النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
(٤) كتاب الصلاة
٨١٠ - [٢١] وَعَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ إِذَا
قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: الله أكبر. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
[جه: ٨٠٣].
٨١١ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ الظَّهْرَ،
وَفِي مُؤَخَّرِ الصُّفُوفِ رَجَلٌ فَأَسَاءَ الصَّلاَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَهُ رَسُولُ الهِ:
(يَا فُلاَنُ أَلَا تَتَّقِ الله؟ أَلاَ تَرَى كَيْفَ تُصَلِّي؟ إِنَّكُمْ تُرَوْنَ أَنَّهُ يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ
مِمَّا تَصْنَعُونَ، وَاللهِ إِنِّي لأَرَى مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ.
[حم: ٢ / ٤٤٩].
ابن المبارك، وقد ثبت حديث من يرفع، ولم يثبت حديث ابن مسعود: أن النبي وَلّ
لم يرفع إلا في أول مرة، والكلام فيه واسع، ذكره الشيخ ابن الهمام، وقد أشرنا إليه
مجملاً في الفصل الأول.
٨١٠ - [٢١] (أبو حميد الساعدي) قوله: (ورفع يديه وقال: الله أكبر) الواو
لمطلق الجمع، فلا يدل على تقديم الرفع وتأخيره، والأحاديث واردة في الكل، وأقوال
العلماء مختلفة .
٨١١ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (ترون) أي: تظنون.
وقوله: (إني لأرى من خلفي) الصواب أنه محمول على ظاهره، وأن هذا
الإبصار إدراك حقيقي بحاسة العين خاص به ل﴿ على خرق العادة، فكان يرى من غير
مقابلة، ويحتمل أن يكون علماً بالقلب بوحي أو بإلهام، ولم يكن دائماً، ويؤيده أنه اليه
لما ضلّت ناقته قال بعض المنافقين: إن محمداً يزعم أنه يخبركم بخبر السماء، وهو

٥٦٢
(١١) باب ما يقرأ بعد التكبير
١١- باب ما يقرأ بعد الكبير
لا يدري أين ناقته؟ فقال ◌َّ: (والله لا أعلم إلا ما علّمني ربي، وقد دلَّني ربي عليها،
وهي في موضع كذا وكذا، حبستها شجرة بخطامها)(١)، وكان ◌َّه حين ينكشف له
في حال الصلاة التي كانت له قرة عين حقائق الموجودات فيدرك من خلفه كما يدرك
من أمامه، ولم يكن شهوده وَّر بحيث يشغله ويذهله عن الكائنات، على ما هو حال
المتمكنين الكائنين البائنين .
فعلم مما ذكرنا أن هذا لا ينافي قوله: (إني لا أعلم ما وراء جداري)، وقيل:
لا أصل لذلك الخبر أي قوله: (إني لا أعلم ما وراء جداري)، فلا يحتاج إلى الجواب،
ولقد أغرب من قال: إنه كان له ﴿﴿ عين خلف ظهره، أو بين كتفيه عينان مثل سم
الخياط، لا يحجبها شيء، والظاهر من هذا أن تكون رؤيته من خلفه دائمة، والله
أعلم.
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
اعلم أنه قد ورد في الأحاديث الصحيحة الأدعية والأذكار في استفتاح الصلاة من
قوله: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) وغيره، وقوله: (سبحانك اللهم
وبحمدك وتبارك اسمك ... إلى آخره)، وهي مستحبة معمول بها في مذهب الشافعي
- رحمه الله - في الفريضة والنافلة كُلاًّ أو بعضاً، قال النووي(٢): يستحب الجمع بينها
(١) فَذَهَبُوا فَوَجَدُوهَا كَمَا أَخْبَرَ بَّهِ، اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَحْوَالَ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ مُخْتَلِفَةٌ؛ وَلِهَذَا
لَمْ يَرَ يَعْقُوبُ وَلَدَهُ يُوسُفَ فِي الْبِثْرِ مَعَ قُرْبِهَا إِلَى بَلَدِهِ، وَوَجَدَ رِيحَ قَمِيصٍ يُوسُفَ مِنْ حِينٍ
فَصَلَتِ الْعِيرُ مِنْ مِصْرَ. ((مرقاة المفاتيح)» (٢/ ٦٧٠).
(٢) ((الأذكار)) (ص: ٩٣).

