النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
(٥) كتاب الجنائز
١٦٣١ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ
كَعْباً الْوَفَاةُ أَنَتَّهُ أُمُّ بِشْرٍ بِنْتُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ!
إِنْ لَقِيتَ فُلاَناً فَاقْرَأْ عَلَيْهِ مِنِّي السَّلاَمَ. فَقَالَ: غَفَرَ اللهُ لَكِ يَا أُمَّ بِشْرٍ، نَحْنُ
أَشْغَلُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَه
يَقُول: ((إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَغْلُقُ بِشَجَرِ الْجَنَّةِ؟)) قَالَ: بَلَى.
قَالَتْ: فَهُوَ ذَاكَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ ((الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ».
[جه: ٤٢٧١، البعث: ٢٢٦].
١٦٣١ - [١٦] (عبد الرحمن بن كعب) قوله: (معرور) بفتح الميم وسكون
العين المهملة وضم الراء الأولى.
وقوله: (فأقرأ) من الإقراء، وفي نسخة من القراءة، قال في (القاموس)(١): قرأ
عليه السلام: أبلغه، كأقرأه، ولا يقال: أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوباً.
وقوله: (نحن أشغل) أي: بأعمالنا وجزائها .
وقوله: (من ذلك) أي: بعيد من إقراء السلام فإنه يستدعي الفراغ.
وقوله: (سمعت رسول الله ◌َيءٍ ... إلخ)، أي: لست ممن يشغل عن ذلك بل
أنت ممن ورد فیھم هذه الکرامة .
وقوله: (تعلق) علقت الإبل العِضاه كنصر وسمع: رعتها من أعلاها، والباء في
(بشجر الجنة) زائدة للملابسة تفيد الاتصال واللحوق.
وقوله: (فهو ذاك) أي: فالفضل والكرامة الذي يرجى لك ذاك، فتكون أنت في
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٩).

١٠٢
(٣) باب ما يقال عند من حضره الموت
١٦٣٢ - [١٧] وَعَنْهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَّل
قَالَ: (إِنَّمَا نسمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ تَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ فِي جَسَدِهِ
يَوْمَ يَبْعَثُهُ). رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَِيُّ فِي كِتَابِ ((الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ)).
[ط: ٥٦٨، ن: ٢٠٧٣، البعث: ٢٢٤].
١٦٣٣ - [١٨] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ وَهُوَ يَمُوتُ فَقُلْتُ: اقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ السَّلَامِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
[جه: ١٤٥٠].
غاية السرور والحبور لا مشغولاً ومتعوباً، وفي الحديث دليل على أن الروح باقية
لا یفنی ینعم ويعذب.
١٦٣٢ - [١٧] (وعنه) قوله: (إنما نسمة المؤمن) أي: روحه، والنسمة يطلق
على الروح والبدن، وفي (القاموس)(١): النسمة محركةً: الإنسان، وقد يقيد المؤمن
بالشهيد، وقيل: بل المراد جميع المؤمنين، وهو ظاهر الحديث، والله أعلم.
وقوله: (طير) أي: في طير، وفي رواية: (وفي جوف طير خضر)، وفي رواية:
(كطير أخضر)، وفي آخرى: (بحواصل الطير)، وفي أخرى: (في صورة طير بيض)،
والكل ثابت في قدرة الله سبحانه لا مجال للعقل في ذلك.
وقوله: (حتى يرجعه) من الرجع متعدياً، لا من الرجوع لازماً.
١٦٣٣ - [١٨] (محمد بن المنكدر) قوله: (فقلت اقرأ) صحح بالأمر من
القراءة .
(١) ((القاموس)) (ص: ١٠٧١).

١٠٣
(٥) كتاب الجنائز
٤- بالس غل الميت وكين
٤ - بَابُ غسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ
اعلم أن غسل الميت فرض بالإجماع، وأجمعوا على أن إيجابه لقضاء حقه،
فكان على الكفاية لصيرورة حقه مقضيًّا بفعل البعض، واختلف في سبب وجوبه فقيل :
ليس لنجاسةٍ تحل بالموت بل للحدث؛ لأن الموت سبب للاسترخاء وزوال العقل،
وهو القياس في الحي لأن الإنسان لا يتنجس لكرامته، وإنما اقتصر في الحي على
الأعضاء الأربعة للحرج لكثرة تكرر سبب الحدث منه، فلما لم يلزم سبب الحرج في
الميت عاد الأصل؛ ولأن نجاسة الحدث تزول بالغسل لا نجاسة الموت، لقيام موجبها
بعده .
وقيل - وهو الأقيس -: سببه نجاسة الميت؛ لأن الآدمي حيوان دموي، فینجس
بالموت كسائر الحيوانات، ولذا لو حمل ميتاً قبل غسله لا تصح صلاته، ولو كان
للحدث لصحت كحمل المحدث، غاية ما في الباب أن الآدمي المسلم خص باعتبار
أن نجاسته الموتية زائلة بالغسل تكريماً، بخلاف الكافر فإنه لا يطهر بالغسل،
ولا تصح صلاة حامله بعده، وقولكم: نجاسة الموت لا تزول لقيام موجبها، مشترك
الإلزام، فإن سبب الحدث أيضاً قائم بالغسل.
وقد روي في حديث أبي هريرة به: (سبحان الله إن المؤمن لا ينجس حياً
ولا ميتاً(١))؛ فإن صحت هذه الزيادة وجب ترجيح أنه للحدث، وهل يشترط للغسل
النية؟ الظاهر أنه يشترط، كذا قال الشيخ ابن الهمام(٢). ولا مضمضة ولا استنشاق في
(١) أخرجه مسلم (٣٧١)، وابن ماجه (٥٣٤).
(٢) ((فتح القدير)) (٢ / ١٠٦).

