النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
(٤) كتاب الصلاة
رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنٍ عِبَادَتِكَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ
وَالنَّسَائِيُّ، إِلاَّ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ لَمْ يَذْكُرْ: قَالَ مِعَاذٌ: وَأَنَا أُحِبُّكَ. [حم: ٢٤٤/٥،
٢٤٥، د: ١٥٢٢، ن: ١٣٠٣].
٩٥٠ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَ﴿ِ كَانَ
يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: ((السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْمَنِ،
وَعَنْ يَسَارِهِ: ((السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْسَرِ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرِ التِّرْمِذِيُّ: حَتَّى يُرَى بَيَاضُ
خَدِّهِ. [د: ٩٩٦، ت: ٢٩٥، ن: ١٣٢٥].
٩٥١ - [١٣] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ. [جه: ٩١٤].
التي بعد الصلاة.
وقوله: (رب أعني) في ((الأذكار))(١): ((اللهم)) مقام (رب)).
وقوله: (وحسن عبادتك) إشارة إلى معنى الإحسان وهو أن تعبد ربك كأنك
تراه، قالت السادة الصوفية: وإنما يتيسر ذلك بالتجرد وعدم التعلق بما سوى الله
من النفس والدنيا والخلق، وإنما تركوا الدنيا لتحصيل الحضور في العبادة
وإحسانها .
٩٥٠، ٩٥١ _ [١٢، ١٣] (عبدالله بن مسعود، وعمار بن ياسر) قوله: (السلام
عليكم) حال أو استئناف .
(١) ((الأذكار)) (١٩٤).

٨٢
(١٧) باب الدعاء في التشهد
٩٥٢ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ انْصِرَافِ النَّبِيِّ ◌َه
مِنْ صَلاَتِهِ إِلَى شِقُّهِ الأَيْسَرِ إِلَى حُجْرَتِهِ. رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ). [شرح السنة:
١ / ١٧٤ ].
٩٥٣ - [١٥] وَعَن عَطَاءِ الْخُرَاسَانِيٌّ عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:
((لاَ يُصَلِّي الإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ حَتَّى يَتَحَوَّلَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَقَالَ: عَطَاءٌ الْخُرَسَانِيٌّ لَمْ يُدْرِكِ الْمُغِيرَةَ. [د: ٦١٦].
٩٥٢ - [١٤] (عبدالله بن مسعود) قوله: (إلى شقه الأيسر) الانصراف إليه نص
في معنى الميل إليه، وأما الانصراف عنه فالظاهر في الميل عنه، ويحتمل أخذ ذلك
الجانب والذهاب منه کما ذکرنا .
٩٥٣ - [١٥] (عطاء الخراساني) قوله: (لا يصلي الإمام في الموضع الذي
صلى فيه حتى يتحول) أي: ينتقل من مكانه إلى موضع آخر، فيتأخر ويصلي خلف
القوم، أو ينحرف يمنة أو يسرة، وأما المقتدي والمنفرد فإن شاء تطوع في مكانه أو تقدم
أو تأخر أو انحرف يمنة أو يسرة، والكل سواء، ورُوِي عن محمد أنه قال: يستحب
للقوم أيضاً أن ينقضوا الصفوف ويتفرقوا.
وقوله: (وقال) أي: أبو داود: (عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة) يريد تضعيف
الحديث وأنه منقطع، فإن المغيرة مات سنة خمسين، وهو عام ولادة عطاء الخراساني،
وفي (الكاشف) للذهبي(١): أنه كان يرسل عن معاذ وطائفة من الصحابة، وفي حاشيته :
وعن جميع من يروي عنه من الصحابة .
(١) ((الكاشف)) (٣٨٠٥).

٨٣
(٤) كتاب الصلاة
٩٥٤ - [١٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ حَضَّهُمْ عَلَى الصَّلاَةِ وَنَهَاهُمْ
أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلاَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [ر: ٦٢٤].
هذا وقد روي عن ابن عمر، وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر له: الصلاة
في مكانهم الذي صلوا فيه، هذا ما ذكر الطيبي(١)، والذي ذكره عن ابن عمر أخرجه
ابن أبي شيبة (٢) عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ضائها: أنه كان يصلي
سبحته في مكانه، وأخرج من طريق آخر عن نافع: أن ابن عمر كان لا يرى به بأساً،
وأخرج عن عطاء: أن ابن عباس وابن الزبير وأبا سعيد وابن عمر # كانوا يقولون:
لا يتطوع حتى يتحول عن مكانه الذي صلى فيه الفريضة، وفي سنده رجل متهم،
ورَوَى عن أبي هريرة أنه قال: أيعجز أحدكم إذا فرغ من صلاته أن يتقدّم أو يتأخّر؟
وهو عام للإمام وغيره، كذا ذكره بعض المتأخرين، وسيأتي الكلام فيه مفصلاً في
ترجمة الباب الآتي.
٩٥٤ - [١٦] (أنس) قوله: (حضهم) أي: حثهم على الصلاة، أي: على إدامتها
بالجماعة، ورعاية أحكامها وآدابها كما يناسبه.
وقوله: (ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة) ومعناه: النهي عن
انصرافهم قبل النبي * حتى تنصرف النساء، وقيل: معناه: النهي عن التسليم قبل
النبي ◌َّ، ويحتمل أن يكون الوجه في النهي عن انصرافهم قبل انصرافه ويشير هو عدم
موافقتهم لە پێ، وعدم انتظارهم لدعائه، واقتباس بركات صحبته بعد صدوره عن
موارد القرب والتجلي، ولمَا يحتمل أن يحكم بشيء من الأحكام، وهذا أنسب بما جاء
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٣٧٦).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٦٠١٦).

