النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(٤) كتاب الصلاة
٩٠٨ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا قَعَدَ
يَدْعُو، وَضَعَ يَلَهُ الْتُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى،
وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَةِ، وَوَضَعَ إِنْهَامَهُ عَلَى أُصْبُعِهِ الْوُسْطَى، وَيُلْقِمُ كَفَّهُ
الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٧٩].
٩٠٨ - [٣] (عبدالله بن الزبير) قوله: (إذا قعد يدعو) أي: يقرأ التحيات، سمي
دعاء لاشتماله عليه؛ لقوله: (السلام عليك) و(السلام علينا).
وقوله: (ويلقم) بلفظ المضارع من الإفعال، أي: يجعل ركبته في يده اليسرى
كاللقمة، من ألقمت الطعام: إذا أدخلته في فيه.
اعلم أن العقد والإشارة قد ورد في الأحاديث الصحيحة، وقد أورد في (جامع
الأصول) الأحاديث من الكتب الستة، في بعضها ذكر العقد مع الإشارة، وفي بعضها
ذكرت الإشارة فقط، وعليه مذاهب الأئمة من المحدثين والفقهاء وكثير من الصحابة
والتابعين، وقالوا: الحق أن مذهب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه هكذا، وقد صرح به
كثير من المتقدمين، وقد ظهر في المتأخرين منهم خلاف في ذلك، وفي (المحيط)(١):
وقيل: رفع سبابة اليمنى في التشهد عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - من السنن،
وكذا روي عن أبي يوسف، وقال العلامة نجم الدين الزاهدي - رحمه الله -: لما اتفقت
الروايات عن أصحابنا جميعاً في كونها سنة، وكذا عن الكوفيين والمدنيين، وكثرت
الأخبار والآثار، كان العمل به أولی.
وقال الشُّمُنِّي: ذكر أبو يوسف في (الأمالي) أنه يعقد الخنصر والتي تليها، ويحلق
الوسطى والإبهام، ويشير بالسبابة، وذكر محمد أنه تێ كان يشير، ونحن نصنع بصنعه،
(١) ((المحيط البرهاني)) (١/ ٣٨٩).

٤٢
(١٥) باب التشهد
وقال: وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وفي (الظهيرية): ومتى أخذ في التشهد فانتهى
إلى قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، هل يشير بالسبابة من يده اليمنى؟ اختلف المشايخ
فيه، ثم كيف يصنع عند الإشارة؟ حكي عن الفقيه أبي جعفر أنه قال: يعقد الخنصر
والبنصر، ويحلق الوسطى مع الإبهام، ويشير بسبابته، وفي (منية المفتي): تكره الإشارة،
انتهى كلام الشُّمُنِّي.
ولسيدي الشيخ علي المتقي - رحمة الله عليه - رسالة وضعها في هذا الباب،
ونقل روايات من كتب الحنفية أكثرها في أنه سنة، وبعضها في الحرمة، وبعضها في
الكراهة، وأيد كونها سنة بالأحاديث الصحيحة، وأثبت أن الأولى فعله كما قال في
(الكفاية)، [و]قد ترجمناها في (شرح سفر السعادة) (١)، ونحن ننقل كلام محقق الحنفية
ومثبت مذهبهم الشيخ ابن الهمام، ونختم به الكلام، قال(٢): لا شك أن وضع الكف
مع قبض الأصابع لا يتحقق حقيقة، فالمراد - والله أعلم - وضع الكف، ثم قبض
الأصابع بعد ذلك عند الإشارة، وهو المروي عن محمد في كيفية الإشارة، قال: يقبض
خنصره والتي تليها، ويحلق الوسطى والإبهام، ويقيم المسبحة، كذا عن أبي يوسف
في (الأمالي).
وهذا فرع تصحيح الإشارة، وعن كثير من المشايخ لا يشير أصلاً، وهو خلاف
الدراية والرواية، فعن محمد: أن ما ذكرناه في كيفية الإشارة مما نقلناه قول أبي حنيفة،
ويكره أن يشير بمسبحتيه، وعن الحلواني: يقيم الأصبع عند (لا إله)، ويضع عند
(١) ((شرح سفر السعادة)) (ص: ٨٠).
(٢) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٣١٣).

