيث
مولى لآل أحمد بن جحش، وقيل: كان عبداً لبعض بني مطيع، فتدبر.
وقوله: (والبرمة) بضم الباء: قدر من الحجارة، وهي المتعارفة الآن في الحرمين
الشريفين، وجمعه بُرْمٌ بالضم وكصرد وجبال، كذا في (القاموس)(٢). و(تفور) أي:
تغلي، والأدم بضم الهمزة وسكون الدال وضمها .
وقوله: (ولنا هدية) أي: إن أهدتها إلينا بريرة، وهذه السُّنَّة الثالثة الواردة بسبب
بريرة، فإذا تصدق على الفقير شيء صار ملكه، فله أن يهديه ويهبه للغني ولكل من
لا تحل له الصدقة، أو یبیعه منه .
١٨٢٦ - [٦] (عائشة) قوله: (ويثيب عليها) أي: يجزئ ويكافئ، وكان عادته
الكريمة أن لا يقبل من أحد هديته إلا يكافئ عليها، لئلا يبقى عليه منّة عنه.
(١) أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤) واللفظ لمسلم.
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٩٦).

٢٩٣
(٦) كتاب الزكاة
١٨٢٧ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لَوْ دُعِيتُ
إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ. وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَغَبِلْتُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. آخ:
٢٥٦٨].
١٨٢٨ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي
يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالثَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنَّ
الْمِسْكِينَ الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنَّی یُغْنِهِ،
١٨٢٧ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (لو دعيت إلى كراع) بضم الكاف: وهو مستدق
الساق من الغنم والبقر، أي: إلى ضيافة كراع غنم، وقيل: هو اسم موضع على أميال
من عسفان يقال له: كراع الغميم، فالحمل على الأول يفيد مبالغة في القلة، وعلى
الثاني في البعد، وقال بعضهم: المراد هو كراع الشاة، وغلط من حمله على كراع الغمیم،
انتهى، وهو الأظهر. قلت: لأن الظاهر أن الحديث ورد في المدينة ولا وجه ظاهر لذكر
موضع قريب مكة مع عدم شهرته كل الشهرة، وعسفان على مرحلة من مكة، والله
أعلم. ولأن المبالغة في الإجابة مع حقارة الشيء واضح في المراد.
وقوله: (ولو أهدي إلي ذراع) هذا في الإهداء، والأول كان في دعوة، وذكر
في الإهداء الذراع دون الكراع؛ لأن العادة أن لا يهدى الكراع ونحوه، وإنما يهدى شيء
له قدر كالذراع بخلاف الدعوة، فإنه قد يدعو بعض الفقراء بعض أهل الكرم على شيء
قليل تبركاً وتعززاً، هكذا العادة.
١٨٢٨ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (ليس المسكين) إلى آخر الحديث، المقصود
ذم من يسأل الناس ويتردد إلى أبوابهم ليؤتى شيئاً، فكان أن لا تحل له الصدقة إلا عند
الاضطرار، والترغيب بالتصدق على المتعفف والمتستر حاله عن الناس، ولو كان عنده

٢٩٤
(٣) باب من لا تحل له الصدقة
وَلاَ يُفْطَنُ بِهِ فَيْتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ:
١٤٧٩، م: ١٠٣٩].
٠٥,
: الْفَصْلُ الثَّانِي:
*
١٨٢٩ - [٩] عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ بَعَثَ رَجُلاً مِنْ (١) بَنِي
مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَّبِيِ رَافِعٍ: اصْحَيْنِي كَيْمَا نُصِيبَ مِنْهَا، فَقَالَ:
لاَ، حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللهِنَّهِ فَأَسْأَلَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َلْ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ:
((إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَحِلُّ لَنَا، وَإِنَّ مَوَالِيَ الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُّو
ءِ
دَاوُدَ
شيء مما لا يغنيه .
وقوله: (ولا يفطن) بلفظ المجهول مرفوع.
وقوله: (فيتصدق) منصوب، وكذا (لا يقوم) مرفوع، و(فيسأل) منصوب، أي:
لا يعلم حاله أنه محتاج حتى يتصدق عليه الناس، ولا يقوم من بيته حتى يسألهم، والفرق
بين الفقير والمسكين قد عرف في كتب الفقه(٢).
الفصل الثاني
١٨٢٩ - [٩] (أبو رافع) قوله: (كيما تصيب منها) أي: من الصدقة.
(١) في نسخة: في.
(٢) قِيلَ: الفَقِير: الَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ، والمِسْكين: الَّذِي لَهُ بَعْضُ مَا يَكْفيه، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ
الشَّافِعِيُّ. وَقِيلَ فِيهِمَا بالعَكْسِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ. ((النهاية في غريب الحديث والأثر))
(٣ / ٤٦٢).

