النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
(٤) كتاب الصلاة
وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ
الصَّلاَةُ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّ رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا
صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ
ارْحَمْهَ،
إما متساويين أو متفاضلين، لا بالتفاضل المذكور فيه، والله أعلم. والعلم بالمضاعفة
بهذا العدد موكول إلى علم الشارع، وسيجيء بيانه في (باب فضل الجماعة).
وقوله: (ذلك) إشارة إلى أصل المضاعفة لوجود رفع الدرجات وحط الخطيئات.
وقوله: (لا يخرجه إلا الصلاة) أي: قصد إيقاعها على الوجه المأمور به، دون
غرض آخر. و(الخطوة) بالضم: بُعد ما بين القدمين في المشي، وبالفتح: المرة،
وجمعها خُطاً بضم الخاء، وخُطْوات بسكون الطاء وضمها وفتحها.
وقوله: (ما دام في مصلاه) وفي رواية للبخاري: (ما دام في مجلسه الذي يصلي
فيه)، ظاهره أن هذه الفضيلة تفوت بالذهاب إلى موضع آخر، وإن كان مشغولاً بالذكر،
فكأنه جزاء المصابرة والمرابطة، وفضل الذكر باق، وبعض المشايخ اختاروا الخلوة
لخوف تشويش أو تطرق رياء، والله أعلم.
وقوله: (اللهم صلِّ عليه) بيان لقوله: (تصلي عليه) أي: يقولون هذا القول،
ويطلبون من الله الرحمة، فالصلاة من الله الرحمة، ومن العباد سواء كانوا ملائكة أو
ناساً الدعاء والسؤال من الله إنزال الرحمة، وما اشتهر من أن الصلاة من الملائكة
الاستغفار فكأنه أخذ من قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِّرُونَ لِمَنْ فِىِ الْأَرْضِّ﴾ [الشورى: ٥]، لا أن معنى
الصلاة الاستغفار، فإنهم إنما يطلبون من الله أن يصلي، والصلاة من الله الرحمة، فافهم،
فالحق أحق أن يتبع.

٤٦٢
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا انْتُظَرَ الصَّلاَةَ».
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: ((إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَتِ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ». وَزَادَ
فِي دُعَاءِ الْمَلاَئِكَةِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ
يُحْدِثْ فِيهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٧، م: ٦٤٩].
وقوله: (ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة) إشارة إلى فضيلة استدامته
في مصلاه، واقتضائه المضاعفة بانتظار الصلاة الآتية بجلوسه في مصلاه، وسببيّته لدعاء
الملائكة .
وقوله: (ما لم يؤذ فيه) أي: أحداً ممن لا يجوز إيذاؤه.
و قوله: (یحدث) بدل من سابقه فیکون مجزوماً، وروي بالرفع بأنه استئناف،
وهذان الوجهان في رواية: (ما لم يؤذ يحدث فيه) بترك كلمة (لم)، وأما على تقدير
وجود (لم) كما أورده المؤلف فهو بدل، أو عطف بحذف حرف العاطف، و(يحدث)
بالتخفيف من الحدث لانتقاض طهره وزوال تأهله للصلاة وانتظاره لها، وأيضاً إن أحدث
حُرِمِ استغفارَهم لتأذيهم برائحته الخبيثة، كذا في (مجمع البحار)(١). وقد يشدد من
التحديث، وهو خطأ، كذا قال الطيبي(٢). وقال الكرماني(٣): وفي بعض الروايات:
(بحدث) بلفظ الجار والمجرور متعلق بـ (يؤذ)، أي: لم يؤذ الملائكة بحدث، وفي
بعضها من باب التفعيل، أي: ما لم يتكلم بكلام الدنيا .
وقوله: (متفق عليه) قيل: فيه نظر لأنه ليس في رواية البخاري: (اللهم تب عليه)،
(١) (مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٤٥٤).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٢٣١ -٢٣٢).
(٣) (شرح الكرماني)) (٤ / ١٤٠).

٤٦٣
(٤) كتاب الصلاة
٧٠٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِ أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِذَا دَخَلَ
أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ :
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧١٣].
٧٠٤ - [١٦] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا دَخَلَ
أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٤٤،
م: ٧١٤].
٧٠٥ - [١٧] وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ لاَ يَقْدَمُ ...
وأيضاً ليس فيها: (ما لم يؤذ ما لم يحدث)، بل إما (ما لم يحدث) أو (ما لم يؤذ يحدث)
بدون (لم)، فكأنه لم يعتبر مثل هذه المخالفة في الحكم بالاتفاق، والله أعلم.
٧٠٣ - [١٥] (أبو أسيد) قوله: (أبو أسيد) بالتصغير، كنية مالك بن ربيعة،
أنصاري، ساعدي، آخر من مات من البدريين.
وقوله: (من فضلك) الفضل ضد النقص، والمراد طلب الرزق الذي تبغيه بعد
الصلاة، أو العود إلى المسجد للصلاة التي هي فضل بعد الصلاة التي صلاها، وقد
يفسر قوله تعالى: ﴿وَأَبْثَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: ١٠] بطلب زيادة العلم والعمل بزيارة
العلماء والصلحاء.
٧٠٤ - [١٦] (أبو قتادة) قوله: (فليركع ركعتين) لعل هذا الحديث هو متمسك
الشافعية في إيجاب ركعتين لتحية المسجد بحمل الأمر على الوجوب، والظاهر من
سياق الحديث أن يكون الأمر للندب، وإلا لزم أن يجب قبل الجلوس، وليس كذلك
بالاتفاق، وسيجيء لهذا ذكر في (باب خطبة الجمعة) إن شاء الله تعالى.
٧٠٥ _ [١٧] (كعب بن مالك) قوله: (لا يقدم) من باب سمع يسمع.