٤٣
(٤) كتاب الصلاة
٩٠٩ - [٤] وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ وَِّ،
قُلْنَا: السَّلاَمُ عَلَى اللهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرَبِيلَ، السَّلاَمُ عَلَى مِكَائِيلَ،
السَّلاَمُ عَلَى فُلاَنٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ◌َهِ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ:
(لاَ تَقُولُوا: السَّلاَمُ عَلَى اللهِ، فَإِنَّ اللهَهُوَ السَّلاَمُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي
الصَّلاَةِ، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ،.
(إلا الله)؛ ليكون الرفع للنفي والوضع للإثبات، وينبغي أن تكون أطراف الأصابع على
حرف الركبة، لا مباعدة عنها .
٩٠٩ - [٤] (ابن مسعود) قوله: (قلنا: السلام على الله قبل عباده) أي: قلنا هذا
اللفظ قبل (السلام على عباده).
وقوله: (السلام على فلان) وعند ابن ماجه: يعنون الملائكة، كذا في شرح
الشيخ، ويجوز أن يذكروا بعض الأنبياء والمرسلين، والله أعلم.
وقوله: (فإن الله هو السلام) السلام اسم من أسمائه تعالى، وهو في الأصل
مصدر وصف به، فإما أن يراد به السالم من جميع النقائص، أو المسلم من شاء من
خلقه من الآفات، فالسلامة منه وله، كما ورد في المأثور من الدعاء: اللهم أنت السلام،
ومنك السلام، وإليك يعود السلام، فلا يجوز الدعاء له بالسلام، وهو موهم باحتياجه
وخوفه .
وقوله: (التحيات لله) أي: العبادات القولية لله سبحانه وتعالى، (والصلوات)
العبادات الفعلية بتمامها، (والطيبات) العبادات المالية بأسرها، هكذا فسروا هذه الكلمات
الثلاث، وقد جرت عادة الناس بأنهم إذا دخلوا في حضرة الملوك حيوهم بالتحية وإلقاء
السلام أولاً، وخدموا وتضرعوا ثانياً، وأتحفوا بما يليق بهم ثالثاً، حتى يستحقوا اللطف

٤٤
(١٥) باب التشهد
السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ،
والعناية منهم.
وقال الشيخ محيي الدين النووي في (شرح مسلم)(١): التحية بمعنى السلام،
والملك، والبقاء، والعظمة، والحياة، وإنما أورده بلفظ الجمع لأنه كان للملوك من
العرب والعجم تحية مخصوصة يكرمهم ويعظمهم أصحابهم [بها]. فيقول: التحيات
كلها ثابتة لملك الملوك خالق الخلق رب العالمين، لا يستحقها غيره إلا على سبيل
المجاز والعارية .
وقال الكرماني في (شرح البخاري)(٢): كان للتحيات التي يحبي بها الرعايا
الملوك كلمات مخصوصة، كما كانت العرب تقول: (أنعم الله صباحاً)، و[قول] العجم:
(زهي هزار سال) وأمثال ذلك، ولم تكن لتلك الكلمات صلاحية أن تطلق على الرب
تعالى وتقدس، فتركوا خصوصيات الألفاظ، واستعملوها بمعنى مطلق التعظيم، وقالوا:
التحيات لله، أي: جميع أنواع التعظيم ثابت لله تعالى لا يستحقها غيره، والصلوات:
الفرائض والنوافل له تعالى، وقد تحمل الصلاة على معنى الدعاء، أي: الدعوات
كلّها لله، وعلى معنى الرحمة، أي: أنواع الرحمة كلها لله تعالى في الدنيا والآخرة،
وهو الرحمن الرحيم، والطيبات، أي: الكلمات الطيبة والأعمال كلها له رَّ .
وقوله: (السلام عليك أيها النبي) روي (سلامٌ) بالتنكير والتعريف، وهو الرواية
المشهورة الموجودة في (الصحيحين)، و(اللام) إما للجنس والحقيقة، أو للعهد، والمراد
السلام المخصوص المذكور في قوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُوا﴾، أو النازل على الأنبياء
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢ / ٣٥٥).
(٢) شرح صحيح البخاري)) للكرماني (٥ / ١٨٢).

٤٥
(٤) كتاب الصلاة
السَّلاَمُ عَلَيْنَا.
والرسل، وكذا الكلام في قوله: (السلام علينا)، وما كان من التسليمات والبركات
على الأنبياء وأممهم، ثم استقر على محمد ◌ّ﴿ وأمته المرحرمة - رضي الله عنهم
أجمعين -، والسلام بمعنى السلامة، وهما مصدران كالمقام والمقامة، وسيجيء تحقيق
قولهم: (السلام عليك) في (باب السلام) من (كتاب الآداب)، إن شاء الله تعالى.
ووجه الخطاب لإبقائه على ما ورد حين التعليم، وأصله في ليلة المعراج خطاباً
له ◌َ من ربه تعالى وتقدس بعد تحيته له تعالى، ويجوز أن يكون لكون ذاته الشريفة
الكريمة نصب عين المؤمنين، وقرة عين العابدين في جميع الأحوال والأوقات، خصوصاً
حالة آخر الصلاة لحصول النورانية في القلب.
وقال بعض العارفين: إن ذلك لسريان الحقيقة المحمدية في ذرائر الموجودات
وأفراد الكائنات کلها، فهو ټڅ موجود حاضر في ذوات المصلین، وحاضر عندهم،
فينبغي للمؤمن أن لا يغفل عن هذا الشهود عند هذا الخطاب؛ لينال من أنوار القلب،
ويفوز بأسرار المعرفة، صلى الله عليك يا رسول الله وسلم.
وذكر السيوطي: أن الصحابة كانوا يقولون والنبي ◌َّ حي: (السلام عليك أيها
النبي)، فلما مات قالوا: (السلام على النبي). قال ابن حجر: ولهذا الحديث شواهد
قوية أخرجه أبو عوانة وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم.
و(البركة) محركة: النماء والزيادة والسعادة، يقال: بارك الله لك وفيك وعليك،
وبارك على محمد وعلى آل محمد: أدم له ما أعطيته من التشريف والكرامة، وتبارك الله:
تنزه وتقدس، وقيل: ذلك من برك البعير: [إذا] أناخ في موضعه فلزمه، وتطلق البركة
[أيضاً] على الزيادة، والأصل هو الأول، كذا في (النهاية)(١).
(١) ((النهاية)) (١ / ١٢٠).