٥٦٣
(٤) كتاب الصلاة
كلها لمن صلى منفرداً، وللإمام إذا أذن له المأموم، فأما إذا لم يأذنوا فلا يطوّل عليهم
بل يقتصر على بعض ذلك، وحَسُن اقتصاره على (وجهت وجهي) إلى قوله: (من
المسلمين)، وكذلك المنفرد الذي يؤثر التخفيف، انتهى. وعندنا وكذلك عند أحمد
ومالك في ظاهر مذهبهما يقتصر على قوله: سبحانك اللهم وبحمدك ... إلخ.
وفي (شرح كتاب الخرقي)(١): في مذهب أحمد: ولو استفتح بغير هذا مما روي
وصح لجاز، وما روي سوى ذلك فهو محمول على التهجد، بل مطلق النوافل لما
ثبت في (صحيح أبي عوانة) والنسائي: أنه يَّةٍ كان إذا قام يصلي تطوعاً قال: (الله أكبر،
وجهت وجهي ... إلى آخره)، فيكون مفسراً لما في غيره بخلاف: (سبحانك اللهم)
فإنه المستقر عليه في الفرائض، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام(٢)، وسيأتي الكلام فيه في
الفصل الثاني .
ثم الثناء والمراد به قول: (سبحانك اللهم ... إلخ)، بدون التوجيه المراد به :
(إني وجهت وجهي ... إلخ)، هو المتعين عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -
لحديث أنس ته، رواه الدارقطني في (سننه)(٣) بإسناد رجاله ثقات: أن رسول الله وَله
كان إذا افتتح الصلاة كبر، ثم قال: (سبحانك الله وبحمدك) الحدیث، وليس فيه ذکر
التوجيه، وعند أبي يوسف: يجمع بين الثناء والتوجيه جمعاً بين حديث أنس وغيره،
وهو مختار الطحاوي، وقال(٤): هو مخير في أن يأتي بالتوجيه بعد الثناء أو قبله، وهو
(١) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ٢٢٢).
(٢) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٢٨٩).
(٣) ((سنن الدارقطني)) (١ / ٣٠٠، ح: ١٢).
(٤) انظر: ((شرح معاني الآثار)) (١ / ٢٥٧، ح: ١١٤٩).

٥٦٤
(١١) باب ما يقرأ بعد التكبير
* الْفَصْلُ الأوَّلُ:
٨١٢ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِهِ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ
وَبَيَنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً، .
رواية عن أبي يوسف، والمشهور تأخير التوجيه عن الثناء عنده.
ثم اعلم أن عند بعض الحنفية القائلين بالتوجيه المستحب إتيان التوجيه بعد
النية قبل التكبير؛ لأن هذا أوكد وأدخل في النية والعزيمة، وقال بعضهم: هذا يؤدي
إلى طول مكث القيام مستقبل القبلة من غير صلاة، وهو مذموم شرعاً، فينبغي أن يأتي
بعد التكبير .
وهذا الاختلاف مبني على اختلاف نسختي (الهداية)، ففي بعض النسخ: والأولى
أن لا يأتي بالتوجيه قبل التكبير؛ لتتصل النية به، فالضمير في (به) راجع إلى التكبير،
وحاصله لزوم المكث المذكور، وأيضاً الأولى في النية قرانها بالتكبير، وفي بعضها
(يأتي) بدون (لا)، فالضمير راجع إلى التوجيه لكونه مؤكداً للنية والعزيمة، وقد نقل
الشُّمُنِّي عبارة (الهداية): (لا يأتي) بزيادة (لا)، هو الموافق لما في (شرح ابن الهمام)(١)،
فتدبر .
الفصل الأول
٨١٢ - [١] (أبو هريرة) قوله: (يسكت) ضبطوه بفتح أوله من السكوت،
وحكى الكرماني عن بعض الرواة: ضمّ أوله من الإسكات، كذا في شرح الشيخ،
وفي (مجمع البحار)(٢): بفتح أوله، و(إسكاتة) مصدر شاذ، والقياس سكوتاً، وفيه:
(١) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٢٩٠).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٩٢).

٥٦٥
(٤) كتاب الصلاة
فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ! إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ
مَا تَقُولُ؟ قَالَ: ((أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَنْيَضُ مِنَ
الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ.
يسكت مضارع أسكت بمعنى سكت، وفي (الصحاح)(١): تكلم الرجل، ثم سكت بغير
ألف، فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قلت: أسكت، انتهى. والمراد بالسكوت ههنا عدم
الجهر.
وقوله: (بأبي أنت وأمي) أي: أنت مفدي بأبي، ومدخول الباء في الفداء يكون
مبذولاً .
وقوله: (إسكاتك) المشهور بالنصب، أي: أسألك إسكاتك ما تقول فيها، وقد
يروى بالرفع على الابتداء.
وقوله: (باعد بيني وبين خطاياي) صيغة المفاعلة للمبالغة؛ لأن الفعل
إذا جاء من اثنين يكون أقوى وأكمل، والظاهر من قوله: (خطاياي) بالإضافة أن
يكون المراد ما وُجد من الخطايا السابقة، بطلب محوها وغفرانها في الغاية،
و(الخطايا) في قوله: و(نقني من الخطايا) يحتمل السابقة واللاحقة، بطلب محو
آثارها والعصمة منها، والتقييد بـ (الثوب الأبيض) لظهور الدنس فيها غاية الظهور،
وإن كان أدناه فيبالغ في التنقية حتى يزول مع ما فيه من الإشارة إلى الفطرة التي فطر
الناس عليها .
(١) ((الصحاح)) (١ / ٢٥٣).

