النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(٥) كتاب الجنائز
٧- باب البكاء على الميت
٧ - باب البكاء على الميت
البكاء على الميت من غير نوح وصياح ورفع صوت لا بأس به، كذا في
(المحيط)(١)، ويكره الندبة والنوح وذكر مدائح الميت بإفراط مما هو شبيه بالمحال كما
هو عادة الجاهلية، وأما أصل الثناء على الميت فلا يكره، وقد جاء في الآثار والأخبار،
وقال النبي ◌َّ في حق ابن رواحة حين استشهد (كان أولنا وصولاً وآخرنا قفولاً، وكان
يصلي الصلاة لوقتها معنا)(٢)، ويكره تحديد المصائب فوق ثلاثة أيام، وفي رأس المقابر،
وتستحب التعزية قبل الدفن وبعده إلى ثلاثة أيام، ويكره الجلوس على الأبواب، كذا
في (درر البحور). ويستحب أن يقال لصاحب التعزية: غفر الله لميتك، ورزقك الصبر
على مصيبتك، وآجرك على موته، وعن بعض مشايخنا: لا بأس بأن يجلسوا للمأتم
ثلاثة أيام، ويكره الزيادة عليها، وقال بعضهم: إلى سبعة أيام، وقال عطاء الخراساني:
لما مات آدم بكت الخلائق سبعة أيام، وقال كثير من المتأخرين: يكره الاجتماع عند
صاحب الميت، ويكره له أن يجلس في بيته حتى يؤتى ويعزى، إذا فرغ من دفنه ورجع
الناس فليتفرقوا، واشتغل صاحب الميت بأمره، ويشتغل الناس بأمورهم، وروى الحسن
ابن زياد عن أبي حنيفة - رحمه الله -: إذا عزى أهل الميت مرة فلا ينبغي للذي عزاه مرة
أن يعزي مرة أخرى، وجاء في ذلك الخبر المروي، وقال بعض مشايخ بخارى: تعزية
الحاضر ثلاثة أيام، وتعزية الغائب في يوم واحد، كذا في (مفاتيح المسائل).
ويكره الجلوس على باب الدار لأنه عمل الجاهلية، ونهى النبي ◌ّر عن ذلك،
(١) ((المحيط البرهاني)) (٢ / ١٧٦).
(٢) نقل هذه الرواية ابن عساكر في ((تاريخه)) (٢٨/ ١٢٧)، والسرخسي في («سيره)) (١ /١٨).

١٨٢
(٧) باب البكاء على الميت
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٧٢٢ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّلِ عَلَى أَبِي سَيْفٍ
الْقَيْنِ، وَكَانَ ظِئْراً لإِبْرَاهِيمَ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ تَِّ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ...
وما يصنع في بلاد العجم من فرش البسط والقيام على قوارع الطريق من أقبح القبائح،
كذا في (الظهيرية). وكره التعزية عند القبر، كذا في (القنية). وفي (جمع التفاريق):
لا بأس بالجلوس ثلاثة أيام في بيت أو مسجد، جلس رسول الله ◌َّ لما قتل جعفر وزيد
ابن حارثة وابن رواحة والناس یأتونه، ولو قال للمعزی: بزرگ مصییتی یا سخت مصییتی
ترا رسيد، بعض المشايخ قالو: إنه يكفر، وبعضهم قالوا: إنه ليس بكفر، ولكنه خطأ
عظيم، قالوا: ليس بخطأ ولا كفر، وإليه مال الحاكم وعليه الفتوى، ولو قال: هرچه
از جان أو بكاست در جان تو زيادت باد، يخشى على قائله الكفر، ولو قال: زيادت
كناد، فهذا خطأ وجهل، ذكر هذا كله في (مطالب المؤمنين).
الفصل الأول
١٧٢٢ - [١] (عن أنس) قوله: (القين) هو الحداد، واسمه البراء بن أعوش،
واسم زوجته خولة بنت المنذر.
وقوله: (وكان ظئراً لإبراهيم) أي: زوج مرضعته، في (القاموس)(١): الظئر:
العاطفة على ولد غيرها، المرضعة له في الناس وغيرهم، للذكر والأنثى. وإبراهيم كان
ابن سنتين، وفي رواية: ابن ستة عشر شهراً وثمانية أيام، وفي رواية: ابن سنة وعشرة
أشهر وستة أيام، وبالجملة كان في مدة الرضاع، وقد سبق شيء من الكلام مما يتعلق
به في (باب صلاة الخسوف).
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٠٣).