٤٦٤
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
مِنْ سَفَرٍ إِلَّ نَهَاراً فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ،
ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٨٨، م: ٧١٦].
٧٠٦ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ سَمِعَ
رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لاَ رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ.
وقوله: (فصلى فيه ركعتين) يحتمل أن يكون لتحية المسجد، أو لوقت الضحى،
وسيجيء تحقيقه في بابه .
٧٠٦ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (ينشد ضالة)(١) نشد الضالة نشداً ونِشْدَةً ونِشْدَاناً
بكسرهما: طلبهما، من نصر، فهو ناشد، وأنشدها: عرَّفها، فهو منشد، من النشيد:
رفع الصوت، والنشدة بالكسر: الصوت، ونشدتك الله، وبالله، وأنشدتك الله، وبالله،
وناشدتك الله، وبالله، أي: سألتك وأقسمت عليك، برفع نشدتي، أي: صوتي، وتعديته
إلى مفعولين؛ لأنه کدعوته زیداً ودعوته بزید، أو لأنه ضمن معنی ذکَّرت من التذکیر،
وأنشدت الله خطأ .
و(الضالة): الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره، من ضلَّ: إذا ضاع
وضل عن الطريق، وفي (القاموس)(٢): الضالة من الإبل: التي تبقى بِمَضْيَعَةٍ بلا رب،
للذكر والأنثى.
وقوله: (لا ردها الله) زجر عن طلبه في المسجد، وفي حديث آخر: (أيها الناشد
غيرك الواجد)، وسمعت عن بعض مشايخي أنه نهي عن رفع الصوت له ونحوه لا عن
مجرد التفحص.
(١) في ((التقرير)): يخرج منه ضالة المسجد.
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٤٢).

٤٦٥
(٤) كتاب الصلاة
فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لهَذَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٦٨].
٧٠٧ - [١٩] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ
الشَّجَرَةِ الْمُنِْشَةِ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ
الإِنْسُ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٥٤، م: ٥٦٤].
وقوله: (فإن المساجد) علة للقول، أو داخل تحت القول.
وقوله: (لم تبن لهذا) أي: ونحوه مما ليس بعبادة كالبيع والشراء ونحوهما من
معاملات الناس، وكره فيه رفع الصوت بالعلم ونحوه خلافاً لأبي حنيفة في العلم، كذا
في (مجمع البحار)(١).
وأما الأكل والنوم فقد جاء عن أصحاب الصفة وغيرهم من الأصحاب ثر، فقد
ورد أن ابن عمر كان ينام في المسجد وهو شاب فيقول رسول الله وَله: (نعم الرجل
عبدالله بن عمر لو قام بالليل)، وقد صح من نوم علي ه في المسجد حين وَجَدَ عَلَى
فاطمة ◌َّة، فجاء رسول الله وَيرٍ فأقامه، وقال: (قم يا أبا تراب)، وفي هذا الباب تفاصيل
ذكرت في كتب الفقه، وأحسن ما يبيحها للرجل أن ينوي الاعتكاف، فإنه صحيح ولو
ساعة عند من لا يشترط الصوم فيه .
٧٠٧ - [١٩] (جابر) قوله: (من هذه الشجرة(٢) المنتنة) أي: البصل، وقيل:
الثوم، وسيجيء في الفصل الثاني (الشجرتين) يعني البصل والثوم، ويلحق بهما كل
ما له ريح كريه من المأكولات، ويلحق بالمأكولات غيرها كالبخر والدفر وجرح منتن،
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٧٢١).
(٢) هي ما قام على ساق وخلافه النجم، فاسم الشجر عليه مجاز، قال العيني: فَإِن قلت: على
مَا ذكر كَيفَ أطلق الشّجر على الثوم وَنَحْوه؟ قلت: قد يُطلق كل مِنْهُمَا على الآخر، وَتكلّم
أفْصح الفصحاء بِهِ من أقوى الدَّلاَئِل. ((عمدة القاري)) (٦ / ١٤٥).