٨٤
(١٧) باب الدعاء في التشهد
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٩٥٥ - [١٧] عَن شَدَّادِ بْنِ أَوْس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يَقُولُ
فِي صَلاَتِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ الثََّاتَ فِي الأَمْرِ وَالْعَزِيْمَةَ عَلَى الرُّشْدِ،
وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْباً سَلِيماً، وَلِسَاناً
صَادِقاً، .
في الحديث الصحيح: (وكان سرعان القوم يخرجون).
الفصل الثالث
٩٥٥ - [١٧] (شداد بن أوس) قوله: (في صلاته) أي: آخرها بعد التشهد،
وفي رواية لأحمد: (فيها أو في دبرها)، كذا في شرح الشيخ.
وقوله: (الثبات في الأمر) أي: في أمر الدين والاستقامة فيه.
وقوله: (والعزيمة على الرشد) العزم والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر،
ورشد كنصر وفرح، رُشْداً ورشاداً: إذا اهتدى، كاسترشد، والرشيد في أسماء الله تعالى:
الهادي إلى سواء الصراط، كذا في (القاموس(١))، ويحتمل أن يكون الرشد ههنا أيضاً
بمعنی الهداية، أي: هداية الناس وإرشادهم.
وقوله: (قلباً سليماً) أي: خالياً عن العقائد الفاسدة والميل إلى الشهوات
العاجلة والآجلة والالتفات إلى ما سوى الله.
وقوله: (لساناً صادقاً) إسناد مجازي، أو المراد باللسان الكلام والقول، أو
الناطق بالصدق، من الصدق بمعنى صفة المتكلم.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٧٠).

٨٥
(٤) كتاب الصلاة
وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ.
رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَىَ أَحْمَدُ نَحْوَهُ. [ن: ١٣٠٤، حم: ١٢٥/٤].
٩٥٦ - [١٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَِّ يَقُولُ فِي صَلاَتِهِ
بَعْدَ التَّشَهُّدِ (١): ((أَحْسَنُ الْكَلاَمِ كَلَامُ اللهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْىِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ (٢)).
رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٣١١].
وقوله: (وأسألك من خير) من زائدة أو بيانية، أي: شيءٌ هو خير، أو تبعيضية،
فإن كل الخير لا يحصل لأحد، وإنما الحاصل ما قُسِم له.
وقوله: (ما تعلم) أي: تعلم أنت أنه خير، وإلا فالعبد قد يحب شرًّا ويظن الشر
خيراً، وكذا الكلام في قوله: (وأعوذ بك من شر ما تعلم).
وأكثر ما وقع في الأدعية المأثورة بل كلُّه تعليم منه وَّرَ لأمته، وإلا فكل الخير
حاصل له، ولا مدخل للشر فيه، أو قال ذلك تواضعاً وعبودية.
٩٥٦ - [١٨] (جابر) قوله: (وأحسن الهدي) وهي السيرة والطريقة.
(١) أي: أحياناً.
(٢) قال القاري: مَدْحُ كَلاَمِ اللهِ وَرَسُولِهِ مَدْحٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى التَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ وَالصَّلاَةِ
عَلَى رَسُولِهِ، فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ: هُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَنْ يَرَى بُطْلاَنَ الصَّلاَةِ بِالنُّطْقِ بِغَيْرِ الذِّكْرِ
وَالدُّعَاءِ؛ لِإِنَّا نَقُولُ: الْعِبْرَةُ بِالْمَعْنَى لاَ بِاللَّفْظِ، وَلِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَوْ قِيلَ لِأَحَدٍ فِي الصَّلاَةِ:
مَاتَ قُلاَنٌ، فَقَالَ: إِنَّالِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ؛ لأِنَّهُ فِي الْمَعْنَى جَوَابٌ لِكَلَامِ الْقَائِلِ
مَعَ كَوْنِهِ لَفْظَ الْقُرْآنِ، وَقَالُوا: لاَ يَدْعُو بَعْدَ النَّشَهُّدِ بِمَا يُطْلَبُ مِنَ الْمَخْلُوقِ، فَلَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ
أَعْطِي مَالاً أَوْ جَارِيَةً تَبَطُلُ صَلاَتُهُ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغْنِي وَزَوِّجْنِي الْحُورَ الْعِينَ.
((مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٧٥٩).