١٨٣
(٥) كتاب الجنائز
ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهَُِّ
تَذْرِفَانٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَقَالَ:
(يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ)) ثُمَّ أَنْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ: ((إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ
يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلَّ مَا يَرْضِ رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ)).
مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٣، م: ٢٣١٥].
وقوله: (ثم دخلنا) أي: مع رسول الله وَله .
وقوله: (يجود بنفسه) جاد بنفسه: قَارَبَ أَنْ يَقْضِيَ، من الجود، كأنه يجود بها
كما يجود بماله، وفي هذا التعبير إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن لا يضيق فزعاً عند
الموت؛ لأن الحياة عارية .
وقوله: (تذرفان) ذرفت العین: سال دمعها، وذرف الدمع: سال، من باب
ضرب.
وقوله: (وأنت يا رسول الله) تعجب واستبعاد لصدوره منه وَّ؛ لدلالته في الظاهر
على الضعف وعدم تحمل المصيبة، والواو للعطف على محذوف، أي: الناس بيكون
وأنت تبكي مثلهم.
وقوله: (إنها رحمة) أي: هذا الدمع أثر رحمة ورأفة على المقبوض بمشاهدة
حالته التي ابتلي بها من شدة الأمر وضعف البنية، لا من الجزع كما توهمت.
وقوله: (ثم أتبعها بأخرى) أي: أتبع الدمعة بدمعة أخرى، أو الكلمة بكلمة
أخرى، ويلائمه قوله: (فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن) من باب سمع لازم،
ومن نصر متعد، أي: أنها جبلة للمؤمن الرقيق القلب، ورحمة من الله أودعت فيه(١).
(١) في هذا الحديث فوائد جليلة ذكرها الحافظ في ((فتح الباري)) (٣/ ١٥٨) فلينظر ثمة.

١٨٤
(٧) باب البكاء على الميت
١٧٢٣ - [٢] وَعَنْ أَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ ◌َّهِ إِلَيْهِ:
إِنَّ ابْتَأَ لِي قُبِضَ فَأُتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِىءُ السَّلاَمَ.
والتحقيق في هذا الباب أن كماله ◌َّ كمال بشري على الإطلاق، يشمل جميع
اللطائف والقوى الظاهرة والباطنة، كما هو اللائق بحال البشر الجامع لصفات الروح
والنفس والطبيعة على خلاف حال الملائكة، وكان يعطي كل شيء حقه، وتظهر منه آثار
جميع الحواس والقوى، فما كان منها مقدوراً يصدر بالقدرة والاختيار، وما لم يكن
مقدوراً بحكم الطبيعة والاضطرار، وإلا يلزم النقصان، ولكن الكل موافق للحق
والحكمة، وهذا دليل سلامة الحواس والقوى، فله ◌ّ في كل مرتبة تمام وكمال، وهذا
أحد وجوه وجودِ سكرات الموت في حقه أَّۇ .
قال أهل التحقيق من السادة الصوفية - قدس الله أسرارهم -: إن جميع اللطائف
من الطبيعة والنفس والروح والقلب والسر في أرباب التمكين في العمل فرادى من غير
خلط ومزج بين هذه اللطائف وأعمالها وآثارها، فالسر متصل بذات الله تعالى وتقدس،
والروح مستغرق بمحبته، والقلب مشغول بذكره، والنفس عامل بخدمته، والطبيعة تأخذ
من الحظوظ ما يقوم به البدن، والكل مطيع ومنقاد للحق فيما خلق لأجله، والله أعلم.
١٧٢٣ - [٢] (أسامة بن زيد) قوله: (ابنة النبي ◌ِّز) وهي زينب زوجة أبي العاص.
وقوله: (إن ابنا لي قبض)(١) أي: أشرف على الموت وحان أن تقبض روحه.
وقوله: (فأرسل) أي: النبي ◌َّم أحداً إليها حال كونه (يقرئ)ها (السلام) بضم
الياء .
(١) قِيلَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ عَاشَ حَتَّى نَاهَزَ الْحُلُمَ، وَمِثْلُهُ لاَ يُقَالُ لَهُ صَبِيٌّ عُرْفاً،
بَلْ لُغَةً، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْوَضْعَ اللُّغَوِيَّ يَكْفِي هُنَا، وَقِيلَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ أُمَامَةُ بِنْتُ أَبِ الْعَاصِ، كَمَا
ثَبَتَ فِي ((مُسْنَدِ أَحْمَدَ)). ((مرقاة المفاتيح)) (١٢٣١/٣).

١٨٥
(٥) كتاب الجنائز
وَيَقُولُ: (إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى، فَلْتَصْبِرْ
وَلْتَحْتَسِبْ)). فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ
وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَبُّ بِنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللهَِّه
الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا هَذَا؟
فَقَالَ: ((هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، فَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ
الرُّحَمَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٨٤، م: ٩٢٣].
١٧٢٤ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَّى
لَهُ، فَتَاهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ
وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَاشِيَةٍ، .
وقوله: (فلتصبر) أمر الغائبة، (ولتحتسب) أي: تدخر ثواب فقد الابن والصبر
عليه عند الله، حتى يجعل في حسابها، كذا في شرح الشيخ، والمعنى: فلتصبر ولتحتسب
ثوابه في أعمالها، من الحسبة.
وقوله: (ومعه سعد بن عبادة)، وفي (المصابيح): ومعه سعد بن عبادة ورجال.
وقوله: (تتقعقع) أي: تضطرب، والقعقعة: حكاية صوت السلاح، وصوت
الأسنان لشدة وقعها في الأكل، وتحريك الشيء اليابس الصلب مع صوت.
١٧٢٤ - [٣] (عبدالله بن عمر) قوله: (فوجده) بالفاء في أكثر النسخ، وفي نسخة
الفربري بلا (فاء)، كذا في نسخ (المصابيح)، وهو الأظهر.
وقوله: (في غاشية) أي: في داهية تتغشاه من كرب ووجع، ولم يُرِدْ به حالة
الموت؛ لأنه قد برأ من ذلك المرض، وعاش بعد النبي ◌ُّ، ومات في خلافة عمر،
وقيل: في خلافة أبي بكر ﴾، أو في جماعة حاضرة عنده أحاطت به للخدمة

