النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ (٤) كتاب الصلاة كل شيء ضُمّ إليه سائر ما يليه يسمى أُمَّا، وقال ابن عرفة: سميت بأم القرآن وأم الكتاب؛ لأن السورة تضاف إليها، ولا تضاف هي إلى شيء من السور. ثم إنه قد استدل الشافعي وأحمد فيما هو المشهور من مذهبه على تعيين الفاتحة وكونها ركناً في الصلاة بهذا الحديث، وعندنا وعن أحمد في رواية: يجزئ قراءة آية من القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُواْ مَا تَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقوله ◌َّ للأعرابي: (اقرأ ما تيسّر معك من القرآن) كما مر. والجواب عما تمسك به الشافعي - رحمه الله - أنه مشترك الدلالة؛ لأن النفي لا يرد إلا على النسب الذي هو متعلق الجار، لا على نفس المفرد، فيكون تقديره صحيحة فيوافق مذهبه، أو كاملة فيخالفه، وقد قدر الثاني في نحو (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، و(لا صلاة العبد الآبق)، فيقدرههنا أيضاً، وهو المتيقن، وقد يناقش أن متعلق الجار والمجرور الواقع خبراً استقرار عام، فيكون التقدير: لا صلاة كائنة أو موجودة، وعدم الوجود شرعاً هو عدم الصحة. وقد جاء في رواية: (لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) رواه الدارقطني، وقال: إسناده صحيح، كذا في (شرح كتاب الخرقي)(١)، هذا هو الأصل، بخلاف: (لا صلاة لجار المسجد) ونحوه، فإن قيام الدليل على الصحة أوجب كون المراد كوناً خاصًّا، أي: كاملة، فيكون من حذف الخبر، لا من وقوع الجار والمجرور خبراً، ولأجل هذه المناقشة عدل صاحب (الهداية)(٢) إلى أن الآية قطعية، فلا يجوز الزيادة بخبر (١) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ٢٢٣). (٢) ((الهداية)) (١ / ٥٠). ٥٨٢ (١٢) باب القراءة في الصلاة وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَصَاعِداً). ٨٢٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلاَثاً - غَيْرُ تَمَامٍ) الواحد؛ لكونه ظنيًّا، لكنه يوجب العمل، فقلنا بوجوبها دون فرضيتها، لئلا يلزم إبطالُ الظنِّي القطعيَّ. وأما ما جاء في الحديث الثاني: (فهي خداج) أي: ناقصة، وأقيم المصدر مقام الصفة، أي: ذات خداج، فهو يصلح متمسكاً للفريقين، والظاهر مع الحنفية؛ لأنه وقعت هذه العبارة في ترك الدعاء بعد الصلاة كما مر، وقال في (شرح كتاب الخرقي)(١): الخداج: النقصان في الذات، حكاه أبو عبيد عن الأصمعي، والله أعلم. وقوله: (فصاعداً) في القاموس(٢): بلغ كذا فصاعداً: أي ما فوق ذلك، وقد يقال: إن هذا يدفع الوجوب؛ لأن الزائد ليس بواجب، ويجاب بأنه لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة، كما في قوله: (تقطع اليدين في نصف دينار فصاعداً)، يعني يتعين قراءة الفاتحة، ولو زاد عليها شيئاً فذاك، فافهم. ٨٢٣ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (من صلى صلاة) يحتمل أن يكون مفعولاً به، أو أن يكون مفعولاً مطلقاً، ولعل الأول هو الأولى؛ ليكون مرجع الضمير مذكوراً لفظاً، فافهم . وقوله: (فهي خداج) قد مرَّ معناه في آخر (الفصل الثاني) من (باب صفة الصلاة). (١) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ٢٢٣). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٧٩). ٥٨٣ (٤) كتاب الصلاة فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ، قَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْعَمْدُ بَّهِيَبِ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِمِ﴾ قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الّذِينٍ﴾ قَالَ: وقوله: (فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام) أي: فهل نقرأ؟ وقوله: (قال: اقرأ بها في نفسك) أي سرًّا بحيث تسمع نفسك(١)، ولا يجوز عند الشافعي الجهر بالقراءة للمأموم وإن كانت الصلاة جهرية . وقوله: (قسمت) بصيغة المتكلم. وقوله: (نصفين) التنصيف باعتبار الآيات، فإن الفاتحة سبع آيات، فثلاث منها ثناء على الله تعالى، وثلاث مسألة للعبد، والآية المتوسطة نصفها دعاء باعتبار أن شطرها الأول وهو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] أثره وغايته لله، وشطرها الثاني للعبد. وعلم من هذا أن البسملة ليست من الفاتحة، كما هو مذهبنا، وكونها سبع آيات باعتبار عدِّ ﴿ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] آية، وغرض أبي هريرة الاستدلال على فرضية قراءة الفاتحة في الصلاة، سواء كان المصلي إماماً