٤٦
(١٥) باب التشهد
وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ - فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ - أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ
لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُوهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٣، م: ٤٠٢].
وقوله: (وعلى عباد الله الصالحين) لما نهاهم عن تخصيص بعض العباد وأشخاص
معينة من الملائكة والناس بالذكر، علمهم التعميم، وأشار بقوله: (فإنه إذا قال
ذلك ... إلخ) إلى وجهه، وتخصيص أنفسهم للاهتمام، وتحصيل الاستعداد لإجابة
الدعاء للمؤمنين بالسلام، على وزان قولهم: اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين.
والصلاح: ضد الفساد، وصلاح العبد: أن تحصل له ملكة أداء حقوق العبودية،
وما أمر به الشارع على ما ينبغي، وبهذا المعنى قال بعضهم: العبد الصالح: هو القائم
بحقوق الله تعالی وحقوق العباد.
وقال الطيبي(١): الصلاح: هو استقامة الشيء على حاله كما أن الفساد ضده،
انتھی .
والصلاح أعلى المناصب وأرفع المقامات، ولهذا وصف به الأنبياء والمرسلون
- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -، والصواب أن يقال: للصلاح مراتب كثيرة،
وبعضها فوق بعض، وكذا مراتب السلام تنزل بحسب مراتب الصلاح، فالسلام الذي
على الأنبياء والأولياء أعلى وأكمل ممن عداهم، وأعلى مراتب الصلاح ما أشار إليه
سيدنا ومولانا قدوة العارفين غوث الثقلين الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلاني
- رحمه الله - في كتابه المسمى بـ (فتوح الغيب) (٢): أن الصلاح حالة زوال الإرادة والفناء
(١) ((شرح الطيبي)) (٢/ ٣٥٤).
(٢) ((فتوح الغيب)) مع شرحه لابن تيمية الحراني (ص: ١٨٩ - ١٩٠)، و((فتوح الغيب)) (ص: ٧٩ -
٨٠).

٤٧
(٤) كتاب الصلاة
المطلق، وكون العبد مراداً قائماً مع القدر الذي هو فعل الحق ◌َّ، فلا يسمى صالحاً
على الحقيقة إلا من وصل إلى هذا المقام، وهو قوله دقّ: ﴿إِنَّ وَلِعِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ
وَهُوَ يَتَوَى الصَِّحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، فهو العبد الذي كُفَّت يده عن جلب مصالحه ومنافعه،
وعن رد مضاره ومفاسده، كالطفل الرضيع مع الظئر، والميت الغسيل مع الغاسل، فتولى
يدُ القدر تربيته من غير أن يكون له اختيار وتدبير، انتهى. ولا شك أنه إذا وصل العبد إلى
هذه المرتبة، يكون في سلامة من جميع الآفات والمخافات الأنفسية والآفاقية، رزقنا الله.
ثم المذكور في هذه الرواية هو تشهد ابن مسعود ، وقد اختلفت الروايات في
التشهد في بعض ألفاظه، وتشهد ابن مسعود ظه أصحها، وهو المختار لإمامنا الأعظم
رحمه الله .
وقال الشيخ(١): أصح حديث رُوِي في التشهد حديث ابن مسعود، وهو المختار
في مذهب الإمام الأجل أحمد بن حنبل - رحمة الله عليه - لاتفاق السنة عليه لفظاً ومعنى،
وهو نادر، وكون أكثر أهل العلم عليه من الأصحاب والتابعين، ولورود الأمر به
وبتعليمه، ففي (مسند أحمد)(٢) - رحمه الله -: أنه أمر ابن مسعود أن يعلمه الناس، وقد
وقع في لفظ عن ابن مسعود ظه قال: علمني رسول الله ير التشهد، كفي بین کفیه،
كما يعلمني السورة من القرآن، وفي رواية: أخذ رسول الله و ◌ّر بيدي وعلمني التشهد،
وفي هذا زيادة تأكيد في التعظيم.
واختار الإمام الشافعي - رحمه الله - تشهد ابن عباس ﴾ الآتي، وهو من أفراد
مسلم، ورواه غير البخاري من أصحاب الكتب الستة.
(١) «فتح الباري)) (٢/ ٣١٥).
(٢) ((مسند أحمد)) (١ / ٣٧٦).

