النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
(٤) كتاب الصلاة
قَالَ ﴿وَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾)) [طه: ١٤]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٨٠].
ليلة التعريس بأذان وإقامة، وهو حجة على الشافعي رحمه الله في اكتفائه بالإقامة، وفي
(شرح ابن الهمام)(١): أي: في اكتفائه بها في أحد قوليه، وفي الآخر لا، ولا، انتهى،
أي: لا أذان ولا إقامة .
وقال الشيخ ابن الهمام(٢): روى مسلم في حديث طويل عن أبي قتادة في قصة
التعريس: ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله وَ* ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع
كما صنع كل يوم، وفي (سنن أبي داود) وغيره: أنه يَّر أمر بلالاً بالأذان والإقامة حين
ناموا عن الصبح وصلوها بعد ارتفاع الشمس، من رواية أبي هريرة وعمرو بن أمية
الضمري وعمران بن حصين وغيرهم
وروى مالك في (الموطأ) عن ابن المسيب مرسلاً، وذكر فيه الأذان، ومراسيل
ابن المسيب مرفوعة عند الشافعي، وما جاء من مسلم في القصة: وأمر بلالاً فأقام الصلاة
فصلى بهم الصبح، لا ينافي أنه أذن، فكيف وقد صح؟ وروى أصحاب الإملاء عن أبي
يوسف بإسناده إلى رسول الله ولي: حين شغلهم الكفار: (قضاهن بأذان وإقامة)، يعني
أربع صلوات، انتهى.
أقول: وفيما روي عن أبي يوسف - رحمه الله - جواب عما ذكر في (شرح
الحاوي)(٣) في مذهب الشافعي - رحمه الله -: إن يوم الخندق قضاهن بغير أذان، وروى
السغناقي: قضاهن بغير أذان وإقامة، وما قالوا: إن الأذان شرع لإعلام الناس بدخول
(١) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٢٥١).
(٢) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٢٥٢).
(٣) ((الحاوي الكبير)) (٢ / ٦٠).

٤٤٢
(٦ ) باب
٦٨٥ - [٦] وَعَنْ أَبِ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ
فَلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٧، م: ٦٠٤].
٦٨٦ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِذَا أُقِيمَت
الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوْهَا تَسْعَوْنَ، وَأَنُوْهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ
فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٠٨، م: ٦٠٢].
...
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلاَةِ.
الوقت وللدعاء إلى الاجتماع، وكلا الأمرين لا يحتاج إليه في الغاية، فجوابه شرع لهذا
وشرع أيضاً لتحصيل الثواب بذكر هذه الكلمات، ألا يرى أن المنفرد الأفضل له أن
يؤذن ویقیم.
٦٨٥ - [٦] (أبو قتادة) قوله: (فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت) قال الفقهاء:
يقومون عند قوله: حي على الصلاة، ولعله ذلك عند حضور الإمام، ويحتمل أنه وكالة
كان يخرج عند هذا القول، وقال الطيبي(١): فيه دليل على جواز تقديم الإقامة على
خروج الإمام، ثم ينتظر خروجه، وفيه تأمل.
٦٨٦ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (فلا تأتوها تسعون) فإن قلت: المسارعة
إلى الخير مرغوب ومأمور به لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية؟
[آل عمران: ١٣٣]، فجوابه أن المسارعة أن يتهيأ قبل ذلك لا أن يقصر ويجلس، ثم إذا
حان وقت الإقامة يسرع ويعدو، فإن ذلك يفوت ما أمر به من التزام السكينة والوقار،
هذا وقد نقل عن بعض العلماء أنه إن خاف فوت التكبيرة الأولى يسرع بل يهرول، وجاء
في ذلك أثر عن ابن عمر رقـ
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٢١٨).

٤٤٣
(٤) كتاب الصلاة
فَهُوَ فِي صَلاَةٍ». وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي.
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٦٨٧ - [٨] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللهِوَّهِ لَيْلَةً بِطَرِيقِ
مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلاَلاً أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلاَةِ، فَرَقَدَ بِلاَلٌ وَرَقَدُوا، حَتَّى اسْتَيْقَظُوا
وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ فَقَدْ(١) فَزِعُوا، فَأَمَرَهُمْ
رَسُولُ اللهِهِ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، وَقَالَ: ((إِنَّ هَذَا وَادٍ
بِهِ شَيْطَانٌ)). فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِوَهُ
أَنْ يَنْزِلُوا وَأَنْ يَتَوَضَّؤْوا، وَأَمَرَ بِلاَلاً أَنْ يُنَادِيَ لِلصَّلاَةِ أَوْ يُقِيمَ، فَصَلَّى
رَسُولُ اللهِ﴾ِ بِالنَّاسِ،
وقوله: (فهو في صلاة) كأن التنكير للنوع، أي: هو في نوع من الصلاة، وهي
الصلاة الحكمية التي تحصل له بالقصد إليها، وإن لم يكن في تلك الصلاة التي يصلي،
فافهم .
الفصل الثالث
٦٨٧ - [٨] (زيد بن أسلم) قوله: (بطريق مكة) قال في الحديث السابق: (حين
قفل من غزوة خيبر) فكان في طريق المدينة، ولعل القضية متعددة، أو كان من وهم
الراوي، والله أعلم.
وقوله: (أن يركبوا) وفي الحديث السابق: (قال: اقتادوا).
وقوله: (أو يقيم) شك من الراوي، أو للتخيير، والأول أظهر.
(١) كذا في ((المشكاة))، وفي ((الموطأ)): ((وقد)) ولعله هو الصواب.