٨٦
(١٧) باب الدعاء في التشهد
٩٥٧ - [١٩] وَعَنْ عَائِشَةَ ◌َ﴾ قَالَتْ: كَانَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يُسَلِّمُ فِي
الصَّلاَةِ تَسْلِيمَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ثُمَّ يَمِيلُ إِلَى الشِّقِّ الأَثْمَنِ شَيْئاً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
[ت: ٢٩٦].
٩٥٧ _ [١٩] (عائشة (*) قوله: (تلقاء وجهه) ذهب مالك إلى أنه يسلم بتسليمة
واحدة قِبَلَ وجهه أخذاً بهذا الحديث، والثلاثة على أنه يسلم تسليمتين أحدهما عن يمينه
والآخر عن يساره؛ لما سبق من حديث ابن مسعود رواه الخمسة ومسلم بمعناه، وصححه
الترمذي، وحديث سعد بن أبي وقاص رواه أحمد ومسلم والنسائي، وقال الشيخ ابن
الهمام(١): وحديث ابن مسعود أرجح مما أخذ به مالك من حديث عائشة لياً، وروي
عن الإمام أحمد في تأويل حديث عائشة فيً أن معناه أنه كان يجهر بتسليمة واحدة،
قال ابن قدامة (٢): والمعنى في هذا أن الجهر في غير القراءة إنما هو للإعلام وقد حصل
بالأولى، وقال: معنى قول عائشة في: (تلقاء وجهه) أنه مَ﴾ كان يبتدئ بقوله: السلام
عليكم إلى القبلة، ثم يلتفت عن يمينه ويساره، والتفاتُه في أثناء سلامه.
وقال صاحب (سفر السعادة)(٣): وجاء في حديث عدي بن عميرة: كان يسلِّم
تسليمة واحدة تلقاء وجهه، وإسناده غير قائم عند أهل الحديث، وحديث عائشة: كان
رسول الله ◌َي يسلم تسليمة واحدة يرفع بها صوته حتى يوقظنا، أيضاً معلَّل، وبعد تسليم
صحته فهو لا يدل صريحاً على نفي التسليمة الثانية، يعني ظاهره على أن التسليمة
الواحدة كان يرفع بها صوته للإيقاظ، ولا يرفع صوته بالثانية لعدم الحاجة كما ذكرنا
من تأويل أحمد.
(١) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٣١٩).
(٢) ((المغني)) (١ / ٣٩٩).
(٣) ((سفر السعادة)) (ص: ٤٨، ٤٩).

٨٧
(٤) كتاب الصلاة
٩٥٨ - [٢٠] وَعَنْ سَمُرَةَ قَالَ: أَمَرَنَاَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ نَرَّدَّ عَلَى الإِمَامِ
وَنَتَحَابَ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٠٠١].
واعلم أن الترمذي(١) عقد باباً للتسليمتين، وقال بعد إيراد حديث ابن مسعود:
وفي الباب عن سعد وابن عمر وجابر بن سمرة والبراء وعمار ووائل بن حجر وعدي
ابن عميرة وجابر، وحديث ابن مسعود #، قال: هذا حديث حسن صحيح، وعليه
عمل أهل العلم من أصحاب محمد ية ومن بعدهم. وعقد باباً آخر للتسليمة الواحدة
وأورد حديث عائشة ◌َّ، وقال: وفي الباب عن سهل بن سعد، وقال: حديث
عائشة ◌ً لم يعرف رفعه إلا بهذا الوجه، وقال محمد بن إسماعيل: زهير بن محمد
من أهل الشام يروى عنه مناكير، وقال بعض أهل العلم بتسليمة واحدة، وأصح الروايات
من رسول الله * تسليمتان، وعليه عمل أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله واله
والتابعين ومن بعدهم، وقد قال قوم بتسليمة واحدة، وقال الشافعي - رحمه الله -:
إن شاء سلم واحدة وإن شاء سلم تسليمتين، هذا كلام الترمذي، وقد ظهر منه أن عدي
ابن عميرة في جماعة هم قائلون بالتسليمتين، كما قال صاحب (سفر السعادة)(٢)، ولم
نجد في الكتب الستة وغيرها حديثاً في تسليمة واحدة، والله أعلم.
٩٥٨ - [٢٠] (سمرة) قوله: (أن نرد على الإمام) أي: ننوي بالسلام رد الجواب
على الإمام.
وقوله: (ونتحاب وأن يسلم بعضنا على بعض) أي: ننوي السلام على القوم
(١) ((سنن الترمذي)) (باب: ٢٢١، ٢٢٢، رقم: ٢٩٥).
(٢) ((سفر السعادة)) (ص: ٤٨).

