النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ (٦) كتاب الزكاة يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهْزِ مَتَيْهِ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ». ثُمَّ تَلاَ ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّالَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾ الآيَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. آخ: ١٤٠٣]. ١٧٧٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ نَ﴿ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلِ يَكُونُ لَهُ إِلٌ أَوْ بَقَرُّ أَوْ غَنَمٌّ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلاَّ أُنِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا يَكُونُ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُوْلاَهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٦٠، م: ٩٩٠]. هما نكتتان يكتنفان فاها، أو زَبَدَتان في شدقيها، كذا في (مجمع البحار)(١). وقال في (القاموس)(٢): الزبيبتان: نقطتان [سوداوان] فوق عيني الحية والكلب، وقال: الزبيب: السم في فم الحية، وبهاء: زبدة في شِدْقِ مُكْثِرِ الكلام، ومن هذا قيل: إنهما زبدتان في شدقيه إذا غضب. و(يطوقه) بلفظ المجهول، أي: يجعل كالطوق في عنقه. و(اللهزمتين) اللحيين، أي: العظمين الذين نبتت عليهما اللحية، وهو قريب من الشدقين، ولذلك فسرهما بهما، والضمير في (لهزمتيه) للأقرع، كذا قيل، ويجوز أن يكون لـ (من)، والباء زائدة، (تلا ﴿ وَلَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية) إلى قوله: ﴿َسَيُطَوَّقُونَ مَا بَحِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةُ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. ١٧٧٥ - [٤] (أبو ذر) قوله: (تطؤه بأخفافها) هذا للإبل. وقوله: (تنطحه) للبقر والغنم. (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٤١٦). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٩ - ١٠٠). ٢٤٢ (٦) كتاب الزكاة ١٧٧٦ - [٥] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا أَنَاكُمُ الْمُصَدِّقُ فَلْيَصْدُرْ عَنْكُمْ وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٨٩]. ١٧٧٧ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلاَنٍ))، فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٩٧، م: ١٠٧٨]. وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا أَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ◌َّهُ بِصَدَقَتِهِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ)). ١٧٧٦ - [٥] (جرير بن عبدالله) قوله: (إذا أتاكم المصدق) في (القاموس)(١): المُصَدِّقُ كمُحَدِّثٍ: آخذ الصدقات، والمتصدق: معطيها . وقوله: (فليصدر) أي: تلقوه بالترحيب وأدوا زكاتكم تامة؛ حتى يصدر - أي: يرجع - عنكم راضياً. ١٧٧٧ - [٦] (عبدالله بن أبي أوفى) قوله: (فأتاه أبي) وهو أبو أوفى. وقوله: (اللهم صل عليه) بدون إقحام لفظ آل، ومنه (اللهم صل على عمرو بن العاص، فإنه كان يؤدي الصدقة تامة حسنة)، كذا جاء في الحديث، وهذه الصلاة غير ما يصلى به على النبي ◌ّ، وإنما هو بمعنى الترحم والتعطف والترحيب لا على وجه التعظيم والتكريم، أخذاً من قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمَّإِنَّ صَلَوَتَكَ سَكَنُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقيل: لا يجوز الدعاء بالصلاة على أحد إلا للنبي ◌ّة، ولمن سواه من الأئمة أن يدعوا عند أخذ الصدقة بمضمونه وبمعناه لا بلفظ (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٢٩). ٢٤٣ (٦) كتاب الزكاة ١٧٧٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فَقِيراً، فَأَغْنَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِداً، الصلاة . ١٧٧٨ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (منع ابن جميل) قال في (فتح الباري)(١): لم أقف على اسمه في كتب الحديث، لكن في تعليق القاضي الحسين المروزي وتبعه الروياني: أن اسمه عبدالله، وقيل: ابن جميل كان منافقاً ثم تاب بعد ذلك، وقال القاضي حسين: نزلت فيه: ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ﴾ الآية [التوبة: ٧٥]، انتهى. وقوله: (ما ينقم ابن جميل) نقم الأمر: كرهه، من باب ضرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَهُوأ مِنْهُمْإِلَّ أَن يُؤْمِنُواْ﴾ [البروج: ٨]، ومنه الانتقام بمعنى العقوبة(٢) لبلوغ الكراهة حد السخط، ويقال: نَقِمَ من فلان الإحسان إذا جعله مما يؤديه إلى كفر النعمة، أي: ما يعيب ويكره في منعه الزكاة إلا إغناء الله إياه، وفي هذا(٣) مبالغة وغاية تقريع على کفران النعمة منه . وقوله: (فأغناه الله ورسوله) إنما ذكر ◌َّله نفسه لأنه الواسطة في إضافة الخيرات والنعماء من جناب الحق، ولأنه ◌َل﴿ دعا له بالغناء والثروة كما جاء في تفسير قوله تعالى: (١) ((فتح الباري)) (٣/ ٣٣٣). (٢) قوله: ((ابن جميل نقم الأمر كرهه من باب ضرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ﴾، ومنها لانتقام بمعنى العقوبة)) سقط في (ب). (٣) قوله: ((هذا)) سقط في (ر). ٢٤٤ (٦) كتاب الزكاة قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا))، ثُمَّ قَالَ: ((يَا عُمَرُ! أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيِهِ»، مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٦٨، م: ٩٨٣]. صَلَانة ١٧٧٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ وست رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ. ﴿مَنْ عَهَدَ اَللَّهَ ﴾ [التوبة: ٧٥]. وقوله: (قد احتبس) أي: وقف درعه وسائر ما أعده من السلاح والدواب على المسلمين، ومن يتطوع بمثل ذلك لا يمنع الزكاة، فلعل منعه لظلمكم إياه، ومن شأن (١) الشجاع أن لا يصبر على ظلم وضيم، وقيل: المراد أنه لم تجب عليه الزكاة لأنه وقف ما عنده فلا يملك شيئاً. وقوله: (فهي علي ومثلها معها) ذكروا في معناها وجهين: أحدهما: أنه وَله استسلف منه صدقة عامين: هذا العام الذي طلب منه والعام الذي بعده، وهو المراد بقوله: (ومثلها معها)، ثانيهما: أن عباس استمهل رسول الله وَل# بذلك عامين لحاجة كانت له، فأمهله، ويجوز للإمام أن يؤخرها إذا كان ذلك على وجه النظر، ثم يأخذها بعد، كذا قال التُّورِبِشْتِي(٢)، وقيل: ذلك من خصائصه ريَّ، ولم يجز للساعي ذلك، كذا في شرح الشيخ. و(الصنو) المثل، وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد هما صنوان، وكل واحد صنو، ومنه قوله تعالى: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ [الرعد: ٤]. ١٧٧٩ - [٨] (أبو حميد الساعدي) قوله: (من الأزد) بفتح الهمزة وسكون (١) قوله: ((شأن)) سقط في (ب). (٢) ((كتاب الميسر)) (٢/ ٤١٣). ٢٤٥ (٦) كتاب الزكاة يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. فَخَطَبَ النَّبِيُّنَّهِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ! فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ رِجَالاً مِنْكُمْ عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلَّنِيَ اللهُ، فَيَأْتِي أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِهِ أَوْ بَيْتِ أُمَّهِ فَيَنْظُرَ أَيَهْدَى لَهُ أَمْ لاَ؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِبَدِهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، . الزاي، ابن الغوث، وبالسين أفصح، أبو حي باليمن، ومن أولاده الأنصار كلهم، ويقال: أَزْدَ شَنُوءَةَ، كذا في (القاموس)(١). وقال التُّورِبِشْتِي(٢): السين أفصح؛ لكن الزاي أكثر استعمالاً، ولعل ذلك لمجانبته عن موقع الاشتباه، فإنك إذا قلت: الأسْدي اشتبه بالأسدي. وقوله: (يقال له: ابن اللتبية) بضم لام وفتح مثناة فوق وكسر موحدة وشد یاء تحتية، وقيل: بفتح لام، وقيل: هو بسكون فوقية وفتحها، وقيل: هو بمضمومة فساكنة، أمه المنسوبة إلى بني لتب بسكون تاء قبيلة معروفة، وقيل: ابن الأتبية بهمزة مضمومة بدل لام، ولا يصح، وهو الذي استعمل على الصدقة، فقال: هذا لكم وهذا أهدي إلي، ذكر ذلك كله في (المغني)(٣)، والخطاب في (لكم) للمسلمين. وقوله: (لا يأخذ أحد منه) أي: مما جعل عاملاً عليه. (١) (القاموس المحيط)) (ص: ٢٥٤). (٢) ((كتاب الميسر)) (٢/ ٤١٥). (٣) ((المغني في ضبط الأسماء)) (ص: ٢٣٨ _٢٣٩). ٢٤٦ (٦) كتاب الزكاة إِنْ كَانَ بَعِيراً لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقْراً لَهُ خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيَّعَرُ))، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رَأَيْنَ عُفْرَةَ إِطَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغَتُ؟)). مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٩٧، م: ١٨٣٢]. وقوله: (له رغاء) بالضم: صوت البعير، في (القاموس)(١): رغى البعير والضبع والنعام رغاءً، بالضم: صَوّتَتْ فَضَجَّتْ، والصبي: بكى أشد البكاء، والأكثر في الجملة الاسمية الواقعة جزاء أن يكون بالفاء، وقد يحذف، ويحتمل أن يكون التقدير: جاء وله رغاء بحذف الجزاء، والواو من الجملة الاسمية الواقعة حالاً، و(الخوار) بضم الخاء: صوت البقر، وفي (القاموس)(٢): صوت البقر والغنم والظباء. وقوله: (أو شاة تيعر) بكسر العين، وقيل: بفتحها، من يعرت الغنم تيعر يعاراً بالضم، أي: صاحت، كذا في (مجمع البحار)(٣)، وفي (القاموس) (٤): اليعار كغراب: صوت الغنم أو المِعْزى، أو الشديد من أصوات الشاء، يَعَرَتْ تَيْعِرُ وتَيْعَرُ كيضرب ويمنع . كأنه لم يقل: له يعار؛ لأن الشاة لها صوت ضعيف بالنسبة إلى الإبل والبقر، لا يحس كإحساسها، فأتي بصيغة المضارع ليفيد الاستمرار ليحصل باستمراره صوت ويظهر، فافهم . وقوله: (عفرة إبطيه) أي: بياضهما على وزن حمرة، والأعفر الأبيض ليس بالشديد البياض، وهي عفراء، والاسم العفرة، والأعفر من الظباء: ما يعلو بياضه حمرة. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٨٥). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٦٢). (٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٥/ ٢١٣ - ٢١٤). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٦٥). ٢٤٧ (٦) كتاب الزكاة قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَفِي قَوْلِهِ: ((هَلَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمَّهِ أَوْ أَبِهِ فَيَنْظُرَ أَهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لاَ؟)) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ يُتَذَرَّعُ بِهِ إِلَى مَحْظُورٍ فَهُوَ مَحْظُورٌ، وَكُلُّ دَخِيلٍ (١) فِي الْعُقُودِ يُنْظَرُ هَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ عِنْدَ الإِنْفِرَادِ كَحُكْمِهِ عِنْدَ الإِقْتِرَانِ أَمْ لاَ؟ هَكَذَا فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ). [شرح السنة: ٤٩٨/٥] ١٧٨٠ - [٩] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطاً فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولاً يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٣٣]. وقوله: (يتذرع) أي: يتوسل به، من الذريعة بمعنى الوسيلة، فهو محظور، ومن ثم جاء: كل قرض جرَّ منفعة فهو ربا، وللوسائل حكم مقاصدها. وقوله: (وكل دخيل في العقود ... إلخ) يحتمل رفعه ونصبه، وفي شرح الشيخ: أن الرفع أحسن؛ لأنه لم يحرم بحكم هذا الدخيل، فتعين قطعه لتعذر العطف، والدليل إنما يدل على الحكم لا على التردد، فتأمل. ثم هذه الكُلِيَّة الثانية إنما تليق بمذهب من منع الحيل كمالك وأحمد، وأما الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما ممن يرى إباحة الحيل فلا ينظرون إلى هذا الدخيل، كذا في شرح الشيخ. ١٧٨٠ - [٩] قوله: (عدي بن عميرة) بفتح العين وكسر الميم وبالراء. وقوله: (فكتمنا) بفتحات متوالية، و(المخيط) بكسر الميم وسكون الخاء: الإبرة، والفوقية تحتمل الأعلى والأدنى، وهذا منع للساعي في الزكاة عن الخيانة، والغلول: (١) في نسخة : دخل. ٢٤٨ (٦) كتاب الزكاة * الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٧٨ - [١٠] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ ﴾ [التوبة: ٣٤] كُبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا أُفَرِّجُ عَنْكُمْ فَانْطَلَقَ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ! إِنَّهُ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَلَمْ يَفْرِضِ الزَّكَاةَ إِلَّ لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَإِنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ وَذَكَرَ كَلِمَةً لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ)) فَقَالَ: فَكَبَّرَ عُمَرُ، الخيانة، وقد يخص بالغنيمة، فيكون تشبيهاً. الفصل الثاني ١٧٨١ - [١٠] (ابن عباس) وقوله: (كبر) على وزن كرم، أي: شق وعظم؛ لأن ظاهره الوعيد على جمع المال قل أو كثر، وأن إنفاق كل المال فرض. وقوله: (إلا ليطيب ما بقي من أموالكم) فإذا أديتم الزكاة طاب وحلّ ما بقي، وإن اجتمع الكثير منه، فبين مل أن المراد بالكنز في الآية ما اجتمع بمنع الزكاة لا الجمع