٤٨
(١٥) باب التشهد
٩١٠ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِلهِ يُعَلِّمُنَا
التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَ الشُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَانَ يَقُولُ: ((التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ،
الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ،
السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَمْ أَجِدْ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) وَلاَ فِي ((الْجَمْعِ
بَيْن الصَّحِيحَيْنِ)): ((سَلَامٌ عَلَيْكَ)) و((سَلَامٌ عَلَيْنَا)) بِغَيْرِ أَلَّفٍ وَلاَمٍ، وَلَكِنْ
رَوَاهُ صَاحِبُ (الْجَامِعِ)) عَنِ التِّرْمِذِيِّ. [م: ٤٠٣].
* الْفَضْلُ الثَّانِي:
٩١١ - [٦] عَن وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ، ..
واختار الإمام مالك - رحمه الله - تشهد عمر به الذي ذكره الطيبي(١): التحيات
لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي إلى آخره، كذا في
(رسالة ابن أبي زيد) في مذهبه، والاختلاف في الفضل لا في الجواز.
٩١٠ - [٥] (عبدالله بن عباس) قوله: (ولا في الجمع بين الصحيحين) لم يقل :
بينهما؛ لأنه علم للكتاب.
وقوله: (بغير ألف ولام) وفي حديث ابن مسعود معهما في الأصح، وجاء بغيرهما
كما عرفت .
الفصل الثاني
٩١٠١ - [٦] (وائل بن حجر) قوله: (ثم جلس) عطف على ما ترك من
(١) ((شرح الطيبي)) (٢/ ٣٥٠ -٣٥١).

٤٩
(٤) كتاب الصلاة
فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَحَدَّ مِرْفَقَهُ
الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْتُمْنَى، وَقَضَ ثِتَيْنِ، وَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ، فَرَأَيُهُ
يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٩٥٧، دي: ١٣٩٧].
صدر الحديث .
وقوله: (وحدَّ مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى) ذكروا في حلّ هذه العبارة وجوهاً،
قيل: إن (حدَّ) فعل ماض، عطف على (وضع)، وفاعله ضمير النبي ◌َّ، و(مرفقه)
مفعول، أي: رفع مرفقه عن فخذه، وجعل عظم مرفقه كأنه رأس وتد، فمعنى (حدّ
مرفقه): جعله حديداً، كأنه رأس وتد، وقيل: أصل الحد: المنع، والفصل بين الشيئين،
والمعنى: منع مرفقه أن يلتصق بالفخذ وفصل بينهما، وقيل: (حدٌّ) بلفظ المصدر مضاف
إلى (مرفقه)، فإما مرفوع على الابتداء، و(على فخذه) خبر، والجملة حال، أو منصوب
عطف علی (یده)، أي: وضع طرف مرفقه الیمنی علی فخذه كما وضع يده اليسرى على
فخذه اليسرى، وهذا أوفق بحديث صححه البيهقي في ذلك، وهو أنه وَّ جعل مرفقه
اليمنى على فخذه اليمنى، وكأنه قرأ بعضهم (وحَّد) فعلاً ماضياً من التوحيد، حتى
فسَّره بقوله: أي منفرداً عن فخذه، أي: رفعه عنه، قالوا: وليست عاطفة، فالجملة
حال بتقدير، وقد روي (مدَّ) بالميم، فتدبر.
وقوله: (وقبض ثنتين) أي: أصبعين من أصابع يمناه، هما الخنصر والبنصر،
(وحلق حلقة) أي: بين الوسطى والإبهام، (ثم رفع أصبعه) أي: السبابة، والإبهام
للعلم بالتعيين فيما بينهم.
وقوله: (فرأيته يحركها) المراد بتحريكها: رفعها لا تكرير تحريكها، كذا في
شرح الشيخ، وقيل: في تخصيص المسبحة بذلك لأن لها اتصالاً بنياط القلب، فكأنها
سبب لحضوره، ويصلح وجهاً لذلك أنها تسمى مُسبِّحة، وسبَّاحة، وأصبع الشهادة،

٥٠
(١٥) باب التشهد
٩١٢ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ
إِذَا دَعَا، وَلاَ يُحَرِّكُهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: وَلاَ يُجَاوِزُ
بَصَرُهُ إِشَارَتَهَ. [د: ٩٩٠، نـ
٩١٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً كَانَ يَدْعُو بِأُصْبُعَيْهِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ: ((أَحِّدْ أَخِّدْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((الدَّعَوَاتِ
الْكَبِير)). [ت: ٣٥٥٧، ن: ١٢٧٢، ((الدعوات الكبير)): ٣١٦].
٩١٤ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ
فِي الصَّلاَةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ١٤٧،
د : ٩٩٢].
فيناسب به، وكأن السبب في هذه التسمية هو ما ذكره القائل.
٩١٢ - [٧] (عبدالله بن الزبير) قوله: (إذا دعا) أي: تشهد.
وقوله: (ولا يحركها) المراد به تكرير التحريك، فلا ينافي الحديث السابق،
وهذا حجة على مالك - رحمه الله - في قوله بتكرير التحريك.
وقوله: (إشارته)(١) أي: أصبعه التي يرفعها ويشير بها، وقد جعله بعضهم كناية
عن عدم النظر إلى السماء؛ لئلا يوهم بالجهة .
٩١٣ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (أحد أحد) أصله (وحد) قلبت الواو همزة كما
في (أحد).
٩١٤ _ [٩] (ابن عمر) قوله: (وهو معتمد على يده) قيل: معناه أن يضع يديه
(١) وقوله: ((إشارته ... يشير بها)) لم تثبت هذه العبارة إلا في (ع) فقط.