٤٤٤
(٦) باب
ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا،
وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا، فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلاَةِ أَوْ نَسِيَهَا
ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا)). ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللهِعَ﴾
إِلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلاَلاً وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلَّي فَأَضْجَعَهُ
ثُمَّ لَم يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَمَ)، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ وَِّ بِلاَلاً
فَأَخْبَرَ بِلَاَلٌ رَسُولَ اللهِوَهِ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَبَّا بَكْرِ، فَقَالَ أَبُّو
بَكْرِ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلاً. [(الموطأ)): ٢٦].
٦٨٨ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((خَصْلَتَانِ
مُعَلَقَتَانِ فِي أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ لِلْمُسْلِمِينَ: صِيَامُهُمْ وَصَلاَتُهُمْ)). رَوَاهُ ابْنُ
مَاجَهْ. [جه: ٧١٢].
وقوله: (في حين غير هذا) أي: يردها إلينا قبل هذا الوقت.
وقوله: (يهدئه) بضم الياء، أي: يسكنه عن التحرك، في (القاموس)(١): هَدَأَ
كَمَنَعَ هدءاً وهُدُوءاً: سَكَنَ.
٦٨٨ - [٩] (ابن عمر) قوله: (معلقتان) قال الطيبي(٢): هو صفة (خصلتان)،
و(للمسلمين) خبر، و(صيامهم وصلاتهم) بيان للخصلتين، لا شك أن المتبادر أن
قوله: (معلقتان) خبر، وأما نكارة المبتدأ فقد تكلمنا مراراً أن المدار على الإفادة كما
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٦).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٢/ ٢٢١).

٤٤٥
(٤) كتاب الصلاة
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
ذكره الرضي(١)، ثم بعد ما اختاره الظاهر أن يجعل الخبر قوله: (صيامهم)، ولكن
تعريف الخبر مع نكارة المبتدأ مستهجن عندهم، فالأحسن جعل (صيامهم) مبتدأ،
و(خصلتان) خبراً مقدماً علیه، كما لا يخفى.
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
(المساجد) جمع مسجد، وهو من الألفاظ التي تجيء على مَفْعِلٍ بكسر العين
على خلاف القياس، ويجوز الفتح أيضاً، فإن القياس في مفعل من باب نصر اسماً كان
أو مصدراً من غير الناقص والمثال، فإنه من الأول بفتح العين، ومن الثاني بكسرها،
مطلقاً فتح العين، إلا في أحد عشر لفظاً: المنسك والمجزر والمنبت والمطلع والمشرق
والمغرب والمسقط والمسكن والمرفق والمسجد والمحشر، فإنها تجيء بكسر العين
شذوذاً، ويجوز الفتح على القياس وإن لم تسمع، وما كان من باب ضرب يضرب
فالموضع بالكسر، والمصدر بالفتح، نزل مَنْزَلاً بالفتح، أي: نزولاً، وهذا منزله
بالكسر، أي: موضع نزوله، كذا في (القاموس)(٢).
والفقهاء قد يفرقون، فبالفتح يستعملون بمعنى مكان وضع الجبهة، وبالكسر
بمعنى المكان المبني للصلاة، وقد يجيء المسجد بالفتح بمعنى الجبهة، والمساجد:
الأعضاء السبعة التي يسجد عليها .
وقوله: (ومواضع الصلاة) يريد بها الأمكنة التي تكره فيها الصلاة أو لا تكره،
كما سيأتي من الأحاديث.
(١) انظر: ((شرح الرضي على الكافية)) (١ / ٢٣١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٧٤).

