النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ (٤) كتاب الصلاة والظاهر أن ما في (صحيح البخاري)(١) من حديث سلمان ظرت: ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت، وفي (صحيح مسلم)(٢) عن أبي هريرة: من اغتسل، ثم أتى الجمعة وصلى ما قدر له، ثم أنصت، وارد في السنة قبل الجمعة، وأورد السيوطي في (جمع الجوامع)(٣): من كان مصلياً يوم الجمعة فليصل قبلها أربعاً وبعدها أربعاً، رواه ابن النجار. وذكر في (المواهب اللدنية)(٤): أنه قيل: إن الركعتين اللتين أمر رسول الله وله أبا سليك الغطفاني بهما وقت الخطبة، والتجوز فيهما كانتا سنة الجمعة قبلها، وسيجيء ذكرها في (باب خطبة الجمعة) إن شاء الله تعالى، وفي (المواهب)(٥) أيضاً من حديث أبي داود وابن حبان من طريق أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر ◌ًا يطيل في الصلاة قبل الجمعة وبعد الجمعة ركعتين في بيته، ويقول: هكذا كان يفعله رسول الله وَّر، وبهذا الحديث احتج النووي في (الخلاصة) على إثبات السنة قبل الجمعة، وتعقب بأن قول ابن عمر: (هكذا) إشارة إلى الأخير من أداء الركعتين بعد الجمعة في بيته؛ لأنه ◌ٍ﴾ كان يخرج بعد الزوال من بيته، ويشتغل بالخطبة بصلاة الجمعة، فمتى كانوا يصلون السنة قبل الجمعة، ومن ظن أنه إذا فرغ المؤذن من الأذان قاموا فركعوا فهو من أجهل الناس، انتهى. وفيه ما فيه؛ لأن حصول اليقين بخروجه ◌ّيه متصل الزوال (١) ((صحيح البخاري)) (٨٨٣). (٢) ((صحيح مسلم)) (٨٥٧). (٣) ((جمع الجوامع)) (٦٣٢٦). (٤) ((المواهب اللدنية)) (٤ / ٢٣٦). (٥) ((المواهب اللدنية)) (٤ / ٢٣٤). 1 ٣٠٢ (٣٠) باب السنن وفضائلها بحيث كان لم يصل في بيته مشكل جداً، وقد رواه ابن عمر تُه، فافهم. وقال الشيخ ابن الهمام(١): خروجه ◌َ* كان بعد الزوال بالضرورة، فيجوز كونه بعد ما كان يصلي أربع ركعات، ويجب الحكم بوقوع هذا المجوِّز لما مر في باب السنن من عموم أنه كان ◌َّه يصلي إذا زالت الشمس أربعاً، ويقول: (إن هذه ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح)، وكذا يجب في حقهم لأنهم أيضاً يعلمون الزوال، إذ لا فرق بينهم وبين المؤذن فيه في ذلك الزمان؛ لأن اعتماده في دخول الوقت كاعتمادهم، بل ربما يُعلمونه بدخول الوقت ليؤذن على ما عرف من حديث ابن أم مكتوم أنهم كانوا يعلمونه بالفجر فيؤذن. فإن قلت: مقصود النافي نفيُ صلاة قبل الجمعة أن تكون راتبة لها كالظهر، قلنا: لما ثبتت الصلاة قبل الجمعة لمَ لا تكون راتبةً لها، والدليل على عدمها، على أنه قد ذهب بعض الناس إلى أن المراد بهذه الأربعة التي كان يصلي بعد الزوال سنة الظهر، فلم لا تكون سنة الجمعة، والله أعلم. وقال البخاري في ترجمة (باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها)، ثم أورد حديثاً في الركعتين بعد الجمعة، ولم يورد حديثاً في الصلاة قبلها، فقال في (فتح الباري)(٢) عن ابن المنير أنه قال: لعل قصد البخاري من عدم التعرض بالصلاة قبل الجمعة أن الأصل استواء الظهر والجمعة حتى يدل دليل على خلافه لأنها بدل الظهر، ولما كان اعتناؤه بذكر الصلاة بعد الجمعة أكثر لورود الحديث فيه صريحاً تعرض به، ولهذا (١) ((فتح القدير)) (٢ / ٦٩). (٢) ((فتح الباري)) (٢ / ٤٢٦). ٣٠٣ (٤) كتاب الصلاة د ٣١- باب صلاة السن قدم في الترجمة ذكر الصلاة بعد الجمعة على الصلاة قبلها على خلاف عادة رعاية المناسبة، انتهى. وهذا الكلام قريب مما قال صاحب (سفر السعادة)(١): وإن من أثبت السنة في الجمعة أثبتها بالقياس على الظهر، ولا يخفى أن هذا الطريق الذي ذكر في (فتح الباري) ليس بقياس، بل هذه السنة هي التي كانت في الظهر أبقيت في الجمعة لكونها بدلها، فافهم. وبالله التوفيق. وذكر في (فتح الباري)(٢): أن أقوى ما يتمسك به في مشروعية الركعتين قبل الجمعة عموم الحديث الذي صححه ابن حبان عن عبدالله بن الزبير أنه قال رسول الله ◌َله: ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان، انتهى. ٣١ - باب صلاة الليل اعلم أنه قد جاءت الروايات في صلاته ﴿ بالليل مختلفة، وكانت صلاته فيه متنوعة كمية وكيفية، وقد ذكر منها صاحب (سفر السعادة)(٣) ثمانية أنواع، وزدنا في شرحه أنواعاً أخر، والمتعبد مخير أيها يختار يدرك شرف المتابعة، أو يفعل كلاًّ منها في أوقات مختلفة، ولعل هذا أولى وأوفق، وهي مذكورة في ذلك الكتاب مفصلاً فراجع إليها، وبعضها