٨٨
(١٨) باب الذكر بعد الصلاة
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
بعضنا على بعض فإنه يوجب التحابب .
١٨ - باب الذكر بعد الصلاة
قد ثبتت شرعية الجهر بالذكر على الإطلاق وبعد الصلاة، ووردت فيه أحاديث
كما ستتلى عليك، ثم إنه قد اختلفت الروايات حديثاً وقديماً في أنه هل يقوم بعد أداء
الفريضة متصلاً أو يلبث في مكانه قاعداً؟ وإذا قام هل يتطوع في مكانه أو يتحول؟
فالمختار أن يقوم من غير لبث إن كان في صلاة بعدها تطوع، وكذلك الإمام، وقال
علماؤنا: إذا سلم الإمام من الظهر أو المغرب أو العشاء كره له المكث قاعداً، فإن شاء
أن يصلي تطوعاً لم يصل في مكانه، بل يتأخر ويصلي خلف القوم، أو حيث أحب من
المسجد خلا مكان الإمامة، أو ينحرف يمنة أو يسرة، أو يتأخر، وإن شاء رجع إلى بيته
يتطوع، وإن كان مقتدياً أو يصلي وحده إن لبث في مكانه يدعو جاز، وكذا إن قام إلى
التطوع في مكانه أو تقدم أو انحرف يمنة أو يسرة جاز، والكل سواء، وروي عن محمد
أنه قال: يستحب للقوم أيضاً أن ينقضوا الصفوف ويتفرقوا ليزول الاشتباه على الداخل
أنهم في الصلاة فيقتدي فيفسد اقتداؤه.
وقال شمس الأئمة: هذا إذا لم يكن من قصده الاشتغال بالدعاء، فإن كان له
ورد يقضيه بعد المكتوبات فأراد أن يقضي ورده قبل أن يشتغل بالتطوع؛ فإنه يقوم عن
مصلاه ويقضي ورده، إن شاء جلس في ناحية من المسجد فيقضي ورده، ثم يقوم إلى
التطوع، فالأمر فيه واسع، وما ذكره شمس الأئمة دليل على جواز تأخير السنن عن أداء
الفريضة، وصرح بكراهية تأخير التطوع عن الفريضة في (الاختيار شرح المختار)،
وقال: لأنه ◌َّ﴿ كان لا يمكث إلا مقدار أن يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام
تباركت يا ذا الجلال والإكرام.

٨٩
(٤) كتاب الصلاة
وروي أن جلوس الإمام في مصلاه بعد الفراغ مستقبل القبلة بدعة، ولأن مكثه
يوهم الداخل أنه في الصلاة فيقتدي به فيفسد اقتداؤه، فكان المكث تعريضاً لفساد
اقتداء غيره، فلا يمكث، ولكنه يستقبل القوم بوجهه إن شاء إن لم يكن بحذائه أحد
يصلي؛ لما روي أنه ◌ٍ﴿ كان إذا فرغ من صلاة الفجر استقبل بوجهه أصحابه، وقال:
هل رأى أحدكم رؤيا، كأنه يطلب رؤيا فيها بشرى بفتح مكة، وإن كان بحذائه أحد
يصلي لا يستقبل القوم؛ لأنه استقبال الصورة في الصلاة، وهو مكروه؛ لما روي أن
عمره رأى رجلاً يصلي إلى وجه غيره فعلاهما بالدرة، وقال: أتستقبل الصورة؟
وللآخر: أتستقبل المصلي بوجهك؟ وإن شاء انحرف لأن بالانحراف يزول الاشتباه
كما يزول بالاستقبال.
ثم اختلف المشايخ في كيفية الانحراف، قال بعضهم: ينحرف إلى يمين القبلة
تبركاً بالتيامن، وقال بعضهم: ينحرف إلى اليسار ليكون يساره إلى اليمين، وقال
بعضهم: هو مخير إن شاء انحرف يمنة، وإن شاء انحرف يسرة، وهو الصحيح؛ لأن
ما هو المقصود من الانحراف - وهو زوال الاشتباه - يحصل بالأمرين جميعاً، وإن
كانت صلاة بعدها سنةٌ يكره له المكث قاعداً، وكراهة القعود مروية عن الصحابة
روي عن أبي بكر وعمر ◌َ﴾ أنهما إذا كانا فرغا من الصلاة قاما كأنهما على الرضيف،
فينبغي أن يتنحى إزالة للاشتباه، أو استكثاراً من شهوده على ما روي أن مكان المصلي
یشهد له يوم القيامة، وهذا كله للإمام.
وبالجملة الروايات كثيرة في القيام بعد الفريضة متصلاً، وكذا في تحول الإمام
عن مكانه، وقد جاءت روايات على خلافهما أيضاً كما مر، وهذا كله في صلاة بعدها
سنة، وأما في غيرها فقد ثبت في الصحيح أنه ◌ّه كان يقعد في مكانه بعد الفجر إلى

٩٠
(١٨) باب الذكر بعد الصلاة
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٩٥٩ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿﴾ قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاَةٍ
رَسُولِ اللهِ لَّهِ بِالتَّكْبِيرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٤٢، م: ٥٨٣].
طلوع الشمس.
ثم مما ينبغي أن يعلم أن تقديم الرواية لا ينافي البعدية التي وردت في الأحاديث
أنه يقرأ بعد الفريضة كذا وكذا من الأذكار والأدعية، صرح به الشيخ ابن الهمام(١)،
وكذا قراءة بعض الأدعية المختصرة التي صحت الأخبار بقراءتها بعد الفريضة لا ينافي
استحباب القيام إلى التطوع متصلاً والاستعجال به كما ورد أن يقول دبر الفجر أو
المغرب: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء
قدير، عشر مرات، مع ما ورد في المغرب من تعجيل ركعتيه، وكذا قراءة آية الكرسي قبل
السنة إن صح حديثه، وما يفعله بعض الناس من قراءة آية الكرسي في ركعتي المغرب
فليس بشيء، ومخالف للسنة الواردة بقراءة: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ
أَحَدُّ﴾ فيهما، وهذا الذي ذكرنا كالقاعدة في الباب، ثم نشرع في شرح الأحاديث.
الفصل الأول
٩٥٩ - [١] قوله: (عن ابن عباس ﴾ قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله وَلَّه
بالتكبير. متفق عليه)، اختلفوا في بيان المراد به فقيل: المراد به الذكر بعد الصلاة،
وفي الصحيحين(٢) عن ابن عباس ﴾ أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من
المكتوبة كان على عهد النبي ◌ّ، وقال ابن عباس ظلًّا: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك
(١) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٤٤٠).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٨٤١)، و((صحيح مسلم)) (٥٨٣).