١٠٤
(٤) باب غسل الميت وتكفينه
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٦٣٤ - [١] وَعَنْ أَمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِنَّهِ وَنَحْنُ
نُغَسِّلُ ابْتَهُ فَقَالَ: ((اغْسِلْنَهَا ثَلَاثاً أَوْ خَمْساً.
غسل الميت عند أبي حنيفة، وكذا عند أحمد خلافاً للشافعي رحمهم الله .
الفصل الأول
١٦٣٤ - [١] (أم عطية) قوله: (ابنته) وهي زينب، وقيل: أم كلثوم عَ ﴾، كذا
في (شرح الشيخ)، والقول الأول أكثر وأشهر، وزينب ◌َيّ زوجة أبي العاص بن الربيع
أكبر بنات النبي ◌َّ والدة أمامة، ماتت في أول سنة ثمان، وأم كلثوم ◌َّ زوجة عثمان
ابن عفان ، وبكلتيهما جاءت الرواية، أما الأولى: ففي رواية مسلم(١) عن أم عطية
قالت: (لما ماتت زينب بنت رسول الله بَّه وقال لنا رسول الله وَ ل: اغسلنها) الحديث،
وأما الثانية: فأخرج ابن ماجه(٢) بإسناد على شرط الشيخين ولفظه: (دخل علينا ونحن
نغسل ابنته أم كلثوم جية)، كذا في (فتح الباري)(٣).
وقوله: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً) قال في (فتح الباري)(٤): وفي رواية: (وتراً
ثلاثاً أو خمساً)، وقال: (أو) هنا للترتيب لا للتخيير، ونقل عن النووي: المراد: اغسلنها
وتراً وليكن ثلاثاً، فإن احتجتن إلى زيادة فخمساً، وحاصله: أن الإيتار مطلوب والثلاث
مستحبة، فإن حصل الإنقاء لم يشرع ما فوقها، وإلا زيد وتراً حتى يحصل الإنقاء،
(١) ((صحيح مسلم)) (٩٣٩).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (١٤٥٨).
(٣) ((فتح الباري)) (٣/ ١٢٨).
(٤) ((فتح الباري)) (٣/ ١٢٩).

١٠٥
(٥) كتاب الجنائز
أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُوراً أَوْ
شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ، .
والواجب من ذلك مرة واحدة عامة للبدن .
وقوله: (أو أكثر من ذلك) وهو السبع كما في الرواية الآتية، وقال الشيخ(١):
ولم أر في شيء من الروايات بعد قوله: (سبعاً) التعبير بأكثر من ذلك إلا في رواية لأبي
داود، و[أما] ما سواها [فإما] (أو سبعاً)، وإما (أو أكثر من ذلك) فيحتمل أن يكون بياناً
لقوله: (سبعاً)، يعني: وتكون الإشارة بذلك إلى الخمس، وبهذا قال أحمد رحمه الله،
وكره الزيادة على السبع، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً قال بمجاوزة السبع، وقال
الماوردي: الزيادة على السبع سرف، انتهى. وفي (شرح الهداية): وإن زاد على ثلاث
جاز.
وقوله: (إن رأيتن ذلك) معناه التفويض إلى اجتهادهن بحسب الحاجة لا التشهي
بعد أن يكون وتراً؛ ولذلك لم يذكر أربعاً أو ستاً، والكاف في ذلك في الموضعين مكسور
لأنه خطاب للمؤنث .
وقوله: (أو شيئاً من كافور) شك للراوي، قال الشيخ(٢): وظاهره جعل الكافور
في الماء، وبه قال الجمهور(٣). وقال النخعي والكوفيون: إنما يجعل الكافور في الحنوط
بعد انتهاء الغسل والتجفيف، وقيل: الحكمة في الكافور - مع كونه يطيب رائحة الموضع
لأجل من يحضر من الملائكة وغيرهم - أن فيه تجفيفاً وتبريداً، وقوة [نفوذ] وخاصية
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٢٩/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٣/ ١٢٩).
(٣) انظر: ((المغني)) (٣/ ٣٧٨).