أو مأموماً، كما يدل عليه الفاء التعليلية في قوله: (فإني سمعت)، ووجهه أن المراد بالصلاة الفاتحة إطلاقاً للكل (١) قال القاري: بِهِ أَخْذَ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ لاَ يَقُومُ بِهِ حُبَّةٌ عَلَى أَحَدٍ مَعَ احْتِمَالِ التَّقْيِيدِ فِي الصَّلاَةِ السِّرِّيَّةِ كَمَا قَالَ بِهِ الإِمَامُ مَالِكٌ، وَالإِمَامُ مُحَمَّدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، أَوْ فِي السَّكَنَاتِ بَيْنَ قِرَاءَةِ الإِمَامِ كَمَا قِيلَ لِلْمَسْبُوقِ فِي دُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ، أَوْ مَعْنَاهُ فِي قَلْبِكَ بِاسْتِحْضَارِ أَلْفَاظِهَا، أَوْ مَعْنَاهُ أَوْ مَعَانِيهَا دُونَ مَبَانِهَا، ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ٦٨٣). ٥٨٤ (١٢) باب القراءة في الصلاة مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذا قَالَ: ﴿إِيَاكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَغِيبٌ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿ أَهْدِنَالصِّرَطَ الْمُسْتَقِمَ ا صِرَّطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الَّالِنَ﴾ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٩٥]. ٨٢٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهُ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ عُ ﴾ا كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ بـ ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٩٩]. على الجزء، بل على أعظم الأجزاء، كذا قالوا، وفيه خفاء ظاهر، إذ يكفي في ذلك اشتمال الصلاة على الفاتحة وإن لم يكن فرضاً، والعلاقة لا تنحصر في الجزئية، بل يكفي فيها الجوار كما بين في موضعه، والله أعلم. ويمكن أن يستدل بأنه لما كان شأن الفاتحة هذا، فلا بد من قراءته في الصلاة حتماً، أو يقال: إنه لما دل الحديث على أنها هي الصلاة وكلها مبالغة، كما في (الحج عرفة)، فلا أقل من أن يكون جزءاً لها، فليفهم. وقوله: (مجدني عبدي) المجد: هو الشرف والكرم، وقيل: الشرف الواسع، وقيل: إذا قارن شرف الذات حسن الفعال فهو مجيد، وفي (القاموس)(١): مجَّده: عظَّمه، وأثْنَى عليه، وحملوه على الثناء على صفات الجلال، ويتضمنه معنى ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ لتفرده بالملك والعظمة والجلال فيه. ٨٢٤ - [٣] (أنس) قوله: (كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين) قد ذكرنا أن ظاهره أنهم كانوا لا يقرؤون البسملة، وهو ليس بمراد، فإن قراءتها في الصلاة مجمع عليه، لم يخالف فيها أحد، سواء كانت جزءاً من الفاتحة كما هو عند (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠١). ٥٨٥ (٤) كتاب الصلاة الشافعي، أو لم تكن كما هو عندنا، لكن في أول الصلاة فقط عند أبي حنيفة - رحمه الله-، فھي مفتاح الصلاة کالتعوذ، وفي رواية عنه - وهو مذهب صاحبه -: في أول كل ركعة؛ لأن التسمية مفتاح القراءة، وكل ركعة مستقل فيها، وللاحتياط لاختلاف العلماء في كونها جزءاً من الفاتحة لا بين الفاتحة والسورة، إلا عند محمد في الصلاة السرية، وهو مذهب أحمد مطلقاً، فأول الشافعي الحديث بأن المراد كانوا يفتتحون بهذه السورة، كما يقال: قرأت ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾، أي: السورة التي أولها ﴿الْحَمْدُ لِّهِرَبٍ اَلْعَلَمِينَ﴾ كما سبق، وللحديث تأويل آخر، وهو أنه لم يرد نفي قراءة البسملة بل نفي الجهر بها، فإنه قد صح عن النبي ◌َّهُ وأصحابه والخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم أجمعين - أنهم كانوا لا يجهرون بالتسمية وإن كانت الصلاة جهرية، كما هو المذهب عندنا . قال الشيخ ابن الهمام(١): قال بعض الحفاظ: ليس حديث صريح في الجهر إلا وفي إسناده مقال عند أهل الحديث، ولذا أعرض أرباب المسانيد المشهورة الأربعة وأحمد - رحمهم الله -، ولم يخرجوا منها شيئاً مع اشتمال كتبهم على أحاديث ضعيفة، وعن الدارقطني أنه قال: لم يصح عن النبي ◌َّ في الجهر حديث، وعنه: أنه صنف بمصر كتاباً في الجهر بالبسملة، فأقسم بعض المالكية ليعرفه الصحيح منها، فقال: لم يصح في الجهر حدیث. وقال الحازمي: أحاديث الجهر وإن كانت مأثورة عن نفر من الصحابة، غير أن أكثرها لم يَسْلَمْ من شوائب، وقد روى الطحاوي وأبو عمر بن عبد البر عن ابن عباس ئها الجهر، وعن ابن عباس: (أنه لم يجهر النبي ◌َّ بالبسملة حتى