٤٦٦
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
٧٠٨ - [٢٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ
خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْتُهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٥، م: ٥٥٢].
٧٠٩ - [٢١] وَعَنْ أَبِىِ ذَرِّ ◌ُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((عُرِضَتْ
عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّتُهَا، فَوَجَدْتُ فِي محَاسِنْ أَعمالِهَا الأَذَى
يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئٍ أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي
الْمَسْجِدِ لاَ تُدْفَنُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٥٤].
٧١٠ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِذَا قَامَ
أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَلاَ يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا يُنَجِي اللّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَهُ، ..
ويلحق بالمسجد مجامع العبادات من العلم والذكر وسائر مجالس المؤمنين كالولائم
ونحوها، فإن جميع ذلك من أنواع الإيذاء، ويشتمل جميع المساجد، ولا يختص
بالمسجد النبوي، ولهذا جاء (في مسجدنا) و(مساجدنا) بلفظ الجمع، نعم قد ورد
(مسجدي) وذلك في زمانه ◌َّ﴾، وذلك قيد اتفاقي، نعم يكون الكراهة في زمنه ومسجده
أشدَّ، وفي نفي القربان مبالغة لا تخفى.
٧٠٨ - [٢٠] (أنس) قوله: (البزاق) البصاق بالصاد، والبساق بالسين، والبزاق
بالزاي: ماء الفم إذا خرج منه وما دام فيه فريق، وقد جاء التفال بالضم أيضاً بمعنى
البصاق، تفل: بصق، لكنه أقل منه، وأما النفث فهو نفخ وليس معه ماء.
٧٠٩ - [٢١] (أبو ذر ه) قوله: (النخاعة) وهي النخامة، ما يخرج من الصدر،
أو ما يخرج من الخيشوم، والنخاع مثلثة: الخيط الأبيض في جوف الفَقار، ينحدر من
الدماغ، وتتشعب منه شُعَبٌ في الجسم.
٧١٠ - ٧١١ - [٢٢ - ٢٣] (أبو هريرة، وأبو سعيد) قوله: (فإنما يناجي) فكأنه

٤٦٧
(٤) كتاب الصلاة
وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكاً، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ
فَيَدْفِئُهَا)). [خ: ٤١٦، م: ٥٥٠].
٧١١ - [٢٣] وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: ((تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى)). مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٨، م: ٥٤٨].
٧١٢ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ
يَقُمْ مِنْهُ: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىِ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِبَائِهِمْ مَسَاجِدَ)). مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٥، م: ٥٣١].
يقابله ویحاذیه .
وقوله: (فإن عن يمينه ملكاً) أي: عظيماً فخيماً، وهو كاتب الحسنات التي هي
مظاهر الرحمة، أو الحاضر عند الصلاة للتأييد والإلهام بقلبه، والتأمين عند دعائه، كذا
قالوا .
وقوله: (وليبصق عن يساره أو تحت قدمه) وهو وإن كان أيضاً منافياً لحالة
المناجاة، لكن أذن فيه ضرورة، ولكونه غير جهة المقابلة، وهذا في غير المسجد، أما
فيه ففي ثوبه، كذا في (مجمع البحار)(١).
قوله: (تحت قدمه اليسرى) تعظيماً للقدم اليمنى التي في جانب اليمين الذي
هو أفضل من جانب اليسار.
٧١٢ - [٢٤] (عائشة) قوله: (قال في مرضه الذي لم يقم منه) لما أعلمه الله
بقرب أجله، فخشي أن يفعل بعض أمته بقبره الشريف ما فعلته اليهود والنصارى بقبور
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ١٨٠).

٤٦٨
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
أنبيائهم، نبههم على النهي عن ذلك بلعن اليهود والنصارى على صنيعهم.
وقال التُّورِبِشْتِي(١): وهو مخرج على وجهين: أحدهما: كانوا يسجدون لقبور
الأنبياء تعظيماً لهم، وقصد العبادة في ذلك، وثانيهما: أنهم كانوا يتحرون الصلاة في
مدافن الأنبياء، والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة والعبادة لله، نظراً منهم بأن ذلك
الصنيع أعظم موقعاً عند الله؛ لاشتماله على الأمرين: عبادة الله، والمبالغة في تعظيم
الأنبياء، وكلا الطريقين غير مرضية، أما الأولى: فشرك جلي، وأما الثانية: فلما فيها
من معنى الإشراك بالله ، وإن كان خفيًّا، والدليل على ذم الوجهين قوله ◌َيّ: (اللهم
لا تجعل قبري وثناً [یعبد]، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)،
والوجه الأول أظهر وأشبه به، كذا قال التُّورِبِشْتِي.
وفي (شرح الشيخ): فعلم منه أنه يحرم الصلاة إلى قبر نبي أو صالح تبركاً
وإعظاماً، قال: وبذلك صرّح النووي(٢)، فقال: ولا يصلي لقبر ولا عند قبر تبركاً وإعظاماً
الأحاديث الصحيحة، ويجب الجزم بتحريم هذا، ولا أحسب لأحد فيه خلافاً، أعني
الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركاً وإعظاماً، انتهى.
وقال التُّورِبِشْتِي(٣): فأما إذا وجد بقربها موضع بُني للصلاة، أو مكان يَسْلَمُ
المصلي فيه عن التوجه إلى القبور، فإنه في فسحة من الأمر، وكذلك إذا صلى في موضع
قد اشتهر بأن فيه مدفن نبيٍّ، ولم ير للقبر فيه عَلَماً، ولم يكن قصده ما ذكرناه من العمل
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ٢٠٤).
(٢) انظر: ((المجموع شرح المهذب)) (٥ / ٢٠٦).
(٣) ((كتاب الميسر)) (١ /٢٠٤ -٢٠٥).