١٨٦
(٧) باب البكاء على الميت
فَقَالَ: ((قَدْ قُضِي؟)) قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ نَّهِ، فَلَمَّا رَأَى
الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ بَّهِ بَكَوْا، فَقَالَ: ((أَلاَ تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ
الْعَيْنِ وَلاَ بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَ)) وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِ((أَوْ يَرْحَمُ،
وَإِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٠٤، م: ٩٢٤].
والعيادة ونحوهما.
وقوله: (قد قضي) بصيغة المجهول، وقد يروى بالمعلوم على طريق الاستفهام،
أو قال على ظن الموت، لكن ظاهر حاله كذلك، وهذا اللفظ ربما ينظر إلى المعنى
الأول، وما جاء في رواية: (وجده على غشية)، كذا قال الُّورِبِشْتِي(١).
وقوله: (أو يرحم) أي: بهذا إن قال خيراً، مثل أن يقول: إنا واصلون إليه
راجعون، ورضينا بقضاء الله، ومثل ذلك.
وقوله: (وإن الميت ليعذب ببكاء أهله) عليه، أي: مع إطالة اللسان فيما لا يعني.
اعلم أن ابن عمر روى هذا عن أبيه ظه، وأنكرت عليه عائشة لما سمعت حديثه
هذا، وقالت: ذُهِلَ ابن عمر، وفي رواية: رحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئاً فلم
يحفظه، إنما مرت على رسول الله بَّ﴿ جنازةُ يهودي - وفي رواية: جنازة يهودية - وهم
یبکون علیه، فقال: (إنه یعذب وهم یبکون)، فليس المراد أن تعذيبه بسبب بكائهم،
بل مقارن له وواقع في تلك الحالة، فالباء في قوله: (ببكاء) للملابسة والمصاحبة،
لا للسببية كما فهمه ابن عمر، فردّ عائشة على ابن عمر ليس في عدم صحة الحديث،
بل في تأويله وفهم معناه، فإن الحديث صحيح، رواه عمر وابن عمر والمغيرة بن شعبة،
ولم يذكر أحدهم حديث اليهودي أو اليهودية، وقد احتجت عليهم عائشة بقوله تعالى:
(١) ((الميسر)) (٢ / ٤٠١).

١٨٧
(٥) كتاب الجنائز
﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وظهر مما ذكرنا من التقرير أن ليس مقصود عائشة أن الحديث
واقع في مادة مخصوصة، وأن التعذيب ببكاء الأهل في مادة الكفار، بل المقصود أن
تعذيب الميت ليس بسبب بكاء أهله في شيء من المواد أصلاً، بل هو مقارن له في
المادة المخصوصة، فافهم.
ثم إن العلماء أولوا الحديث بتأويلات أخر لا يلزم بها التعذيب بفعل الغير،
فقيل: إن ذلك إذا كان الميت راضياً به في حال حياته، وقد أمرهم وأوصاهم به، كما
كانوا يفعلونه في الجاهلية، فحينئذ يعذب ببكاء أهله؛ لأن بكاءهم بواسطة فعله، وقيل:
ليس المراد تعذيبه ببكائهم بعد الموت، بل المراد بالميت من أشرف على الموت، كما
في حديث: (لقنوا موتاكم)، والمراد بالعذاب ما يتأذى به من جزعهم وصراخهم وهو
في کرب الموت، فيصير صنيعهم زيادة في كربه، فيقع ذلك منهم موقع التعذيب، وقد
روى مسلم(١) عن أنس: أن عمر بن الخطاب لما طُعِنَ عَوَّلَتْ عليه حفصة، فقال:
يا حفصة أما سمعتِ رسول الله ◌ِ ﴿ يقول: (المعوَّل عليه يُعَّذب؟) وعَوَّلَ عليه صهيبٌ،
فقال عمر لصهيب مثل ذلك، ويفهم منه ظاهراً أن المراد بالتعذيب مثل ما ذكرنا،
لا التعذيب بعد الموت، فإن ذلك ببكائهم ونوحهم عليه بعد الموت، وضعف الطيبي
هذا التأويل لما ورد في بعض الروايات: (أن الميت يعذب ببكاء الحي) (٢)، وفي رواية:
(يعذب في قبره)(٣)، وفي منافاة الرواية الأولى من هذين الروايتين للتأويل المذكور
نظر، نعم الرواية الثانية تنافيه، والجواب أن يحمل هذا الحديث على الميت الذي أوصى
(١) ((صحيح مسلم)) (٩٢٧).
(٢) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (١٢٩٠).
(٣) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٣٩٧٨).