٥١
(٤) كتاب الصلاة
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذا نَهَضَ فِي الصَّلاَةِ.
٩١٥ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّنَّهِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ
الأُولَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
[ت: ٣٦٦، د: ٩٩٥، ن: ١١٧٦].
في التشهد على الأرض ويتكئ عليها، وقيل: هو أن يجلس الرجل في الصلاة ويرسل
اليدين إلى الأرض من فخذه، كذا في بعض الشروح، وأنت خبير بأنه لم يظهر في
القول الثاني معنى الاعتماد والاتكاء، ولو أريد كان راجعاً إلى القول الأول، وأيضاً قد
فسَّرته الرواية الأخرى، وهو أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة، وهذه
الرواية توافق مذهب الحنفية، وأما الشافعية القائلة بجلسة الاستراحة فالسنة عندهم أن
يعتمد بيديه، ويقولون: إن هذه الرواية ضعيفة، والله أعلم.
٩١٥ - [١٠] (عبدالله بن مسعود) قوله: (في الركعتين الأوليين) أي: عقيبها
إذا جلس للتشهد الأول في الثلاثية والرباعية.
وقوله: (كأنه على الرضف) بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة، وقد تفتح:
الحجارة المحماة بالنار، وفي (القاموس)(١): التي يُوغَر بها اللََّن، وهذا كناية عن سرعة
النهوض وخفة الجلوس في التشهد الأول، هذا هو المشهور في معنى هذا الحديث.
وقال التُّورِبِشْتِي(٢): المراد بالركعتين الأوليين الأولى والثالثة من كل صلاة
رباعية، أي: لم يكن يلبث إذا رفع رأسه من السجود في هاتين الركعتين، فأرجعه إلى
معنى النهوض قائماً من غير جلسة الاستراحة والاعتماد على الأرض، ولا يخلو عن
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٥٠).
(٢) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٢٥٥).

٥٢
(١٥) باب التشهد
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٩١٦ - [١١] عَنْ جَابِرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُدَ كَمَا
يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ من الْقُرْآن: ((بِسْمِ اللهِ وَبِاللهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ
وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى
عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
أَسْأَلُ اللهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١١٧٥].
٩١٧ - [١٢] وَعَنْ نَفِع قَالَ: كَانَ عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ إِذَا جَلَسَ فِي
الصَّلاَةِ، وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَيْهِ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ، وَأَنْبَعَهَا بَصَرَهُ، ثُمَّ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ الهِنَّهِ: ((لَهِيَ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْحَدِيدِ)). يَعْنِي السََّّابَةَ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢ / ١١٩].
تعسف؛ لأن محيي السنة أورد الحديث في باب التشهد؛ ولأن ظاهر عبارة الحديث
يدل على الجلوس والاستقرار، فافهم، والله أعلم.
الفصل الثالث
٩١٦ - [١١] (جابر) قوله: (بسم الله وبالله) أي: بتوفيقه وإعانته، أو بصفاته،
والباء للاستعانة، قال النووي في (الأذكار)(١): قال البخاري والنسائي: زيادة التسمية
غير صحيحة عن النبي أقلّد.
٩١٧ - [١٢] (نافع) قوله: (لهي) أي: هذه الإشارة (أشد على الشيطان من
الحديد) أي: من السيف والسهم، لما فيها من التوحيد والثبات على الإيمان، فيقطع
(١) ((الأذكار)) (ص: ١٢٣).

٥٣
(٤) كتاب الصلاة
٩١٨ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: مِنَ السُّنَّةِ إِخْفَاءُ التَّشَهُّدِ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٩١].
١٦ - باب الصلاة على النبي منهم وفلما
طمع الشيطان من وقوعه في الإشراك والكفر.
٩١٨ - [١٣] (ابن مسعود) قوله: (من السنة إخفاء التشهد) قد تقرر في علم
أصول الحديث أن قول الصحابي: (من السنة كذا) في حكم الرفع؛ لأن الظاهر من
إطلاق السنة سنة رسول الله وير، وإن كانوا يقولون: سنة العمرين.
١٦ - باب الصلاة على النبي ◌ّلة وفضلها
الصلاة: الدعاء، والرحمة، والاستغفار، وحسن الثناء من الله تَك على
رسوله #، وهو من العباد: طلب إفاضة الرحمة الشاملة لخير الدنيا والآخرة من الله
تعالى عليه وَيه، وقد أمر الله المؤمنين به، وقد أجمعوا على أنه للوجوب، فهي واجبة
في الجملة، فقيل: تجب كلما جرى ذكره، وقيل: الواجب الذي به يسقط المأثم بترك
الفرض هو الإتيان بها مرة كالشهادة بنبوته پێ، وما عدا ذلك فهو مندوب، يرغب فيه،
ومن سنن الإسلام وشعار أهله.
وقال القاضي أبو بكر: افترض الله تعالى على المؤمنين أن يصلوا على نبيه
ويسلموا تسليماً، ولم يجعل لذلك وقتاً معلوماً، فالواجب أن يُكثر المرء منها، ولا يغفل
عنها، وشذّ الشافعي - رحمة الله عليه - في ذلك، وخالف الإجماع، فقال: الصلاة على
النبي ◌َّ﴿ بعد التشهد الأخير قبل السلام واجبة، ومن لم يصلّ فصلاته فاسدة، وإن صلَّی