١٠٦
(٤) باب غسل الميت وتكفينه
فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَاذِنَّنِي، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ، فَقَالَ:
في تصليب بدن الميت وطرد الهوام عنه، ومنع إسراع الفساد إليه، وهو أقوى الأرابيح
الطيبة في ذلك، وهذا هو السر في جعله في الآخرة.
وقيل: إن لم يوجد الكافور فالمسك يقوم مقامه، وقد عقد الترمذي(١) باباً وعنونه
بقوله: (باب في المسك للميت)، وأورد حديثاً عن أبي سعيد: أن النبي ◌ُّ سئل عن
المسك فقال: (هو أطيب طيبكم)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا
عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق، وقد كره بعض أهل العلم المسك
للميت .
وقوله: (فإذا فرغتن) أي: عن الغسل (فآذنني) بمد الألف وتشديد النون بصيغة
الأمر، أي: أعلمني.
وقوله: (فألقى إلينا حقوه) في رواية: (فأعطانا حقوه)، والحقو بفتح المهملة
- ويجوز كسرها، قال الشيخ(٢): وهي لغة هذيل - وسكون القاف: في الأصل معقد
الإزار، وقد يراد به الإزار مجازاً بعلاقة المجاورة، كذا قال الشارحون(٣)، وقال في
(القاموس)(٤): الحَقْوُ: الإزار، ويكسر، أو معقده كالحقوة، وكذا في (الصحاح)(٥).
(١) ((سنن الترمذي)) (٣١٥/٣، ح: ٩٩١).
(٢) ((فتح الباري)) (٣/ ١٢٩).
(٣) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٦/٦)، و((التوضيح)) لابن الملقن (٩/ ٤٥١)، و((شرح صحيح مسلم))
للنووي (٤ / ٨).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٧٣).
(٥) ((الصحاح)) (٦/ ٢٣١٧).

١٠٧
(٥) كتاب الجنائز
((أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: ((اغْسِلْنَهَا وِتْراً: ثَلاَئاً أَوْ خَمْساً أَوْ سَبْعاً، وَابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا
وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا)). وَقَالَتْ: فَضَفَّرْنَاَ شَعَرَهَا ثَلاَثَةَ قُرُونٍ فَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا.
مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ١٢٥٣، ١٢٦٣، م: ٩٣٩].
١٦٣٥ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ لَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ كُفِّنَ فِي ثَلاَثَةٍ
أَثْوَابِ.
وقوله: (أشعرنها إياه) من الإشعار، أي: اجعلن الحقو شعاراً لها، فالضمير في
(أشعرنها) للميت، و(إياه) راجع إلى الحقو، والشعار: الثوب الذي يلي الجسد لأنه
يلي شعره، أي: اجعلن الحقو تحت الكفن ليمس بيدنها وتحصل البركة، وقيل: الحكمة
في تأخير إعطاء الإزار إلى وقت فراغهن من الغسل - ولم يناولهن إياه أولاً - ليكون
قريب العهد من جسده الكريم، وهذا الحديث أصل في التبرك بآثار الصالحين ولباسهم
كما يفعله بعض مريدي المشايخ من لبس أقمصتهم في القبر، والله أعلم.
وقوله: (فضفرنا شعرها) ضَفَر الشعرَ: نَسَجَ بعضه على بعض، والحبل: فتله،
ولعله كان أيضاً بأمر رسول الله وَ ﴿ أو إذنه، أو كان معلوماً من الشرع قبل هذا (١).
١٦٣٥ - [٢] (عائشة ) قوله: (في ثلاثة أثواب) هي إزار ورداء ولفافة.
(١) قال ابن قدامة في ((المغني)) (٣/ ٣٩٣): إن شعر الميتة يغسل، وإن كان معقوصاً نقض ثم
غسل، ثم ضفر ثلاثة قرون، قرنيها وناصيتها، ويلقى من خلفها، وبهذا قال الشافعي وإسحاق
وابن المنذر، وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يضفر، ولكن يرسل مع خديها من بين يديها
من الجانبين ثم يرسل عليه الخمار، انتهى. وقال صاحب ((التوضيح)) (٩ / ٤٦٣): ويضفر
شعرها بعده أحسن من استرساله وانتشاره، لأن التضفير يجمعه ويضمه.

١٠٨
(٤) باب غسل الميت وتكفينه
يَمَانِيةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ .
وقوله: (يمانية) بتخفيف الياء، و(الحكمة يمانية) أيضاً بالتخفيف، وقد یشدد،
كذا في (مجمع البحار)(١)، والنسبة إلى اليمن: يمني، وقد جاء يمان بمعناه بحذف ياء
النسبة وإبدال الألف المتوسط منها، وقد يجيء يماني بحذف إحدى اليائين وإبدال
الألف، واليمانين في قول الشاعر:
هواي مع الركب اليمانين مصعدٌ
يحتمل أن يكون جمع يمان بالواو والنون كما هو الظاهر، ويحتمل أن يكون
جمع يماني بالياء المخففة أعلّ كإعلال قاض، وقد يجيء يمانيّ بالألف والنون المشددة،
وهذا على خلاف القياس من عدم الجمع بين العوض والمعوّض عنه.
وقوله: (سحولية) منسوب إلى سحول قرية باليمن، والفتح هو المشهور، وعن
الزهري الضم، كذا في (شرح ابن الهمام)(٢)، وهو مبني على أنه بالضم أيضاً قرية،
لكن الضم فيه غير مشهور، وقد يُجعل بالضم جمعَ سحل بفتح السين وسكون الحاء،
قال في (القاموس)(٣): السَّحْل [ثوب] أبيض [أو] من القطن، يجمع على أسحال
وسُحول، لكن النسبة إلى الجمع شاذ. والفرائضي منسوبٌ إلى الفرائض بمعنى الاسم
لِعِلْمٍ مخصوص. وقيل: [بالفتح] منسوب إلى السَّحول بمعنى القصَّار لأنه يسحلها،
أي: يغسلها، كذا قال الطيبي (٤)، فسحولية بمعنى مقصورة، أي: مغسولة.
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٥/ ٢١٧).
(٢) ((فتح القدير)) (٢ /١١٤).
(٣) (القاموس المحيط)) (ص: ٩٣٢).
(٤) ((شرح الطيبي)) (٣/ ٣٥٣).