١٨٨
(٧) باب البكاء على الميت
١٧٢٥ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لَيْسَ
مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ١٢٩٤، م: ١٠٣].
١٧٢٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةً قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى فَأَقْبَلَتِ
اهْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللهِ تَصِيحُ بِرَّةٍ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي؟ وَكَانَ يُحَدِّثُهَا أَنَّ
رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ: ((أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَصَلَقَ وَخَرَقَ)).
بالنياحة عليه، والحديث الآخر محتمل للوجهين من التأويل، كذا قال التُّورِبِشْتِي(١)،
والله أعلم.
١٧٢٥ - [٤] (عبدالله بن مسعود) قوله: (ودعا بدعوى الجاهلية) كالدعاء بالويل
والثبور، كما تفعله النوائح.
١٧٢٦ - [٥] (أبو بردة) قوله: (تصيح برنة) بفتح الراء وتشديد النون، في
(القاموس)(٢): الرنة: الصوت، رَنَّ يَرِنُّ رنيناً: صاح، وفي (النهاية)(٣): صوت مع
البكاء فيه ترجيع، ولعل هذا أوجه في معنى الحديث.
وقوله: (أن رسول الله وَ ﴾) يتعلق بـ (ألم تعلمي)، و(يحدثها) سبيل التنازع.
وقوله: (حلق) أي: الرأس عند المصيبة، (وصلق) أي: صات صوتاً، كذا في
(القاموس)(٤)، وفي (النهاية)(٥): هو الصوت الشديد، (وخرق) أي: الجيوب، ويروى:
-
(١) ((الميسر)) (٢ / ٤٠٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٠٧).
(٣) ((النهاية)) (٢ / ٢٧١).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٣٠).
(٥) ((النهاية)) (٣ / ٤٨).

١٨٩
(٥) كتاب الجنائز
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظَهُ لِمُسْلِمٍ. [خ: ١٢٩٦، م: ١٠٤].
١٧٢٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ:
(أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لاَ يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ
فِي الأَنْسَابِ، وَالإِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنَِّاحَةُ».
وَقَالَ: ((النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا ..
(سلق) بالسين، وهو أيضاً بمعنى عدا وصاح، والسين والصاد كثيراً ما يتناوبان.
١٧٢٧ - [٦] (أبو مالك الأشعري) قوله: (لا يتركونهن) قال التُّورِبِشْتِي(١):
أراد أن الأمة بأسرهم لا يتركونها، إن تركها طائفة تمسك بها آخرون.
وقوله: (الفخر في الأحساب) الفخر والفخار: التمدح والتعظيم، والحسب:
ما يعده الرجل من مفاخر آبائه وشرفهم ومجدهم وفضائل نفسه وكرمه. (والطعن في
الأنساب) أي: العيب في أنساب الغير، وهو أن يعظم آباءه ويحقر آباء غيره، اللهم إلا
بالإسلام والكفر، كذا قال الطيبي(٢). (والاستسقاء بالنجوم) أي: توقع الأمطار عند وقوع
النجوم في منازلها، كما جاء في الحديث: (يقولون: مُطِرْناً بِنَوْءِ كذا)(٣) أي: يقولون:
إذا جاء الكوكب الفلاني في منزل كذا جاء المطر، وفي هذا زجر ومنع عن التمسك
بقواعد النجوم. (وقال) الضمير لرسول الله إليه .
وقوله: (النائحة) مبتدأ و(تقام) خبره، مقول القول.
وقوله: (إذا لم تتب قبل موتها) إنما قال هذا لأن من شرط التوبة أن يكون
في حالة الاختيار، وأن يكون قبل مشاهدة أحوال الموت، وهو المشار إليه
(١) ((الميسر)) (٢ / ٤٠٣).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٣/ ٣٩٥).
(٣) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٧١).