٥٦٦
(١١) باب ما يقرأ بعد التكبير
بِالْمَاءِ والثَّلْجِ وَالْبَرْدِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤٤، م: ٥٩٨].
وقوله: (بالماء والثلج والبرد (١)) بالتحريك، حَتُّ الغمام، إشارة إلى أنواع
المطهرات وأقسام المغفرة، مبالغة في الغسل والتنقية والمغفرة، والثلج والبرد أيضاً
ماء منجمد، فالغسل به ليس ببعيد، فلا حاجة إلى جعل التركيب من قبيل: علفته تبناً
وماءً، ومتقلداً سيفاً ورمحاً، فافهم.
(١) قِيلَ: خَصَّ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُمَا مَاءَانٍ مَفْطُورَانٍ عَلَى خِلْقَتِهِمَا لَمْ يُسْتَعْمَلاَ، وَلَمْ تَلْهُمَا
الأَيْدِي، وَلَمْ تَخُضْهُمَا الأَرْجُلُ، كَسَائِرِ الْمِيَاءِ الَّتِي خَالَطَتِ الْتُّرَابَ، وَجَرَتْ فِي الأَنْهَارِ،
وَجُمِعَتْ فِي الْحِيَاضِ، فَهُمَا أَحَقُّ بِكَمَالِ الطَّهَارَةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذِهِ أَمْثَالٌ وَلَمْ يُرِدْ أَعْيَانَ هَذِهِ
الْمُسَمَّيَاتِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَا التَّأْكِيدَ فِي النَّطْهِ وَالْمُبَلَغَةَ فِي مَحْوِهَا عَنْهُ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: عَبَّرَ
بِهَا عَنْ غَايَةِ الْمَحْوِ، فَإِنَّ الثَّوْبَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ مُنَّةٍ يَكُونُ فِي غَايَةِ النَّقَاءِ، وَيُحْتَمَلُ
أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ مَجَازٌ عَنْ صِفَةٍ يَقَعُ الْمَحْوُ بِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْلَنَا وَأَرْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قَالَ الطَّيِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمَطْلُوبُ مِنْ ذِكْرِ الفَّلْجِ
وَالْبَرَدِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَاءِ لِطَلَبِ شُمُولِ الرَّحْمَةِ، وَأَنْوَاعِ الْمَغْفِرَةِ بَعْدَ الْعَفْرِ لإِطْفَاءِ حَرَارَةٍ عَذَابِ النَّارِ
الَّتِي هِيَ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: بَرَّدَ اللهُ مَضْجَعَهُ، أَيْ: رَحِمَهُ وَوَقَاهُ عَذَابَ النَّارِ، قَالَ
مِيرَكُ: وَأَقُولُ: الأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: جَعَلَ الْخَطَايَا بِمَنْزِلَةٍ نَارِ جَهَنَّمَ، فَعَبَّرَ عَنْ إِطْفَاءِ حَرَارِهَا بِالْغَسْلِ
تَأْكِيداً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّعَوَاتِ الثَّلاَثِ إِشَارَةٌ إِلَى الأَزْمِنَةِ الثَّلاَثَةِ، فَالْمُبَاعَدَةُ لِلْمُسْتَقْبَلِ،
وَالْغَسْلُ لِلْمَاضِي، وَالنَّْقِيَّةُ لِلْحَالِ، وَكَانَ تَقْدِيمُ الْمُسْتَقْبَلِ لِلإِهْتِمَامِ بِدَفْعٍ مَا سَيَأْتِي قَبْلَ دَفْعٍ
مَا حَصَلَ، وَاللهُأَعْلَمُ، اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْمُبَاعَدَةُ فِيمَا لَمْ يَقَعْ مُطْلَقاً وَالَّْقِيَةُ فِي الْحَالِ وَالإِسْتِقْبَالِ، وَالْغَسْلُ فِيمَا وَقَعَ
مُطْلَقَاً، وَتَعَدُّدُ آلَةِ الْغَسْلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنْوَاعِ الْمَغْفِرَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذُّنُوبِ وَمَرَاتِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا
كُلُّهُ تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ، أَوْ دُعَاءٌ لَهُمْ، أَوْ بِاعْتِبَارِ حَسَنَاتِ الأَبْرَارِ سَيْئَاتِ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُوَ الأَظْهَرُ.
((مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٦٧١).
وفي ((حجة الله البالغة)) (٢/ ١٣): أنها كِنَايَة عَن تَكْفِيرِ الْخَطَايَا مَعَ إِيجَاد الظُّمَأْنِينَةِ وَسُكُون
الْقلب، وَالْعرب تَقُول: برد قلبه، أَي: سكن وإطمأن، وَأَتَاهُ الثَّلجِ، أَي: الْقِين.