مات)، (١) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٢٩١). ٥٨٦ (١٢) باب القراءة في الصلاة فقد تعارض ما روي عن ابن عباس حولها، فإن صح فهو محمول على وقوعه أحياناً، يعني ليعلمهم أنها تقرأ فيها. وفي رواية مسلم(١): عن أنس ◌َلُه: (صليت خلف النبي ◌َّر وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم)، ولم يرد نفي القراءة بل السماع للإخفاء، بدليل ما صُرِّح به عنه: (فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم)، رواه أحمد(٢) بإسناد على شرط الصحيح، وعنه: (صليت خلف النبي ◌َّل وأبي بكر وعمر، فكلهم يخفون بسم الله الرحمن الرحيم)، رواه ابن ماجه، وروى الطبراني: (أن رسول الله وَّ كان يُسِرّ ببسم الله الرحمن الرحيم، وأبا بكر وعمر وعثمان وعلي، ومن تقدم من التابعين)، وهو مذهب الثوري وابن المبارك. وقال ابن عبد البر وابن المنذر: وهو قول ابن مسعود وابن الزبير، وعمار بن ياسر وعبدالله بن المغفل، والحكم والحسن، والشعبي والنخعي والأوزاعي، وعبدالله ابن المبارك وقتادة، وعمر بن عبد العزيز والأعمش، والزهري ومجاهد، وحماد وابن أبي عبيد، وأحمد وإسحاق - رحمهم الله -، وروى أبو حنيفة عن زيد بن عبدالله بن مغفل عن أبيه (أنه صلى خلف إمام فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، فناداه يا عبدالله! إني صليت خلف رسول الله وَّ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ◌َئه، فلم أسمع أحداً منھم یجھر بها). وقد روي في (صحيح ابن خزيمة) وابن حبان والنسائي عن نعيم المجمر: (صليت (١) ((صحيح مسلم)) (ح: ٣٩٩). (٢) ((مسند أحمد)) (٣ / ٢٧٥). ٥٨٧ (٤) كتاب الصلاة وراء أبي هريرة ظه، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ﴿وَلَا الضَّآلِينَ﴾ قال: آمين، ثم قال إذا سلّم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاةً برسول الله وَر)، قال ابن خزيمة: لا ارتياب في صحته عند أهل المعرفة، وهذا غير مستلزم للجهر؛ لجواز سماع نعيم مع إخفاء أبي هريرة، فإنه مما يتحقق إذا لم يبالغ في الإخفاء مع قرب المقتدي، والصريح ما عن ابن عباس تظله: (كان رسول الله و ◌َلا* يجهر بسم الله الرحمن الرحيم)، وفي رواية: (جھر)، قال الحاكم: صحیح بلا علة، وصححه الدار قطني، وهذان أمثل حديث في الجهر، انتهى كلام ابن الهمام. وقد عقد الترمذي له بابين(١)، أحدهما: (باب في ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) فروى عن ابن عبدالله بن مغفل قال: سمعت أبي وأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم قال: أي بني إياك والحدث، قال: ولم أر أحداً من أصحاب النبي وَّ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام، يعني منه، وقال: قد صليت مع النبي ◌َّر ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان ولم أسمع أحداً يقولها، فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، قال أبو عيسى: حديث عبدالله بن مغفل حديث حسن، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ◌ِّز، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم له ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق، لا يرون أن يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، قالوا: ويقولها في نفسه. وثانيهما: (باب من رأى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)، وروى عن ابن عباس ◌َ﴾ قال: (كان رسول الله ◌ُّر يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم)، قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بذاك، وقد قال بهذا عدة من أهل العلم من أصحاب (١) ((سنن الترمذي)) (٢/ ١١، ح: ٢٤٤)، و(٢/ ١٢، ح: ٢٤٥). ٥٨٨ (١٢) باب القراءة في الصلاة ٨٢٥ - [٤] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، النبي ◌َّ، منهم أبو هريرة وابن عمر، [وابن عباس] وابن الزبير، ومن بعدهم من التابعين، رأوا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وبه يقول الشافعي وإسماعيل بن حماد - هو ابن أبي سليمان - وأبو خالد الوالبي ــ اسمه هرمز-، وهو كوفي، انتهى كلام الترمذي. ومن المتأخرين من المحدثين من اختار أنه # كان يجهر حيناً ويسرّ أخرى، والجمهور على أن الجهر كان للإسماع ليعلموا أنه قرأها، والله أعلم. ولقد أطنبنا الكلام فيه لزعم الناس أن الجهر هو الصحيح، ويزعم طائفة أن عليًّا نَظُه كان يجهر، والأمر بخلافه، فظهر أن مذهب أبي حنيفة هو الراجح الأصح. ٨٢٥ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (إذا