مطلقاً . وقوله: (وذكر كلمة) هذا قول الراوي، أي: ذكر رسول الله صلهو كلمة بعد (المواريث) لم أحفظها . وقوله: (لتكون لمن بعدكم) أي: فرض المواريث، إشارة إلى جمع المال ليكون للورثة، فلو امتنع جمع المال لم يكن زكاة ولا ميراث. وقوله: (قال) أي: ابن عباس: (فكبر عمر) رظُه فرحاً واستبشاراً لرفع الحرج ٢٤٩ (٦) كتاب الزكاة ثُمَّ قَالَ لَهُ: ((أَلاَ أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٦٤]. ١٧٨٢ - [١١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَين: (سَيَأْتِيكُمْ رُكَيْبٌ مُبْغَضُونَ، فَإِنْ جَاؤُوكُمْ فَرَحِّبُوا بِهِمْ، وَخَلُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَبْتَغُونَ، فَإِنْ عَدَلُوا فَلَأَنْفُسِهِمْ، وَإِنْ ظَلَمُوا فَعَلَيْهِمْ، وَأَرْضُوهُمْ، فَإِنَّ تَمَامَ زَكَاتِكُمْ رِضَاهُمْ، وَلْيَدْعُوا لَكُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٥٨٨]. ودفع الإشكال ودلالة على فخامة الأمر. (ثم قال له) أي: نبي الله وَّ العمر ظه إرشاداً إلى ما هو أنفع للمرء وأصلح بالحال من جمع المال، وهي المرأة الصالحة، وبيّن خيريتها بقوله: (إذا نظر إليها سرته) فيطيب بها وقته، (وإذا أمرها أطاعته) فيقضي عنها حاجته، (وإذا غاب عنها حفظته) في ماله ونفسها، يلمح إلى قوله تعالى: ﴿فَلِضََّلِحَتُ قَنِتَكُ حَفِظَتُ لِلْغَيْبِ﴾[النساء: ٣٤]، وتتضمنه فوائد أخر لا تعد ولا تحصى، أولاها وأعلاها حصول الأولاد، والمال يغدو ويروح وتعرضه الآفات. ١٧٨٢ - [١١] قوله: (جابر بن عتيك) على وزن شريك، و(ركيب) تصغير ركب، والمراد عمال الزكاة، والغالب أنهم معدودون قليلون فلذا صغر. وقوله: (مبغضون) على لفظ المفعول، أي: يبغضهم الناس بحكم الطبعية لطلبهم أموالهم ولسوء خلقهم وتشديدهم. وقوله: (فرحبوا بهم) أي: قولوا لهم: مرحباً بكم. وقوله: (وإن ظلموا) أي: بحسب زعمكم، أو على الفرض والتقدير مبالغة، ولو كانوا ظالمين حقيقة كيف يأمر بإرضائهم ودعائهم لكم؟! ٢٥٠ (٦) كتاب الزكاة ١٧٨٢ - [١٢] وَعَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ - يَعْنِي مِنَ الأَعْرَابِ - إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ لِهِ فَقَالُوا: إِنَّ نَاساً مِنَ الْمُصَدِّقِينَ يَأْتُونَا فَيَظْلِمُونَّا، فَقَالَ: ((أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَإِنْ ظَلَمُونَا؟ قَالَ: ((أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ وَإِنْ ظُلِمْتُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٥٨٩]. ١٧٨٤ - [١٣] وَعَنْ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَّةِ قَالَ: قُلْنَا: إِنَّ أَهْلَ الصَّدَقَةِ يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا، أَفَنَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرٍ مَا يَعْتَدُونَ؟ قَالَ: ((لَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٥٨٦]. ١٧٨٥ - [١٤] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْحَقِّ كَالْغَازِي فِي سَبِيلِ اللهِ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ)). رَوَاهُ أَبُّو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١٩٣٦، ت: ٦٤٥]. ١٧٨٣ - [١٢] (جرير بن عبدالله) قوله: (يأتونا) بتشديد النون، وكذا قوله: (فيظلمونا)، وفي بعض النسخ كلاهما بالتخفيف بحذف نون الإعراب. وقوله: (وإن ظلمتم) تأويله ما ذكر في الحديث الأول، والتعبير بصيغة المجهول إشارة إلى تسليتهم بأنه لا ضرر لكم بإدراك جزاء الصبر، بل هم المتضررون بظلمهم، فافهم . ١٧٨٤ - [١٣] (وعن بشير) على وزن الخبير (ابن الخصاصية) بفتح الخاء المعجمة وتخفيف الصاد المهملة وتشديد الياء التحتانية، وقد يخفف، وهي أمه. وقوله: (يعتدون) أي: يظلمون ويتجاوزون عن الحد. ١٧٨٥ - [١٤] (رافع بن خديج) قوله: (حتى يرجع إلى بيته) أي: يكون له ٢٥١ (٦) كتاب الزكاة ١٧٨٦ - [١٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ وَّل م قَالَ: ((لاَ جَلَبَ وَلاَ جَنَبَ، وَلاَ تُؤْخَذَ صَدَقَاتُهُمْ إِلاَّ فِي دُوْرِهِمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٥٩١]. ثواب ذهاباً وإياباً إلى حين الرجوع كما ثبت في الغازي والحاج. ١٧٨٦ - [١٥] (عمرو بن شعيب) قوله: (لا جلب ولا جنب) كلاهما متحرك الوسط، والجلب والجنب يكون في الزكاة، وفي سباق الفرس، فالجلب في