٤٤٦
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦٨٩ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َهِ الْبَيْتَ دَعَا فِي
نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ
الْكَعْبَةِ وَقَالَ: ((هَذِه الْقَبْلَةُ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٩٨].
٦٩٠ - [٢] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ عَنْ أَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. [م: ١٣٣٠].
الفصل الأول
٦٨٩ - ٦٩٠ - [١ - ٢] (ابن عباس، وأسامة بن زيد) قوله: (لما دخل النبي وليه
البيت) زعم جماعة من العلماء أن ذلك كان في حجة الوداع حتى قالوا: إن الدخول
في البيت من سنن الحج، والجمهور على أنه كان في فتح مكة، قالوا: وهو الصواب،
والأحاديث والآثار دالة عليه، والبخاري أورد حديث الدخول في (كتاب الصلاة) ساكتاً
عن كونه في الحج أو الفتح، وأورده في (كتاب الحج) من غير أن يكون فيه ما يدل على
کونه فيه، سوى أنه أورده في بابه، وأورده في غزوة الفتح عن ابن عباس وابن عمر،
وفيه تصريح بأنه كان يوم الفتح، وأورده مسلم أيضاً في (كتاب الحج) عن ابن عمر وعن
ابن عباس وعن أسامة ه، ولكن بعض الأحاديث الموردة فيه ناطقة بكونه في الفتح،
وبعضها مطلقة .
وقوله: (دعا في نواحيه) أي: زواياه.
وقوله: (في قبل الكعبة) أي: مقابلتها وما استقبل منها، وهو وجهها الذي فيه
الباب، والقبل نقيض الدبر بضمتين، وضمة وسكون، والأول أفصح.
وقوله: (هذه القبلة) معناه: أن أمر القبلة قد استقر على التوجه إلى هذا البيت
استقراراً لا يزيله النسخ، وليس معناه أن القبلة إنما هي هذه الجهة مقابلة البيت لا الجهات

٤٤٧
(٤) كتاب الصلاة
الأخر، وهو ظاهر، ولا أنه يجب أن يتوجه إلى البيت من خارج، حتى لا تجوز الصلاة
داخل البيت، إما الفرض كما ذهب إليه مالك وأحمد في رواية، وإما مطلقاً كما حكي
عن محمد بن جرير .
ثم قد اختلفت الرواية في صلاته و 8﴿ داخل البيت، فروى أسامة وابن عباس عنه
أنه لم یصل، وروی بلال وابن عمر عنه أنه قد صلى، ورجح رواية بلال؛ لأنه مثبت،
وخبر أسامة ناف، وخبر المثبت مقدم؛ لأنه معه زيادة علم، كما تقرر في أصول الفقه،
ويشبه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، وقام كلٌّ في ناحية، واشتغل بالدعاء في
ناحية، فرأى أسامة النبي ◌َّ﴿ يدعو، ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي البيت،
والنبي ◌َّ في ناحية أخرى، وبلال قريب منه بَّهِ، فرأى بلال صلاته لقربه منه، ولم
يره أسامة لبعده واشتغاله بالدعاء، وكانت صلاته # خفيفة، والباب مغلق.
قال في (المواهب اللدنية)(١): وأقرب ما قيل في الجمع أنه وَ ◌ّهِ صَلَّى في الكعبة
لما غاب [عنه] أسامة من الكعبة لأمرٍ ندبه إليه، وهو أن يأتي بماء يمحو به الصور التي
كانت في الكعبة، فأثبتها بلال لرؤيته لها، ونفاها أسامة لعدم رؤيته، ويؤيده ما رواه أبو
داود الطيالسي عن أسامة بن زيد قال: (دخلت على رسول الله وَله [في الكعبة] فرأى
صوراً، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به فجعل ◌َل﴿ يمحوها)، ورجاله ثقات، انتهى. هذا
وقد نقل صاحب (المواهب) عن أحمد والطبراني من حديث ابن عمر: أن أسامة أخبره
أن النبي وال﴿ صَلَّى في الكعبة، والجمع بينه وبين خبر ابن عباس عن أسامة # بأن أسامة
حيث أثبتها اعتمد في ذلك على خبر غيره، وحيث نفاها أراد ما في علمه؛ لكونه لم
يره حين صلّى، ويكون ابن عمر عليه ابتدأ بلالاً بالسؤال، ثم أراد زيادة الاستثبات في
(١) ((المواهب اللدنية)) (١ / ٥٩١ - ٥٩٢).