١٩٠
(٧) باب البكاء على الميت
تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ٩٣٤].
بقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّيَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ الآية
[النساء: ١٧].
وقوله: (تقام) أي: تحشر، أو تقام في الموقف، وهذا أظهر.
وقوله: (وعليها سربال) أي: قميص كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِلُهُم مِّن
قَطِرَانٍ ﴾ [إبراهيم: ٥٠].
قال البيضاوي(١): أي: قمصانهم، و(القطران) بكسر الطاء وسكونها: دهن
يتحلب من شجر معروف، ثم يطبخ ويسرج به؛ لأنه أشد في اشتعال النار، ويطلى به
الإبل الجربى، حارٌّ مُحْرِقٌ للجلد، و(الدرع) قميص المرأة، والسربال أعم، وذكره
مع السربال تأكيد ومبالغة، وإشارة إلى أنه يجمع بينهما.
و(الجرب) محركة: داء معروف، يعني يسلط على أعضائها الجرب والحكة،
ويطلى بالقطران ليداوى به زيادة في الألم والبشاعة .
وقال الشيخ التُّورِبِشْتِي(٢): إنا نظرنا إلى المناسبات الواقعة بين الذنوب وبين
عقوبتها فوجدنا لتعذيبها بالجرب وجهين :
أحدهما: أنها كانت تخمش وجهها فابتليت بما لا صبر لها عليه إلا بالخمش
والتمزيق .
والآخر: أنها كانت تجرح بكلماتها المُرِقَّة قلوبَ ذوات المصيبات، وتحرك بها
بواطنهم، فعوقبت في ذلك المعنى بما يماثله في الصورة، والله أعلم.
(١) (تفسير البيضاوي)) (٣/ ٢٠٤).
(٢) ((الميسر)) (٢ / ٤٠٥).

١٩١
(٥) كتاب الجنائز
١٧٢٨ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َهَ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ،
فَقَالَ: ((اتَّقِ اللهَ وَاصْبِرِي)) قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي،
وَلَمْ تَعْرِفُهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ◌َهِ. فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ◌َهِ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ
بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ: ((إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى)).
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٨٣، م: ٩٢٦].
١٧٢٨ - [٧] (أنس) قوله: (إليك عني) أي: تنح عني و(إليك) من أسماء الأفعال
بمعنی أبعد .
وقوله: (فلم تجد عنده بوابين) كأنه كانت استشعرت في نفسها خوفاً وهيبة من
رسول الله وَلجر، وظنت أنه مثل الملوك والسلاطين فلا أجد مجال الدخول عليه حتى
أعتذر عن خطيئتي فطابت نفسها بذلك.
وقوله: (لم أعرفك) أي: تبت وامتنعت عن البكاء والجزع، وامتثلت أمرك،
ولم أعرفك قبل حتى أمتثل أمرك، أو هو اعتذار عما أساءت الأدب بحضرته، وقالت
ما قالت، فافهم.
وقوله: (إنما الصبر) أي: الصبر الكامل المعتد به (عند الصدمة الأولى) أي عند
وقع المصيبة وقربها، فأما بعد ذلك فلا محالة تصبر، وهذا الجواب من الأسلوب الحكيم
أي: دعي الاعتذار عني، فإن من شيمتي أن لا أغضب لنفسي وأنت لم تقصديني بذلك
ولم تعرفيني وكنت معذورة، وانظري إلى تفويتك الثواب بالجزع. و(الصدم) ضرب
صلب بمثله، وإصابة الأمر، والمعنى الأخير أظهر، ولكن في الأول إشارة إلى ضرب
صلابة المصيبة بالقلب الذي هو صلب وشديد في تحمل الشدائد، وكسره ويجعله ليناً
ورقيقاً.

١٩٢
(٧) باب البكاء على الميت
١٧٢٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لاَ يَمُوتُ
لِمُسْلِمٍ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَلِجُ النَّارَ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ:
٦٦٥٦، م: ٢٦٣٢].
١٧٢٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فيلج) روي بالنصب والرفع، وفي النصب
إشكال؛ لأن النصب بتقدير (أن) مشروط بوجود سببية ما قبل الفاء لما بعدها، وهي
ههنا غير ظاهرة، وفي شرح الشيخ: بالنصب بظاهر الفاء، ولا يخفى ما فيه، وأما الرفع
فلكون الفاء بمعنى الواو، والمراد عدم اجتماع موت ثلاثة من أولاده وولوجه النار، أو
الفاء على حقيقتها، فيدل على عدم وجود الولوج عقيب الموت.
وقوله: (إلا تحلة القسم) تحلة مصدر بمعنى التحليل، يقال: حللته تحليلاً
وتحلة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، شرع لكم تحليلها
بالكفارة أو بالاستثناء، فالتحلة ما تنحل به عقدة اليمين، ويتحلل به ما حرم على المقسم،
والعرب تقول: فعلت تحلة القسم، أي: لم أفعل إلا بقدر ما حللت به يميني ولم أبالغ،
وهو صار مثلاً للقليل المفرط في القلة.
ثم القسم الذي يلج المسلم لتحلته هو قوله تعالى: ﴿وَإِنِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى
رَبِّكَ حَتْمًا﴾ [مريم: ٧١]، إما بإضمار القسم فيه، أي: والله إن منكم إلا واردها، أو المراد
بالقسم ما دل على القطع والبت، وقيل: هو في قوله قبل هذا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾
[مريم: ٦٨] الآية، أقسم الله تعالى على أن يورد ويدخل جهنم كُلَّ أحد، وهو عام للكل
حتى الأنبياء والمرسلين إلا سيد المرسلين - وَّ﴿ وعليهم أجمعين - في الأصح من القول،
ولو في آنٍ كالبرق الخاطف أو الريح العاصف على ما ورد في المرور على الصراط،
ولولا هذا القسم لما ولج المسلم الذي مات له ثلاثة من الولد.