٥٤
(١٦) باب الصلاة على النبي ﴾ وفضلها
عليه قبل ذلك لم يجزه، ويعيد الصلاة بتركها .
وقال إسحاق: الإعادة واجبة مع تعمد تركها دون النسيان، ولا سلف للشافعي
في هذا يقتدى به، ولا سنة يَتَّبِعُها، وقد بالغ جماعة في الإنكار عليه في هذه المسألة؛
لمخالفته الإجماع والأخبار، وما ورد في الحديث: (لا صلاة لمن لم يصل علي) فهو
ضعيف عند أهل الحديث بأسرهم، وإن صح فالمراد نفي الكمال، هذا حاصل كلام
القاضي عياض في (الشفا)(١).
ونقل الشُّمُنِّي عن النووي أنه قال: قد نقل بعض أصحابنا فرضية الصلاة في
التشهد عن عمر بن الخطاب ظله وابنه، ونقله الشيخ أبو حامد عن ابن مسعود وأبي
سعيد الخدري، ورواه البيهقي وغيره عن الشعبي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد،
فارتفع الشذوذ، وقال في إثبات سنة يتَّبعها: بل له سنة، وهي ما رواه ابن حبان والحاكم
في صحيحهما(٢) من حديث أبي مسعود الأنصاري: أنهم قالوا: كيف نصلي عليك
إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال: (قولوا: اللهم صل على محمد)، الحديث،
انتھی .
وأقول: لعل مراد القاضي نفي السنة الدالة على فرضيتها بدلالة السياق، لا مطلق
السنة، إذ هو ثابت اتفاقاً بالأحاديث والآثار المرضية فيها، وهو عند الإمام أبي حنيفة
- رحمه الله - واجب في الجملة، سنة بعد التشهد الأخير.
وفضائل الصلاة على النبي ◌ّ﴾ كثيرة لا تحصى، وهي أفضل القربات، وأفضل
العبادات بعد الفرائض، وقد رجّحچها] بعضهم على الذکر من حیث التوسل، وإن کان ذکر
(١) ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) (٢/ ٦٢٨ - ٦٢٩).
(٢) ((صحيح ابن حبان)) (٥/ ٢٨٩، رقم: ١٩٥٩)، و((المستدرك)) (١ / ٤٠١، رقم: ٩٨٨).

٥٥
(٤) كتاب الصلاة
الله أكبر، وفيها من الذكر وزيادة عليه، وقد ذكرنا بعض فضائلها وأحكامها في رسالة
منفردة منتخبة (١) من كتابنا (جذب القلوب إلى ديار المحبوب) في تاريخ المدينة الطيبة .
ثم اختلفوا هل يجوز الصلاة على غيره * أو على غير الأنبياء بالاستقلال؟
والمختار عند الجمهور: أن الصلاة والسلام مخصوص بالأنبياء، ولا يشارك فيهما
سواهم، وإنما يذكر بالمغفرة والرحمة والرضوان، ونقل الطيبي(٢) أنه خلاف الأولى،
وقيل: حرام، أو مكروه كراهة تحريم، أو تنزيه، والصحيح هو الثاني، وهذا فيما
تعارف من معنى الصلاة على وجه التعظيم والتحية، وأما بمعنى الترحم والدعاء فقد
ورد به الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ ﴾ [الأحزاب: ٤٣]،
وقد تعارف في المتقدمين التسليم على أهل بيت الرسول مخصوصاً، ويوجد(٣) ذلك
في كتبهم القديمة عن مشايخ أهل السنة والجماعة.
وقال ◌َّى: (اللهم صل على آل أبي أوفى)، وهذا الذي أمر به النبي ◌َّ بعد أخذ
الصدقة بقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيَّهِمْ﴾، وقد ورد فيه: (اللهم صل على آل أبي أوفى، واللهم
صل على عمرو بن العاص)، وكان يأتي بالصدقة على التطوع (٤) والرغبة، فاستحسن
ذلك منه، والله أعلم .
(١) هي رسالة فارسية تسمى بـ: ((ترغيب أهل السعادات على تكثير الصلاة على سيد الكائنات))،
ولها نسخة خطية في مكتبة خدا بخش، باتنه، الهند. ينظر: ((حياة شيخ عبد الحق محدث
دهلوي)) (ص: ١٨٩ - ١٩٠).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٢/ ٣٦٠).
(٣) في ع: ((يؤخذ)).
(٤) كذا في النسخ المخطوطة إلا (ب)، ففيها: (الطوع)).