الزكاة أن ينزل الساعي محلاً بعيداً عن الماشية، ولا يأتي مياههم وأماكنهم لأخذ الصدقات، ولكن يأمرهم أن يجلبوا نعمهم إليه. والجنب فيها أن ينزل بأقصى محال أهل الصدقة، ثم يؤمر بالأموال أن تُجْنَبَ، أي: تحضر، وكلاهما منهي عنه لما فيه من المشقة على المزكين، وفي الثاني أكثر، والأولى أن ينزل على مياههم وأمكنة مواشيهم وقريباً منهم. وقيل: الجنب أن يجنب، أي: يبعد رب الماشية بها عن محله، فيحتاج الساعي أن يتكلف ويأتي إليه، فالحاصل أن الجلب هو أن يُقَرِّب العاملُ أموال الناس إليه، والجنب أن يبعد صاحب المال ماله من العامل، فعلى التفسير الأول يكون حكم النهي يتعلق بالساعي، وعلى الثاني بالمعطي، وهذا أولى وأدخل في الفرق بينه وبين الجلب بخلاف التفسير السابق، فإنه لا فرق كثير بينهما عليه. وأما الجلب في السباق والرهان فهو أن يتبع فرسه رجلاً أو يركب فرسه إياه فیزجره ويجلب عليه ويصيح حثًّا له على الجري. والجنب فيه أن يجنب فرساً إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا أفتر المركوب تحول إلى المجنوب، وهذا أيضاً منهي عنه، وكلا المعنيين للجلب والجنب مذكور في اللغة، ومن الظاهر أن المراد في هذا الحديث هو المعنى الذي يكون في الزكاة لا في السباق. ٢٥٢ (٦) كتاب الزكاة ١٧٨٧ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِن ◌َِّ: ((مَنِ اسْتَفَادَ(١) مَالاً فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُمْ وَقَفُوْهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. [ت: ٦٣١]. قال التُّورِبِشْتِي(٢): ولعل الذي فسره بالمعنى الذي في الرهان لم يبلغه الحديث بتمامه، أو قال هذا القول في حديث آخر كقوله ويسير: (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام)، فأما الذي جعله أحد وجهي الحديث فإنه لم يصب لما ذكرنا من التعليل. ١٧٨٧ - [١٦] (ابن عمر) قوله: (وذكر) أي: الترمذي جماعةً من العلماء أنهم وقفوا هذا الحديث على ابن عمر ◌َ﴾، يعني أنهم قالوا: هذا قول ابن عمر، ولم يرفعه إلى رسول الله ◌َير، قال الترمذي بعد ما روى الحديث مرفوعاً: وروى أيوب وعبيدالله وغير واحد عن نافع عن ابن عمر حول﴾ موقوفاً. فقول المؤلف: (أنهم) بدل اشتمال من جماعة . (١) أي: ابتداءً عند الحنفية وهو مذهب مالك أيضاً، وقال الشافعي وأحمد: المستفاد لا يضم لهذا الحديث. قال شيخنا في ((التقرير)): دليل الحنفية ما يستفاد من كلام ابن الهمام في ((الفتح)) أن المستفاد من الأولاد والأرباح يضم بالاتفاق، فعلة الضم فيه عندنا التجانس وهو يوجد في المستفاد بسبب خارج وهو المتخلف فيه فيدخل فيه لا محالة. وتفصيله أن المستفاد في وسط الحول إن كان من غير الجنس للمال الأول فيستأنف حوله بالاتفاق، وإن كان من جنسه لكن الأول ليس من النصاب فيعتبر حوله من هذا الوقت بالاتفاق، وإن كان حصوله بسبب المال الأول كالأرباح والأولاد فيضم بالاتفاق، وإن كان من جنس الأول لكن حصوله لم يكن منه بل كان بسبب مستقل كالإرث وغيره فهذا المختلف ذكره. فالحديث ليس على عمومه بالاتفاق، فیشمل بعض الصور عنهم دون عندنا . (٢) ((كتاب الميسر)) (٢ / ١٧). ٢٥٣ (٦) كتاب الزكاة ١٧٨٨ - [١٧] وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ رَسُولَ اللهِنَّهِ فِي تَعْجِيلٍ صَدَقَةٍ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْ مِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٦٢٤، ت: ٦٧٨، جه: ١٧٩٥، دي: ١ / ٣٨٥]. ١٧٨٩ - [١٨] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َمه خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: ((أَلاَ مَنْ وَلِيَ(١) يَتِيماً لَهُ مَالٌ فَلْيَّجِرْ فِيهِ، وَلاَ يَتْرِكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: ١٧٨٨ - [١٧] (علي) قوله: (قبل أن تحل) أي: قبل أن يتم حولها، وتحل بكسر الحاء، يقال: حل الدين يحل بالكسر، حل العذاب يحل بالضم والكسر، كذا في بعض الشروح، وقد قرئ قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌ﴾ [طه: ٨١] بكسر الحاء وضمها، وبكسر اللام وضمها، هذا وقد يجعل من الحلال أو من الحلول، وفيه بعد، وهذا الحديث يؤيد التأويل الأوّل من التأويلين المذكورين لقوله وير: (وأما العباس فهي علي ومثلها معها) كما مر في الفصل الأول من حديث أبي هريرة ده. وقوله: (فرخص له في ذلك) وجواز تعجيل الزكاة هو المذهب عندنا وعند أكثر الأئمة لتحقق السبب وهو النصاب، وفيه خلاف مالك رحمه الله. ١٧٨٩ - [١٨] (عمرو بن شعيب) قوله: (حتى تأكله الصدقة)(٢) أي: تنقصه (١) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ اللَّمِ الْمَكْسُورَةِ، أَيْ: صَارَ وَلِيَّ يَِّيمٍ. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٢٧٥). (٢) قالت الأئمة الثلاثة بوجوب الزكاة في مال الصبي لهذا الحديث. وقال الإمام أبو حنيفة: لا زكاة في ماله، والجواب بعد ضعفه أنه يعارض حديث الرفع عن الصبي حتى يحتلم، وهو صححه الحاكم وغيره، فالمراد بالصدقات غير الزكاة من الحقوق المالية كالعشر والنفقات. كذا في ((التقرير)). ٢٥٤ (٦) كتاب الزكاة فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، لأَنَّ الْمُثَنَّى بْنَ الصَّبَّاحِ ضَعِيفٌ. [ت: ٦٤١]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٧٩٠ - [١٩] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا تُؤُفِّيَ النَّبِيُّ وَّهِ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، . و تفنيه . وقوله: (لأن المثنى بن الصباح ضعيف) قال أحمد رحمه الله: لا يسوى حديثه شيئاً، وروي عن ابن معين: هو رجل صالح في نفسه ليس بذلك، وقال النسائي: متروك، وقال ابن عدي: الضعف على حديثه بَيِّنٌ، كذا نقل عن (ميزان الاعتدال)(١). وفي (الكاشف) للذهبي(٢): قال أبو حاتم وغيره: لين الحديث، توفي سنة تسع وأربعين ومئة، ويظهر مما ذكر أن ضعف الحديث لضعف المثنى بن الصباح لا لأن ضمير جده يحتمل أن يكون لعمرو فيكون مرسلاً، أو لابنه فيكون منقطعاً، كما ذكرناه في غير موضع؛ لأنهم عَدُّوا هذا الإسناد في المراتب الخمس التي عدوها في الصحيح على أن الحق أن الضمير لعمرو، كما في أمثاله على ما لا يخفى على المتتبع، فيكون مرسلاً وهو قد يكون صحيحاً. الْفَصْلِ الثَّالِث ١٧٩٠ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (وكفر من كفر من العرب) لأنهم أنكروا وجوب الزكاة، ولحقوا بمسيلمة، فيكون كفراً حقيقة، لأن وجوبها مما علم كونه من الدين (١) ((ميزان الاعتدال)) (٣/ ٤٣٥). (٢) («الكاشف)» (٢/ ٢٣٩، رقم: ٥٢٨٠). ٢٥٥ (٦) كتاب الزكاة قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ»؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقاً. بالضرورة، أو امتنعوا منها فيكون تسميته كفراً تغليظاً. وفي شرح الشيخ: لعل بعضهم أنكروا، وبعضهم منعوا، فصح إطلاق الكفر عليهم تارة ونفيه أخرى، وقد أخذ عمر ځته بالظاهر، فلما تبين له حقيقة الحال وافق أبا بكر كما قال: (فعرفت أنه الحق)، وقيل: كان أهل الردة ثلاثة أصناف: صنف عادوا إلى عبادة الأوثان، وصنف تبعوا مسيلمة والأسود، وصنف استمروا على الإسلام لكنهم جحدوا الزكاة، وتأولوا بأنها مخصوصة بزمان النبي ◌َّ، وهم الذين ناظر عمر أبا بكر ثه في قتالهم كما وقع في حديث الباب(١). قوله: (إلا بحقه) أي: حق الإسلام، كما جاء صريحاً في رواية أخرى. وقوله: (من فرق) بالتشديد (بين الصلاة والزكاة) بالقول بوجوب الأولى وإنكار وجوب الثانية، أو بإتيان الأولى ومنع الثانية . وقوله: (عناقاً) بفتح العين: هي أنثى ولد الضأن ما لم يبلغ سنة، وفي رواية : (١) في هامش ((اللامع)): قوله: (كفر من كفر ... إلخ) قد صار هؤلاء إلى ثلاث فرق، منهم من ارتد عن الإسلام، ومنهم من أنكر فرضية الزكاة، ومنهم أنكر أداءها إليه - أبي بكر ﴿ه - وإن أقر بأنها فريضة الله على عباده، والأولان منهم كافرون دون الثالث، فإطلاق (كفر من كفر) في الرواية تغليب، أو المقصود بيان الكافرين لا الثالث، وكان هؤلاء الذين أبوا أن يؤدوها إلى الإمام بغاةً، وكان اختلاف عمر رضيالله فى هذا. وقال شيخنا: كان اختلاف الشيخين في هذا الصنف بوجوه، الأول: أنه يبعد عن عمر أن يتردد في قتال الجاهلين عن الزكاة، والثاني: في ورود استثناء الزكاة عدة روايات، مختصراً. انظر: (لامع الدراري)) (١٢/٥ - ١٣). ٢٥٦ (٦) كتاب الزكاة كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِوَ﴿ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّ رَأَيْتُ أَنَّ اللهَشَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٩٩، م: ٢٠]. ١٧٩١ - [٢٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعاً أَفْرَعَ بَفِرُ مِنْهُ صَاحِبُهُ، وَهُوَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يُلْقِمَهُ أَصَابِعَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢ / ٢٧٩]. ١٧٩٢ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((مَا مِنْ رَجُلِ لاَ يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّ جَعَلَ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عُنُقِهِ شُجَاعاً)، ثُمَّ قَرَّأَ عَلَيْنَاَ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللهِ. (عقالاً) وهو بالكسر: زكاة عام من الإبل والغنم، كذا في (القاموس)(١). وقوله: (لقاتلتهم) لكفرهم وارتدادهم، أو حفظاً لشعار الإسلام وسدّ باب الفتنة. وقوله: (ما هو) أي: شأني وحالي في هذه المحاجة. وقوله: (إلا أن رأيت) أي: اتضح فظهر لي، أو التقدير: ليس الأمر شيئاً من الأشياء إلا علمي بأن أبا بكر محق، فالضمير مبهم يفسره ما بعده، فافهم. ١٧٩١ - [٢٠] (عنه) قوله: (حتى يلقمه) بضم الياء والضمير المرفوع لصاحب الكنز، والمنصوب للشجاع، و(أصابعه) مفعول ثان، وإلقام الأصابع لأن منع الزكاة كان باليد، لأن أثر الجود والبخل يظهر فيها، أو كما هو العادة عند الخوف. ١٧٩٢ - [٢١] (ابن مسعود) قوله: (مصداقه) بالنصب مفعول (قرأ)، أي: (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٥٢). ٢٥٧ (٦) كتاب الزكاة ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٨٠]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٠١٢، ن: ٢٤٤١، جه: ١٧٨٤]. ١٧٩٣ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: (مَا خَالَطَتِ الزَّكَاةُ مَالاَ قَطُّ إِلاَّ أَهْلَكَنْهُ)). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْبُخَارِيُّ فِي ((تَرِيخِهِ))، وَالْحُمَيْدِيُّ. [مسند الشافعي: ٦٠٧، التاريخ الكبير: ١/ ١٨٠، رقم: ٥٤٩، مسند الحميدي: ٢٣٩]. وَزَادَ: قَالَ: يَكُونُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ صَدَقَةٌ فَلاَ تُخْرِ جُهَا فَيُهْلِكُ الْحَرَامُ الْحَلاَلَ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ يَرَى تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ، . ما يصدقه ویوافقه . ١٧٩٣ - [٢٢] (عائشة) قوله: (ما خالطت الزكاة مالاً) بأن لم يخرج منه، والمراد بالإهلاك إما المحو والاستئصال، أو جعله حراماً بمخالطتها، والحرام لا ينتفع به شرعاً فكأنه هلك. وقوله: (وزاد) أي: الحميدي في تفسير المراد بمخالطة الزكاة المهلكة. وقوله: (وقد احتج به من يرى تعلق الزكاة بالعين) وهم الأئمة الثلاثة ومن تبعهم، ولهذا لا يجوزون دفع القيم في الزكاة؛ لأنها قربة تعلقت بمحل، فلا يتأدى بغيره كالهدايا والضحايا، وتعلق الزكاة بالمال عندهم تعلق شركة؛ لأن المنصوص عليه إنما هو الشاة، فالشارع أوجب المنصوص عليه عيناً، والواجب لا يسع تركه، ولنا أن الأمر بالأداء إلى الفقير إيصال للرزق الموعود إليه بقوله: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلََّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، الرزق عبارة عما يقع به الكفاية، وذا يختلف باختلاف الحوائج، ٢٥٨ (٦) كتاب الزكاة ثم أوجب مالاً مسمى على الأغنياء بنفسه، وأمر بإنجاز تلك المواعيد من ذلك المسمى، وذا لا يحتمله مع اختلاف المواعيد، فيتضمن الأمر بالإنجاز والإذن بالاستبدال، وبطلان قيد الشاة بعينه، كالسلطان يجهز الغزاة آلات الحرب إلى بعض وكلائه من مال بعينه له عنده، فإنه يكون إذناً منه له بالاستبدال، فصار كالجزية يؤخذ فيها قدر الواجب كما يؤخذ عينه، وإنما لم تجز القيمة في الضحايا والهدايا لأن القربة إراقة الدم وهي غير معقولة، وفي المتنازع فيه سد حاجة المحتاج وهو معقول، قد روى البخاري معلقاً: عن طاوس أن معاذاً قال لأهل اليمن: ائتوني بعَرْض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة، مكان الشعير والذرة أهونُ عليكم، وخير لأصحاب النَّبِي ◌َّ بالمدينة(١). وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه)(٢) بإسناد له: أبصر النبي ◌َ * ناقة حسنة في إبل الصدقة فقال: (ما هذه؟) قال صاحب الصدقة: إني ارتجعتها ببعيرين من حواشي الإبل. فعلمنا أن التنصيص على الأسنان المخصوصة والشاة لبيان قدر المالية وتخصيصها في التعبير لأنها أسهل على أرباب المواشي، كذا في شرح الشيخ ابن الهمام(٣) . هذا وتخصيص الاحتجاج بالحديث بمن يرى تعلق الزكاة بالعين دون من يرى تعلقها بالذمة محل نظر؛ لأن المخالطة بالمال وإهلاك الحرام للحلال وأكل الصدقة حاصل على قوله أيضاً، نظراً إلى