١٠٩
(٥) كتاب الجنائز
مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [خ: ١٢٦٤، م: ٩٤١].
وفي (المشارق)(١): سحولية بفتح السين وضم الحاء، منسوب إلى قرية باليمن
يقال لها: سحول، وقال ابن حبيب وابن وهب: السحول القطن، وقال ابن الأعرابي:
هي ثياب بيض نقية من القطن خاصة، وقال: السحل: الثوب النقي من القطن، ووقع
في كتاب مسلم من رواية السمرقندي: (أثواب سحول)، فمَن فتح السين أضاف الأثواب
وأراد الموضع، ومن ضمَّها نوَّن وأراد صفةَ الأثواب أنها من قطن أو بِيضٌ.
وقوله: (من كرسف) وهو بضم الكاف والسين: القطن، وفي رواية بدون (من)،
وصف به الثياب وإن لم يكن مشتقاً كـ: حيةٌ ذراعٌ، ولا يخفى أن ذكر الكرسف قرينة
على أنه يراد بـ (سحولية) من معانيه ما لا يوجد فيه معنى القطن، إلا أن يكون مبنيًّا على
التجريد أو التأکید.
وقوله: (ليس فيها قميص ولا عمامة) أي: ليسا موجودين أصلاً، وقيل: ليسا
فيها بل خارجين عنها، فيكون أكفانه خمسة، والأول هو الأصح؛ لأنه قد ثبت أنه لم
يكن كفنه ◌َ ه إلا ثلاثة أثواب(٢)، وبه أخذ الشافعي رحمه الله، وعندنا أيضاً السنة ثلاثة
أثواب، لكن ذكر منها في (الهداية)(٣): القميص لا العمامة، وقد استحسن العمامة
(١) ((مشارق الأنوار)) (٢/ ٣٥٢).
(٢) قَالَ فِي «الْمَوَاهِبِ» (٣/ ٥٨٠): الصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ: لَيْسَ فِي الْكَفَنِ قَمِيصٌ أَصْلاً، وَقِيلَ: إِنَّهُ
كُفِّنَ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ خَارِجٍ عَنِ الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، وَتَرَّبَ عَلَى هَذَا اخْتِلاَفُهُمْ فِي أَنَّهُ هَلْ يُسْتَحَبُ
أَنْ يَكُونَ فِي الْكَفَنِ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ أَمْ لاَ؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ
الثَّلاَثَةُ لَفَائِفَ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الأَثْوَابُ الثَّلاَثَةُ: إِزَارٌ، وَقَمِيصٌ،
وَلِفَافَةٌ. اهـ. ((مرقاة المفاتيح)) (٣/ ١١٨٥).
(٣) انظر: ((الهداية)) (١ / ٨٩).

١١٠
(٤) باب غسل الميت وتكفينه
١٦٣٦ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ
أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٤٣].
١٦٣٧ - [٤] وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً كَانَ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ،
فَوَقَصَتْهُ نَقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ الهِوَهِ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ،
وَكَفِّنُوهُ.
ريم
بعض المتأخرين للأشراف، وقيل: يجعل ذَنَبُ العمامة إلى الوجه، ولا يرسل من قبل
القفا كما في حالة الحياة، والمراد ثلاثة لفائف، وكذا عند أحمد، وتحقيقه في مقامه
من كتب الفقه(١).
١٦٣٦ - [٣] (جابر) قوله: (فليحسن كفنه) المراد بتحسين الكفن أن يكون
أنظف وأتم من غير إسراف وتبذير، والجديد والمغسول سواء، كذا في (شرح ابن
الهمام)(٢).
١٦٣٧ - [٤] (ابن عباس) قوله: (فوقصته راحلته)، في (القاموس)(٣): وقص
عنقَهُ، كَوَعَدَ: كسرها، فوقَصَتْ لازم ومتعد، وقد يقال: وقصت به راحلته، بزيادة
الباء، وفي بعض الشروح: الوقص كسر العنق، فإن كان حصل الكسر بسبب الوقوع
فإسناد الوقص إلى الناقة مجاز، وإن حصل من الناقة بأن تكون أصابته بعد أن وقع
فحقيقةٌ، وبالجملة المراد أنه سقط من راحلته فانكسر عنقه.
(١) انظر: ((شرح فتح القدير)) (٢ / ١١٤)، و((المحيط البرهاني)) (٢/ ٢٩٨)، و((المغني)) (٣٨٣/٣)،
و ((المجموع)) (٥/ ١٠٦)، و((بداية المجتهد)) (١ / ٢٤٠/ ٢٤١).
(٢) ((فتح القدير)) (٢ / ١١٤).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٨٥).