٤٤٨
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
٦٩١ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ
وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الحَجَبِيُّ وَبِلَاَلُ بْنُ رَبَاحِ فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ،
وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلاَلاً حِينَ خَرَجَ: مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِوَّهِ؟ فَقَالَ:
جَعَلَ عَمُوداً عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلاَثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ
الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةٍ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٥، م: ١٣٢٩].
٦٩٢ - [٤] وَعَنْ أَبِىِ هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((صَلاَةٌ فِي
مَسْجِدِي هَذَا.
مكان الصلاة، فسأل أسامة ظله أيضاً.
٦٩١ - [٣] (عبدالله بن عمر 4) قوله: (الحجبي) بفتح الحاء والجيم
وبموحدة، منسوب إلى الحجبة جمع حاجب كطلبة جمع طالب، أي: حجبة بيت الله،
وهم أهل مفتاح الكعبة، وفي أخذه مّ المفتاح منه ثم إعطائه إياه لنزول قوله تعالى:
﴿ إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] قصة مشهورة، والآن يقال لهم:
الشيبيون نسبة إلى شيبة أخي عثمان، وعثمان لم يكن له خلف، فأعطى المفتاح لأخيه
شيبة عند وفاته .
وقوله: (فأغلق) الضمير إما للنبي ◌َّه بمعنى أمر به، أو لبلال نظُبه، والظاهر
بحسب المعنى أن يكون لعثمان بن طلحة، وإن كان بعيداً من جهة اللفظ، وفي رواية:
(فأغلقاها) بضمير التثنية.
وقوله: (كان البيت يومئذ على ستة أعمدة) وهو الآن على ثلاثة أعمدة، وسبب
ذلك مذكور في (تاريخ مكة) للفاكهي.
٦٩٢ - [٤] (أبو هريرة ) قوله: (صلاة في مسجدي هذا) أخذ النووي من

٤٤٩
(٤) كتاب الصلاة
خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٠،
م: ١٣٩٤].
هذه العبارة أن المضاعفة فيه خاصة بما كان مسجداً في حياته (* لا بما زيد بعد حياته،
يعني أن الإشارة بـ (هذا) تفيد ذلك، والمختار عند الجمهور أن الحكم بالمضاعفة
يشتمل ما زيد عليه، فقد ورد (لو مدّ هذا المسجد إلى صنعاء اليمن كان مسجدي)، وقال
عمر رضي: (لو مدّ مسجد رسول الله وَ له إلى ذي الحليفة لكان فيه)، وأيضاً قيام عمر
وعثمان ﴾ في الصلاة في الزيادة يدل على ذلك، وإلا لم يتصور ترك إدراك الفضيلة.
وقال ابن تيمية: لم يظهر من أحد من السلف والخلف خلاف في ذلك، نعم مقام
رسول الله ي﴿ أعظم وأفضل من سائر المقامات، انتهى. ولعل مقصوده المبالغة في
الرد على من يخالف في ذلك، وقد نقل المحب الطبري رجوع النووي من تلك المقالة،
كذا في تاريخ السمهودي، ولا يخفى ضعف ما تمسك به النووي، فإن الظاهر أن إتيان
اسم الإشارة للتميز والتعظيم، ويحتمل أن يكون احترازاً عن مسجد قباء .
ثم لا يخفى أن الحكم في غير الصلاة من العبادات كذلك في المضاعفة، وقد
روى ذلك البيهقي عن جابر، كذا ذكر في (فتح الباري)(١) .
وقوله: (خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) الاستثناء يحتمل
احتمالات متعددة، والذي يظهر من الأحاديث الواردة في الباب أن الصلاة في المسجد
الحرام تفضل الصلاة في مسجد رسول الله وَالله، فقد ورد أن الصلاة في مسجد الحرام
بمئة ألف صلاة، وحمله المالكية على أن الصلاة بمسجد المدينة أفضل منها بمسجد
مكة بأقل من ألف؛ لأن مذهبهم أن المدينة أفضل من مكة، وللقائلين بأفضلية المدينة
(١) ((فتح الباري)) (٣/ ٦٤).

٤٥٠
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
٦٩٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
((لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ:
أن يقولوا: الأفضلية لا تنحصر في مضاعفة الثواب، هب أن الصلاة بالمسجد الحرام
مضاعفة، ولكن أنواع الكرامات والبركات من محبة الله ورسوله ومنافع الإسلام وأهله
مخصوصة بالمدينة، وأيضاً المضاعفة هي كثرة الكمية، ويحتمل أن الكيفية من البركة
والعظمة تكون أعظم وأرجح في المدينة، وكثرة الكمية لا تستلزم الأفضلية كاللؤلؤ
الواحد أفضل وأشرف وأحسن ذاتاً من ألف فلس، وإن كثرت كمية، ولعل البركة والقبول
في عمل واحد الذي يحصل من مجاورة القبر الشريف يكون أعلى وأتم من أعمال كثيرة
في غيره من الأماكن، وتمام هذا البحث استوفیناه في کتاب (جذب القلوب إلى ديار
المحبوب)(١) تاريخ المدينة المطهرة، فليطلب ثمة، ثم الفرض والنفل سواء في المضاعفة
عند أكثر العلماء، وقد خصّ بعض الحنفية وأكثر المالكية هذا الحكم بالفرض لحديث:
(أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، ويمكن أن تكون النافلة في بيوت مكة والمدينة
أفضل منها في بلاد أخر.
٦٩٣ - [٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)
شد الرحال كناية عن السفر، أي: لا يقصد موضع بنية التقرب إلى الله إلا أحد هذه الثلاثة
تعظيماً لشأنها، فإن ما سواها متساوٍ في الفضل، ففي أيِّ مسجد يصلي كتب له مثل
ما في غيره، بخلاف المساجد الثلاثة؛ لما بين الله لنا على لسان رسوله ◌ّ في مقادير
تضعيف الثواب للمصلي في كل واحد منها، ثم المراد أنه لا يرحل من حيث قصد
ذوات الأمكنة، وأما إن كان إليها حاجة من تعلم العلم أو التجارة أو نحو ذلك، فذلك
(١) باللغة الفارسية، طبع أول مرة في سنة ١٨٤٦ م، الموافق ١٢٦٣ هـ في كولكاتا.