مذكور في هذا الكتاب فجاءت ثلاثة عشر وإحدى عشر وتسعاً وسبعاً، وقال بعض العلماء: خمساً أيضاً، ولم نر في ذلك حديثاً، ولم يكن أكثر من ثلاثة عشر، فقيل: مع ركعتي سنة الفجر، وقيل: بدونها، وقد وردت الروايات بكل منهما، (١) انظر: ((سفر السعادة)) (ص: ١١٧). (٢) ((فتح الباري)) (٢ / ٤٢٦). (٣) انظر: ((سفر السعادة)) (ص: ٧٣). ٣٠٤ (٣١) باب صلاة الليل * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١١٨٨ - [١] عَنْ عَائِشَةَ ﴾ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأْ أَحَدُكُمْ. والثاني أصح وأصوب، وكان تارة يوتر بركعة واحدة وأخرى بثلاث ركعات. ولْيعلم أن في بعض الروايات عدَّ الوتر داخلاً فيها، وفي بعضها خارجاً، وفي بعضها أدخلت الركعتان بعد الوتر فيها، وفي بعضها أطلق الوتر على ركعة منها، وفي بعضها على ثلاث إلى خمس وسبع، وفي بعضها سميت صلاة الليل كلها وتراً، كما جاءت في رواية أم سلمة ◌َّ: كان رسول الله * يوتر بثلاثة عشر ركعة، ولما بدَّن أوتر بسبع، وفي الصحيح عن رسول الله وَّ أنه قال: (أوتروا يا أهل القرآن)، وأراد به قيام الليل، ووجهه: أن الصلاة كلها تصير بضم الوتر إليها وتراً، كما تصير صلاة النهار بالمغرب وتراً، وقد ورد: (صلاة المغرب وتر النهار). والكلام في أن التهجد كان فرضاً على رسول الله ﴿ ﴿ أو على كلِّ الأمة ثم نسخ مشهور، والمختار أنه كان فرضاً على الكل، ثم نسخ على الأمة، وبقي فرضاً على النبي ◌َّه إلى آخر العمر، وقد حقُّق ذلك في موضعه، وقد ذُكر نبذ من ذلك في (سفر السعادة)(١) وشرحه، وقد يتضح هذه المعاني أكثرها في أثناء شرح أحاديث الباب. الفصل الأول ١١٨٨ - [١] (عائشة) قوله: (فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم (١) انظر: ((سفر السعادة)) (ص: ٧٠). ٣٠٥ (٤) كتاب الصلاة خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلاَةِ الْفَجْرِ، وَتَبَّيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِیفْتَیْنِ، خمسين آية قبل أن يرفع رأسه) الظاهر - والله أعلم - أن يكون اللام في (السجدة) للعهد الذهني، و(من) للتبعيض، والمراد أنه كان يسجد سجدة من بعض سجداته طويلاً هذا القدر المذكور، ويحتمل أن يكون للاستغراق يعني كان قد يسجد سجدات تلك الركعات طويلة، وقد حمله بعض الشافعية على أنه سجدة شكر كان يسجدها من جهة ما صدر عنه الفعل المذكور. واعلم أن ما وقع عليه العمل في بعض البلاد من السجدتين بعد الوتر بالكيفية المعروفة وقع فضلها في بعض الروايات الفقهية الضعيفة المرجوحة، فلا أصل له من الأخبار والآثار، ولا وردت به الرواية الفقهية المختارة، ولا عُمل عليه في الحرمين الشريفين بل سائر ديار العرب، وقد يروى في ذلك حديث حكموا بوضعه، وآثار الوضع منه لائحة، وما ذهب أحد من أئمة المذاهب الأربعة إلى سنّيتهما أو استحبابهما، وأكثر حنفية تلك الديار لا يعرفونهما، وبعضهم ينقلون كراهيتهما، والله أعلم. وقوله: (فإذا سكت المؤذن) الرواية المشهورة بالتاء الفوقانية، وقد يروى : (سكب) بالموحدة، أي: صب، قال في (مشارق الأنوار)(١): رويناه بالتاء من السكوت في هذا الحديث، ورويناه عن الخطابي (سكب) بالباء، وحدثونا عن أبي مروان بن سراج أن (سكت) و(سكب) بمعنى واحد. وقوله: (من صلاة الفجر) أي: من أذانه. وقوله: (وتبين له الفجر) إشارة إلى أنه * كان لا يكتفي في أداء (١) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٣٦٣). ٣٠٦ (٣١) باب صلاة الليل ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقُِّ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِبَهِ الْمُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ فَيَخْرُجُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٩٤، م: ٧٣٦]. ١١٨٩ - [٢] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّ اضْطَجَعَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٤٣]. سنة الفجر بأذان المؤذن لاحتمال أنه أخطأ وأذن بالليلة، بل يتبين الوقت، ثم يصلي . وقوله: (ثم اضطجع على شقه الأيمن) نشرحه في الحديث الثالث إن شاء الله تعالی . ١١٨٩ - [٢] (وعنها) قوله: (إذا صلى ركعتي الفجر) هما سنة الفجر. وقوله: (حدثني) يدل على جواز التكلم بعد سنة الفجر، وقد عقد الترمذي(١) في التكلم بعد سنة الفجر باباً، وأورد حديثاً عن أم المؤمنين عائشة ◌َّ قالت: كان النبي ◌َّ﴿ إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كانت له إلي حاجة كلمني وإلا خرج إلى الصلاة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقد كره بعض العلماء من أصحاب النبي ◌َّر وغيرهم الكلام بعد طلوع الفجر حتى يصلي صلاة الفجر إلا ما كان من ذكر الله أو مما لا بد منه، وهو قول أحمد وإسحاق، انتهى. وتكلمه18 كان مما لا بد منه، كما يشعر به قول عائشة ◌َّ: فإن كانت له إلي حاجة كلمني، وإن لم يكن من هذا القبيل فلم يُبطل السنة، ولم يوجب الإعادة، اللهم إلا أن يعيد أحد من جهة شدة كراهة التكلم في هذا الوقت احتياطاً وتكميلاً. (١) ((سنن الترمذي)) (٤١٨). ٣٠٧ (٤) كتاب الصلاة ١١٩٠ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَّيِ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقَّهِ الأَيْمَنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٦، م: ٧٣٦]. ١١٩٠ - [٣] (وعنها) قوله: (إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن) الكلام في هذا الحديث من وجهين، أحدهما: الاضطجاع بعد سنة الفجر، وثانيهما: الاضطجاع على شقه الأيمن، وأما الأول فقد ذهب بعض الظاهرية إلى وجوب الاضطجاع لورود الأمر بذلك، وهو للإيجاب بل جعلوه شرطاً لصحة الفرض حتى لو لم يفعل بطلت صلاة الفريضة، وذهب جماعة إلى كراهة ذلك وعدُّوه بدعة. وفي (جامع الأصول)(١): عن نافع عن ابن عمر ﴾ أنه رأى رجلاً صلى ركعتي الفجر، ثم اضطجع فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: أردت أن أفصل بين صلاتي، فقال له: وأيّ فصل أفضل من السلام؟ قال: فإنها سنة، قال: بل هي بدعة. وفي حديث أبي داود والترمذي(٢) عن أبي هريرة حظيبه قال: قال رسول الله وَّه: (إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه)، وزاد أبو داود: فقال له مروان بن الحكم: أما يجزئ أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع على يمينه؟ قال: لا، فبلغ ذلك ابن عمر هما، فقال: أكثر أبو هريرة على نفسه، فقيل لابن عمر : هل تنكر شيئاً مما يقول؟ قال: لا، لكنه اجترأ وَجَبُنَّا، قال: فبلغ ذلك أبا هريرة قال: فما ذنبي أن حفظت ونسوه. ولا يذهب عليك أن القول بكونه بدعة بعيد لورود الأحاديث الصحيحة فيه، فإما أن يقال بنسخها، أو باختصاصه بالنبي وَلّ، أو بكونه لقصد الاستراحة لا على وجه (١) ((جامع الأصول)) (٦/ ١٩). (٢) (سنن أبي داود)) (١٢٦١)، و((سنن الترمذي)) (٤٢٠). ٣٠٨ (٣١) باب صلاة الليل ١١٩١ - [٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َه يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةً رَكْعَةً، مِنْهَا الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ .. التعبد، وكذا القول بالوجوب، فقد جاءت الروايات مختلفة، وجاء في بعض الأحاديث الصحيحة أنه 988 صلى الركعتين فخرج بدون ذكر الاضطجاع، فالقول المختار ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه مستحب، وقال الإمام أبو حنيفة : إن كان للاستراحة ودفع الثقل والتعب الحاصل من صلاة الليل فحسن، وفعلُه وَ ل﴿ أيضاً كان لهذا، والله أعلم. وأما الثاني وهو الاضطجاع على الشق الأيمن، وهكذا كان عادته الكريمة في الاضطجاع في الأحوال كلها، فقالوا: الحكمة فيه أن لا يستغرق في النوم؛ لأن القلب الذي هو المضغة الصنوبرية معلق في جهة اليسار، فلو نام على شقه الأيسر لاستقر القلب وغلبته الاستراحة واستغرق النوم لكونه أغلب في الراحة، وإذا اضطجع على شقه الأيمن يكون القلب معلقاً فلا يستريح فلا يستغرق النوم، ولهذا اختار الأطباء النوم على الشق الأيسر طلباً لراحة القلب وهضم الطعام لتوجه الحرارة الغريزية إلى داخل البدن في حالة النوم، ومتى كان النوم أغلب وأغرق كانت الراحة وهضم الطعام أقوى وأوفر، وصاحب الشرع اضطجع على الشق الأيمن طلباً لخفة النوم وتيسر قيام الليل، ويلزم منه رعاية تقليل الطعام أيضاً. ثم اعلم أنه قد جاء في الأحاديث الصحيحة أنه ﴿ كان ينام في هذا الاضطجاع حتى يسمع غطيطه، ثم يقوم ويصلي ولا يتوضأ، وعدم نقض الطهارة بالنوم من خصائصه ويلي، وقيل: من خصائص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقد سبق مما يتعلق بهذا الكلام في (باب الأذان) في قصة ليلة التعريس. ١١٩١ - [٤] (وعنها) قوله: (منها الوتر) ركعة أو ثلاث، ومنها (ركعتا