٥٦٧
(٤) كتاب الصلاة
قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهِ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ
٨١٣ - [٢] وَعَنْ عَلِيٍّ
- وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ - كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: ((وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي
فَطَرَ السَّمَاوَاتِ (١) وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي
وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ
الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ
نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعاً، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ
أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ، لاَ يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي
سَيَِّهَا، لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلَّهُ فِي
يَدَیْكَ،
٨١٣ - [٢] (علي ) قوله: (حنيفاً) حال من ضمير (وجهت)، أي: مائلاً
عن الباطل إلى الحق، و(النسك) مثلثة ويضمتين: العبادة، وكل حق لله ، كنصر وكرم.
وقوله: (وأنا من المسلمين) وسيأتي في رواية: (وأنا أول المسلمين)، قيل:
ذلك مخصوص بالنبي ◌َّل، ومن غيره كذب، فقيل: تفسد الصلاة، والأصح أنها
لا تفسد إذا قصد به التلاوة؛ لأنه ناقل لا مخبر. ومعنى (لبيك) أُقيم لطاعتك إقامةً بعد
إقامةٍ .
وقوله: (سعديك) أُسعدك إسعاداً بعد إسعادٍ، وقد عرفت تصحيحهما في النحو،
(١) قال القاري: وَإِنَّمَا جَمَعَ السَّمَاوَاتِ لِسَعَتِهَا، أَوْ لاِخْتِلاَفِ طَبَقَاتِهَا، أَوْ لِتَقَدُّمِ وَجُودِهَا، أَوْ لِشَرَفِ
جِهَتِهَا، أَوْ لِفَضِيلَةِ جُمْلَةٍ سُكَّانِهَا، أَوْ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ عَلَى الأَصَحِّ عِنْدَ الأَكْثَرِ، وَإِلَّ فَالأَرْضُ سَبْعٌ
أَيْضاً عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، وَلِمَا وَرَدَ: وَرَبُّ الْأَرَضِينَ
السَّبْعِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٦٧٢).

٥٦٨
(١١) باب ما يقرأ بعد التكبير
وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ
إِلَيْكَ)). وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ،
خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِيٍ)). فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ
قَالَ: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ
مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ». وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ
آمَنْتُ،
ومعنى قوله: (والشر ليس إليك) أن الشر لا ينسب ولا يضاف إليك، فلا يقال: يا خالق
الشر، وإن كان خالقه، كما لا يقال: يا خالق الخنزير، وإن كان خالقه تأدباً، وحقيقته
أن الكل يخلق الله، وله في خلق كل شيء حكمة، فهو خير بالنظر إلى تلك الحكمة،
فلا شر في الخلق، وإنما الشر في المخلوق، وقيل: معناه: والشر لا يتقرب به إليك،
وقيل: لا يصعد إليك، وإنما يصعد الكلم الطيب.
وقوله: (أنا بك وإليك) أي: أنا أثق بك وألتجئ إليك، أو أنا بك أستجير
وأحيى وأموت، وإليك المرجع والمصير، أو أنا قائم بك وراغب إليك، وكان الشيخ
- رحمة الله عليه - يقول: هذه حروف الجر يصح تقدير كل ما يلائمها ويتعدى بها.
وقوله: (لك ركعت) أي: ذللت وانحنيت.
وقوله: (ملء) الرواية المشهورة النصب، صفة مصدر محذوف، وقد يرفع صفة
الحمد .
وقوله: (ملء ما شئت) أي: من الممكنات المعدومة أردت وجوده.
قوله: (بعد) أي: بعد المذكور من السماوات والأرض وما بينهما، ويحتمل
أن يكون المراد من بعد قولي ووقتي هذا.

٥٦٩
(٤) كتاب الصلاة
وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ،
تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)).
ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرٍ مَا يَقُولُ بَيْنَ النَّشَهْدِ وَالتَّسْلِيمِ: («اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي
مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ
بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
٧٧١] .
وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ: ((وَالشَّرُ لَيْسَ إِلَيْكَ، وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، أَنَ
بِكَ وَإِلَيْك، لاَ مَنْجَا مِنْكَ وَلاَ مَلْجَأَ إِلاَّ إِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ)). [(مسند الشافعي):
١٤٢].
٨١٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ رَجُلاً جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ، وَقَدْ حَفَزَهُ ...
وقوله: (شقّ سمعه وبصره) أي: أوجدهما وفتحهما، وإنما قال: شق لوجود
الشق فيهما، وأصله أن المصورين بعد ما صوَّروا صورة الوجه يشقّون فيه صورة السمع
والبصر .
وقوله: (من آخر ما يقول) كلمة (من) تبعيضية؛ لأنه كان يقول ويدعو بأدعية
كثيرة، وكان آخرها هذا الدعاء.
وقوله: (لا منجا) مقصور من النجاة .
وقوله: (ولا ملجأ) مهموز، ويجوز تليين الهمزة للازدواج بمنجا.
٨١٤ - [٣] (أنس) قوله: (وقد حفزه) بالحاء المهملة والفاء والزاي على لفظ
الماضي، أي: جهده النفس وأتعبه وأعجله، وتتابعه من شدة السعي إلى الصلاة، وأصله

٥٧٠
(١١) باب ما يقرأ بعد التكبير
النَّفَسُ فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى
رَسُولُ اللهِنَّهِ صَلاَتَهُ قَالَ: ((أَيَّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟)). فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ:
(أَّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟)) فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: «أَيَّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ
لَمْ يَقُلْ.
الدفع العنيف، في (القاموس)(١): حَفَزَهُ يَحْفِزُهُ: دفعه من خلفه، وعن الأمر: أعجله
وأزعجه .
وقوله: (حمداً) منصوب بفعل يدل عليه الحمد لله .
وقوله: (فأرمَّ القوم) في (المشارق)(٢): أي: سكتوا، بفتح الهمزة والراء وتشديد
الميم، كأنهم أطبقوا شفاههم، وهي المرمة من غير الناس من بهائم الحيوان، وقد
رواه بعضهم في غير هذه الكتب: (فأزمّ القوم) بزاي مفتوحة وميم مخففة، ومعناه مثل
الأول، أي: أمسكوا عن الكلام.
في (القاموس)(٣): تَرَمْرَمُوا: تحركوا للكلام ولم يتكلَّموا، وفيه: المرمة وتكسر
راؤها: شفة كل [ذات] ظليف.
وفي (مجمع البحار)(٤): والمرمة من ذوات الظلف بالكسر والفتح كالفم من
الإنسان، ومنه: حبستها فلا أطعمتها ولا أرسلتها ترمرم من خشاش الأرض، أي:
تأكل، وأصلها من رمَّت الشاة وارتَمّت من الأرض: إذا أكلت.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٧٢).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٤٦٤).
(٣) («القاموس المحيط)) (ص: ١٠٢٨).
(٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٣٨١).

٥٧١
(٤) كتاب الصلاة
بَأْساً» فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسَ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: ((لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ
عَشَرَ مَلَكَأَ يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٠٠].
وفي (مختصر النهاية)(١): ويروى فأزمّ القوم بالزاي: أي: أمسكوا عن الكلام
كما يمسك الصائم عن الطعام، والأزمة: الحمية، وإمساك الأسنان بعضها عن بعض،
والمشهور أرمّ بالراء وتشديد الميم، وإنما أخر في إجابة النبي ◌َّ، وهي واجبة؛ لأنه ◌َله
لما لم يعين واحداً بعينه لم يتعين المبادرة بالجواب، لا من المتكلم ولا من أحد بعينه،
فكأنهم انتظروا أن يجيب أحدهم، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقه شيء،
ورجوا أن يقع العفو منه، ولما رأى ◌َّ سكوتهم فهم ذلك، فعرَّفهم أنه لم يقل بأساً،
فافهم .
وقوله: (بأساً) مفعول به، أي: لم ينطق محذوراً، أو مطلق، أي: لم يقل قولاً
فيه إثم، والبأس في الأصل: العذاب والشدة والداهية، والمراد المحذور المكروه.
وقوله: (لقد رأيت اثني عشر ملكاً) سر العدد مفوض إلى علم الشارع.
وقال بعض العارفين: إن لكل شيء من الجواهر والأعراض روحاً مجردة يقومه،
فكأنه ظهرت أرواح الحروف المذكورة، فإنها اثنا عشر حرفاً بإسقاط المكررات، وعدم
اعتبار الألف والهمزة، فإن الأولى يظهر صورته في الخط دون اللفظ، والثاني يظهر
في اللفظ دون الخط على ما بُيّن في موضعه، وقد ورد في بعض الأحاديث: (رأيت
بضعة وثلاثين ملكاً) باعتبار المكررات والألفات، والله أعلم.
وقوله: (يبتدرونها) أي: يعجلون ويستبقون إليها.
وقوله: (أيهم يرفعها) متعلق بمحذوف دل عليه (يبتدرونها)، أي: يبتدرونها
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) (٢/ ٢٦٧).

٥٧٢
(١١) باب ما يقرأ بعد التكبير
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٨١٥ - [٤] عَنْ عَائِشَةَ لَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذْا اقْتَتَحَ الصَّلاَةَ
قَالَ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٤٣، د: ٧٧٦].
٨١٦ - [٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. [جه: ٨٠٦].
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ.
ليعلموا أو يقولوا: أيهم يرفعها، كما قال البيضاوي(١) في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ
أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ [آل عمران: ٤٤].
الفصل الثاني
٨١٥ - [٤] (عائشة) قوله: (سبحانك اللهم وبحمدك) اعلم أن (سبحانك)
مصدر مضاف مفعول مطلق للنوع، أي: أسبحك تسبيحاً لائقاً بجنابك الأقدس، والباء
في (بحمدك) للملابسة، والواو للعطف، والتقدير: وأسبحك ملتبساً بحمدك، فيكون
المجموع في معنى: سبحان الله والحمد لله، هذا هو أظهر الوجوه، وما ذكر في بعض
الشروح: أن التقدير: ووفقني بحمدك، أي: بأن أحمدك، فلعله قدر: سبحانك علمني
تسبيحك، وأما جعل الواو للحال بتقدير مبتدأ بحمدك، كما هو أيضاً في بعض الشروح،
فيرد عليه أن الواو لا يكون في الحال المفردة، ولو قدر الفعل المضارع فكذلك، إلا
أن يقدر: وأنا أسبحك، وجعل الواو زائدة بتقدير: أسبحك تسبيحاً ملتبساً بحمدك
أيضاً تعسف، فتدبر .
٨١٦ - [٥] (أبو سعيد) قوله: (وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من
(١) ((تفسير البيضاوي)) (١ / ١٥٩).