٤٥١
(٤) كتاب الصلاة
مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٧،
م: ٨٢٧].
شيء آخر، وظاهره النهي عن المسافرة إلى موضع سوى هذه المواضع.
وقيل: المراد أنه لا يجب قصد ما سوى المساجد الثلاثة بالنذر، ولا ينعقد النذر،
ولا يلزم الوفاء به، واختلف في شدها إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة،
فمحرم ومبيح، كذا في (مجمع البحار)(١) .
وقيل: المراد أنه لا تشد الرحال ولا يسافر إلى مسجد من المساجد إلا إلى
المساجد الثلاثة؛ لأن المستثنى منه في المستثنى المفرغ يجب أن يكون من جنس
المستثنى، فإذا استثنى المساجد الثلاثة ينبغي أن يكون المستثنى منه أيضاً مساجد، وهذا
كما ترى توجيه حسن، ولكن المعنى المتبادر إلى الفهم عند الإنصاف هو النهي عن
السفر إلى مكان إلا المساجد الثلاثة، والأمكنة من جنس المساجد، غير أنه جنس بعيد،
ولا يجب في المستثنى المفرغ أن يكون جنساً قريباً للمستثنى، ويمكن أن يقال: لعل
المراد بيان الاهتمام بشأن الارتحال إلى هذه البقاع الثلاث المتبركة، وامتيازها في الفضل،
والمبالغة في بيان فضلها ومرتبتها على ما عداها، يعني لو شاء أحد أن يرتكب السفر
ينبغي أن يسافر إليها ويهتم بشأنها لكونها أفضل البقاع، والله أعلم.
وقوله: (مسجد الحرام) من قبيل صلاة الوسطى بالإضافة.
وقوله: (والمسجد الأقصى) لعل تقديمه على مسجد المدينة - وهو مسجد سيد
الرسل * - لتقدمه وجوداً، ويسمى بالأقصى إما لأنه لم يكن في ذلك الزمان مسجد
بني بعده، فهو أقصى المساجد، أي: نهايتها، أو لبعده من المسجد الحرام في المسافة،
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ١٩١).

٤٥٢
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
٦٩٤ - [٦] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَا بَيْنَ بَيْتِي
وَمِنْرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، .
أو لبعده من الأقذار والخبث وتنزهه عنها، وقيل: لأنه أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة
وأبعد من المسجد الحرام، هذا الوجه لا يجري في تسميته به في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ
الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَا﴾ [الإسراء: ١]؛ لأنه لم يبن
حينئذ مسجد المدينة .
٦٩٤ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (ما بين بيتي ومنبري) وفي رواية: (قبري
ومنبري)، وفي رواية عند الطبراني: (ما بين حجرتي ومصلاي) والمؤدى واحد؛ لأن
قبره ◌َّ في بيته، وبيته حجرة أم المؤمنين عائشة مثله، وهي حجرته ومصلاه، أي: موضع
صلاته عند منبره، وليس المراد بالمصلى مصلى العيد الذي هو خارج المدينة في
جانب طريق مكة بقرينة باقي الروايات، وقد حمله بعضهم عليه، وقد نقل أن سعد بن
أبي وقاص ◌ُه بنى بيتاً بينه وبين المسجد بعد سماع هذا الحديث.
وقوله: (روضة من رياض الجنة) والروضة في الأصل: البستان في غاية النضارة،
وفي (الکشاف): کل أرض ذات نبات وماء، اختلفوا في تأويل کونه روضة من رياض
الجنة، فقيل: إن العبادة فيه تؤدي إلى روضة الجنة، أو جعل الروضة كما جعل حلق
الذكر رياض الجنة؛ فإنه لا يزال مجمعاً للملائكة والجن والإنس، يذكرون الله، أو
كروضة الجنة في حصول الرحمة والسعادة، وهذا القول لا يخلو عن بُعد؛ لأنه خلاف
ظاهر اللفظ، وقد يشترك فيه سائر المساجد وبقاع الخير، وقال أهل التحقيق: إن الكلام
محمول على الحقيقة، إما بأن ينقل هذا المكان يوم القيامة إلى الفردوس الأعلى،
ولا يفنى ولا يستهلك مثل سائر بقاع الأرض.