الفجر) ٣٠٩ (٤) كتاب الصلاة رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٣٨]. ١١٩٢ - [٥] وَعَنْ مَسْرُوقِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللهِ وَّل بِاللَّيْلِ. فَقَالَتْ: سَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً سِوَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٣٩]. ١١٩٣ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ انْتَتَحَ صَلاَتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٦٧]. ١١٩٤ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحِ الصَّلاَةَ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٦٨]. والتحقيق أنها سوى ركعتي الفجر، كما جاء في الأحاديث، وإنما ذكرت ◌ّ ركعتي الفجر مع صلاة الليل لقربهما منها وانتهائها إليهما . ١١٩٢ - [٥] (مسروق) قوله: (وإحدى عشرة ركعة سوى ركعتي الفجر) يوافق رواية ثلاث عشر مع ركعتي الفجر. ١١٩٣ - [٦] (عائشة) قوله: (بركعتين خفيفتين) لعلهما ركعتا الوضوء، ويستحب فيها التخفيف لورود الأخبار به فعلاً وقولاً(١). ١١٩٤ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (فليفتتح) الأمر للندب. (١) قال القاري: وَالأَظْهَرُ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ التَّهَجُدِ يَقُومَانِ مَقَامَ تَحِيَّةِ الْوُضُوءِ؛ لأَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ لَهُ صَلاَةٌ عَلَى حِدَةٍ، فَيَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَمْراً يَشْرَعُ فِيهِ قَلِيلاً لِيَدَرَّجَ، قَالَ الطُّبِيِيُّ: لِيَحْصُلَ بِهِمَا نَشَاطُ الصَّلاَةِ وَيَعْتَادَ بِهِمَا، ثُمَّ يَزِيدُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ. ((مرقاة المفاتيح)) (٣ / ٩٠٣). ٣١٠ (٣١) باب صلاة الليل ١١٩٥ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، وَالنَّبِيُّ ◌َّهِ عِنْدَهَا، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِلَّهِ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ أَوْ بَعْضُهُ قَعَدَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْقِرْبَةِ، فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ صَبَّ فِي الْجَفْنَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءاً حَسَناً بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ. ١١٩٥ - [٨] (ابن عباس) قوله: (فتحدث رسول الله يثير مع أهله) يدل على جواز الكلام المباح الذي فيه مصلحة بعد العشاء بلا كراهة، وقد سبق الكلام فيه في (باب أوقات الصلاة). وقوله: (فلما كان ثلث الليل الآخر) كان تامة، والآخر صفة الثلث، أي: فلما بقي من الليل مقدار الثلث. وقوله: (أو بعضه) أي: بعض الثلث الآخر، وهو السدس مثلاً. وقوله: (حتى ختم السورة) وورد في بعض الروايات: إلى ﴿لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ﴾. وقوله: (فأطلق) أي: حل (شناقها) بكسر الشين المعجمة وتخفيف النون والقاف: خيط أو سير يشد به فم القربة، كذا في (القاموس)(١). وقوله: (ثم صب في الجفنة) استعمال (ثم) للترتيب والتراخي في الذكر والبيان، أو للإشارة إلى أن أفعاله ◌َّر كانت واقعة بالتؤدة والوقار من غير استعجال واضطراب. وقوله: (بين الوضوئين) أي: متوسط بين إسراف وتقتير. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٢٨). ٣١١ (٤) كتاب الصلاة لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ، فَقَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ وَتَوَضَّأْتُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأُنِي فَأَدَارِي عَنْ يَمِينِهِ، فَتَتَامَّتْ صَلاَتُهُ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَمَ نَفَخَ، فَاذَنَهُ بِلَاَلْ بِالصَّلاَةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَوَضَّأُ، وَكَانَ فِي دُعَائِهِ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوراً، وَفِي بَصَرِي نُوراً، وَفِي سَمْعِي نُوراً، وَعَنْ يَمِينِي نُوراً، وَعَنْ يَسَارِي نُوراً، وَفَوْقِي نُوراً، وَتَحْتِي نُوْراً، وَأَمَامِي نُؤْراً، وَخَلْفِي نُوراً، وَاجْعَلْ لِي نُوراً). وَزَادَ بَعْضُهُمْ: ((وَفِي لِسَانِي نُوراً وَذُكِرَ: ((وَعَصَبِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعَرِي وَبَشَرِي)). مُتَّفق عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: ((وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُوراً، وَأَعْظِمْ لِي نُوراً) وَفِي أُخْرَى لِمُسْلِمٍ: ((اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُوْراً». [خ: ٦٣١٦، م: ٧٦٣]. ١١٩٦ - [٩] وَعَنْهُ: أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَلِ فَاسْتَيْقَظَ، فَتَسَوَّكَ، وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُول: ﴿ إِنَّ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ وقوله: (لم يكثر) أي: في صب الماء (وقد أبلغ) أي: أبلغ الماء إلى الأعضاء وأسبغ الوضوء. وقوله: (فتتامت) بتشديد الميم تفاعلت من تمت، أي: تكاملت. وقوله: (فآذنه) بمد الهمزة أي أعلمه بعد الأذان. وقوله: (وذُكِرَ: وعصبي ولحمى) وزاد في بعض الروايات وعظمي ومخي. ١١٩٦ - [٩] (وعنه) قوله: (أنه رقد) نقل الكلام ابن عباس لها، الظاهر: إني رقدت، قال الرضي: يجوز الوجهان، قال زيد: إنه قائم، وإني قائم. وقوله: (وتوضأ وهو يقول) جاء قراءة هذه الآيات بعد الاستيقاظ والنظر إلى ٣١٢ (٣١) باب صلاة الليل حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ أَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ، كُلَّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلاءِ الْآيَاتِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلاَثٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٦٣]. ١١٩٧ - [١٠] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لأَرْمُقَنَّ صَلاَةً رَسُولِ اللهِوَّهِ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، . السماء وعند الوضوء أيضاً. وقوله: (ثم فعل ذلك) ثم للتراخي في الإخبار. وقوله: (ست ركعات) بدل من قوله: (فعل ذلك ثلاث مرات) بتقدير: صلى ست ركعات. وقوله: (كل ذلك) بالنصب على الظرفية، أي: كلَّ مرة من تلك المرات يستاك. وقوله: (ثم أوتر بثلاث) هذا دليل على شرعية الوتر ثلاثاً، وكثير من الروايات جاءت بركعة واحدة، وبالغ بعض الشافعية في تزييف القول بالثلاث، وقد وردت أحاديث وآثار صحيحة في ذلك، والحق أن الإيتار بثلاث ركعات أو ركعة واحدة مختلف فيه بين العلماء من الصحابة وبعدهم، وكلاهما مشروع، وسيجيء الكلام فيه في (باب الوتر)، وهذا الاختلاف في الأَولى والأفضل، وإلا فلا خلاف لأحد في الإيتار بالثلاث. ١١٩٧ - [١٠] (زيد بن خالد الجهني) قوله: (لأرمقن) أي: قلت: لأرمقن صلاة رسول الله ﴿ حتى أرى كم يصلي وكيف يصلي فأحفظها، فذهبت فرأيت أنه صلى ركعتين خفيفتين ... الحديثَ، ويدل على هذا المعنى ما يأتي في الفصل الثالث من ٣١٣ (٤) كتاب الصلاة ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ وَهُمَا دُونَ اللََّيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا لَثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللََّيْنِ قَبْلَهُمَا]، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ الَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا)) أَرْبَعَ مَرَّاتٍ هَكَذَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) وأَفْرَادِهِ مِنْ كِتَابِ الْحُمَيْدِي، و((مُوَطَّأْ مَالِكٍ)» وَ«سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ)، وَ((جَامِع الأصُولِ)). [م: ٧٦٥، الجمع بين الصحيحين: ١/ ٣٣٨، ط: ٣٩٧، د: ١١٥٩، جامع الأصول: ٤١٩٦]. حديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف، فأرمقن مجعول على الاستقبال حقيقة، وقال الطيبي(١): عدل عن الماضي إلى المضارع استحضاراً لتلك الصورة(٢)، فافهم. والرمق في الأصل النظر إلى الشيء بالعداوة شزراً طويلاً فاستعير في النظر بالتأمل. وقوله: (طويلتين طويلتين طويلتين) كرر ثلاث مرات مبالغة في بيان الطول. وقوله: (فذلك ثلاث عشرة ركعة) مبني على الإيتار بالثلاث إن لم تدخل الركعتان الخفيفتان تحت المجمل، وعلى الإيتار بركعة إن دخلتا، والظاهر هو الأول. وقوله: (أربع مرات) رد على (المصابيح) ففيه: (ثلاث مرات)، وهو مبني على (١) ((شرح الطيبي)) (٣ / ١٠٠). (٢) قال القاري: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ قَبْلَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ نَهَاراً، ثُمَّ رَمَقَهُ فَصَلَّى ... إِلَخْ. وَحِينَئِذٍ فَالْمُضَارِعُ عَلَى حَالِهِ. اهـ. وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ إِلاَّ عَلَى تَقْدِيرٍ تَقْدِيرَاتٍ كَثِيرَةٍ كَمَا لاَ يَخْفَى. ((مرقاة المفاتيح)) (٣/ ٩٠٦). ٣١٤ (٣١) باب صلاة الليل ١١٩٨ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ لَ﴾ قَالَتْ: لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَثَقُلَ، كَانَ أَكْثَرُ صَلاَتِهِ جَالِساً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١١٨، م: ٧٣٢]. ١١٩٩ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِى كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ، دخول الخفيفتين، والله أعلم. وقد يقال في توجيه ما في (المصابيح): إن قوله: (طويلتين طويلتين طويلتين) محمول على ست ركعات بحذف العطف، والركعتان الخفيفتان خارجتان والوتر بركعة، والأظهر أن التكرير للمبالغة في الطول. ١١٩٨ - [١١] (عائشة) قوله: (لما بدن رسول الله وَّر) قال في (مشارق الأنوار)(١): رويناه بضم الدال مخففة وبفتحها مشددة، وكذا قيدناه على القاضي الشهيد، وأنكر ابن دريد وغير واحد ضم الدال هنا؛ لأن معناه: عظم بدنه وکثر لحمه، قالوا: وليست هذه صفته ◌َّ﴾، قالوا: والصواب التثقيل؛ لأنه بمعنى أسن أو ثقل في السن، والحجة لصحة الروايتين معاً ما وقع مفسراً في حديث عائشة ◌ًَّ في الرواية الأخرى: فلما أسنَّ وأخذه اللحم، والحجة للرواية الأولى قولها في الحديث الآخر: معتدل الخلق بَدُن آخر زمانه، والحجة للرواية الثانية قولها: حتى إذا كبر، وقوله في حديث أبي هالة: بادن متماسك، أي: عظيم البدن مشتدُّه غير مترهل ولا خوار، وفي (مجمع البحار)(٢): ورواية التثقيل هي التي نصها العلماء، فالمعنى: ثقل ضعف، فتدبر. ١١٩٩ - [١٢] (عبدالله بن مسعود) قوله: (لقد عرفت النظائر التي كان النبي ◌َّ يقرن بينهن) النظائر جمع نظيرة، وقد يجيء جمع نظورة بمعنى الخيار، ونظائر الجيش (١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ١٢٥). (٢) ((مجمع البحار)) (١ / ١٦١ - ١٦٢). ٣١٥ (٤) كتاب الصلاة فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ عَلَى تَأَلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، سُورَتَيْنٍ فِي رَكْعَةٍ آخِرُهُنَّ ﴿حمّ ﴾ [الدخان: ١] وَ﴿عَّيَتَسَلُونَ﴾. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٩٦، م: ٧٢٢]. أفاضلهم، والظاهر ههنا أن يكون جمع نظيرة، والمراد السور التي تتماثل في الطول والقصر، وقيل: في المعاني والمواعظ والحكم والقصص لا في عدد الآي، أو هو المراد بالتقريب، و(يقرن) بضم الراء وكسرها. وقوله: (على تأليف ابن مسعود) اعلم أن هذا التأليف الذي يقرأ الناس القرآن عليه إلى يومنا تأليف زيد بن ثابت، وعليه المدار والاتفاق، وقد كان لأبيٍّ تأليف، ولابن مسعود تأليف آخر، هما شاذان مخالفان لهذا التأليف، وقد ذكرا في (كتاب الإتقان)(١) للسيوطي، فيقول ابن مسعود ه: كان رسول اللهوَ﴿ قد يقرأ عشرين سورة من أول المفصل في كل ركعة سورتين، وقد ذكر الطيبي(٢) وغيره هذه السور بما يخالف في الترتيب لما في (الإتقان). واعلم أن ترتيب الآي القرآنية توقيفي بلا شبهة وعليه الإجماع، ولم يخالف في ذلك أحد؛ فإن جبرئيل * كان يوقف رسول الله وَل عند نزول كل آية: أن هذه الآية تكتب عقيب آية كذا في سورة كذا، فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه، فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب أنزله الله تعالى جملة إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله مفرقاً عند الحاجة، وترتيب النزول على غير ترتيب التلاوة. (١) انظر: ((الإتقان في علوم القرآن)) (ص: ٧٣). (٢) انظر: ((شرح الطيبي)) (٣/ ١٠٣). ٣١٦ (٣١) باب صلاة الليل * الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٢٠٠ - [١٣] عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ نَّهِ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَكَانَ يَقُولُ: ((اللهُ أَكْبَرُ) ثَلاَثً(ذُو الْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ) ثُمَّ اسْتَفْتَحَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ، أما ترتيب السور فهل هو توقيفي أيضاً أو باجتهاد من الصحابة، فيه خلاف، فجمهور العلماء على الثاني، ومما