٥٧٣
(٤) كتاب الصلاة
[حَدِيثٍ] حَارِثَةَ، وَقَدْ تُكُلُّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
حارثة، وقد تكلم فيه من قبل حفظه)، اعلم أنه قد ضعف هذا الحديث بعض المحدثين،
وقد تمسك بحكمهم بعض الشافعية، فقال في (المصابيح): هو ضعيف، وقال النووي :
حديث عائشة ◌َّ رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه بأسانيد ضعيفة، ورواه أبو داود
والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي من رواية أبي سعيد الخدري ظه وضعفوه،
وقال البيهقي: وروي الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك عن ابن مسعود مرفوعاً،
وعن أنس مرفوعاً، وكلها ضعيفة، قال: وأصح ما روي فيه عن عمر بن الخطاب څته،
ثم رواه بإسناده عنه: أنه كبّر ثم قال: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى
جدك ولا إله غيرك)، والله أعلم، انتهى كلام النووي(١).
وقال التُّورِبِشْتِي(٢): قد رماه المؤلف بالضعف، وليس الأمر على ما توهم، إذ
هو حديث حسن مشهور، أخذ به من الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب ظه، والحديث
مخرج في كتاب مسلم عن عمر، وقد أخذ به ابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة،
ولم يكن هؤلاء السادة ليأخذوا بذلك من غير أسوة، ولهذا ذهب إليه كثير من العلماء
التابعين، واختاره أبو حنيفة وغيره من العلماء لاستفتاح الصلاة، وأنى ينسب هذا الحديث
إلى الضعف، وقد ذهب إليه الأجلة من علماء الحديث كسفيان الثوري وأحمد بن
حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال: وأما الجرح والتعديل فقد يقع في حق أقوام على
وجه الاختلاف، فربما ضُعِّف الراوي من قبل أحد الأئمة، ووُثِّق من قبل آخرين، وهذا
الحديث رواه الأعلام من أئمة الحديث وأخذ به، وقد رواه أبو داود بطريق آخر حسن،
رجاله مرضیون.
(١) ((الأذكار)) (ص: ٩٢).
(٢) ((كتاب الميسر)) (١ / ٢٣٥ -٢٣٦).

٥٧٤
(١١) باب ما يقرأ بعد التكبير
وروى الترمذي في (جامعه)(١) عن أبي سعيد: كان رسول الله وَّ إذا قام إلى
الصلاة بالليل كبّر، ثم يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك
ولا إله غيرك)، ثم يقول: (الله أكبر كبيراً)، ثم يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من
الشيطان من همزه ونفخه ونفثه)، وقال: وفي الباب عن علي وعائشة وعبدالله بن مسعود
وجابر وجبير بن مطعم وابن عمر ته، وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب،
وقد أخذ قوم من أهل العلم بهذا الحديث.
وأما أكثر أهل العلم فقالوا بما روي عن النبي ◌ّر: أنه كان يقول: (سبحانك
اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)، وهكذا روي عن عمر بن
الخطاب وعبدالله بن مسعود ، والعمل على هذا عند أهل العلم من التابعين وغيرهم،
وقد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد، وكان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي،
وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث.
ثم روى الترمذي(٢): حديث عائشة ◌َّ المذكور في الكتاب، وقال: هذا حديث
لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه من قبل حفظه، كما رواه المؤلف،
فقد ظهر أن التكلم في هذا الطريق الذي فيه حارثة، وهو لا ينافي صحة الطريق الآخر
كما ذكر بقوله: وأما أكثر أهل العلم ... إلى آخره.
وقال الشيخ ابن الهمام(٣): روى البيهقي عن أنس وعائشة وأبي سعيد الخدري
(١) (سنن الترمذي)) (ح: ٢٤٢).
(٢) انظر: ((سنن الترمذي)) (ح: ٢٤٣).
(٣) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٢٨٩).

٥٧٥
(٤) كتاب الصلاة
٨١٧ - [٦] وَعَنْ جُبِّرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِنَّهِ يُصَلِّي صَلاَةً
قَالَ: ((اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً،
وجابر وعمر وابن مسعود عه الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك ... إلى آخره مرفوعاً
إلا عمر رحلته، فإنه وقفه على عمر، ورفعه الدار قطني عن عمر ظلقبله، ثم قال: المحفوظ
عن عمر ظ له من قوله. وفي (صحيح مسلم): أن عمر بن الخطاب مظلته كان يجهر
بهؤلاء الكلمات، ورواه أبو داود والترمذي عن عائشة ◌ً، وضعفاه، ورواه الدار قطني
عن عثمان ◌َّ من قوله، ورواه سعيد بن منصور عن أبي بكر الصديق حظه من
قوله.
وأورد الشيخ حديث أبي سعيد عن الترمذي والنسائي وابن ماجه، ونقل قول
الترمذي في تضعيف علي بن علي كما نقلناه، ثم قال: وعلي بن علي وثّقه وكيع وابن
معين وأبو زرعة، وكفى بهم، وقال: ولما ثبت من فعل الصحابة كعمر حظه وغيره
الافتتاح بعده ◌َّ بسبحانك اللهم مع الجهر به لقصد تعليم الناس ليقتدوا ويأتسوا،
كان دليلاً على أنه الذي كان عليه وَ ﴿ آخر الأمر، وأنه كان الأكثر من فعله، وإن كان
رفع غيره أقوى على طريق المحدثين، والحاصل أن غير المرفوع، أو المرفوع المرجوح
في الثبوت عن مرفوع آخر، قد يقدم على عديله إذا اقترن بقرائن تفيد أنه صحيح عنه وَيّ
مستمر علیه، انتھی.
٨١٧ - [٦] (جبير بن مطعم) قوله: (قال: الله أكبر كبيراً) أي: عقيب تكبيرة
الإحرام، كذا في شرح الشيخ.
وقوله: (كبيراً) قال الطيبي(١): إنه حال مؤكدة، نحو زيد أبوك عطوفاً، وفي
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٣٠٢).