٤٥٣
(٤) كتاب الصلاة
ونقل ابن فرحون وابن الجوزي هذا القول من مالك - رحمه الله - واتفاق جماعة
من العلماء على ذلك، ورجح الشيخ ابن حجر العسقلاني وكثير من علماء الحديث هذا
القول.
وقال ابن أبي جمرة من كبار علماء المالكية - رحمهم الله -: يحتمل أن يكون عين
هذه البقعة روضة من رياض الجنة، أنزلت منها إلى المسجد، كما ورد في الحجر الأسود
ومقام إبراهيم، وبعد قيام الساعة ينقل إلى مقامه الأصلي، ونزول الرحمة واستحقاق
الجنة من لوازم ذلك، فكما أن الرتبة الخليلية الإبراهيمية اقتضت الاختصاص بحجر
من الجنة اقتضت الدرجة الحبيبية المحمدية بروضة منها، وشتان ما بينهما، ولو رئي
في العين الظاهر مثل سائر الأراضي الدنيوية لم يبعد؛ لأن الإنسان ما دام محجوباً
بالحجب الكثيفة الطبيعية والأحكام العادية البشرية لم ينكشف عليه حقائق الأشياء،
ولم يدرك الأمور الأخروية، وقد ورد: (أحد جبل من جبال الجنة)(١)، ولم يقل أحدٌ:
إن العبادة في جوار أحد توصل إلى النعيم، فإن قال قائل: لو كان من الجنة لثبت خواصها
ولوازمها فيه من عدم الجوع والظمأ ونحوهما؟ فالجواب أن تلك الخصائص واللوازم
انفكت بعد خروجه منها، كما في الحجر الأسود.
وإن قيل: أمثال هذه الأمور لا يثبت إلا بسماع وإخبار من الشارع، وقد وردت
الدلائل والشواهد في الركن والمقام؟ قلت: كفى دليلاً وشاهداً على ذلك ورود هذا
الحديث الصحيح المتفق عليه، ولو قاموا في مقام التأويل فكلا الخبرين يصلح للتأويل،
ولو حملوا على الحقيقة فهي ثابتة فيهما، فما الفرق؟ والله أعلم، ومنه التوفيق، وبيده
(١) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٢/ ٣٦٠).

٤٥٤
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِيٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٦، م: ١٣٩١].
٦٩٥ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَأْتِي مَسْجِدَ قِبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ
مَاشِياً وَرَاكِباً فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ (١). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٣، م: ١٣٩٩].
أزمَّة التحقيق، وهو بإفاضة العلوم على من شاء من عباده جدير وحقيق، وصلى الله
على محمد سيد المرسلين وسيد الأولين والآخرين وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين .
وقوله: (ومنبري على حوضي) تأويله على نحو تأويل الروضة، وقد جاء في
بعض الروايات: (وإن منبري على تُرْعَةٍ من تُرَع الجنة)(٢)، والترعة بضم التاء: الباب،
والجمع ترع كصُرَدٍ، والوجه، ومفتح الماء حيث يستقي الناس، والدرجة، والروضة
في مكان مرتفع، ومقام الشاربة على الحوض، والمرقاة من المنبر، وفُوَّهَة الجدول،
وجاء في الحديث: أنه وَّ﴿ كان قائماً على منبره فقال: (قَدَمَيّ في هذه الساعة على ترعة
من ترع الجنة)، وفي حديث آخر: (أنا قائم على عُقْر حوضي)(٣)، والعقر: موضع يدخل
منه الماء في الحوض، وذهب بعضهم إلى أن هذا إخبار عن المنبر الذي يكون له وله
يوم القيامة، يوضع على حوضه بأمر ربه، لا هذا المنبر في المسجد الشريف، وهذا
القول بعيد من سياق الحديث كما لا يخفى، والله أعلم.
٦٩٥ - [٧] (ابن عمر) قوله: (مسجد قباء) بالضم ممدوداً ومقصوراً، مصروفاً
وغير مصروف، فمن صرفه ذكره، ومن منعه أنثه، كما هو حكم سائر أسماء المواضع،
(١) أَيْ: تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرَهَا يَقُومُ مَقَامَهَا. قَالَ الطَّيِيُّ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّقَرُّبَ بِالْمَسَاجِدِ
وَمَوَاضِعِ الصُّلَحَاءِ مُسْتَحَبٌّ، وَأَنَّ الزِّيَارَةَ يَوْمَ السَّبْتِ سُنَّةٌ، ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ٥٩٠).
(٢) أخرجه الطبراني في ((معجمه الكبير)) (١٧ / ١٨).
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٥/ ٢٨٢).