٥٦
(١٦) باب الصلاة على النبي ◌َّ وفضلها
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٩١٩ - [١٤] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَتِي كَعْبُ بْنُ
عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَقُلْتُ: بَلَى،
فَأَهْدِهَا لِى، فَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِهِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ الصَّلاَةُ
عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَإِنَّ اللهَقَدْ عَلَّمَنَ كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، قَالَ: ((قُولُوا:
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، .
الفصل الأول
٩١٩ - [١] (عبد الرحمن بن أبي ليلى) قوله: (كعب بن عجرة) بضم المهملة
وسكون الجیم.
قوله: (هدية) أي: كلمة.
وقوله: (أهل البيت) منصوب على الاختصاص، وقد يجر بدلاً عن الضمير في
(عليكم)، وفيه نظر، والمطلوب السؤال عن كيفية الصلاة عليه وَّر، وذكروا أهل البيت
استطراداً وتبعاً، وهو في الحقيقة كناية عن ذاته الشريفة، وقد يطلق (آل فلان) ويراد هو
نفسه، كما قالوا في (آل داود) ونحوه بقرينة قوله: (فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليك)
أي: علمنا في التشهد على لسانك، فإن التعليم عن رسول الله وَّيّ تعليم عن الله، فإنه
لا ینطق إلا عنه.
وقوله: (وعلى آل محمد): (آل) أصله: أهل، بدليل تصغيره على أهيل، وقيل:
(أَأٌْ) فقلبت الهمزة ألفاً، إذ سمع تصغيره أؤيل بهمزتين، وقيل: أصله: أول، ونقل
عن الكسائي: أويل بالواو، وقد يوفق [بين] كل من هذه الأقوال مع التصغيرات الثلاث
بقلب كل من الهاء والهمزة والواو، وبالأخريين ذكره بعض الأفاضل في (حاشية

٥٧
(٤) كتاب الصلاة
الضيائية)، وآل الرجل: أهله وعياله، وآله أيضاً: أتباعه، كذا في (الصحاح)(١)،
وفسروه بأهل البيت، وأهل البيت جاء بمعنى من حرم عليهم الصدقة، وهم: بنو هاشم،
فيشمل آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل له. وقيل: بنو المطلب أيضاً،
وجاء بمعنى أولاده وأزواجه.
قال الإمام الرازي(٢): الأولى أن يقال: هم أولاده، وأزواجه الغير، والحسن
١ منهم، وعلي ◌َظُ أيضاً منهم؛ لأنه كان من أهل بيته بسبب معا
والحسين
النبي ◌َ ◌ّ وملازمته ◌َالر. وقد يخصص بهؤلاء، أعني فاطمة وعليًّا والحسن والحسين
يدل عليه قصة المباهلة وحديث الكساء، وقد قالوا: إنهم هم المرادون بخطاب
﴿إِنَّـ
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمُ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
والحق أن أزواجه * أيضاً داخلات في هذا الخطاب؛ لأن سياق كتاب الله رَّق
ينادي على دخولهن، وتذكير الخطاب للفظ الأهل أو على التغليب، ولا بد من القول
بالتغليب عند التخصيص أيضاً كما لا يخفى، انتهى، والله أعلم.
ووجه التوفيق بين هذه الأقوال: أن البيت بيت السكنى، وبيت النسب، وبيت
الولادة، فبنو هاشم أهل بيت النسب، كما يقال لأولاد الجد القريب: بيت فلان،
والأزواج أهل بيت السكنى، وأولاده وّلغير أهل بيت الولادة، وقد أشبعنا الكلام على
ذلك مع ذكر الأحاديث الواردة في الباب في خاتمة رسالة لنا في ذكر المبشرين بالجنة
من الأصحاب مسماة بـ (تحقيق الإشارة في تعميم البشارة)، وهذا المقدار الذي ذكرنا
بعضاً منه مذكور في (حاشية الضيائية).
(١) («الصحاح)) (٤ / ١٦٢٧).
(٢) ((مفاتيح الغيب / التفسير الكبير)) (٢٥ / ١٦٨).

٥٨
(١٦) باب الصلاة على النبي ◌َّر وفضلها
كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِیمَ،
والآل أيضاً يجيء بمعنى الأتباع، وبهذا المعنى ورد إلى كل مؤمن، ومال إليه
مالك، واختاره الأزهري وآخرون، وهو قول سفيان الثوري وغيره، ورجّحه النووي
في (شرح مسلم) (١)، وقيده القاضي حسين بالأتقياء(٢)، والظاهر أن المراد في الحديث
المعنى الأعم، والله أعلم.
وقوله: (كما صليت) فيه إشكال مشهور من جهة أن التشبيه يقتضي كمال المشبه
به وقوته في وجه التشبيه، وليست الصلاة على إبراهيم علي أكمل من الصلاة على
محمد ◌ّ، وأجيب بأجوبة، أظهرها: أن التشبيه في أصل الصلاة لا للقدر بالقدر،
كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ ﴾ [النساء: ١٦٣]، وأقواها: أنه
يكفي ظهور المشبه به وشهرته في ذلك، والصلاة على إبراهيم أظهر وأشهر، ويقال:
وجه التشبيه كون الصلاة [عليه] أكملَ الصلاة ممن قبله، وقد علمنا (٣) في هذا الباب
رسالةً مسماة بـ (الأجوبة الاثني عشر عن الإشكال الوارد في حديث الصلاة على سيد
البشر) (٤)، فلينظر ثمة.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢ / ٣٦١).
(٢) وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى تَمَّامُ فِي ((فوائده))، وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِوَ﴿ مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ؟
فَقَالَ: (كُلُّ تَقِيٍّ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ))، زَادَ الدَّيْلَمِيُّ: ثُمَّ قَرَّأَ: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ، إِلَّا الْمُنَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].
((مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٧٤٠).
(٣) كذا في النسخ المخطوطة، وهو خطأ، والصواب: ((عملنا)).
(٤) رسالة باللغة العربية سماها: ((الأجوبة الاثنا عشر في توجيه الصلاة على سيد البشر))، قال في
تعريفها: «رسالة حوت توجيهات التشبيه الواقع في الصلاة على النبي الكريم: اللهم صل
على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، جمعتها في مجلس
واحد من وقت السحر إلى طلوع ذكاء، مع ما وقع في البين من الصلاة والورد والدعاء)).
ينظر: ((الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام)) (٥ / ٥٥٥)، و((حياة شيخ عبد الحق =