٤٦٩
(٤) كتاب الصلاة
٧١٣ - [٢٥] وَعَن جُنْدُبِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: ((أَلاَ وَإِنَّ
و
مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَ فَلاَ
تَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٣٢].
٧١٤ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((اجْعَلُوا فِي
بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاَئِكُمْ وَلاَ تَّخِذُوهَا قُبُوراً). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٢، م: ٧٧٧].
الملتبس بالشرك الخفي، إذ قد تواطأت أخبار الأمم على أن مدفن إسماعيل عميل في
المسجد الحرام عند الحطيم، وهذا المسجد أفضل مكان تتحرى الصلاة فيه، انتهى.
وفي (شرح الشيخ) أيضاً مثله حيث قال: وخرج بذلك اتخاذ مسجد بجوار نبي
أو صالح، والصلاة عند قبره، لا لتعظيمه والتوجه نحوه، بل لحصول مدد منه، حتى
تكمل عبادته ببركة مجاورته لتلك الروح الطاهرة، فلا حرج في ذلك، لما ورد: أن
قبر إسماعيل يا في الحِجْر تحت الميزاب، وأن في الحطيم بين الحجر الأسود وزمزم
قبر سبعين نبياً، ولم ينه أحد عن الصلاة فيه، انتهى. وكلام الشارحين متطابق في
ذلك.
٧١٣ - [٢٥] (جندب) قوله: (ألا وإن من كان قبلكم) قد سبق شرحه في
الحديث الأول مع ما فيه من المبالغة والتأكيد للنهي بأنواع، و(إن) روي بالكسر والفتح،
فالكسر ظاهر لابتداء الكلام، والفتح بتقدير: واعلموا، أي: تنبهوا واعلموا.
٧١٤ - [٢٦] (ابن عمر) قوله: (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم) أي: اجعلوا
بعض صلاتكم، وهي النوافل التي لا تسن فيها الجماعة في بيوتكم لتعود بركتها إليها،
وتصير منورة بنور العبادة.
وقوله: (ولا تتخذوها قبوراً) تأكيد للأمر، أي: لا تكونوا في البيوت كالميت

٤٧٠
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
الْفَصْلُ الثَّانِي:
٧١٥ - [٢٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: (مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٤].
الذي لا يعمل، أو تكونوا نائمين فتكونوا مشابهين للأموات؛ لأن النوم أخو الموت غير
مشتغلين بالعبادة .
ثم اعلم أنهم اختلفوا في الصلاة في المقبرة، فكرهها جماعة، وإن كان المكان
طاهراً، فتارةً احتجوا بهذا الحديث؛ لأنه يدل على أن الصلاة لا يكون في المقبرة؛ لأنه
جعل كونها قبوراً، كناية عن عدم الصلاة فيها، فيفهم أن لا صلاة فيها، وهذا ضعيف،
لما ذكرنا من معناه على أنه إن دل فإنما يدل على عدم الصلاة في القبر، لا في المقبرة،
فافهم، وتارةً بالحديث السابق، وهو أيضاً لا يتم، لما علم من المراد به، ومنهم من
ذهب إلى أن الصلاة فيها جائز، إن كانت التربة طاهرة والمكان طيب، ولم يكن من
جديد الموتى، وما ينفصل عنهم من النجاسات.
وقد حمل بعض الناس قوله: (ولا تتخذوها قبوراً) على النهي عن الدفن في
البيوت، وتعقب بأنه ذهاب عما يقتضيه نسق الكلام، وبأنه قد دفن رسول الله مصير في
بيت عائشة ◌ّ، والثاني غير وارد لأنه يمكن أن يجعل من خصائصه ◌َّز، كما جاء في
الحديث(١): أنهم اختلفوا في موضع دفنه فروى أبو بكر ته: أن الأنبياء لا يقبضون
إلا في مكان يحب الله تعالى دفنهم فيه، أو كما قال، فتدبر.
الفصل الثاني
٧١٥ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) اعلم أن
(١) أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (ح: ٧١٢٢).