٥٧٦
(١١) باب ما يقرأ بعد التكبير
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيراً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيراً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللهِ
بُكْرَةً وَأَصِيلاً)) ثَلاَثاً، ((أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْتِهِ وَهَمْزِهِ)).
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ؛ إِلَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ((وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيراً). وَذَكَرَ
فِي آخِرِهِ: ((مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)). وَقَالَ عُمَرُ نَّهُ: نَفْخُهُ الْكِبْرُ، وَنَفْتُهُ
الشِّعْرُ،.
بعض الشروح: إنه منصوب بفعل مقدر، أي: كبر كبيراً.
وقوله: (بكرةً وأصيلاً) أي: في أول النهار وآخره، خُصَّا بالذكر مع أن المراد
الدوام لفضلهما لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما .
وقوله: (ثلاثاً) قيد للأخير، أي: کالذي قبله.
وقوله: (وقال عمر(١) رَظُه: نفخه الكبر) قال التُّورِبِشْتِي(٢): النفخ عبارة عما
يسوله الشيطان للإنسان من الاستكبار والخيلاء، فيتعاظم في نفسه كالذي نفخ فيه،
وقيل: لأن المتكبر يتعاظم ويجتمع نفسه فيحتاج إلى أن ينفخ.
وقوله: (ونفثه الشعر) فسر النفث بالشعر لأنه ينفث من الفم كالرقية، والمراد
الشعر المذموم من هجو مسلم أو كفر وفسق، وقيل: المراد بالنفث السحر، وهو الأنسب
بقوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّالنَّفَّشَتِ﴾ [الفلق: ٤].
(١) وقوله: ((وقال عمر ظله)) الظاهر أن المراد عمر بن الخطاب الله، قال: وفي بعض الحواشي:
كذا وقع في أصل سماعنا وجميع النسخ الحاضرة من المشكاة: عمر بضم العين، وأظنه سهواً،
إما من المؤلف أو من النساخ، والصواب عمرو بالواو، والمراد: عمرو بن مرة أحد رواة هذا
الحديث، (ميرك شاه).
(٢) ((كتاب الميسر)) (١/ ٢٣٦).

٥٧٧
(٤) كتاب الصلاة
وَهَمْزُهُ الْمُوتَةُ. [د: ٧٦٤، جه: ٨٠٧].
٨١٨ - [٧] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّل
سَكْتَتَيْنِ: سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ ﴿َغَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا
الضَّالِينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فَصَدَّقَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ
وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ. [د: ٧٧٧، ت: ٢٥١، جه: ٨٤٤، دي: ١٢٤٣].
وقوله: (وهمزه الموتة) بضم الميم وفتح التاء، نوع من الجنون، أو الصرع
يعتري الإنسان، والهمزة في الأصل: النخس والغمز، وكل شيء وقعته فقد همزته،
والهمز أيضاً: الغيبة، والوقيعة في الناس، كما في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لَّكُلِّ هُمَزَقٍ
ثُمَّزَةِ﴾ [الهمزة: ١]، وقيل: المراد بهمز الشيطان الوسوسة، كما في قوله تعالى: ﴿أَعُوذُ
بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] أي: وساوسها وخطراتها.
٨١٨ - [٧] (سمرة بن جندب) قوله: (سكتة إذا كبر، وسكنة إذا فرغ ... إلخ)،
اعلم أن السكتة الأولى بعد التكبير متفق عليها عند الأربعة لقراءة دعاء الاستفتاح، وهي
ليست سكتة في الحقيقة، بل المراد به عدم الجهر بالقراءة، والثانية سنة عند الشافعي
- رحمه الله -، وكذا عند أحمد على ما حكاه الطيبي(١)، وقد جاء سكتة أخرى بين القراءة
والركوع، وعندنا وعند مالك: لا سكتة إلا الأولى.
وقال النووي في (الأذكار)(٢): قال أصحابنا: يستحب للإمام في الصلاة الجهرية
[أن يسكت] أربع سكتات، إحداهن: عقيب تكبيرة الإحرام ليأتي بدعاء الاستفتاح،
(١) ((شرح الطيبي)) (٢/ ٣٠٣).
(٢) ((الأذكار)) (ص: ١٠٠).