١١١
(٥) كتاب الجنائز
فِي ثَوْبَيْهِ، وَلاَ تَمَشُوهُ بِطِيبٍ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
مُلَبِّباً).
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ خَبَّابٍ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، فِي ((بَابِ جَامِعِ
الْمَنَاقِبِ)) إِنْ شَاءَ اللهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٦٧، م: ١٢٠٦].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٦٣٨ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((الْبَسُوا مِنْ
ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مَنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفُِّوا فِيهَا مَوْتَكُمْ، وَمِنْ خَيْرِ
أَكْحَالِكُمُ.
وقوله: (في ثوبيه) أي: ثوبي إحرامه، وبه أخذ الشافعي وأحمد، وعندنا وعند
مالك رحمهم الله: حكم المحرم حكم سائر الموتى(١)، وإنما أمر النبي ◌َّ [بتكفين]
هذا المحرم في ثوبيه لأنه لم يكن معه غيرهما فكان للضرورة، فلا يَستلزم جوازَ الاقتصار
على ثوبين حالة القدرة، وأما عدم مس الطيب وتخميرِ الرأس فكان مخصوصاً به، ولم
يأمر ◌َ حكماً كلياً بطريق التشريع، والله أعلم.
الفصل الثاني
١٦٣٨ - [٥] (ابن عباس) قوله: (البياض) أي: الأبيض(٢).
وقوله: ([ومن] خير أكحالكم) كلام مستأنف .
(١) لأن بالموت انقطع التكليف، قاله ابن الملقن في ((التوضيح)) (٩/ ٤٧٥)، وانظر: ((المغني))
(٣ / ٤٧٨).
(٢) يدل الحديث على استحباب التكفين في البياض، وقال النووي: وهو المجمع عليه، انظر:
((أوجز المسالك)) (٤ / ٤١٢)، و((البدائع)) (١ / ٣٠٧)، و((المغني)) (٣/ ٣٨٣).

١١٢
(٤) باب غسل الميت وتكفينه
الإِثْمِدُ، فَإِنَّهُ يُنْبِتُ الشَّعْرَ وَيَجْلُو الْبَصَرِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَرَوَى
و
ابنُ مَاجَهْ إِلَى «مَوْتَاكُمْ» [خ: ٤٠٦١، ت: ٩٩٤، جه: ٣٥٦٦].
١٦٣٩ - [٦] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لاَ تَغَالَوْا فِي الْكَفَنِ
فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَلْباً سَرِيعاً)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣١٥٤]
١٦٤٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا
◌ِشِيَّابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَِّ يَقُولُ: ((الْمَيِّتُ يُبْعَثُ
فِي ثِيَابِهِ الّتِي يَمُوتُ فِيهَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [٣١١٤].
وقوله: (الإثمد) بكسر الهمزة والميم: الحجر الذي يُكتحل به (١).
١٦٣٩ - [٦] (علي) قوله: (لا تَعالَوا) بفتح التاء من الغل، أي: لا تتغالوا،
وقد يروى بضم التاء من المغالاة، وهو إكثار الثمن ضد الرخص، والمراد بالسلب :
البلاء(٢)، نهى عن التبذير والإسراف في الكفن.
١٦٤٠ - [٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (جدد) بضمتین: جمع جدید.
وقوله: (ثم قال: سمعت رسول الله ◌َالقر يقول: الميت يبعث في ثيابه التي يموت
فيها) ظاهره أن أبا سعيد إنما لبس ثياباً جدداً امتثالاً لهذا الحديث، وأن المراد به ظاهره،
(١) واختلف هل هو اسم الحجر الذي يتخذ منه الكحل، أو هو نفس الكحل؟ كذا في ((فتح الباري))
(١٠/ ١٥٨)، وقال التُّورِبِشْتِي: هو الحجر المعدني، وقيل: هو الكحل الأصفهاني الذي ينشف
الدمعة والقروح ويحفظ صحة العين، ويقوي غصنها لا سيما للشيوخ والصبيان. ((مرقاة المفاتيح))
(٨/ ٢٤٩).
(٢) قال السهار نفوري (١٠ / ٤٣٠): حاصله: أن الكفن في الأرض يبلى سريعاً ويضيع، وقال النووي
في ((الأسماء واللغات)) (٣/ ١٥١): يفسر تفسيرين: أحدهما هذا، والثاني: أن النباش يقصده
إذا كان غالياً فيسلبه سريعاً، قاله الكاندهلوي في ((حاشية البذل)»

١١٣
(٥) كتاب الجنائز
وهو أن البعث يكون في الثياب، واستشكل ذلك بأنه قد ورد في الحديث الصحيح :
(يحشر الناس حفاة عراة) فأجاب بعضهم بأن البعث غير الحشر (١)، أو كأنه أراد أن
البعث هو إخراج الموتى من القبر أحياء، والحشر نشرهم في عرصات القيامة، فيحتمل
أن يكون البعث في الثياب، والحشر عراة، وهذا الكلام بعيد في غاية البعد(٢).
قال التُّورِبِشْتِي(٣): قائل هذا لم يصنع شيئاً، فإنه ظن أنه نَصَر السنَّةَ، وقد ضيَّع
أکثر مما حفظ، وسعى في تحریف سنن كثيرة؛ ليسوِّي كلام أبي سعيد، وكيف وقد ورد
عن أبي بكر الصديق لله: أنه أوصى أن يكفن في ثوبيه اللذين كان لابِسَهما، وقال:
(اغسلوهما وكفنوني فيهما، فإن الحي أحوج إلى الجديد)، وقال: (إنما هما للمُهْل
والتراب)(٤)، وقد ورد في حديث علي ظله: (لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلباً
سريعاً)(٥)، وأمثال ذلك كثيرة، فيعلم من ذلك أن ثياب الميت وكفنه يفنيان ولا يبقيان
معه .
وقال المحققون من أهل الحديث: إن الثياب في قوله شير: (الميت يبعث في
ثيابه التي يموت فيها) كناية عن الأعمال التي يموت فيها، وقد ورد: ((يبعث العبد على
(١) قال الكاندهلوي: به جمع الخطابي في ((معالمه)) (٣٠٢/١)، كذا في ((التلخيص الحبير))
(٢ / ٢٥٧) وأجاب عنه العيني بوجوه، ((عمدة القاري)) (١١/ ٥٤)، وخصّه في ((الفتاوى الحديثية))
(ص: ٢٤٤) بالشهيد، انظر: ((بذل المجهول)) (١٠ / ٣٧٨).
(٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٢٥/٤).
(٣) (الميسر)) (٢ / ٣٨٨).
(٤) أخرجه مالك في «موطئه)) (٥٢٤).
(٥) أخرجه أبو داود في ((سننه)) (٣١٥٣).