٤٧١
(٤) كتاب الصلاة
المشارق والمغارب كثيرة، وفي الحقيقة لكل يوم من أيام السنة مشرق ومغرب، لكنها
لا تضبط لعدم ظهور التفاوت، ولكن مشرق كل شهر ومغربه مضبوطة، والتفاوت بينهما
فاحش، وبهذا الاعتبار جمعت في قوله تعالى: ﴿بِرَبِّالْشَرِقِ وَالْغَرِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]، وغاية
البعد والسعة بينهما في الصيف والشتاء، وبهذا الوجه ثني في قوله سبحانه: ﴿رَبُّ الْشْرِقَيْنِ
وَرَبُّ الْغَرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالحد الأول من المشرق مطلع الشمس في أطول يوم من
السنة، وهو في تحويل نقطة السرطان قريباً من مطلع السماك الرامح، وآخر المشارق
مشرق الشتاء، وهو مطلع الشمس في أقصر يوم منها في تحويل نقطة الجدي قريباً من
مطلع قلب العقرب، وفي مقابلتهما المغرب، والظاهر أن المعنى بالقبلة في هذا الحديث
قبلة المدينة المطهرة ومن داناهم، فإنها واقعة بين المشرق والمغرب إلى الجنوب، فإنها
في ناحية الشمال من مكة.
قال التُّورِبِشْتِي(١): وقد قيل: إنه أراد قبلة من اشتبه عليه القبلة، وإلى أي جهة
صلى بالاجتهاد كفته، وقيل: المراد منه توجه المتنفل على الدابة إلى أي جهة كانت،
وعلى هذين القولين فالمراد من قوله: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) الجهات الأربع،
ويجوز ذلك على جهة الاتساع؛ لأن الأقطار كلَّها شرقَها وغربَها وجنوبَها وشمالَها واقعة
في ما بين المشرق والمغرب، وعلى هذا فالحديث يحتمل وجهاً آخر، وهو أن نقول:
ليس جهة من الجهات ما بين المشرق والمغرب إلا وهي قبلة، بحسب توجه المصلي
إلى الكعبة في مكانه الذي هو فيه، فالمشرقي قبلته المغرب، والمغربي قبلته المشرق،
وعلی نحو ذلك الجنوب والشمال، انتھی کلامه.
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ٢٠٦).

٤٧٢
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
٧١٦ - [٢٨] وَعَنْ طَلْقِ بْن عَلِيٍّ قَالَ: خَرَجْنَا وَفْداً إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّ،
فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيْعَةً لَنَا، فَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلٍ
طَهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأْ وَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَبَّهُ لَنَا فِي إِدَاوَةٍ وَأَمَرَنَا فَقَالَ:
((اخْرُجُوا فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ فَكْسِرُوا بِيْعَنَكُمْ، وَانْضَحُوا مَكَانَهَا بِهَذَا الْمَاءِ،
وَاتَّخِذُوهَا مَسْجِداً) قُلْنَا: إِنَّ الْبَلَدَ بَعِيدٌ، وَالْحَرَّ شَدِيدٌ، وَالْمَاءَ يُنْشَفُ،
فَقَالَ:
٧١٦ - [٢٨] (طلق بن علي) قوله: (خرجنا وفداً) وَفَدَ إليه وعليه، يَفِدُ وفداً
ووفوداً ووفادة: قدم، وورد، وفي (النهاية)(١): الوفد: القوم یجتمعون ویردون البلاد،
أو يقصدون الرؤساء، زيارةً أو استرفاداً أو غيرَ ذلك، والوافد واحد، وكانت العرب تفد
على رسول الله وَّل بعد فتح مكة، ويردون عليه، ويسمى ذلك عام الوفود، وفي المسجد
النبوي أسطوانة تسمى (أسطوانة الوفود) كان يجلس عندها للوافدين.
وقوله: (أن بأرضنا بيعة لنا) البيعة بكسر الباء وسكون الياء: معبد النصارى،
والكنيسة: معبد اليهود، والمسجد: معبد المسلمين، وكأنهم كانوا نصارى آمنوا فأرادوا
أن یکسروها.
وقوله: (فتوضأ وتمضمض) أي: بفضل وضوئه، وهو الظاهر من العبارة، أو
المعنى أراد الوضوء.
وقوله: (وأمرنا) أي: بالخروج.
وقوله: (والماء ينشف) على صيغة المجهول، في (القاموس)(٢): نشف الثوب
(١) ((النهاية)) (٥/ ٢٠٩).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٩٠).

٤٧٣
(٤) كتاب الصلاة
((مُدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لاَ يَزِيدُهُ إِلَّ طِيباً). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٧٠١].
٧١٧ - [٢٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِنَّهِ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ
فِي الدُّورِ وَأَنْ يُنَظَّفَ وَيُطَيِّبَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
[د: ٤٥٥، ت: ٥٩٤، جه: ٧٥٨].
٧١٨ - [٣٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا أُمِرْتُ
بِتَشْبِيدِ الْمَسَاجِدِ».
العرق كسمع ونصر: شربه، والحوضُ الماءَ: شربه، كتنشفه، والماء في الأرض:
ذهب.
وقوله: (مدوه من الماء) من المدد، أي: صُبّوا عليه ماءً آخر.
قوله: (فإنه لا يزيده) الظاهر أن الضمير المرفوع للمورود، والمنصوب للوارد،
ويحتمل العكس، وفي الحديث التبرك بفضله وَيهو ونقله إلى البلاد نظير ماء زمزم، ويؤخذ
منه أن فضل وارثيه من العلماء والصلحاء كذلك.
٧١٧ - [٢٩] (عائشة) قوله: (في الدور) جمع دار، والمراد بها ههنا المحلات
والقبائل، وهذا في غير صورة الضرار فإنه يمنع.
وقوله: (وأن ينظف ويطيب) بالياء التحتانية، وقد يضبط بالتاء الفوقانية باعتبار
المساجد.
٧١٨ - [٣٠] (ابن عباس) قوله: (بتشييد المساجد) شاد الحائط يشيده:
طلاه بالشيد بالكسر، وهو ما طلي به حائط من جِصِّ ونحوه، والمشِيد:
المعمول به، وكمؤيَّد: المطوّل، كذا في (القاموس)(١). وفي (مجمع
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٧٨).