٥٧٨
(١١) باب ما يقرأ بعد التكبير
٨١٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا نَهَضَ مِنَ
الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ وَلَمْ يَسْكُتْ
هَكَذَا فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ. وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي ((أَفْرَادِهِ)، وَكَذَا صَاحِبُ
(الْجَامِعِ)) عَنْ مُسْلِمٍ وَحْدَهُ. [م: ٥٩٩].
والثانية: [بعد] فراغه من الفاتحة سكتة لطيفة جداً بين آخر الفاتحة وبين آمين؛ ليعلم
أن آمين ليست من الفاتحة، والثالثة: بعد آمين سكتة طويلة بحيث يقرأ المأموم الفاتحة،
والرابعة: بعد الفراغ من السورة يفصل بها بين القراءة وتكبيرة الهوي إلى الركوع، وقد
فصلنا القول في السكتات في (شرح سفر السعادة)(١).
٨١٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِرَبْ الْعَلَمِينَ﴾)
ظاهره أنه لم يأت بالبسملة، وأوله الشافعية بأن المراد به هذه السورة مع البسملة،
كما يقال: قرأت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ ﴾ [الإخلاص: ١]، والمراد به السورة بتمامها، وهذا
التأويل غير بعيد، وللحديث تأويل آخر، وهو أنه لم يجهر بالبسملة، وسيجيء الكلام
فيه .
وقوله: (ولم يسكت) من الإسكات أو السكوت، يعني لم يسكت إسكاتة قرأ
فيها شيئاً من الذكر بعد التكبير، كما في افتتاح الصلاة.
وقوله: (هكذا في صحيح مسلم) اعتراض على صاحب (المصابيح) في إيراده
في الحسان، وفي (الأزهار): قال في (جامع الأصول)(٢): أخرجه مسلم، ولم أظفر
به فیه، والله أعلم.
(١) ((شرح سفر السعادة)) (ص: ٥٤).
(٢) ((جامع الأصول)) (٣٢٦/٥، رقم: ٣٤٢١).

٥٧٩
(٤) كتاب الصلاة
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٨٢٠ - [٩] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ الَّبِيُّ ◌ِلَهَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاَةَ كَّرَ، ثُمَّ
قَالَ: ((إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ،
وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِيْنَ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَعْمَالِ،
وَأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ، لاَ بَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّ أَنْتَ، وَقِنِي سَيِّئَ الأَعْمَالِ،
وَسَيِّئَ الأَخْلاَقِ، لاَ يَقِي سَيِّتَهَا إِلَّ أَنْتَ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٨٩٦].
٨٢١ - [١٠] وَعَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ [كَانَ]
إِذَا قَامَ يُصَلِّي تَطَؤُّعاً قَالَ: ((اللهُ أَكْبَرُ، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ حَنِيْفاً، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)). وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مِثْلَ حَدِيثٍ جَابِرٍ؛
إِلَّ أَنَّهُ قَالَ: ((وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)). ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ
أَنْتَ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ)) ثُمَّ يَقْرَأُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٨٩٨].
الفصل الثالث
٨٢٠ - [٩] (جابر) قوله: (وأنا أول المسلمين) قد مر في الفصل الأول: (وأنا
من المسلمين)، فكأنه وس تارة يقول هكذا وأخرى كذلك، وأما غيره وَّه لا يقول إلا
الأخير، لئلا يكذب، ما لم يرد حكاية لفظ الآية.
٨٢١ - [١٠] (محمد بن مسلمة) قوله: (إذا قام يصلي تطوعاً) فيه دليل على
تخصيصه بالتطوع، كما هو مذهبنا، وروى الشافعي - رحمه الله - في (الأم): إذا صلى
المكتوبة .

٥٨٠
(١٢) باب القراءة في الصلاة
١٢ - باب القراءة في الصلاة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٨٢٢ - [١] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((لاَ صَلَةَ
لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥٦، م: ٣٩٤].
١٢ - باب القراءة في الصلاة
اعلم أن القراءة فرض في الصلاة عند جمهور علماء الأمة، فعند الشافعي
- رحمه الله -: في كُلُّها، وعند مالك - رحمه الله -: في ثلاث ركعات إقامة للأكثر مقام
الكل تيسيراً، وعندنا: في الركعتين، ومذهب أحمد كالشافعي - رحمهما الله - في
المشهور، وفي رواية كمذهبنا، وعند زفر والحسن البصري: في واحدة، وعن أبي بكر
الأصم وسفيان بن عيينة: ليست إلا سنة؛ لأن مبنى الصلاة على الأفعال لا على الأقوال،
ولذا تسقط بعدم القدرة على الأفعال مع القدرة على القراءة، وعلى العكس لا يسقط،
كذا في شروح (الهداية)(١).
الفصل الأول
٨٢٢ - [١] (عبادة بن الصامت) قوله: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)
وفي رواية: (لمن لم يقرأ بأم القرآن)، الباء زائدة للتأكيد، وقال الطيبي(٢): المعنى
لم يبدأ القراءة بها، وهذا التوجيه لا يطرد فيما يأتي من الأحاديث: يقرأ بالطور
وبالمرسلات، وتسميتها بفاتحة الكتاب ظاهر، وبأم القرآن وأم الكتاب لكونها مفتتحه
ومبدأه، فكأنها أصله ومنشؤه، أو لأنها تشتمل على ما فيه من المقاصد، وقال الخليل :
(١) انظر: ((شرح فتح القدير)) (١ / ٤٥١).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٢/ ٣٠٥).