٩١
(٤) كتاب الصلاة
٩٦٠ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴾ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا سَلَّمَ لَمْ
يُقْعُدْ إِلَّ مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ، وَمِنْكَ السَّلاَمُ، تَبَارَكْتَ بَا ذَا
الْجِلاَلِ وَالإِكْرَامِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩٢].
إذا سمعته، ثم ذكر البخاري هذا الحديث الذي أورده المؤلف، فدل على أن المراد
بالتكبير مطلق الذكر، وقيل: التكبيرات التي في الصلاة عند كل خفض ورفع، والمراد:
أعرف انقضاء كل هيئة يتحول منها إلى أخرى، قاله الطيبي(١)، وقيل: التكبير الذي
ورد مع التسبيح والتحميد كبر ثلاثاً وثلاثين أو عشراً، وقيل: كانوا يقولون: الله أكبر،
مرة أو ثلاثاً بعد الصلاة، وقال عياض: إن ابن عباس ◌َ﴾ كان لم يحضر الجماعة؛ لأنه
كان صغيراً ممن لا يواظب على ذلك، وكان يعرف انقضاء الصلاة بما ذكر، وقيل:
يحتمل أن يكون حاضراً في أواخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم، والله
أعلم.
وقيل: كان ذلك في أيام التشريق بمنى، وهذا أوفق بمذهب أبي حنيفة في كراهتهم
الجهر بالذكر في ما عدا ما ورد، ولهذا لا يوجبون قضاء تكبيرات العيد والتشريق.
٩٦٠ - [٢] (عائشة (*) قوله: (لم يقعد إلا مقدار ما يقول) هذا الحديث يدل
على أنه كان قد يقعد قبل أن يقوم للتطوع ويذكرُ ويدعو، بخلاف ما عليه أكثر الفقهاء من
كراهة اللبث، وقال بعض المتأخرين: كان يلبث بهذا الدعاء كما دل عليه الحديث،
وأنت خبير بأنه قد صحت دعوات كثيرة بعد الفرض كما هو ظاهر الأحاديث، فلا
تخصيص به، إلا أن يذهب إلى أن الفصل بالرواية لا ينافي هذه البعدية كما قلنا، أو
يقال: الإتيان بالدعوات التي صحت الرواية بها لا ينافي اتصال القيام إلى السنة، والله
أعلم.
(١) ((شرح الطيبي)) (٤/ ٣٨٠).

٩٢
(١٨) باب الذكر بعد الصلاة
٩٦١ - [٣] وَعَنْ ثَوْبَانَ رَ﴿هُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ
صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاَثًاً، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَنّتَ السَّلاَمُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَّارَكْتَ
يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩١].
ثم إن قول أم المؤمنين عائشة : (لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت
السلام ... إلخ) مخصوص لصلاة بعدها راتبة، لِمَا قد ثبت قعوده بعد الصبح على
مصلاه حتى تطلع الشمس، والأخبار والآثار فيه كثيرة.
٩٦١ - [٣] (ثوبان ه) قوله: (إذا انصرف) وفي رواية: إذا سلم، وفي رواية
أبي داود(١): إذا أراد أن ينصرف.
وقوله: (استغفر ثلاثاً(٢)) قيل للأوزاعي: ما كيفية الاستغفار؟ قال: أستغفر الله،
أستغفر الله، أستغفر الله، وقد جاء في رواية أبي داود(٣): يقول ثلاثاً: أستغفر الله الذي
لا إله إلا هو الحي القيوم، وقال النووي: ينبغي أن يقدم الاستغفار على سائر أنواع الذكر
الوارد عقيب السلام، ورُدّ بأنه لم يأت في روايات الأحاديث.
وقوله: (تباركت) تفاعلٌ من البركة للمبالغة، وقد مرّ معناه في شرح التحيات،
والمعنى: كثرت خيراتك، ولا يحمل في وصفه تعالى على معنى الزيادة لأنه ينبئ عن
النقصان، بل على البقاء والدوام والجلال والعظمة كما يناسب قوله: وتعاليت، وقيل:
باسمه تنال البركة والزيادة .
وقوله: (ذا الجلال والإكرام) أي: المستحق لأن يهاب سلطانه ويُثْنی ویکرم بما
(١) ((سنن أبي داود)) (١٥١٣).
(٢) قال القاري: وَلَعَلَّ اسْتِغْفَارَهُ لِرُؤْيَةٍ تَقْصِيرِهِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ؛ فَإِنَّ حَسَنَاتِ الأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ،
وَلِذَا قَالَتْ رَابِعَةُ: اسْتِغْفَارُنَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ كَثِيرٍ. ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ٧٦١).
(٣) ((سنن أبي داود)) (١٥١٧).

٩٣
(٤) كتاب الصلاة
٩٦٢ - [٤] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرٍ
كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ: ((لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ،
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ،
وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٤٤، م: ٥٩٣].
٩٦٣ - [٥] وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا سَلَّمَ مِنْ
صَلاَتِهِ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الأَعْلَى: ((لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ
وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِالهِ، لاَ إِلَه
إِلَّ اللهُ، وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لاَ إِلَهَ
إِلاَّ اللهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّيْنَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩٤].
يليق بعلو شأنه، ويجيء إن شاء الله تمام معناه في (شرح الأسماء الحسنى).
٩٦٢ _ [٤] (المغيرة بن شعبة) قوله: (كان يقول في دبر كل صلاة) الظاهر مرةً
واحدة، وجاء في الصبح والمغرب عشر مرات كما يجيء في الفصل الثالث، و(الجد)
بفتح الجيم بمعنى البخت، أو أبي الأب وأبي الأم، وقد یروی بکسرها وهو ضعيف،
وقد مر .
٩٦٣ - [٥] (عبدالله بن الزبير) قوله: (يقول بصوته الأعلى) قيل: وذلك لتعليم
أصحابه وإلا فالأفضل الإخفاء كذا قالوا، والحق أن الأوقات مختلفة، ففي بعضها يحصل
الذوق بالإخفاء، وفي بعضها يزيد الشوق بالجهر، ولا خلاف [في] مشروعية الجهر
بالذكر، وأفضليةُ الإخفاء من جهة أنه مظنة الرياء، فإذا لم يكن فهما سواء، والله أعلم.
وقوله: (مخلصين له الدين) حال دائمة من ضمير (نعبد)، وقيل: من فاعل
(نقول) الدالِّ علیه (ولو كره الكافرون).

٩٤
(١٨) باب الذكر بعد الصلاة
٩٦٤ - [٦] وَعَنْ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُ لاءِ الْكَلِمَاتٍ وَيَقُولُ: إِنَّ
رَسُولَ اللهِ ﴿ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبْرَ الصَّلاَةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ،
وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا
وَعَذَابِ الْقَبْرِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٢٢].
٩٦٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا
رَسُولَ اللهِّهِ فَقَالُوا: قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّنُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ،
فَقَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)) قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّ،
٩٦٤ - [٦] (سعد) قوله: (أرذل العمر) أي: آخره الذي هو أردؤه بحيث لا يبقى
معه القوى والحواس، المانع من العلم والمعرفة والعبادات الظاهرة والباطنة، وأما طول
العمر وكبر السن مع سلامة هذه الأشياء فسعادة عظيمة للؤمن المطيع .
٩٦٥ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (ذهب أهل الدثور) جمع دثر بفتح الدال وسكون
الثاء، وهو المال الكثير، وقيل: الكثير من كل شيء، ولهذا قد یقید بالمال ويبين به،
كذا في (مجمع البحار)(١).
وقوله: (بالدرجات العلى والنعيم المقيم) الظاهر أن المراد درجات الجنة ونعيمها
الدائم، ويجوز أن يكون المراد بالدرجات: المراتب العلية التي تحصل لأهل القرب
والولاية في هذا العالم من الأنوار والأسرار، وبالنعيم المقيم ما أعدّ لهم في الآخرة،
فعند الله ثواب الدنيا والآخرة.
وقوله: (وما ذاك) أي: ما سبب سؤالكم هذا؟ أو ما سبب فوزهم وحيازتهم لها
دونکم؟
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ١٥١).

٩٥
(٤) كتاب الصلاة
وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلاَ نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلاَ نُعْتِقُ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ: (أَفَلاَ أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسِْقُونَ بِهِ مَنْ
بَعْدَكُمْ، وَلاَ يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟)) قَالُوا:
بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: ((تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ.
وقوله: (تدركون به من سبقكم) من متقدمي الإسلام عليكم من هذه الأمة، أو
تدركون به جميع كمال من سبقكم من الأمم، وتسبقون به من بعدكم من متأخري الإسلام
عنكم أو الموجود عن عصركم، كذا في شرح الشيخ، وكان هذا بيان فضل عظيم لهم
وراء ما أزال به شكواهم من انحطاط درجتهم عن الأغنياء، وهو المقصود ههنا، وأكده
بقوله: (ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم) أي: من الأغنياء الذين
يتصدقون ويعتقون، نعم يلزم منه أفضلية الأغنياء المذكورين، وقد لزم ذلك كما قد
صرح به في آخر الحديث، وهذا هو الظاهر في توجيه ما يقال: إن الأفضلية تقتضي
الزيادة والمثلية المساواة، فالذي صنع مثل ما صنعوا يكون مماثلاً لهم لا أفضل منهم،
فكيف يصح استثناؤه منه، وما يذكر أنه من قبيل: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا
العيس، فتكلفٌ وتعسف، وفي شرح الشيخ: أن المعنى: إلا من صنع مثل ما صنعتم،
فإنه يساويكم في ثواب ذلك العمل، واحتيج إليه لبيان أن مَن عمل من غير الصحابة مثلَ
عملهم أثيب مثل ثوابهم وإن امتازوا على غيرهم بفضيلة الصحبة التي لا يوازيها عمل
آخر، انتهى. وحاصله: أن الاستثناء منقطع، فافهم؛ فإن كلامهم لا يخلو عن قلق.
وقوله: (وتسبحون وتكبرون وتحمدون) قال الشيخ: كذا في رواية ابن عجلان
بتقديم التسبيح على التكبير وتأخير التحميد، ووقع في أكثر الأحاديث تأخير التكبير عن
التحميد، وفي بعض الروايات: التكبير مقدم، ثم التسبيح، ثم التحميد، وفي بعضها:

٩٦
(١٨) باب الذكر بعد الصلاة
دُّبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلَاثاً وَثَلاَئِينَ مَرَّةً)). قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فَقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ
إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانْتًا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
التكبير، ثم التحميد، ثم التسبيح، فدل على أنْ لا ترتيب فيها، انتهى.
أقول: وقد وقع صريحاً في الحديث: (لا يضرك بأيتهن ابتدأت).
وقوله: (دبر كل صلاة) قد عرفت معنى البعدية، ومقتضى ظاهر الحديث أنه
يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيراً بحيث لا يعدُّ معرِضاً
أو كان ناسياً أو متشاغلاً بما ورد أيضاً بعد الصلاة كآية الكرسي مثلاً فلا يضر، والتشاغل
بعد الصلاة بالراتبة هل يكون فاصلاً بها بين المكتوب والذكر المذكور؟ محل نظر، كذا
في بعض الشروح، وقد أشرنا إليه سابقاً فتذكر .
وقوله: (ثلاثاً وثلاثين مرة) هذا بظاهره يحتمل أن يكون كل واحد من هذه الأذكار
بهذا العدد أو المجموع حتى يكون كل واحد أحد عشر مرة، وقد جاء في رواية أخرى
من مسلم هكذا، وقال صاحب (سفر السعادة)(١): وكأنه تفسير بعض رواة الحديث عن
أبي هريرة: تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وهذا التفسير
وهم؛ لأن المراد كل كلمة من هذه الكلمات ثلاثاً وثلاثين، والنصوص صريحة في ذلك.
وأقول: قد جاءت الروايات مختلفة، ففي أكثرها: كل واحد ثلاثاً وثلاثين،
وفي بعضها: كل واحد عشراً، وفي بعضها: كل واحد أحد عشر، فلو جاء بكل واحد
أحد عشر جاز أيضاً، وما الباعث على حمله على الوهم وقد جاء في صحيح مسلم؟
والله أعلم.
(١) ((سفر السعادة)) (ص: ٥٨، ٥٩).

٩٧
(٤) كتاب الصلاة
(ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيْهِ مَنْ يَشَاءُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٤٣، م: ٥٩٥].
وَلَيْسَ قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ إِلَى آخِهِ إِلَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ:
(تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرٍ كُلِّ صَلَّةٍ عَشْراً، وَتَحْمَدُونَ عَشْراً، وَتُكَبِّرُونَ عَشْراً).
بَدَلَ ثَلَاثاً وَثَلاَئِينَ.
٩٦٦ - [٨] وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مُعَقِّبَاتٌ
لاَ يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ.
وقوله: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) يعني: فعليكم التسليم بقضائه والرضا
بقسمته، وفيه دليل على أن الغني أفضل من الفقير إذا استوت أعمالهما، نعم قد ثبت
أن الذاكر لله أفضل من المنفق في سبيل الله، أما إذا ذكر المنفق أيضاً فلا بد أن يكون
أفضل وأَزْيَدَ، هذا وقد جاء في بعض الأحاديث: أنه لما حزن الفقراء وانكسرت قلوبهم
قال رسول الله وَل: (لا تحزنوا فأنتم تدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمس
مئة سنة من أيام الدنيا)، وهذا جزاء الفقر وخفة أثقالهم وتيسر حسابهم.
وقد قيل: إن هذا مخصوص بالفقراء المهاجرين كما يدل عليه سياق الحديث إلا
أن يقاس عليهم غيرهم، ومع ذلك سبقُ دخول الجنة لا ينافي رفع درجات الأغنياء
وكثرة ثواب أعمالهم، والله أعلم، وبيده الفضل.
وقوله: (بدل ثلاثاً وثلاثين) لكن هذه الرواية أثبتتْ زيادة، وزيادة الثقة مقبولة فلا
منافاة، ولعله أوحي إليه وَ ﴿ أولاً بالأقل، وثانياً بالأكثر، والله أعلم.
٩٦٦ - [٨] (كعب بن عجرة) قوله: (معقبات لا يخيب قائلهن) سميت معقبات
لأن بعضها يأتي عقب بعض، أو لأنها تعاد مرة بعد أخرى، أو لأنها تقال عقب الصلاة،
والمعقب - بكسر القاف وتشديدها - من كل شيء: ما جاء عقيب ما قبله، وسمعت