أمّن الإمام فأمّنوا) من التأمين، قال القاضي عياض(١): قيل: معناه إذا قال: آمين، وقيل: معناه إذا دعا بقوله: ﴿أَهْدِنَا الضَّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ آخر السورة، ويسمى كل من الداعي والمؤمِّن داعياً ومؤمِّناً، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا﴾ وكان أحدهما داعياً والآخر مؤمّناً، وقيل: معناه إذا بلغ موضع التأمين، ولا يذهب عليك أن الظاهر هو المعنى الأول، وعليه العمل، ولا نزاع في صحة تسمية كل من المؤمِّن والداعي داعياً ومؤمِّناً، مع أن ما ثبت بالآية المذكورة تسمية المؤمِّن داعیاً لا عكسه. والظاهر أن مآل المعنيين واحد، غايته أنه يفهم من ظاهر المعنى الأول تقدُّمُ الإمام في التأمين، ولا يبعد ذلك كما هو حال المأموم مع الإمام في سائر الأفعال، (١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٦٥). ٥٨٩ (٤) كتاب الصلاة فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٨، م: ٤١٠]. ويمكن أن يكون المسنون هنا المبادرة إلى التأمين، والمقارنة والمعية مع الإمام فيه، كما نقل الطيبي(١) عن الخطابي من قوله: أي قولوا: آمين مع الإمام، حتى يقع تأمينكم وتأمينه معاً، ولا يدل على أنهم يؤخرون عن وقت تأمينه، كما يقول القائل: إذا رحل الأميرُ فارحلوا، يريد إذا أخذ الإمام في الرحل فتهيؤوا في الارتحال، فتكون رحلتكم مع رحلته، فافهم. وقوله: (فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة) تعليل للمقدر في الكلام، وهو فإن الملائكة تؤمّن، وقد صرح به في الرواية الأخرى، فيكون معنى قوله: (فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة) أي: وافق قوله: آمين قول الملائكة إياه، وقيل: وافق في الصفة من الخشية والإخلاص، وقيل: هو أن يكون دعاؤه لعامة المؤمنین کالملائكة، وقيل: معناه من استجيب له كما يستجاب للملائكة، نقل المعاني الأربعة القاضي عياض (٢)، والأظهر هو الأول؛ لقوله في الرواية الأخرى: (فإن الملائكة تؤمن). هذا، وقد يختلج أنه كان الظاهر أن يقال: (استجيب له) مكان (غفر له)، وكأنه جعل الله سبحانه مغفرة الذنوب من خصائص هذه الموافقة ولوازمها مع حصول الاستجابة أيضاً، ولعل الملائكة يستغفرون لهم في هذا الوقت، كما للجالس في مصلاه منتظراً للصلاة، وذلك من شأن الملائكة دائماً بقوله تعالى: ﴿ُسَبُِّونَ بِحَمْدِ رَتِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الْأَرْضُِ﴾ [الشورى: ٥]، خصوصاً عند مباشرة أمر الخير، فافهم. (١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٣١٠). (٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٦٥). ٥٩٠ (١٢) باب القراءة في الصلاة وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّآلِينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ. وقوله: (إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا العَآلِينَ﴾) وهو وقت تأمينه، وقد يستأنس من هذا بالمعنى الذي نقل عياض بقوله: إذا أمن، فافهم. ثم المشهور أن (آمين) اسم فعل بمعنى استجب، مبني على الفتح، بالمد والقصر مع تخفيف الميم، قال القاضي عياض(١): (آمين) تمد الهمزة وتقصر بتخفيف الميم، وحكى اللغويون تشديدها، وأنكره الأكثر، وأنكر ثعلب القصر أيضاً في غير ضرورة الشعر، وصححه يعقوب، والنون مفتوحة أبداً مثل (ليت) و(لعل)، ويقال في فعله: أمَّن الرجل مشدد الميم تأميناً. وقال الشيخ(٢): بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعند جميع القراء. وقال في (القاموس)(٣): آمين بالمد والقصر، وقد يشدد الممدود (٤) ويمال أيضاً، وعن الواحدي في (البسيط): اسم من أسماء الله، ومعناه: اللهم استجب، أو كذلك فلیکن، أو كذلك فافعل، انتهى. (١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٦٤). (٢) ((فتح الباري)) (٢ / ٢٦٢). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٨٤). (٤) قال القاري (٢ / ٦٨٦): وَأَمَّا آمِّينَ بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ فَهُوَ خَطَأْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَاخْتُلِفَ فِي فَسَادِ صَلَةٍ مَنْ يَقُولُ بِهِ، وَالأَصَحُّ عَدَمُ فَسَادِهَا لِمَجِيْئِهِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَآ ءَآمِينَ أَلْبَيْتَ اَْرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، أَيْ: قَاصِدِينَ، كذا ذكره الشيخ ابن الهمام (١ / ٢٩٦). ٥٩١ (٤) كتاب الصلاة وَفِي أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الْقَارِىُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تُؤَمِّنُ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). [خ: ٦٤٠٢]. ٨٢٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿وَغَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، وقال عياض(١): اختلف في معناه، فقيل: المعنى كذلك يكون، وقيل: هو اسم من أسماء الله، وقيل: هو (أمين) بقصر الهمزة، فدخلت عليها ألف النداء، كأنه قال: یا الله استجب دعاءنا . وفي (مجمع البحار)(٢): أنه اسم الله تعالى بمعنى المؤمن، ومعناه: يا آمين استجب، وردّه النووي؛ إذ لم يثبت بالقرآن والسنة المتواترة، وأسماؤه تعالى لا يثبت بدونهما . وفي بعض الشروح: أنه رواه عبد الرزاق عن أبي هريرة بسند ضعيف، وجاء في بعض الأحاديث: (آمين درجة في الجنة)، ومعناه أنها كلمة يكتب بها لقائلها درجة فيها، ويجيء الكلام في الجهر والإسرار بـ (آمين) في (الفصل الثاني). ٨٢٦ - [٥] (أبو موسى الأشعري) قوله: (فأقيموا صفوفكم) أي: سوّوها، بأن لا يكون فيها اعوجاج ولا فرج، وأتموها. وقوله: (ثم ليؤمكم أحدكم) إشارة إلى جواز الإمامة لكل من المسلمين، وحيث (١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٦٤ - ٦٥). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ١١٩). ٥٩٢ (١٢) باب القراءة في الصلاة يُحِبْكُمُ اللهُ، فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((فَتِلْكَ بِتِلْكَ))، قَالَ: ((وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، يَسْمَعِ اللهُ لَكُمْ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٠٤]. ورد: (أكبركم) فلبيان الأفضل . قوله: (فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم) كما هو شأن الإمام من التقدم والسبق، وهذا إشارة إلى علة التعقيب المفهوم من الفاء؛ لأن بذلك يستوي زمن ركوع الإمام والمأموم، كما قال: (فتلك بتلك) أي: اللحظة التي سبقكم الإمام بها مقابلة ومنجبرة باللحظة التي تأخرتم عنه، فيتساوى ركوعه وركوعكم في المقدار. وقوله: (وإذا قال) أي: الإمام: (سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: ربنا لك الحمد) بلا واو، قد روي بواو، وكلاهما صحيح، وبالواو أرجح، ويروى: (اللهم ربنا لك الحمد) بلا واو، والجمع بين (اللهم) و(الواو) لم يصح(١)، كذا في (سفر السعادة)(٢)، وروى السيوطي في (جمع الجوامع) الجمع بين (الواو) و(اللهم) عن عبد الرزاق، وقال السيوطي في (شرح صحيح البخاري): إن في رواية الكشميهني بالواو مع (اللهم) (٣). (١) أي: لم يثبت. (٢) ((سفر السعادة)) (ص: ٣٥). (٣) ثبتت رواية الجمع عند البخاري عن أبي هريرة ظه (ح: ٧٩٥)، قال العلامة اللكنوي في ((النافع الكبير شرح الجامع الصغير)) (ص: ٨٨): واختلفوا في لفظ التحميد، فمنهم من ذكر: (ربنا لك الحمد)، ومنهم من قال: (ربنا ولك الحمد)، ومنهم من قال: (اللهم ربنا لك الحمد)، ومنهم من قال: (اللهم ربنا ولك الحمد)، وبكل ذلك وردت الأخبار النبوية، وأولاها الأخير، كما بسطناها في ((السعاية)) (٢ / ١٨٧). ٥٩٣ (٤) كتاب الصلاة ٨٢٧ - [٦] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَتَادَةَ: ((وَإِذا قَرَّأَ فَأَنْصِتُوا)). والمراد بسماع الله قبوله، يقال: سمع الأمير كلامَ فلان: أي قبله، فهو دعاء بقبول الحمد، كذا قال ابن الهمام(١)، ويحتمل أن يكون إخباراً للترغيب والحمل على الحمد، وهو الظاهر من لفظ الحديث، وهو قوله: (يسمع الله لكم). ثم هذا الحديث متمسك الإمام أبي حنيفة في قوله بإتيان الإمام التسميع والمأموم التحميد، وأن لا يجمع الإمام بين التسميع والتحميد؛ لأن هذا قسمة، والقسمة تنافي الشركة، ولهذا لا يأتي المقتدي التسميع عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله كما ذكره الطيبي(٢) -: يجمع بينهما الإمام والمأموم والمنفرد؛ لحديث أبي هريرة: (كان النبي ◌َّ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حین یرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم یکبر حين يهوي ساجداً) الحديث، وقد قال رَلج: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهذا الحديث يدل على الجمع بين الذكرين، وأن التسميع ذكر حالة الانتقال، والتحميد حالة القيام. وعلى وفقه ذكر في (جامع التمرتاشي) من أهل مذهبنا وقال: فإن لم يأت بالتسميع حالة الرفع لا يأتي حالة الاستواء، وقيل: يأتي بهما، ومذهب مالك أيضاً مثل مذهب أبي حنيفة - رحمهما الله -، وكذا مذهب أحمد في المشهور عنه تمسكاً بالحديث المذكور، وقد رواه أصحاب السنن إلا ابن ماجه، وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أن الإمام يجمع، وهو مختار الطحاوي، ورواية عن أبي حنيفة، ولكن يأتي بالتحميد في نفسه سرًّا، وأما المنفرد فيجمع، وقد يروى الاكتفاء بأحدهما، وكذا عند أحمد. ٨٢٧ - [٦] (أبو هريرة، وقتادة) قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا) هذا دليل على مذهب (١) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٢٩٨). (٢) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٣١١). ٥٩٤ (١٢) باب القراءة في الصلاة ٨٢٨ - [٧] وَعَنْ أَبِ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقْرَأْ فِي الظُّهْرِ فِي الأُولَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيْنِ بِأُمِّالْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَاناً، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُوْلَى مَا لاَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، أبي حنيفة - رحمه الله - في منع القراءة للمقتدي، وعدم وجوب قراءة الفاتحة عليه، سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية، وسيأتي تفصيل الكلام فيه في آخر (الفصل الثاني). ٨٢٨ - [٧] (أبو قتادة) قوله: (يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين) أي: في كل ركعة سورة، والعلم بها إما بإخبار من النبي ◌َّ، أو بسماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، كما قال: (ويسمعنا الآية أحياناً)، وذلك محمول على أنه لغلبة الاستغراق في التدبر يحصل الجهر من غير قصد، أو لبيان الجواز(١)، أو لتعليمهم أنه يقرأ، أو يقرأ سورة كذا ليتأسّوا به، كذا قالوا، والظاهر من الإسماع قصده . وقوله: (ويطول في الركعة الأولى) وهذا هو مذهب الأئمة في الصلوات كلها، وقد روي من مذهب محمد من أصحابنا لهذا الحديث المصرح به في الظهر والعصر والفجر، وقياس غيرها عليها، وقد روى عبد الرزاق(٢) عن معمر في آخر هذا الحديث: (فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى)، ولأبي داود(٣) وابن خزيمة نحوه، (١) قال القاري: لاَ يَجُوزُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ وَالإِخْفَاءَ وَاجِبَانِ عَلَى الإِمَامِ، إِلاَّ أَنْ يُرَادَ بِبَيَانِ الْجَوَازِ أَنَّ سَمَاعَ الْآيَةِ أَوِ الآيَتَيْنِ لاَ يُخْرِجُهُ عَنِ السِّرِّ، ((مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٦٨٨). (٢) ((مصنف عبد الرزاق)) (٢/ ١٠٤) (ح: ٢٦٧٥). (٣) ((سنن أبي داود)) (٨٠٠). ٥٩٥ (٤) كتاب الصلاة وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ، وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٧٦، م: ٤٥١]. ٨٢٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اللهِ وَّل فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَاَ قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ ﴿الّ ب) تَزِلُ﴾ السَّجْدَةِ - وَفِي رِوَايَةٍ: فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلاَثِينَ آَيَّةً - وَحَزَرْنَاَ قِيَامَهُ فِي الأُخْرَبَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، كذا في بعض الشروح. وعندهما مخصوص بصلاة الفجر إعانة للناس على إدراك الجماعة؛ لأن الركعتين استوتا في استحقاق القراءة فتستويان في المقدار، ويستأنس به بالرواية في الحديث الآتي: في كل ركعة ثلاثين آية، بخلاف الفجر فإنه وقت نوم وغفلة، والحديث محمول على الإطالة من حيث الثناء والتعوذ والتسمية وبما دون ثلاث آيات، وقال في (الخلاصة): إن قول محمد أحب، كذا في (شرح ابن الهمام)(١). وقوله: (وهكذا في العصر) أي: المذكور من القراءة في الأوليين فقط وتطويل الأولى على الثانية، وأما قوله: (وهكذا في الصبح) فيختص بالأخير، وهو ظاهر. ٨٢٩ - [٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فحزرنا قيامه) أي: قدرنا، والحزر بالحاء المهملة وتقديم الزاي على الراء: التقدير والخرص، من باب نصر. وقوله: (في الركعتين الأوليين قدر قراءة ﴿الَّّ ج ◌َزِلُ﴾ السجدة) إما أن يكون المراد القراءة في مجموعهما هذا القدر، أو في كل ركعة، ويوافقه قوله: (وفي رواية: وفي كل ركعة قدر ثلاثين آية)، فإن (ألم السجدة) تسع وعشرون آية . وقوله: (وحزرنا قيامه) يدل على قراءة