٥٩
(٤) كتاب الصلاة
إِنََّكَ حَمِيْدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى
إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)). مُتَّفَقَ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٧٠، م:
٤٠٦]. إِلَّ أَنَّ مُسْلِمَاً لَمْ يَذْكُرْ: (عَلَى إِبْرَاهِيمَ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
٩٢٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ!
كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ
وَأَزْوَاجِهِ وَذُرَّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ
وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ.
وقوله: (إنك حميد) أي: حامد لأحبائك بإجزال المثوبات، أو لذاته بصفات
الكمال وبث الآيات، أو محمود بنسبة الخلق، أو بكلامه القديم.
وقوله: (مجيد) أي: عظيم شريف كريم.
وقوله: (إلا أن مسلماً لم يذكر: على آل إبراهيم في الموضعين) وليس مذكوراً
في رواية من البخاري أيضاً.
٩٢٠ - [٢] (أبو حميد الساعدي) قوله: (وذريته) بضم المعجمة، وحكي
الكسر، وقيل: مثلثة، وقد يخص بالنساء والأطفال، وهي من: (ذرأ) بالهمزة: أي خلق،
إلا أن الهمزة سهّلت لكثرة الاستعمال، وقيل: هي من الذر، فليس مهموز الأصل،
كذا في بعض الشروح، ويظهر منه أن الذرية بتشديد الراء إن كان من الذرّ، وبتخفيفه
وتشديد الياء نحو برية وخطية، بقلب الهمزة ياء وإدغام الياء في الياء، وقد سبق في
(باب الإيمان بالقدر).
وقوله: (كما صليت على إبراهيم)، وكذا قوله: (كما باركت على إبراهيم) في
= محدث دهلوي)) (ص: ١٨٩).

٦٠
(١٦) باب الصلاة على النبي غير وفضلها
إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيدٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٦٠، م: ٤٠٧].
نسخة صحيحة بزيادة (آل)، والذي في رواية أحمد(١): ذكر إبراهيم في الصلاة،
وآل إبراهيم في البركة، وبينهما مناسبة كقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اُللَّهِ وَبَرَكَانُهُ، عَلَيْكُمْ أَهْلَ
اُلْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣].
اعلم أن هذه الصلاة قد رويت بألفاظ مختلفة وزيادات من الكتب الستة وغيرها،
وقد يزاد: وارحم محمداً كما رحمت على إبراهيم، وربما يقولون: وترحمت، وتعقب
بأنه لم تصح روايته، وأيضاً لا يقال: رَحِمْتَ عليه بل رحمته، وبأن الترحم فيه معنى
التكلف والتصنع فلا يحسن إطلاقه على الله سبحانه، قال الأسنوي: أي لا يقال ذلك
على اللغة الفصحى، وإلا فقد نقله الطبري عن الصفاني، كذا في شرح الشيخ.
ومع قطع النظر اختلفوا في إطلاق مطلق الرحمة عليه وَله، ونقل عن (التبيين)(٢):
أنه كره بعضهم أن يقال: اللهم ارحم محمداً؛ لأنه يوهم التقصير، إذ الرحمة تكون
بإتيان ما يلام عليه، مثل قوله وَّجر: (رحم الله لوطاً يأوي إلى ركن شديد، ورحم الله
هاجر لو تركتها لكان عيناً معيناً)، والصحيح أنه لا يكره؛ لأنه وه لو كان من أشوق العباد
إلى مزيد رحمة الله تعالى، ولا يستغني أحد عن رحمة الله، وقد ورد في الكتاب نسبة
الرحمة إليه ﴿ كما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ﴾ [آل عمران: ١٥٩]،
وقوله شير: (إلا أن يتغمدني الله برحمته)، وأمثال ذلك كثير، والمنع من ذلك مكابرة،
وأما إيهامه التقصير كما في الحديثين اللذين ذكرهما القائل، فذلك إطلاق آخر نادر
لا ینحصر استعمالها فيه.
(١) ((مسند أحمد)) (١ / ٢٦٢).
(٢) ((تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق)) (١ / ١٢٣).