١٩٣
(٥) كتاب الجنائز
١٧٣٠ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ لِنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ:
«لاَ يَمُوتُ لإِحْدَاكُنَّ ثَلاثَةٌ مِن الْوَلَدِ فَتَحْتَسِبُهُ إِلَّ دَخَلَتِ الْجِنَّةَ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ
مِنْهُنَّ: أَوِ اثْنَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَوِ اثْنَانٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهما:
(ثَلاَثَةٌ لَمْ يَبْلَغُوا الْحِنْثَ)). [م: ٢٦٣٤].
١٧٣١ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((يَقُولُ اللهُ: مَا لِعَبْدِي
الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيًا ثُمَّ.
١٧٣٠ - [٩] (وعنه) قوله: (فتحتسبه) أي: تصبر حسبة لله، وقد مرت حقيقة
معناه، وهو مرفوع لا غير، إذ ليس هذا مقام النصب، بل هو عطف على (يموت)،
وحرف النفي داخل على كليهما.
وقوله: (أو اثنان) عطف على (ثلاثة)، ويقال لمثل هذا: عطف تلقيني، كأنه
يلقن المخاطب المتكلم بأن يعطفه على ما قبله، أي: قل: يا رسول الله أو مات اثنان؟
فقال: أو اثنان، وهذا يحتمل الوحي في هذا الآن بعد قول الامرأة وتوجهه ويله إلى
جناب رحمة الله والدعاء منه وإجابته، والله أعلم.
وقوله: (لهما) أي: للبخاري ومسلم.
وقوله: (لم يبلغوا الحنث) صفة (ثلاثة)، والحنث بالكسر: الإثم، والمراد به
البلوغ الذي هو سبب حرمان الحنث، أي: الصغار، وإنما خص بهم لأنهم يشفعون
ويجرون والديهم إلى الجنة، وأما موت الكبار فهو مصيبة أشدّ منه، وله ثواب عظيم.
١٧٣١ - [١٠] (وعنه) قوله: (إذا قبضت صفيه) على وزن [غنيٌّ]: الحبيب
المصافي، وخالص كل شيء، كذا في (القاموس)(١)، وقال: (من أهل الدنيا) وكيف
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٩٧).

١٩٤
(٧) باب البكاء على الميت
احْتَسَبَهُ إِلاَّ الْجِنَّةُ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤٢٤].
* الْفَصْلُ الثَّانِ :
١٧٣٢ - [١١] عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِنَّهِالنَّائِحَةَ
وَالْمُسْتَمِعَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣١٢٨].
١٧٣٣ - [١٢] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ :
(عَجَبٌ لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللهَ وَشَكَرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ حَمِدَ اللهَ
وَصَبَرَ، فَالْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ أَمْرِهِ.
الصفي من أهل الآخرة؟
الفصل الثاني
١٧٣٢ - [١١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (والمستمعة) أي: المصغية إليه
والمتوجهة إليه، وإنما أنث؛ لأنه فِعْلُ النساء غالباً، أو المراد الجماعة أو النفس،
والوجه الأول هو الظاهر.
١٧٣٣ - [١٢] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر)
فهو في كلتا حاليته النعماء والضراء حامد لله تعالى، مستن على صفاته الجمالية والجلالية
واللطف والقهر؛ لأن مقصوده سبحانه في إيراد النوازل القدرية على العبد التعرف إليه،
وإذا عرف حمد، وقال العارفون: الوظيفة في النعمة والبلاء معاً الشكر لله سبحانه، أما
في النعمة فظاهر، وأما في البلاء فباعتبار تضمنه الألطاف الخفية، ولما كان العبد ضعيفاً
لا يثبت في البلاء، ولا يتيسر له الشكر، اقتصر على الصبر لا أقل، فافهم وبالله التوفيق.
وقوله: (فالمؤمن يؤجر في كل أمره) أي: إذا حمد في كل حال كان له أجر
لا محالة، أما في العبادات والحقوق فظاهر، وأما في العادات والحظوظ فباعتبار تضمنه