السورة في الأخريين من الظهر، بل ومن (١) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٣٣٦). ٥٩٦ (١٢) باب القراءة في الصلاة وَحَزَرْنَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الأُخْرَبَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النَّصْفِ مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٢]. ٨٣٠ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بـ (الليل إذا يغشى) - وَفِي رِوَايَةٍ بِـ ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى﴾ - وَفِي الْعَصْرِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ من ذَلِك. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٩]. العصر أيضاً، ولا ينافي ذلك ما حكم الأئمة الأربعة بجواز الاقتصار في الأخريين على الفاتحة، بل عندنا لو سبّح أو سكت جاز، والقراءة أفضل، وبه قال النخعي والثوري وسائر الكوفيين، وفي (المحيط): لو سكت عمداً يكون مسيئاً؛ لمخالفته السنة، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن القراءة فيما بعد الأوليين واجبة، وروى ابن أبي شيبة (١) عن شريك عن أبي إسحاق السبعي عن علي وابن مسعود ◌ٍ ﴾ أنهما قالا: اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين، كذا ذكر الثُّمُنِّي. وقال أيضاً: ولو قرأ في الأخريين الفاتحة والسورة لا يسجد للسهو، هو الأصح؛ لأن قراءة الفاتحة وحدها في الأخريين سنة، وأصح الروايتين في مذهب أحمد أن لا يكره قراءة السورة في الأخريين؛ لأنه قد جاء عن النبي ◌َ﴿ أنه زاد أحياناً على قراءة الفاتحة في الأخريين، لكن المستحب تر کھا . ٨٣٠ - [٩] (جابر بن سمرة) قوله: (كان النبي ◌ِّيهر يقرأ في الظهر ... إلخ): (كان) ههنا ليس بمعنى الاستمرار كما هو غالب استعماله، والتحقيق أن استعماله بدون الاستمرار كثير، يشهد به مواقع استعماله في الأحاديث، وهذا من تلك المواضع. (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٣٧٤٢). ٥٩٧ (٤) كتاب الصلاة ثم اعلم أنه وقع في بعض الأحاديث أنه كان يقرأ في الصلاة الفلانية السورة الفلانية من غير بيان موضعها من الركعة الأولى أو الثانية أو الركعتين معاً، ولا يدرى ما المراد من ذلك، ويحتمل احتمالات. أحدها: أن يقرأ في الركعتين بتقسيمها عليهما، فيلزم قراءة بعض السورة، وهذا وإن كان جائزاً لكنه كان وقوعه نادراً منه و ﴿، كذا في (سفر السعادة)(١). ولذا حكم الفقهاء بأن قراءة السورة بتمامها وإن كانت قصيرة أولى وأفضل من قراءة بعضها وإن كان طويلاً. وثانيها: أن يقرأها في الركعتين مكررة، وهذا أيضاً لا يخلو عن بعد. وثالثها: أن يكون المقصود قراءتها في إحدى الركعتين سواء كانت أوليهما أو أخريهما، ويؤيد هذا الاحتمال ظاهر حديث النسائي في (جامع الأصول)(٢): عن قطبة ابن مالك قال: (صليت مع النبي ◌َّ صلاة الصبح، فقرأ في إحدى الركعتين: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ وإن كان في حديث الترمذي في الركعة الأولى. ورابعها: أن يكون المراد بيان قراءة الركعة الأولى، وفي (جامع الأصول)(٣) في رواية عن مسلم عن جابر بن سمرة: (كان النبي ◌َّ يقرأ في صلاة الصبح سورة ٤﴾ في الركعة الأولى)، وفي حديث النسائي: (يقرأ في إحدى الركعتين)، انتهى. وأظهر الاحتمالات هو الثالث، ويشبه أن يكون المراد هو الرابع، فإن في أكثر (١) ((سفر السعادة)) (ص: ٣٢). (٢) ((جامع الأصول)) (٥/ ٣٣٥، ح: ٣٤٣٥)، وانظر: ((سنن النسائي)) (ح: ٩٥٠). (٣) ((جامع الأصول)) (ح: ٣٤٣٤). ٥٩٨ (١٢) باب القراءة في الصلاة ٨٣١ -[١٠] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ێ یَقْرُ فِى الْمَغْرِبِ بِـ (الطور). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٦٥، م: ٤٦٣]. ٨٣٢ - [١١] وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهُ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بـ (المرسلات عرفاً). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٦٣، م: ٤٦٢]. الأحاديث وقع بيان قراءة الركعة الأولى، وأيضاً ما ذكره الفقهاء من تعيين طوال المفصل وأوساطها وقصارها في الصلاة معتبر في الركعة الأولى، كذا سمعت من بعض ثقات فقهاء مكة من أئمة الحنفية، وهذا البيان لم يتعرض له أحد من شراح الحديث فيما نعلم، والله أعلم. ٨٣١ - ٨٣٢ - [١٠ -١١] (جبير بن مطعم، وأم الفضل بن الحارث) قوله: (يقرأ في المغرب بالطور) وفي الحديث الآتي بـ (المرسلات عرفاً) وهذان الحديثان، وكذا ما وقع أنه قرأ فيها الأعراف والأنفال والدخان، وكذا ما ورد في الصلوات الأخر تدل على أنه لم تتعين القراءة كما عينه الفقهاء من طوال المفصل وقصارها وأوساطها، وسيأتي من حديث عمرو بن شعيب عن جده في آخر (الفصل الثالث) أنه قال: (ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله مجم يؤم بها الناس في الصلاة المكتوبة). والأصل في تعيين الفقهاء إياها كتاب عمر تقلُّه إلى أبي موسى الأشعري - على ما روى عبد الرزاق في (مصنفه)(١) قال: أخبرنا سفيان الثوري عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن وغيره - أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء والعصر بِوَسَطِ المفصل، وفي الصبح بطوال المفصل، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام(٢) . (١) انظر: ((مصنف بن أبي شيبة)) (٢ / ١٠٤، ح: ٢٦٧٢). (٢) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٣٣٥). ٥٩٩ (٤) كتاب الصلاة ٨٣٣ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ◌ََّ، ثُمَّ بَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ◌َهِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَنَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ، فَاقْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، وقال: وأما في الظهر بطوال المفصل فلم أره، بل قال الترمذي في الباب الذي يلي باب القراءة في الصبح: وروي عن عمر ظله أنه كتب إلى أبي موسى: أن اقرأ في الظهر بأوساط المفصل، غير أن في الرواية ما يفيد المطلوب، وهو ما قدمناه في (صحيح مسلم) من حديث الخدري: (كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية)، انتهى. وبالجملة كان أمر القراءة عنده ﴿ في الطول والقصر مختلفاً باختلاف الأحوال والأوقات والحِكَم والمصالح وتعليم الجواز، ثم تقرر الأمر على كتاب عمر بنظُه، ولا بد [أن] يكون له دليل وسماع من النبي ◌َّز، ولعله كان غالب أحوال النبي وَيّ ذلك، وکفی بما حكم به عمر دليلاً، والله أعلم. ٨٣٣ -[١٢] (جابر) قوله: (ثم يأتي فيؤم قومه) استدل به الشافعية على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، إذ الصلاة المعادة تقع نفلاً؛ لأنه ودي لم ينكر على معاذ إلا التطويل . فإن قلت: قد اشتهر من الشافعية أنهم قائلون بتكرار الفرض، فكيف يكون نفلاً؟ قلت: معنى هذا القول منهم أنه يجب نية الفرض لتحاكي الأصلية، لا أنه فرض، وهذا أيضاً على قول، والقول الآخر: أنه ينوي عند الإعادة النفل، وروى الشافعي - رحمه الله - عن جابر: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ◌َّ العشاء، ثم ينطلق إلى قومه، فيصليها بهم، هي له تطوع ولهم فريضة. ٦٠٠ (١٢) باب القراءة في الصلاة وأجيب عن هذا الاستدلال بأن الاحتجاج [به] من باب ترك الإنكار من النبي ◌َّر، وشرط ذلك علمُه، وجاز عدمُه، يدل عليه ما رواه الإمام أحمد(١) عن سليم (٢) رجل من بني سلمة أنه أتى النبي ◌َّه فقال: يا رسول الله! إن معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام، ونكون في أعمالنا بالنهار، فينادي بالصلاة، فنخرج إليه، فيطول علينا، فقال له رسالة: (يا معاذ لا تكن فتاناً، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن قومك)، فشرع له أحد الأمرين: الصلاة معه ولا يصلي بقومه، أو الصلاة بقومه على وجه التخفيف ولا يصلي معه، هذا أفاد منعه من الإمامة إذا صلى معه ويّ، ولا يمنع إمامته بالاتفاق، فعلم أنه منعه من الفرض، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام(٣) . وقيل: إن تلك الزيادة - أعني: (هي له تطوع ولهم فريضة) - من كلام الشافعي - رحمه الله - بناء على اجتهاده، ولذا لا يعرف إلا من جهته. هذا، وقد وقع أيضاً في صلاة الخوف في ذات الرقاع: أنه يَّ صلى بكل طائفة ركعتين، فكانت لرسول الله صل أربع ركعات، وللقوم ركعتين، فيلزم منه أيضاً اقتداء المفترض بالمتنفل، وهذا إنما يتم للشافعي إلزاماً علينا في قولنا: إن فرض المسافر ركعتان، وإلا فعنده يقع الكل فرضاً، فلا يتم به حجة على مذهبه، ونحن نقول: (١) ((مسند أحمد)) (٥ / ٧٤). (٢) ويعلم من هذا أن اسم الرجل الذي صلى خلف معاذ سليم، وقيل: حزم بن أبي كعب الأنصاري، كما في رواية أبي داود الطيالسي، وقيل: حرام بن أبي كعب الأنصاري، وما في ((المرقاة)» و(الميسر)): ((حزام)) فهو خطأ. انظر: ((الإصابة)) (١٧٠٥)، و((عمدة القاري)) (٤/ ٣٣٢)، و((فتح الباري» (٢ / ١٩٤). (٣) ((شرح فتح القدير)) (١/ ٣٧١ - ٣٧٢).