المعنى وإن لم يكن صورة، لأنه لما تعلق الحق بذمته (١) ((صحيح البخاري)) ٣٣ - باب العرض في الزكاة، ٢٤ - كتاب الزكاة. (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٦ / ٤٠٣، رقم: ١٠٠٠٧) ما يكره للمصدق أخذه من الإبل. (٣) ((شرح فتح القدير)) (٢/ ١٩٣). ٢٥٩ (٦) كتاب الزكاة هَكَذَا فِي ((الْمُنْتُقَى)). وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَائِشَةَ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي ((خَالَطَتْ)): تَفْسِيرُهُ أَنَّ الرَّجُلَ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ وَهُوَ مُوسِرٌ أَوْ غَنِيٌّ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلْفَقْرَاءِ. [شعب: ٣٢٤٦]. ١ - باب، يجب في الزكاة تعلق بماله أيضاً معنى، لكن يكون فيه شبهة، ويكفي في المنع التقوى والاحتياط، فتأمل . وقوله: (هكذا في المنتقى) كتاب لابن عبد البر(١)، فإنه ذكر فيه الاحتجاج المذكور . وقوله: (وهو موسر أو غني) شك، أو تنويع إن جعل الغنى أخص من اليسار، كذا في شرح الشيخ، أو قد يجيء اليسر بمعنى الغنى وبمعنى السهولة ضد العسر فيتغايران. ١ - باب ما يجب فيه الزكاة قد اتفقوا على وجوب الزكاة في الأنعام والأثمان والعروض وسائر أموال التجارة، واختلفوا في البقول والخضراوات والفواكه التي لا تبقى ولا تدخر إلى تمام السنة، فعند الأئمة لا تجب فيها الزكاة، وفي التمر والزبيب يجب إذا كان خمسة أوسق فصاعداً، وعند أبي حنيفة رحمه الله يجب العشر في كل ما يخرج من الأرض قليلاً كان أو كثيراً، لا في القصب والحطب والحشيش، والحجة لأبي حنيفة قوله ◌َّه: (ما أخرجته الأرض ففيه العشر)(٢)، وتفاصيل هذا الباب يطلب من كتب الفقه. (١) كذا في الأصول، والصواب: لابن تيمية. (٢) انظر: ((نصب الراية)) (٢ / ٣٨٤). ٢٦٠ (١) باب ما يجب فيه الزكاة * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٧٩٤ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخِدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ مِنَ الثَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ. الفصل الأول ١٧٩٤ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق) جمع وسق بالتحريك، وهو ستون صاعاً، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث رطل(١)، وقد ذكرنا تحقيقه وتطبيقه بوزن ديارنا في (شرح سفر السعادة)(٢)، فليطلب ثمة، و(الأواق) جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد الياء، وهي في ذلك الزمن كان أربعون درهماً، والآن يختلف باختلاف البلاد ويعتبر بما كان، و(الورق) بفتح الواو وكسر الراء: الفضة، و(الذود) بالذال المعجمة ما بين الاثنين والتسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، اسم (١) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كُلُّ مُدِّ رِطْلاَنٍ، وَالرِّطْلُ مِثَةٌ وَثَلاَثُونَ دِرْهَماً، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَقَالَ بَعْضُ أَثِمَّتِنَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ قَدْرُ ثَمَانِ مِئَّةٍ مِنْ كُلِّ مِنْ مِئْتَيْ بِرْهَمٍ وَسِتِينَ دِرْهَماً. قَالَ الْمَظْهِرُ: هَذَا دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَا الْحَالُ فِي الزَّبِيبِ وَالْحُبُوبِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِفَةَ: يَجِبُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثَّمْرِ وَالزَّبِيِبِ وَغَيْرِهَا، مِنَ النَّبَاتِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ حُجَّةٌ لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي عَدم الوُجُوبِ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةً أَوْسُقٍ، وَأَوَّلَهُ أَبُو حَنِفَةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ، لأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِالأَوْسَاقِ، وَقِيمَةُ الْوَسْقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَماً، انتهى. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٢٧٩). وأورد عليه في ((الكوكب الدري)) (٢/ ١١): أن ما في الوسق من الحنطة والشعير وغير ذلك مختلف، فكيف يحكم بالكلية أن قيمته أربعون درهماً، ثم وجهه، فارجع إليه لو شئت، وأجاب عن الحديث في ((الأوجز)) (٥ / ٤٩٨ - ٥٠١) بعشر وجوه. (٢) ((شرح سفر السعادة)) (ص: ٢٧٩).