١٩٥
(٥) كتاب الجنائز
حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِهِ)). رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)).
[شعب: ٩٩٥].
١٧٣٤ - [١٣] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَا مِنْ مُؤْمِنِ إِلاَّ
13
وَلَهُ بَابَانٍ: بَابٌ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ، وَبَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ، فَإِذَا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ،
فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]. رَوَاهُ
التِّرْ مِذِيُّ. [ت: ٣٢٥٥].
إليه، فالمباحات وإن كان يرى في الظاهر من قبيل الشهوات فباشتمالها على نية التقرب
إلى الله تعالى تصير مستحبات، والعادات تصير عبادات، ولهذا كان حظوظ العارفين
في حكم الحقوق.
وقوله: (يرفعها إلى في امرأته) مودة ورحمة، فإنه وإن يرى في الظاهر حظًّا
للنفس، ولكنه في الحقيقة يتضمن حقًّا، كما ورد(١): (وإن لزوجتك عليك حقاً)،
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ
قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ ﴾ [الروم: ٢١].
١٧٣٤ - [١٣] (أنس) قوله: (باب يصعد منه عمله) إلى مستقر الأعمال، وهو
محل كتابتها في السماء يرفعها الملائكة النازلة ليلاً ونهاراً، بعد كتابتها في الأرض،
يكتبها الملكان الكاتبان، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَِّبُ ﴾ [فاطر: ١٠].
وقوله: (بكيا عليه) أي: البابان حقيقة، أو أهلهما من الملائكة، والله أعلم.
والظاهر هو الأول كما هو ظاهر الآية، أما بكاء باب صعود العمل فلأنه كان يتشرف
به، وأما بكاء باب الرزق؛ لأن رزقه هو العون له على العمل الصالح، فيبكيان من
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه)) (١٩٧٥).

١٩٦
(٧) باب البكاء على الميت
١٧٣٥ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ كَانَ
لَهُ فَرَطَانِ مِنْ أُمَّتِي أَدْخَلَهُ اللهُ بِهِمَا الْجَنَّةَ». فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ
مِنْ أُمَتِكَ؟ قَالَ: ((وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطْ يَا مُوَفََّةُ!)). فَقَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ
فَرَطْ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: ((فَأَنَا فَرَطُ أُمَّتِي لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِي)) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٠٦٢].
١٧٣٦ - [١٥] وَعَن أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َيْءٍ:
(إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِمَلاَئِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ:
نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟
فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. فَيَقُولُ اللهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ
بیتَ.
حرمانهما من هذه النعمة .
١٧٣٥ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (فرطان) الفرط بالتحريك فعل بمعنى الفاعل،
يستوي فيه الواحد والجمع، فَرَطَ فُرُوطاً بالضم: سبق وتقدم، وهو المتقدم إلى الوِرْدِ
لإصلاح الحوض والدلاء، كذا في (القاموس)(١)، وقيل: من يتقدم القافلة يُهَيُِّ لهم
الماء والمنزل، وما يحتاجون إليه فيه .
وقوله: (يا موفقة) للخيرات الحريصة على تعلم الشرائع وسؤال العلم.
وقوله: (لن يصابوا بمثلي) أي: بمثل موتي، فإنه يَّ أحق وأحب عند المؤمن
من أهله ونفسه ومن كل شيء.
١٧٣٦ - [١٥] (أبو موسى الأشعري) قوله: (قبضتم ولد عبدي) المقصود من
(١) ((القاموس)) (ص: ٦٢٧).

١٩٧
(٥) كتاب الجنائز
الْحَمْدِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٤ /٤١٥، ت: ١٠٢١].
١٧٣٧ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالُ: ((من
عَزَّى مُصَاباً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بْنِ عَاصِمِ الرَّاوِي،
وَقَالَ: وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَوْقَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ مَوْقُوفاً. [ت: ١٠٧٣.
جه: ١٦٠٢].
١٧٣٨ - [١٧] وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: (مَنْ عَزَّى
تَكْلَى كُسِيَ بُرْداً فِي الْجَنَّةِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت:
١٠٧٦].
السؤال إظهار التفضيل وتوطئة الإنعام على العبد الصابر، أو المتصبر في المصائب،
فأول المراتب التصبر، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الفناء، درجات بعضها فوق بعض.
١٧٣٧ - [١٦] (عبدالله بن مسعود) قوله: (من عزَّى مصاباً) بالتشديد، والعزاء:
الصبر، أو حُسْنُهُ، عَزِيَ كرضي، عزاء، فهو عَزِ، وعَزَّهُ تعزيةً، كذا في (القاموس)(١)،
فالعَزْيُ: الصبر، والتعزية: حمل الغير عليه .
١٧٣٨ - [١٧] (أبو ذر) قوله: (من عزَّى ثكلى) بفتح المثلثة: المرأة التي مات
ولدها، وفي (القاموس)(٢): التُّكل بالضم: الموت والهلاك، وفقد الحبيب أو الولد،
ويُحرّدُ، ونکِلَ کفرح، فهو ثاكل وثكلان، وهي ثاكلة وثكلانة قليل، وقد ذكرنا بعض
أحكام التعزية وآدابها في شرح ترجمة الباب.
(١) ((القاموس)) (ص: ١٢٠٤).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٨٩٥).