٤٥٥
(٤) كتاب الصلاة
٦٩٦ - [٨] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَحَبُّ الْبِلاَدِ
إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلاَدِ إِلَى اللهِ أَسْوَاتُهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٧١].
٦٩٧ - [٩] وَعَنْ عُثْمَانَ رَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ بَنَى لِلَّهِ
مَسْجِداً بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٠، م: ٥٣٣].
وفي (شرح الشيخ): وأنكر بعضهم القصر، موضع قرب المدينة على نحو ثلاثة أميال
منها، بنى رسول الله وَ * مسجده في أول قدومه بالهجرة، وأقام ثلاثة أيام ثم راح إلى
المدينة، وفيه نزل: ﴿لَّمَسْجِدُّ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَلِ يَوْمٍ﴾ الآية [التوبة: ١٠٨]، على ما هو
المشهور، وقال عمر ظه: ولو كان هذا المسجد في أقطار الأرض لضربنا فيه أكباد
الإبل، وله فضائل كثيرة، وهو في حكم مسجد المدينة.
٦٩٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (أحب البلاد) أي: بقاع البلاد، أو أراد بالبلاد
المواضع مجازاً، أو الإضافة للتخصيص مثل أفضل قریش(١).
٦٩٧ - [٩] (عثمان ﴿) قوله: (من بنى الله(٢) مسجداً) قيل: هو حديث
متواتر .
(١) قال القاري: الْمُرَادُ بِحُبِّ اللهِ الْمَسَاجِدَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لِأَهْلِهَا وَبِالْبُغْضِ خِلاَفُهُ، وَهَذَا بِطَرِيقِ الأَغْلَبِيَّةِ
وَإِلَّ فَقَدْ يَقْصِدُ الْمَسْجِدَ بِقَصْدٍ نَحْوَ الْغِبَةِ، وَقَدْ يَدْخُلُ السُّوقَ لِطَلَبِ الْحَلَاَلِ، وَلِذَا قِيلَ: كُنْ
مِمَّنْ يَكُونُ فِي السُّوقِ وَقَلْبُهُ فِي الْمَسْجِدِ لاَ بِالْعَكْسِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْقَالَبِ فِي الْمَسْجِدِ
أَكْمَلُ. ((مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٥٩١).
(٢) أي: يبتغي به وجه الله لا رياء ولا سمعة. قال ابن الجوزي: من كتب اسمه على المسجد الذي
بنيه كان بعيداً من الإخلاص، انتهى. قال القاري: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ ظَاهِرٌ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِكِتَابَةِ
اسْمِهِ نَحْوَ الدُّعَاءِ وَالتَّرَجُمِ، وَفِيهِ: أَنَّ الدُّعَاءَ وَالثَّرَخُمَ يَحْصُلُ مُجْمَلاً وَمُبْهَماً، فَلاَ يُحْتَاجُ إلى
تَغْيِين الإِسْمِ، ((مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٥٩١)، وانظر: ((مرعاة المفاتيح)) (٢/ ٤٠٣).

٤٥٦
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
٦٩٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ غَدَا إِلَى
الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ)). مُنَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٦٦٢، م: ٦٦٩].
٦٩٩ - [١١] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّه:
((أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْراً فِي الصَّلاَةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشَى،
٦٩٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (من غدا إلى المسجد أو راح) أي ذهب إليه
أول النهار أو آخره، وقد يراد بالأول من طلوع الفجر إلى الزوال، وبالثاني ما بعد الزوال
إلى الليل، و(النزل) بضمتين أو بالضم والسكون: الطعام الذي يقدم للضيف في أول
نزوله، وفيه إشارة إلى كون المسجد بيت الرب تعالى يضيف زائره(١).
وقوله: (كلما غدا أو راح) أي: إلى المسجد، والإعادة لإفادة تأكيد تعميم
الأوقات، أو في الجنة كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾[ مريم: ٦٢]، ويكون
في الجنة ما يشابه البكرة والعشي، أو هو كناية عن الدوام(٢).
٦٩٩ - [١١] (أبو موسى الأشعري) قوله: (أبعدهم فأبعدهم) الفاء (٣) فيه
(١) قال المظهر: عادة الناس أن يقدموا طعاماً إلى من دخل بيوتهم، والمسجد بيت الله، فمن دخله
في أيِّ وقت كان من ليل أو نهار يعطيه الله أجره من الجنة؛ لأن الله أكرم الأكرمين فلا يضيع
أجر المحسنين، انتهى. ((المفاتيح شرح المصابيح)) (٢ / ٦٤).
(٢) قال القاري (٢ / ٥٩٢): فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْحَرَكَةُ سَبَبَ الْبَرَكَةِ، وَالذَّهَابُ مُوجِبَ الثَّوَابِ، وَيُمْكِنُ
أَنْ يَكُونَ الذَّهَابُ إِلَى الطَّاعَةِ عَلاَمَةَ إِعْدَادِ اللهِ الْمَئُوبَةَ، فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ أَمَارَاتٌ لاَ مُوجِبَاتٌ.
(٣) قال القاري (٢ / ٥٩٢): الْفَاءُ لِلإِسْتِمْرَارِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، قَالَهُ الطَّيِيُّ. وتعقبه
العيني (٥/ ١٦٩) بأنه لم يذكر أحد من النحاة أن الفاء تجيء بمعنى الاستمرار، ثم رجح كونها
بمعنى ثمّ أي: أبعدهم ثم أبعدهم ممشى. وقال السندي: الْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ أَىِ الأَبْعَدُ عَلَى مَرَاتِبٍ =