استدل به لذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور، فمنهم من رتبها على النزول، وهو مصحف علي ته، كان أوله ﴿اقْرَأْ بِأَسْمٍ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، ثم المدثر، ثم المزمل، ثم تبت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني، وكان أول مصحف ابن مسعود البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران على اختلاف شديد، وكذا مصحف أبيّ وغيره، ومنهم من قال: ترتيب السور والآيات كلاهما توقيفي، ومعنى قولهم: إن ترتيب السور باجتهاد الصحابة: أنهم اجتهدوا وكابدوا في تحقيق ترتيبها فرتبوها كما كانت بخلاف الآيات؛ فإنها معروفة ومعلومة بلا شبهة، والقول المشهور هو الأول، وعليه يبتني قوله: (على تأليف ابن مسعود ظُبه)، والله أعلم. الفصل الثاني ١٢٠٠ - [١٣] (حذيفة) قوله: (ذو الملكوت) مبالغة في الملك؛ كالرحموت والرغبوت والرهبوت. وقوله: (والجبروت) مبالغة في الجبر بمعنى القهر والغلبة. وقوله: (والكبرياء والعظمة) قريب في المعنى، ولو حمل أحدهما على الذات والآخر على الصفات لكان وجهاً. وقوله: (فقرأ البقرة) أي: بعد الفاتحة. ٣١٧ (٤) كتاب الصلاة ثُمَّ رَكَعَ فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ، فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ))، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَكَانَ قِيَامُهُ نَحْواً مِنْ رُكُوعِهِ يَقُولُ: (لِرَبِّيَ الْحَمْدُ))، ثُمَّ سَجَدَ، فَكَانَ سُجُودُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ، فَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى))، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَكَانَ يَقْعُدُ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَحْواً مِنْ سُجُودِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: ((رَبِّ اغْفِرْ لِي رَبِّ اغْفِرْ لِي) فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَرَأَ فِيهِنَّ الْبَقَرَةَ، وَآلَ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءَ، وَالْمَائِدَةَ، أَوِ الأَنْعَامَ، شَكَّ شُعْبَةٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٨٧٤]. ١٢٠١ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ. وقوله: (فكان ركوعه نحواً من قيامه) أي: في التطويل، فكما طوَّل القيام عن القدر المعهود كذلك طوَّل الركوع لا أنه كان مقدار القيام حقيقة، وكذا في البواقي، وقد كان كذلك في صلاة الخسوف والكسوف. وقوله: (فكان قيامه) أي: اعتداله، هكذا أولوه، ولكن قد جاء في حديث النسائي(١) عن عوف بن مالك في صلاة التهجد: فلما ركع مكث قدر سورة البقرة، ويقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، وكان المقروء فيها أيضاً سورة البقرة، فهذا صريح في أن ركوعه كان على قدر القيام، والصواب أنه قد كان في بعض الأحيان كذلك، والغالب ما ذكروا، والله أعلم. ١٢٠١ - [١٤] (عبدالله بن عمرو بن العاص) قوله: (من قام بعشر آيات) أي: (١) (سنن النسائي)) (١٠٤٩). ٣١٨ (٣١) باب صلاة الليل لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِئَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفٍ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣٩٨]. ١٢٠٢ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ : بِاللَّيْلِ صَلىالله وَميلة يَرْفَعُ طَوْراً وَيَخْفِضُ طَوْراً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣٢٨]. ١٢٠٣ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِّ ◌َ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْمَعُهُ مَنْ فِي الْحُجْرَةِ وَهُوَ فِي الْبَيْتِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣٢٧]. أتى بها وقرأها، مِن قام بالأمر، والظاهر أن المراد قيام الليل يدل عليه إيراده في (باب قيام الليل). وقوله: (لم يكتب من الغافلين) وهذا أدنى المراتب. وقوله: (كتب من القانتين) أي: المطيعين أو المطيلين للقيام في صلاته ومن الذين قاموا بأمر الله ولزموا طاعته، وهذا أوسط الدرجات. وقوله: (كتب من المقنطرين) أي: المكثرين من الثواب، والقنطار هو المال الكثير، قيل: أقله سبعون ألف دينار، وهو أعلى المقامات. ١٢٠٢ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (كانت