٢٩٥
(٦) كتاب الزكاة
وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٦٥٧، د: ١٦٥٠، ن: ٢٦١٢].
١٨٣٠ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ٍِّ:
((لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ، وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ
وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٦٥٢، د: ١٦٣٤، دي: ١٦٧٩].
١٨٣١ - [١١] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[حم: ٢ / ٣٨٩، ن: ٢٥٩٧، جه: ١٨٣٩].
١٨٣٠، ١٨٣١ - [١٠، ١١] (عبدالله بن عمرو) قوله: (ولا لذي مرة سوي)(١)
المرة بالكسر والتشديد: قوة الخلق وشدته، والعقل والإحكام والقوة وطاقة الحبل،
والمراد بالسوي على وزن الغني: صحيح الأعضاء مستوي الخلق، وقال الطيبي(٢):
وذلك كناية عن كونه كسوباً، فإن من كان ظاهر القوة غير أنه أخرق لا كسب له فتحل
له الزكاة، وقد أخذ الشافعي بهذا الحديث، وقال بعدم حل الزكاة للقوي القادر على
الكسب، وعندنا تحل الزكاة لمن لم يملك مئتي درهم وإن كان قوياً قادراً على الكسب؛
لأن رسول الله وَلَه بعث معاذاً إلى اليمن أن يأخذ الصدقة عن أغنيائهم ويصرفها إلى
الفقراء من غير فرق بين الأقوياء والضعفاء، وهو آخر الأمرين من رسول الله وَّم يعطي
الصدقة فقراء أصحابه الذين هم أصحاء أقوياء، فهذا الحديث منسوخ، والمراد به أنه
لا ينبغي لمن له قوة وقدرة على الكسب أن يرضى بهذه المذلة والدناءة، والله أعلم.
(١) هو على ثلاثة أقسام: الأول: من تجب عليه الزكاة، وهو مالك النصاب الحولي، والثاني: من
يحرم عليه الأخذ، ولا يجب عليه الإعطاء، والثالث: من يحرم عليه السؤال وهو من يملك قوت
يوم وليلة. كذا في ((التقرير)).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٥٢).

٢٩٦
(٣) باب من لا تحل له الصدقة
١٨٣٢ - [١٢] وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلاَنِ
أنَّهُمَا أَنَا النَّبِيَّ ◌َّهِ وَهُوَ فِي حَبَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلاَهُ مِنْهَا،
فَرَفَعَ فِينَ النَّظَرَ، وَخَفَضَهُ فَرَأَنَاَ جَلْدَيْنٍ، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلاَ حَظّ
فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلاَ لِقَوِيٌّ مُكْتَسِبٍ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٣٣، ن
١٨٣٣ - [١٣] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ مُرْسَلاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
(لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ إِلَّ لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا،
أَوْ لِغَارِمِ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ
عَلَى الْمِسْكِينِ، فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ). رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: ٩١٩،
د : ١٦٣٦].
١٨٣٤ - [١٤] وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ((أَوِ ابْنِ
السَّبِيلِ)). [د: ١٦٣٧].
١٨٣٢ - [١٢] (عبيدالله بن عدي) قوله: (إن شئتما أعطيتكما) هذا توبيخ وتقريع
كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرَّ ﴾ [الكهف: ٢٩]، والمعنى على مذهب الشافعي: إن
رضيتما بأكل الحرام، وعلى مذهبنا إن رضيتما بالذل والهوان.
١٨٣٣ - [١٣] (عطاء بن يسار) قوله: (لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم)
وبه أخذ الشافعي رحمه الله في استحقاق الغازي الغني، وعندنا يجوز للعامل وإن كان
غنياً، لأنه أجرته، وللمديون الذي لا يفضل له بعد قضاء دينه نصاب دون الغازي الإطلاق
حديث معاذ: خذ من أغنيائهم واصرفها إلى فقرائهم، ولقوله يشير: (لا تحل الصدقة لغني).
وقوله: (أو لرجل اشتراها بماله) فهو بالنسبة إليه ليس بصدقة، وكذا في الإهداء.
١٨٣٤ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (أو ابن السبيل) لخروج المال عن ملكه