١٩٨
(٧) باب البكاء على الميت
١٧٣٩ - [١٨] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرِ قَالَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ: إِصْنَعُوا لِلِ جَعْفَرٍ طَعَاماً، فَقَدْ أَنَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ. رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ
وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٩٩٨، د: ٣١٣٢، جه: ١٦١٠].
١٧٣٩ - [١٨] (عبدالله بن جعفر) قوله: (لما جاء نعي جعفر) النعي بفتح النون
وسكون العين: الإخبار بموت أحد، والنَّعِيُّ على وزن فعيل بمعنى خبر الموت، وقد
جاء بمعنى الناعي، أي: المخبر، ويصح الحمل عليه، والأول، بل الثاني أظهر.
وقوله: (ما يشغلهم) شغله كمنعه شغلاً، وأشغله لغة رديئة، كذا قيل، وقال في
(القاموس)(١): أشغله لغة جيدة، أو قليلة أو رديئة، والشغل بضمتين وبالضم، والفتح
ويفتحتين: ضد الفراغ، كذا في (القاموس)(٢).
وفي الحديث دليل على أنه يستحب للجيران والأقارب تهيئة طعام لأهل الميت،
وكره بعض المشايخ إرسال الطعام إلى صاحب المصيبة، والصحيح أنه لا بأس بذلك
لحديث نعي جعفر، كذا في (مفاتيح المسائل). وقال في (درر البحور): حَسُنَ لأقرباء
الميت وجيرانه أن يبعثوا طعاماً لأهل الميت، وفي (الخانية): حمل الطعام إلى
أهل المصيبة في اليوم الأول غير مكروه لشغلهم بجهاز الميت، وفي اليوم الثاني
مكروه إذا اجتمعت النائحة لأنه إعانة على الإثم والعدوان، واختلف في أكل غير
أهل المصيبة ذلك الطعام، وقال أبو القاسم: لا بأس لمن كان مشغولاً بجهاز الميت،
كذا في (وصايا جامع الفقه)، ذكر هذه الروايات في (مطالب المؤمنين) والكتب
المذكورة .
(١) ((القاموس)) (ص: ٩٣٧).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٩٣٧).

١٩٩
(٥) كتاب الجنائز
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٧٤٠ - [١٩] عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ}
يَقُولُ: ((مَنْ نِحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَة)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ١٢٩١، م: ٩٣٣].
١٧٤١ - [٢٠] وَعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ
عَائِشَةَ - وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ
الْحَيِّ عَلَيْهِ - تَقُولُ: يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ،
وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ(١)، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ وَّه عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا،
فَقَالَ: ((إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٨٩،
م: ٩٣٢].
الفصل الثالث
١٧٤٠ - [١٩] (المغيرة بن شعبة) قوله: (بما نيح) عبارة عن القول الذي ناحت
به النائحة، يقال ذلك القول في حقه تهكماً وسخريةً، كما في حديث النعمان، فكأنه
أظهر نفسه بين الناس متصفاً بتلك الصفات ورضي بها، فكان محلاً للتوبيخ.
وقوله: (يوم القيامة) لعل المراد من يوم القيامة ما يشتمل عالم البرزخ بل أعم
منه، كما يظهر من حديث النعمان بن بشير .
١٧٤١ - [٢٠] (عمرة بنت عبد الرحمن) قوله: (عمرة) بفتح العين، وأبو
عبد الرحمن كنية عبدالله بن عمر .
(١) قيل في الفرق بينهما: إن في الأول ليس بشعور أصلاً، وفي الثاني شعور لكنه انتقل إلى
الأخرى. كذا في ((التقرير)).

٢٠٠
(٧) باب البكاء على الميت
١٧٤٢ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: تُوُفِيَتْ بِنْتٌ لِعُثْمَانَ
ابْنِ عَقَّانَ بِمَكَّةَ، فَجِثْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَإِنِّي
لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ عَبْدُاللهِ بن عمر لعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ مُوَاجِهُهُ: أَ
تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ
عَلَيْهِ» . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ فَقَالَ:
صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى.
١٧٤٢ - [٢١] (عبدالله بن أبي مليكة) قوله: (فإني لجالس)، وفي رواية:
(وإني)، كذا في صحيح البخاري(١)، وهو الظاهر.
وقوله: (لعمرو بن عثمان) بفتح العين، سمع أسامة وأباه، وروى عنه مالك،
قيل: قال يوماً مالك: حدثنا عمر بن عثمان بضم العين فقال أحد من الحاضرين:
بل هو عمرو بفتح العين، فقال مالك: هكذا سمعنا، ثم بعد ذلك لما كان يروي
مالك عنه قال: حدثنا صاحب هذا الدار، يشير إلى دار عثمان الذي في جوار مسجد
رسول الله ﴾﴾ .
وقوله: (يقول بعض ذلك) أي: بعض هذا الحديث، أي: قريباً من هذه العبارة،
ولم تكن بعينها، هكذا في الحواشي، ويمكن أن يكون المراد كان عمر يقول: إن
الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه، كما يأتي فيما يروي ابن عباس عن عمر: أن
المیت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه .
وقوله: (ثم حدث) أي: ابن عباس: (صدرت مع عمر من مكة) من الحج إلى
المدينة، فوقع فيها قتل عمر على يد أبي لؤلؤة غلام المغيرة، و(البيداء) موضع قريب
(١) ((صحيح البخاري)) (١٢٨٦).