١١٤
(٤) باب غسل الميت وتكفينه
ما مات عليه من عمل صالح أو سيِّى))، والعرب تكني بالثياب عن الأعمال لملابسة
الرجل بها ملابسته بالثياب، وقيل في تأويل قوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]:
أي: أعمالك فأصلح، وأبو سعيد ظُه فهم من كلامه بَ لّ ما دل عليه الظاهر، فغاب عن
مفهوم الكلام أيضاً.
وقال الشيخ التُّورِبِشْتِي: وكان في الصحابة رضوان الله عليهم مَن يقصر فهمه في
بعض الأحايين عن المعنى المراد، والناس متفاوتون في ذلك، فلا يعدُّ أمثالُ ذلك
عثرة(١)، وقد سمع عدي بن حاتم الطائي ◌ّه قول الله تعالى: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُالْخَيْطُ الْأَبْيَضُ
مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فعمد إلى عقالين: أسود وأبيض، فوضعهما
تحت وسادته، فلما سمع رسول الله وسلم قال: (إنك لعريض الوسادة)، وفي بعض طرقه:
(٢)
(إنك لعريض القفاء)، انتهى(
وهذا القول كما يُرى في الظاهر مما لا يُجترأ عليه؛ لما فيه من توهم نسبة النقص
إلى الصحابة في فهم معاني أحاديث رسول الله وَّه، ولكنه ليس كلاماً يبالَغ في إنكاره،
وقد تكلم هذا الشيخ في حديث: (وإنما أنا قاسم والله يعطي)(٣) أيضاً بمثل هذا الكلام،
وقال: أعلم رسول الله وَ﴿ أصحابه: أني ما فضَّلتُ ولا رجَّحتُ أحداً من أمتي على
(١) كذا في النسخ المخطوطة، وفي ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٢٥): ((فلا يعد في أمثال ذلك عليهم))،
فليتأمل.
(٢) قصة عدي بن حاتم الطائي أخرجها البخاري في ((صحيحه)) (١٩١٦)، ومسلم في ((صحيحه)
(١٠٩٠)، وأبو داود في سننه (٢٣٤٩)، والترمذي في ((جامعه)) (٢٩٧٠)، وأحمد في ((مسنده))
(٤ / ٣٧٧) .
(٣) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٧١).

١١٥
(٥) كتاب الجنائز
آخر في قسمة ما أوحي إلي من العلم والدين، بل سوَّيت بينهم في الإبلاغ، وعدلت
في القسمة، والتفاوت بينهم إنما هو في إدراك وفهم معناه، وذلك عطاء من الله
وفضل منه، وقد كان بعض الأصحاب يسمعون حديثاً ولم يفهموا منه إلا [ما] هو الظاهر
الجلي منه، وكان يسمعه بعضٌ آخر من قَرْنِهم أو مَنْ بعدهم مِن التابعين وتبع التابعين،
ويستنبطون منه معاني، ويخرّجون مسائل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، انتهى كلامه
بمعناه .
قال العبد الضعيف - أصلح الله شانه وصانه عما شانه -: ومن هذا القبيل ذرع
الأزواج المطهرة رضي الله عنهن بقبضة أيديهن عند سماع حديث: (أسرعكن لحوقاً
بي أطولكن يداً) الحديث(١). ونقل الطيبي(٢) عن القاضي البيضاوي: أنه قال في جواب
الشيخ التُّورِبِشْتِي: إن العقل لا يأبى حمله على ظاهره حسبما فهم منه الراوي، إذ لا يبعد
إعادة ثيابه البالية كما لا يَبعد إعادة عظامه الناخرة، فإن [الدليل] الدال على جواز إعادة
المعدوم لا مخصِّص له بشيء دون شيء، انتهى .
وفيه: أن الإشكال إنما هو من جهة منافاته الحديثَ الناطق: (يحشر الناس عراة)
الدالَّ على عدم إعادة الثياب مع الميت، والآبيَ عن الحمل على الظاهر، نعم قد زاد
الشيخ في أثناء الكلام كون الأكفان والثياب: المهلَ والتراب، وكلام القاضي يصلح
جواباً عنه، ولكن هذه الزيادة المذكورة لا مما حاجة إليه في أصل الكلام.
هذا وغاية ما يقال في توجيه حديث أبي سعيد وتوفيقه بالحديث الآخر: إنه ـ
(١) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٢٤٥٢)، وذكر قصة ذرعهن.
(٢) ((شرح الطيبي) (٣/ ٣٥٦).