قراءة النبي ◌ِّ) يعني: في الصلاة أو في غيرها أو أعم منهما، وخبر كان محذوف، أي: مختلفة. وقوله: (يرفع طوراً ويخفض طوراً) بيان له، ويحتمل أن يكون هو خبراً بتقدير الضمير؛ أي: يرفع بها صوته، والطور: التارة. ١٢٠٣ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (من في الحجرة) المراد بالحجرة صحن البيت، ويحتمل أن يكون المراد بالبيت الحجرة نفسها، أي: يسمع من في الحجرة، وهو فيها، كذا في بعض الشروح. ٣١٩ (٤) كتاب الصلاة ١٢٠٤ - [١٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ خَرَجَ لَيْلَةً، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ يُصَلِّي يَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ، وَمَرَّ بِعُمَرَ وَهُوَ يُصَلِّي رَافِعاً صَوْتَهُ، قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ النَّبِّ ◌َ قَالَ: (يَا أَبَا بَكْرٍ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي تَخْفِضُ صَوْتَكَ))، قَالَ: قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاَجَيْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، وَقَالَ لِعُمَرَ: ((مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعاً صَوْتَكَ))، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أُوقِظُ الْوَسْنَانَ وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((يَا أَبَا بَكْرِ ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئاً))، وَقَالَ لِعُمَرَ: ((اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ. [د: ١٣٢٩، ١٢٠٥ - [١٨] وَعَنْ أَبِ ذَرِّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِوَهُ حَتَّى أَصْبَحَ بِآَيَّةٍ، وَالآيَةُ: ﴿ إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَ إِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ن في الكبرى: ١٠٨٣، جه: ١٣٥٠]. ١٢٠٤ - [١٧] (أبو قتادة) قوله: (أوقظ الوسنان) الوَسَنُ والوَسْنةُ والسِّنةُ ثقل النوم، وأوله النعاس. وقوله: (فقال النبي ◌َّار: يا أبا بكر ارفع من صوتك ... إلخ) هداية للطريق الوسط الذي هو خير الأمور، وتصرف بتغيير ما هما عليه وسكنا به، وذلك من عادة المرشدين وتصرفهم . ١٢٠٥ - [١٨] (أبو ذر) قوله: (﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُلٌ ﴾ الآية) وهذه الآية من قول عيسى عليه في حق قومه، وكأنه عرض رسول الله وَسليم حال أمته على الله سبحانه واستغفر لهم. ٣٢٠ (٣١) باب صلاة الليل ١٢٠٦ - [١٩] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَي الْفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ على يَمِينِهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٤٢٠، د: ١٢٦١]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٢٠٧ - [٢٠] عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِّهِ؟ قَالَتْ: الدَّائِمُ، قُلْتُ: فَأَيُّ حِينٍ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ إِذا سَمِعَ الصَّارِخَ. مُتَّفَقٌ عَليْهِ. [خ: ١١٣٢، م: ٧٤١]. ١٢٠٦ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه)(١) قد مر الكلام فيه. الْفَصْلِ الثَّالِث ١٢٠٧ - [٢٠] (مسروق) قوله: (إذا سمع الصارخ) المراد منه الديك، وجرت العادة بأن الديك يصيح عند نصف الليل غالباً، كذا في بعض الشروح نقلاً عن الشيخ، وقال صاحب (سفر السعادة)(٢): ويكون صراخه غالباً بعد انتصاف الليل، انتهى. أقول: لعل هذا يختلف باختلاف البلاد، وفي بلادنا يصيح في الثلث الأخير (١) أَيْ: لِيَسْتَرِيحَ مِنْ تَعَبِ قِيَامِ اللَّيْلِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ الْفَرِيضَةَ عَلَى نَشَاطِهِ وَانْبِسَاطِهِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ فِي حَقِّ مَنْ تَهَجَّدَ بِاللَّيْلِ. انْتُّهَى. فَيَبَغِي إِخْفَاؤُهُ وَفِعْلُهُ فِي الْبَيْتِ لاَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مَزْأَى مِنَ النَّاسِ، وَيَخْتَرِسُ مِنْ أَنَّ النَّوْمَ يَأْخُذُهُ فَيُصَلِّي الْفَرْضَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ زَكَرِيًّا مِنْ مَشَايِخِنَا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٣ / ٩١٢). (٢) ((سفر السعادة)) (ص: ٧٣).