٢٩٧
(٦) كتاب الزكاة
١٨٣٥ - [١٥] وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهل
فَبَايَعْتُهُ فَذَكَرَ حَدِيثاً طَوِيلاً: فَأَنَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ اللهَلَمْ يَرْضَ بِحُكْمٍ نَبِيٍّ وَلاَ غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتَّى
حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ أَعْطَيُكَ».
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٣٠].
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٨٣٦ - [١٦] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَبَناً
فَأَعْجَبَهُ، فَسَأَلَ الَّذِي سَقَاهُ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ قَدْ
سَمَّاهُ، فَإِذَا نَعَمِّ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ، وَهُمْ يَسْقُونَ، فَحَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا، فَجَعَلْتُهُ
فِي سِقَائِي فَهُوَ هَذَا، .
بإشارة قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ﴾ [الحشر: ٨].
١٨٣٥ - [١٥] (زياد بن الحارث) قوله: (حتى حكم فيها هو) تأكيد للضمير
المتمكن في حكم.
وقوله: (فجزأها ثمانية أجزاء) ظاهره يؤيد قول الشافعي: إنه لا يجوز جمع
الصدقة في صنف واحد، وعندنا المراد بالآية بيان المحل والمصرف بأنه لا يجوز صرفها
إلى غيرهم، وعليه مالك وأحمد، واختاره بعض أصحاب الشافعي، وقد حقق ذلك
في كتب أصول الفقه.
الفصل الثالث
١٨٣٦ - [١٦] (زيد بن أسلم) قوله: (نعم) بالتحريك وقد يسكن: الإبل والشاة،

٢٩٨
(٤) باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
فَأَدْخَلَ عُمَرُ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [ط:
٧٠٤، شعب: ٥٣٨٧].
٤- باب من الحل اد المسالة ومن حمل له
أو خاص بالإبل، جمعه أنعام، وجمع الجمع أناعيم، كذا في (القاموس)(١).
وقوله: (فاستقاءه) أي: عمر، وهذا من باب الورع والاتقاء من الشبهة، وإلا
فالفقير إن وهب أو أهدى من صدقته جاز أكله، وقول النبي ◌ّ في حديث بريرة لبيان
الجواز والرخصة .
٤ - باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
لا ينبغي للإنسان أن يسأل وعنده قوت يوم؛ لأن السؤال لا يجوز من غير ضرورة،
كذا في (واقعات الناطقي)، ولا يحل لأحد أن يسأل الناس وعنده قوت يومه، كذا في
(الخانیة)، فإن لم یکن له قوت يومه، ولا شيء يستر به عورته، حلّ له أن يسأل الناس؛
لأن الحال حال ضرورة، كذا في شرح الطحاوي، ومن كان له قوت غدائه وعشائه
لا يجوز أن يسأل في ذلك اليوم صدقة التطوع، كذا في (الكاشف)، والفقير من له قوت
يومه وعياله، أو يقدر على كسب ما ينفق على نفسه وعياله تحل له الزكاة، ولا يحل
له السؤال، والمسكين من ليس له شيء، ولا يقدر على الكسب يحل له السؤال مقدار
القوت، كذا في (التاتار خانية)(٢).
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٧٢).
(٢) ((الفتاوى الناتار خانية)) (١٩٨/٣)، رقم المسألة: ٤١٢١.