١١٦
(٤) باب غسل الميت وتكفينه
١٦٤١ - [٨] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: ((خَيْرُ
الْكَفَنِ الْحُلَّةُ،
إنما لبس الثياب الجدد لقصد النظافة والطهارة مثلاً، واتفق له في ذلك حضور الحديث
الذي سمعه من رسول الله ◌ّ﴿ في ثياب الميت، فروى ذلك المناسبة المقام، لا بياناً
بسبب لبس الثياب، وكان تأويله عنده ما ذكروه من إرادة الأعمال من الثياب لا الظاهر،
ويمكن أن يكون مقصوده ظله من ذلك الإبهامَ بحمله على الظاهر، حرصاً على أمثال
الظواهر، وإن كان حقيقة المراد غير ذلك، ومثله ما ذكره العلماء في قوله ملاهى: (سأزيد
على السبعين) في قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] - مع القطع بأن
المراد به التكثير - تخييلاً لإظهار رحمة ورأفة على من بعث إليه، والله أعلم .
١٦٤١، ١٦٤٢ - [٨، ٩] (عبادة بن الصامت، وأبو أمامة) قوله: (خير الكفن
الحلة) الحلة: إزار ورداء من برود اليمن، ولا يطلق إلا على ثوبين، والمقصود - والله
أعلم - أنه لا ينبغي الاقتصار على الثوب الواحد، والثوبان خير منه، وإن أريد التشبه
والكمال فثلاث على ما عليه الجمهور، وقد ذكر الشيخ ابن الهمام(١) من رواية محمد
ابن الحسن عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي: أن رسول الله مؤلّ كفن في
حلّة يمانية وقميص.
ويحتمل أن يكون المراد أنه ينبغي أن يكون من برود اليمن، وفيه خطوط أحمر
أو أخضر، ويفهم هذا من تقرير الطيبي(٢) حيث قال: اختار بعض الأئمة أن يكون الكفن
(١) ((فتح القدير)) (٢/ ١١٤).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٣/ ٣٥٧).

١١٧
(٥) كتاب الجنائز
وَخَيْرُ الأُضْحِيَةِ الْكَبْشُ الأَقْرَنُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٣١٥٦].
١٦٤٢ - [٩] وَرَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. [ت: ١٥١٧،
جه: ٣١٣٠].
١٦٤٣ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَهِ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ
يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣١٣٤، جه: ١٥١٥].
من برود اليمن لهذا الحديث، والأصح أن الثوب الأبيض أفضل(١)، فافهم.
وقوله: (وخير الأضحية الكبش الأقرن) قال الطيبي(٢): لكونه أعظم جثة وسِمَناً
في الغالب، انتهى. وقد جاء في الروايات أن فداء ولد إبراهيم الخليل عليهما السلام
کان بذلك .
١٦٤٣ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (أن ينزع عنهم الحديد والجلود) المذهب
عندنا أن ينزع عن الشهيد السلاح ولباس الحرب، وإن كان ثيابه أقلَّ من الكفن المسنون
يزاد، وإن كان أكثر ينقص، ثم عدم غسل الشهيد متفق عليه بين الأئمة، وأما في الصلاة
فخلاف، فعندنا يصلَّى، وعند مالك والشافعي لا يصلَّى، وعن أحمد قولان، والمشهور
من مذهبه عدم الصلاة، وفي قول منه التخييرُ لتعارض الأدلة، والكلام مذكور في
كتب الفقه(٣)، وقد بسطناه في (شرح سفر السعادة) فليرجع إليه.
(١) وقد مر بيان استحباب التكفين في الأبيض، وهو إجماع.
(٢) ((شرح الطيبي)) (٣/ ٣٥٧).
(٣) انظر: ((شرح فتح القدير)) (٢/ ١٤٣)، و((المحيط البرهاني)) (٢/ ٢٩٥)، و((المغني)) (٣٧٩/٣)،
و((المجموع)) (٥/ ١٦٣)، و((بداية المجتهد)) (١ / ٢٤٨).

١١٨
(٤) باب غسل الميت وتكفينه
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٦٤٤ - [١١] عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ
عَوْفٍ أُنِيَ بِطَعَامِ وَكَانَ صَائِماً، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي،
كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ، إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلاَهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلاَهُ بَدَا رَأْسُهُ،
وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، ثُمَّبُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ - أَوْ
قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِيْنَا - وَلَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا،
ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٢٧٥].
الفصل الثالث
١٦٤٤ - [١١] (سعد بن إبراهيم) قوله: (وهو خير مني) في (شرح الشيخ)(١):
لعله قال ذلك تواضعاً منه، ويحتمل أن يكون ما استقر عليه الأمر من تفضيل العشرة
بالنظر إلى من لم يقتل في زمن النبي ◌َّ، انتهى. يعني: ومصعب من شهداء أحد.
وقوله: (وأراه قال) أي: أظن عبد الرحمن بن عوف أنه قال هذا أيضاً.
وقوله: (أن تكون حسناتنا عجلت لنا) أي: فيدخل في عموم قوله ﴿مَنكانَ يُرِيدُ
اُلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُفِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ [الإسراء: ١٨] و﴿أَذْهَبْتُمْ طَنِبَتِكُمْفِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاُسْتَمْنَعْتُمْ بِهَا ﴾
[الأحقاف: ٢٠]، وأمثال ذلك، أي: من كان العاجلةُ همَّه ولم يُرِد غيرها، وروي عن
عمر رظُه: جاءه رجل بشربة من ماء فيه عسل فلم يشربه، وقال: نخشى أن نكون ممن
قال الله في حقهم ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِبَتِكُمْفِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠](٢)، وذلك من غاية الزهد
(١) ((فتح الباري)) (٧ / ٣٥٣).
(٢) أخرجه أبو داود في ((الزهد)) (٩٤).