٤٧٤
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِ فُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[٥ : ٤٤٨].
٧١٩ - [٣١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ مِن أَشْرَاطِ
السَّاعَةِ أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ
وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٤٤٩، ن: ٦٨٩، دي: ١٤٠٨، جه: ٧٣٩].
البحار)(١): المشيدة: المرفوعة أو المطلية بالشيد، وفي (شرح الشيخ): أي: بإعلاء
بنائها وتزويقها وزخرفتها، ونفي الأمر كناية عن النهي، أو هو على ظاهره.
وقوله: (لتزخرفتها) بفتح اللام وضم فوقية وفتح زاي وسكون معجمة وكسر
راء وضم فاء، ويجوز كسر اللام لتعليل النفي، أي: ما أمرت به، هكذا عبارة الشارحين،
والظاهر ما أمر به؛ لأن الظاهر أن هذا لفظ ابن عباس، إخباراً عن فعل الناس بعده ول
ليجعل ذريعة إلى التزخرف، فافهم، وفتح اللام هو الأظهر، والزخرف في الأصل:
الذهب وكمال حسن الشيء، وفي الحديث: (نهى أن تزخرف المساجد) أي: تنقش
وتموه بالذهب لئلا يشغل المصلي، وفي الفقه: لو أوصى بتشييد مسجده وتحميره
نفذت الوصية؛ لأن الناس قد أحدثوا تشييد بيوتهم وتزيينها، فلو بنينا مساجد باللبن
متطامنة بين الدور الشاهقة، وربما كانت لأهل الذمة لكانت مستهانة، كذا في (مجمع
البحار)(٢).
٧١٩ - [٣١] (أنس) قوله: (أن يتباهى الناس) أي: يتفاخرون بتحسين بنائه
وتزويقه وارتفاعه وتطويله رياءً وسمعةً.
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٢٧٨).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٤٢٣).

٤٧٥
(٤) كتاب الصلاة
٧٢٠ - [٣٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ
أُمَّنِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي
فَلَمْ أَرَ ذَنْباً أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٩١٦.
٧٢٠ - [٣٢] (أنس) قوله: (عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة) أي: أجور
أعمال أمتي حتى أجر إخراج القذاة من المسجد، والقذاة بفتح القاف واحد قذى، وهي
ما يقع في العين وفي الشراب من تراب أو تبن أو وسخ، ففي التعبير عنه بالقذى ههنا
إشارة إلى كون المسجد بمنزلة العين للإنسان تتأذى منه روحانية المسجد، أو كماء زلال
من عين الحياة المعنوية يتكدر صفاؤه من وقوعها، فمن أخرجها أصاب نظر الرحمة،
ونال حظًّا من روق شراب الصفوة، و(حتى) إما بمعنى (إلى) أو عاطفة، فالقذاة على
الأول مجرور، وعلى الثانية مرفوع عطف على (أجور)، و(يخرجها) جملة مستأنفة
للبيان، وأما جعل (حتى) ابتدائية و(القذاة يخرجها) مبتدأ وخبراً، كما في (شرح الشيخ)،
فبعيد من حيث المعنى، فافهم.
وقوله: (فلم أر ذنباً أعظم من سورة) أي: من ذنب نسيانها، وفي هذا زجر
وتشديد، فإن نسيان القرآن ليس أعظم الذنوب، وإن عدَّه بعض العلماء من الكبائر،
كما نقله مولانا جلال الدواني عن الروياني في (شرح العقائد العضدية)(١)، لكن بعضهم
أوّلوا بنسيانه بحيث لا يقدر على قراءته من المصحف، والظاهر من الحديث نسيانها
بمعنى عدم الحفظ عن ظهر القلب، وعليه حمله الشارحون.
(١) (ص: ١٢٦)، المطبوعة مع ((التعليقات)).