٢٩٩
(٦) كتاب الزكاة
واتفق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة، واختلفوا في أنه حرام
أو حلال مع الكراهة بثلاثة شروط: أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي
المسؤول، فإن فقد أحد هذه الشروط فحرام بالاتفاق، وروي أنه سمع عمر ﴾ه سائلاً
يسأل بعد المغرب، فقال لواحد: عش الرجل فعشاه، ثم سمعه ثانياً يسأل فقال: ألم
أقل لك: عشه؟ فقال: عشيته، فنظر عمر ظه فإذا تحت يده مخلاة محشوة من خبز،
فقال: لست بسائل، ولكنك تاجر، ثم أخذ المخلاة ونثرها بين يدي إبل الصدقة،
وضربه بالدرة، وقال: لا تعد.
وعن ابن المبارك أنه قال: يعجبني أن السائل إذا سأل لوجه الله لا يعطى شيئاً؛
لأن الدنيا خسيسة، فإذا سألها لوجه الله تعالى فقد عظّم ما حقّره الله، فلا يعطى زجراً
له، كذا في (الظهيرية)، وإذا قال الْمُكْدِي(١): بحق الله تعالى أو بحق محمد ◌َّل أن
تعطيني كذا، لا يجب على المسؤول عنه في الحكم، كذا في (السراجية)، ومن أخذ
بإظهار الحاجة كاذباً لا يملكه، وكذا بقوله: أنا علوي وهو كاذب، ولمن أعطاه لصلاحه
وهو في الباطن يقارف معصية لو عرفها المعطي لما أعطاه، فما أخذه لا يملكه وهو
حرام عليه، ويجب رده على المالك، وكذا من يعطى لشر لسانه أو الشر سعايته فهو
حرام عليه، كذا في (إحياء العلوم)(٢).
وإذا جاء الفقير وأراد أن يقبّل يد المسؤول عنه لينال شيئاً من عرض الدنيا فهو
مكروه، فالأفضل أن يناول يده منعاً له عن المكروه، كذا في (نصاب الاحتساب)،
(١) الْمُكْدي من الرجال الذي لا يثوب له مال ولا ينمي. ((لسان العرب)) (١٥ /٢١٦).
(٢) ((إحياء علوم الدين)) (٣/ ٤٠٠).

٣٠٠
(٤) باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٨٣٧ - [١] عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَهِ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: ((أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ.
ولا يعطى السائل الذي يضرب الطبل على الأبواب، فالأحب أن لا يعطى زجراً له
عن المعصية، وأفحش من هذا المطرب يسأل ويتغنى على الأبواب، كذا في (نصاب
الاحتساب)، ذكرت هذه المسائل كلها في كتاب (مطالب المؤمنين)، وقد استوفى
كتاب (الإحياء) أمثال هذه المسائل، فلينظر ثمة.
الفصل الأول
١٨٣٧ - [١] قوله: (عن قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة وسكون التحتانية
والصاد المهملة (ابن مخارق) بضم الميم وبالخاء المعجمة في آخره قاف.
وقوله: (تحملت حمالة) بفتح الحاء المهملة، في (القاموس)(١): حمل به يحمل
حمالةً: كفل، وفي (المشارق)(٢): الحمالة: الضمان، والحميل: الضامن، وقالوا:
الحمالة ما يتحمله الإنسان عن القوم من الدية والغرامة في ماله وذمته، ويقع بينهم
الحرب وسفك الدماء، فيصلح ذات البين فيتحمل الديات، ويظهر من ذلك أن تحمل
الحمالة مخصوص بصورة إصلاح ذات البين وتكفل الديات، وأما إذا استدان من غير
هذه الجهة من غير أن يكون معصية كنفقة عياله أو إعانة لأحد فلا، هذا ولكن قد يظهر
من كلام الطيبي(٣) حيث قال: وإنما تحل له المسألة في إصلاح ذات [البين]، ويعطى
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٠٨).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١ /٣١٥).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٥٦).