١١٩
(٥) كتاب الجنائز
١٦٤٥ - [١٢] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِنَّهِ عَبْدَاللهِ بْنَ أَبَيِّ
بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَيْهِ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ
رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، قَالَ: وَكَانَ كَسَا عَبَّاساً قَمِيصاً.
في الدنيا رضي الله عنهم أجمعين(١).
١٦٤٥ - [١٢] (جابر) قوله: (عبدالله بن أبي) وكان منافقاً ظاهر النفاق.
وقوله: (فنفث فيه) أي: في كفنه، كذا في الحواشي، قالوا: يحتمل أنه فعل
ذلك قبل نزول قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَّ أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَنَقُمْ عَلَى قَبْرِهٍِ ﴾ [التوبة: ٨٤]،
وقيل: فعل ذلك تأليفاً لابنه، فإنه كان من المؤمنين المخلِصين في غاية الإخلاص،
كأنه أشار ◌َّ: أنا فعلنا ما استطعنا وحكمُ الله ماض، وقيل: التمس ذلك ابنُه ففعل،
فجذبه عمر ظ به قال: أليس نهاك الله عن ذلك؟ فقال ◌َله: أنا في خيرة من ذلك لقوله
تعالى: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَمْ﴾ [المنافقون: ٦]، وههنا قال:
(سأزيد على السبعين) فنزل قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾، وكأنه فهم
عمر النهي من موضع آخر، كذا في بعض الشروح(٢)، وجاء في كتب السير أنه آمن بعد
ذلك من أصحاب [ابن] أُبَيِّ ألف رجل، والله أعلم.
وقوله: (وكان) أي: [ابن] أَبِيّ (كسا عباساً) عم رسول الله ◌َّ} (قميصاً) يوم بدر
حين أتي بأسارى بدر وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي ◌َّ له قميصاً،
(١) قال ابن الملقن (٩ / ٤٩٢): وفيه: أنه ينبغي للمرء أن يتذكر نعم الله عنده، ويعترف بالتقصير عن
أداء شكره، ويتخوف أن يقاص بها في الآخرة، ويذهب سعيه فيها، وبكاء عبد الرحمن - وإن
كان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة - هو ما كانت عليه الصحابة من الإشفاق والخوف من
التأخر عن اللحاق بالدرجات العلى وطول الحساب، انتهى.
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٨/ ٣٤٠)، و((عمدة القاري)) (٦/ ٧٥).

١٢٠
(٥) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٥٠، م: ٢٧٧٣].
٥ - باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
فوجدوا قميص عبدالله بن أبيٍّ يقدر عليه، فكساه إياه، وكان العباس بيِّن الطول، وكذلك
كان عبدالله بن أبي، فصنع رسول الله ◌َّ ما صنع مكافاة لما صنع بالعباس، حتى لا يبقى
المنافق عنده يد لم يجازه عليها، كذا قالوا(١).
٥ - باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
الباء للمصاحبة، ويجوز المشي والركوب في تشييع الجنازة، وتخصيص المشي
بالذكر لكونه أكثر عادة وثواباً، وينبغي للراكب أن يذهب خلف الجنازة، والماشي خلفها
وأمامها، وخلفها أفضل، وكان أبو بكر وعمر څا قد يمشيان أمامها، وسيجيء له تأويل.
وأما الصلاة على الجنازة فهي فرض كفاية إجماعاً؛ لأن ما هو الغرض من قضاء
حق الميت يحصل بالبعض، وشرط صحتها: إسلام الميت، وطهارته، ووضعه أمام
المصلي، فبهذا القيد لا يجوز على غائب، ولا على حاضر محمول على دابة وغيرها،
ولا موضوع متقدم عليه المصلي.
وإذا دفن بلا غسل، ولا يمكن إخراجه إلا بالنبش، سقط شرط الطهارة وصُلِّ
على قبره بلا غسل للضرورة، بخلاف ما إذا لم يُهَلْ (٢) عليه التراب بعدُ، فإنه يُخرج
فيغسل .
ولو صُلي عليه بلا غسل جهلاً مثلاً، ولا يُخرج إلا بالنبش، تعاد لفساد الأولى،
(١) انظر: ((صحيح البخاري)) (٣٠٠٨).
(٢) هال عليه التراب، يهيل، هيلاً، وأَهَالَهُ: صَبَّه. ((القاموس)) (ص: ٩٩١).