٤٧٦
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
٧٢١ - [٣٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ
فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
[ت: ٢٢٣، د: ٥٦١].
٧٢٢ - [٣٤] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَأَنَسٍ.
٧٢٣ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا
وَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوْا لَهُ بِالإِيمَانِ، فَإِنَّ الله يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا
يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٦١، جه: ٨٠٢، دي: ١٢٢٣].
٧٢١ - ٧٢٢ - [٣٣ - ٣٤] (بريدة، وسهل بن سعد، وأنس) قوله: (بشر
المشائين) الخطاب عام، ويمكن أن يكون أمراً من جانب الحق سبحانه وتعالى لنبيه ◌َّه،
فيكون الحديث قدسيًّا، والله أعلم.
وفي قوله: (بالنور التام يوم القيامة) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ
النَّبِىِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَةٍ، ثُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبََّآ أَتْمِمْ لَنَا نُوَنَا﴾
[التحريم: ٨]، ففيه أن من مشى إلى المساجد في الظّلم ليؤدِّيَ الصلاة بالجماعة كان مع
النبي والذين آمنوا معه من أصحابه الكرام ◌ِ يم ورضي عنهم أجمعين.
٧٢٣ - [٣٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (يتعاهد المسجد) في (القاموس)(١):
تعهَّده وتعَاهَده واعْتَهَده: تَفَقَّدَهُ، وأحدث العهدَ به، ولقد أحسن في ترك الحكم بكون
تَعَهَّد أفصح من تَعَاهَد، كما حكم الجوهري(٢)، بل لو كان يغلظ في ذلك كما هو دأبه
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٨٩).
(٢) انظر: ((الصحاح)) (٢/ ٥١٦).

٤٧٧
(٤) كتاب الصلاة
٧٢٤ - [٣٦] وَعَنِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اثْذَنْ لَنَا فِي
الإِخْتِصَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَصَى وَلاَ اخْتَصَى، إِنَّ
خِصَاءَ أُمَّتِي الصِّيَامُ)). فَقَالَ: اتْذَنْ لَنَا فِي السَِّاحَةِ، فَقَالَ: ((إِنْ سِيَاحَةَ أُمَّتَيٍ
الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». فَقَالَ: اثْذَنْ لَنَا فِي التَّرَهُبِ، فَقَالَ: ((إِن تَرَهُبَ أُمَّتِيَ
الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ اِنْتِظَارَ الصَّلاَةِ». رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ». [ح: ٤٨٤].
٧٢٥ - [٣٧] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ مَّتٍ :
((رَأَيْتُ رَبِّيَ ◌ّ.
لكان وجهاً، كيف وقد وقع في كلام أفصح الفصحاء كما هو الظاهر، وتوجيهه بأن
التعاهد يكون بين اثنين ضعيف، فإنه قد يكون (فاعَلَ) للمبالغة والإحكام من غیر أن يراد
وقوعه بين اثنين، كما قال الطيبي(١) نقلاً عن صاحب (الكشاف)، وقد جاء في بعض
الروايات (يعتاد) بدل (يتعاهد)، والمعنى المراد منهما قريب، ويشمل كل منهما كل
ما يناط به أمر المساجد من العمارة والكنس والتطبيب والتنظيف والتنوير بالمصابيح
والتعبد والذكر ودرس العلم، وهذا أجلّ وأعظم أقسام التعاهد، وفقنا الله به.
٧٢٤ - [٣٦] (عثمان بن مظعون) قوله: (من خصى ولا اختصى) خَصَاهُ خِصاءَةً
بالكسر، وخصية واختصى: فعل ذلك بنفسه، و(الترهب) وهو التخلي من اشتغال
الدنيا وترك ملاذها، وأصله من الرهب بمعنى الخوف.
٧٢٥ _ ٧٢٦ - [٣٧ - ٣٨] (عبد الرحمن بن عائش، وابن عباس، ومعاذ بن
جبل) قوله: (رأيت ربي) إن كان رؤيا منام - كما في رواية - فلا إشكال، وإن كان رؤية
يقظة - كما في أخرى - فلا بد من التأويل، أو هو مخصوص به ◌َّر، كما في ليلة المعراج
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٢٤١).

٤٧٨
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ،
قَالَ: فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيِيَّ، فَعَلِمْتُ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَتَلاَ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلاً،
على القول المختار.
وقوله: (في أحسن صورة) إن كان حالاً من الفاعل فلا محذور، وإن كان من
المفعول فالمراد به الصفة، وإطلاق الصورة عليها شائع.
وقوله: (فيم يختصم الملأ الأعلى؟) المراد بهم الملائكة، والملأ اسم الأشراف
القوم؛ لأنهم يملؤون المجالس أو يملؤون العيون رواءً والقلوب مهابةً. واختصامهم
تقاولهم في فضائل تلك الأعمال، أو مبادرتهم إلى ثبتها في الصحائف والصعود بها إلى
السماء، واغتباطهم الناس في اختصاصهم بتلك الفضائل مع تماديهم في الشهوات.
وقوله: (فوضع کفه بین کتفي) مجاز عن تخصيصه بمزيد الفضل عليه، وإيصال
فيضه إليه، كما يفعل الملوك ببعض خدمهم إذا أرادوا أن يخصوهم بمزيد القرب،
وإفاضة سوابغ نعمهم. ووجدان البرد بين ثدييه عن وصول أثر الفيض إلى قلبه الشريف
وتأثره عنه، يقال: ثلج صدره، وأصابه برد اليقين: لمن تيقن الشيء، ولما كان وصول
هذا الفيض إلى قلبه سبباً لاتساع علومه فرع عليه قوله: (فعلمت ما في السماوات
والأرض) كناية عن حصول جميع العلوم، واستشهد على إمكانه وحصوله بقوله:
(﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾) والملكوت فَعَلُوت من الملك
للمبالغة.
وقوله: (رواه الدارمي) زاد في بعض النسخ: (مرسلاً)؛ لأن عبد الرحمن بن