٩٨
(١٨) باب الذكر بعد الصلاة
- أَوْ: فَاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلاَثٌ وَثَلاَثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلاَثٌ
وَثَلاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلاَثُونَ تَكْبِيرَةً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩٦].
٩٦٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ سَبَّحَ اللّهَ
فِي دُّبْرٍ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًاً وَثَلاَئِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلاَئاً وَثَلاَئِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثاً
وَثَلَائِينَ، فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِثَةِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ
لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ
خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩٧].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٩٦٨ - [١٠] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الدُّعَاءِ
أَسْمَعُ؟ قَالَ: ((جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرُ.
من بعض المشايخ أنها سميت معقبات لأن كل واحد يصلح أن يعقب الآخر كما جاء
في الحديث: ((لا يضرك بأيتهن ابتدأت))، وقوله: (لا يخيب) من الخيبة، خاب الرجل
خيبة: إذا لم ينل ما يطلب.
وقوله: (أو فاعلهن) شك الراوي، والقول فعل.
٩٦٧ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (وقال: تمامُ المئة) بالرفع، فالضمير للنبي وَّ،
وبالنصب فالضمير لـ (من).
الْفَصْلِ الثَّانِي
٩٦٨ - [١٠] (أبو أمامة) قوله: (أيّ الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر)
(أسمع) اسم تفضيل بمعنى المفعول، أي: أقرب وأسرع إجابة، والسمع يجيء بمعنى

٩٩
(٤) كتاب الصلاة
ودُّبُرُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوْبَاتِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٩٩].
٩٦٩ - [١١] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ وَلِهِ أَنْ أَقْرَأَ
بِالْمُعَوِّذَاتِ فِي دُبْرِ كُلِّ صَلَةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ
فِي ((الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ)). [حم: ٤ / ١٥٥، د: ١٥٢٣، ن: ١٣٣٦، الدعوات الكبير:
١٢٥].
الإجابة كما يقال: سمع الأمير قولَه، أي: أجاب دعاءه وأعطى سؤاله، و(جوف)
بالرفع، وهو الأكثر، ويروى بالنصب، ويجوز الجر، فعلى الرفع المضاف محذوف
من الخبر، أي: دعاء جوف الليل، باكتساء المضاف إليه إعراب المضاف، وعلى
النصب حرف الجر محذوف، وهو ظرف له، وأما الجر فيإبقاء المضاف إليه على إعرابه،
وهو قليل، ومنهم من قال: يقدر المضاف في جانب المبتدأ، أي: أيُّ أوقات الدعاء
يكون الدعاء فيه أسمع؟ والظاهر أنه يتعين على هذا الرفعُ.
وقوله: (الآخر) صفة لـ (جوف)، والمراد بالجوف الآخر: النصف الأخير،
أو الثلث أو السدس الأخيران كما تقرر في قيام الليل.
وقوله: (دبر) عطف على (جوف) بالإعرابات الثلاث.
٩٦٩ - [١١] (عقبة بن عامر) قوله: (بالمعوذات) بكسر الواو من التعويذ، وفي
بعض الروايات: (بالمعوذتين)، والجمع باعتبار أن أقل الجمع اثنان، أو بإدخال سورة
الإخلاص وحدها، أو مع الكافرين فيها تغليباً، أو لما فيها من التوحيد والبراءة من
الشرك المتضمن لمعنى الاستعاذة، وقيل: المراد الآيات التي تتضمن الاستعاذة لفظاً
أو معنى، وقيل: المراد الكلمات المعوذة.

١٠٠
(١٨) باب الذكر بعد الصلاة
٩٧٠ - [١٢] وَعَنْ أَنَسَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْم
يَذْكُرُونَ اللهَ مِنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً
مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ
تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْنِقَ أَرْبَعَةً)). رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدَ. [د: ٣٢٦٧].
٩٧١ - [١٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي
جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ..
٩٧٠ - [١٢] (أنس) قوله: (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله) يفهم من سياق
الكلام أن القعود للذكر، ولو كان هذا خاصية القعود والمجالسة مع هذا القوم لم يبعد
كما يدل عليه ظاهر حديث يأتي في (كتاب الدعوات).
وقوله: (أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل) الأعداد الواقعة في السنَّة في أمثال
هذا المقام سر لا يعلمها إلا الشارع، وقد تذكر مناسبات تقرّب إلى الفهم، كما ذكر
بعضهم أنه يحتمل أن يكون وجهه: أن العمل الموعود عليه بذلك ههنا منقسم إلى
أربعة: ذكرِ الله، والقعود له، والاجتماع، وحبس النفس من حين يصلي إلى أن تطلع
الشمس أو تغرب، كذا في شرح الشيخ، والله أعلم.
والتخصيص بولد إسماعيل لكونهم أشرف العرب، وقد يستشكل بأن العرب
لا يسبى حتى يعتق؟ ويجاب بأن المسألة مختلف فيها، ويمكن أن يسبى بالاشتباه، أو
المراد بالإعتاق إنقاذهم من الشدائد والمهالك .
وقوله: (من أن أعتق أربعة) قيل: تنكيره يدل على أن هذه الأربعة غير الأربعة
المتقدمة، فيدل على فضل الأولى، ويحتمل أنه لم يقيده اكتفاء.
٩٧١ - [١٣] (أنس) قوله: (ثم صلى ركعتين) وهذا أقل، وأكثرها اثنتا عشرة