٤٧٩
(٤) كتاب الصلاة
وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْهُ. [دي: ٢١٤٩، ت: ٣٢٣٥].
٧٢٦ - [٣٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَزَادَ فِيهِ: قَالَ: ((يَا مُحَمَّد!
هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فِي الْكَفَّارَاتِ. وَالْكَفَّارَاتُ:
الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَالْمَشْيُ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ،
وَإِبْلَاغُ الْوَضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ، ..
عائش تابعي.
وقوله: (وللترمذي نحوه عنه) أي: عن عبد الرحمن.
(وعن ابن عباس ومعاذ بن جبل، وزاد فيه) أي: زاد الترمذي في حديثه هذه
العبارة: (قال ... إلخ)، أي: قال الرب تعالى، وسأل النبيَّ بعد إفاضة العلم عليه ◌َّ
ما سأله أولاً، فأجاب النبي ◌َّهِ في هذه المرة: (نعم) أدري فيم يختصم الملأ الأعلى،
(في الكفارات) أي: يختصمون في أعمال تكفير الذنوب، وهي: (المكث في المساجد
بعد) أداء (الصلوات) انتظاراً للصلوات الآتية، (والمشي على الأقدام إلى الجماعات)،
الظاهر أنها يكون في المساجد، فما في (شرح الشيخ) من قوله: ولو في غير المساجد،
ليس بظاهر.
وقوله: (وإبلاغ الوضوء) أي: إسباغه وإيصاله إلى حد كماله، أو إيصاله إلى
ما يجب الإيصال إليه، ويسن غسله من الأعضاء، (في المكاره) أي: في الأحوال التي
تکره النفس فيها ذلك لبردٍ أو مرضٍٍ أو نحو ذلك.
وقوله: (فمن فعل ذلك عاش بخير) وحيي بحياة طيبة بوجدان حلاوة الطاعة
في الأعمال، والقناعة بما أوتي في الأموال، والرضا والتسليم في الأحوال.
وقوله: (ومات بخير) بروح وريحان وجنة نعيم، بخلاف الفاسق الحريص،

٤٨٠
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدًا إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلِ: اللَّهُمَّ
إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينٍ، وَإِذَا أَرَدْتَ
بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ. قَالَ: وَالدَّرَجَاتُ: إِفْشَاءُ السَّلَامِ،
وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَالصَّلاَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ». وَلَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا فِي
(الْمَصَابِيحِ)) لَمْ أَجِدْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن إِلَّ فِي ((شَرْحِ السَُِّّ). [ح: ٩٢٥].
المعيش بعيشة ضنك.
وقوله: (كيوم) مبني على الفتح(١)، وتنوينُهُ وجَعْلُ (ولدته أمه) صفة بحذف
العائد خارج عن قانون العبارة العربية.
قوله: (فتنة) أي: دينية مضلة.
وقوله: (فاقبضني) فيه أنه لا يكره طلب الموت لخوف فتنة دينية، وفي الحقيقة
هذا تعليم للأمة، وكذلك أكثر دعواته ويله .
وقوله: (قال: والدرجات) أي: قال الله تعالى زيادة لتعليم نبيه وَ ﴿ بعد ما بين
الكفارات، أو قال النبي ◌َّه زيادة في البيان بحصول العلم من الله، وسيجيء في الفصل
الثالث من حديث معاذ بن جبل ما يظهر المراد به، فينبغي أن يحمل هذا الحديث على
ذلك ولو بارتكاب تكلف في العبارة، فتدبر، والله أعلم.
وقوله: (إفشاء السلام) أي: إظهاره والابتداء به على من عرف وعلى
(١) قال القاري: مَنِيٍّ عَلَى الْفَتْحِ لإِضَافَتِهِ إِلَى الْمَاضِي، وَإِذَا أُضِفَ إِلَى الْمُضَارِعِ اخْتُلِفَ فِي بِنَائِهِ،
قَالَهُ الطَّيِيُّ، وَمِثَالُ الْمُضَارِعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَايَوْمُ يَنَفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]
فَقَرَأَ نَافِعٌ بِالْفَتْحِ، وَالْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، قَالَ الطَّيِيُّ: أَيْ كَانَ مُبَرَّا كَمَا كَانَ مُبَرًّا يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
((مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٦١٠).