٤٥٧
(٤) كتاب الصلاة
وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ حَتَّى يُصَلِّيَّهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْراً مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثمّ
يَنَامُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥١، م: ٦٦٢].
٧٠٠ - [١٢] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ
بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الَّبِيَّ ◌َ﴿ فَقَالَ لَهُمْ: ((بَلَغَنِي
أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ)).
مثلها في قوله: (الأمثل فالأمثل).
وقوله: (من الذي يصلي) أي: وحده، وإن صلاها أول الوقت، كذا في (شرح
الشيخ)، فيفهم منه أن التأخير من أول الوقت لانتظار الجماعة ولو لتكثيرها أفضل من
الصلاة في أول الوقت، وهذا سر أفضلية الإسفار في الفجر عند الحنفية، وقال الطيبي(١):
أو المراد يصلي مع الإمام، والمراد بالنوم عدم انتظار الصلاة الآتية، وإن كان يقظان،
والمنتظر يقظان وإن نام، ولا يخفى ما فيه من البعد لفظاً ومعنى، فتأمل.
٧٠٠ - [١٢] (جابر) قوله: (خلت البقاع) بأن ذهب ساكنوها أو ماتوا.
وقوله: (حول المسجد) أي: المسجد النبوي ◌َله.
وقوله: (فأراد بنو سلمة) بكسر اللام، بطن من الأنصار، وليس بنو سلمة غيرهم.
و قوله: (أن تنتقلوا) لبعد دورهم عنه.
= الْبُعْدِ أَعْظَمُ أَجْراً مِنَ الأَقْرَبِ عَلَى مَرَاتِبِ الْقُرْبِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَبْعَدَ فَهُوَ أَكْثَرُّ أَجْراً مِمَّنْ كَانَ
أَقْرَبَ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الأَقْرَبُ أَبْعَدَ مِنْ غَيْرِهِ فَأَجْرُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَالْمُرَادُ أنَّ إِذَا حَضَرَ
الْمَسْجِدَ مَعَ ذَلِكَ الْبُعْدِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ الْبُعْدُ عَنِ الْحُضُورِ. ((حاشية السندي على سنن ابن ماجه))
(١ / ٢٦٣).
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٢٢٨).

٤٥٨
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِوَّهِ(١) قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: ((يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ
تُكْتَبُْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبُْ آثَارُكُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٦٥].
٧٠١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((سَبْعَةٌ
يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ ..
وقوله: (نعم يا رسول الله ◌َّهم قد أردنا ذلك) إنما أطنبوا في الجواب إظهاراً لما
في ضميرهم، والرغبة لعله يقررهم على ذلك ويشفق عليهم، كما يفعله المجرمون في
حضرة السلطان خوفاً منه وطمعاً في عفوه، فافهم.
وقوله: (دياركم) أي: الزموها، وهو جمع دار.
قوله: (تكتب) بالجزم على جواب الأمر، وبالرفع على استئناف، والمراد بالآثار
إما آثار الأقدام، أو سيرهم الحسنة، كقوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ﴾
[يس: ١٢]، وقيل: فيهم نزلت هذه الآية كما أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي
سعيد(٢).
٧٠١ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (يظلهم الله في ظله) الظل في الأصل ضد
الضّحِّ، أو هو الفيء، أو هو بالغداة، والفيءُ بالعشي، والجنة، ومنه ﴿وَلَا اَلِظِلُّ وَلَا
اَلْحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١] ويجيء بمعنى العزة والمنعة، وهو في ظله: في كنفه، كذا في
(القاموس)(٣)، فقيل: الظل عبارة عن الراحة والنعيم، نحو: هو في عيش ظليل،
والمراد ظل الكرامة لا ظل الشمس؛ لأنها وسائر العالم تحت العرش، وقيل: المراد
(١) (َّ﴾): سقط في نسخة.
(٢) انظر: ((سنن الترمذي)) (ح: ٣٢٢٦)، و((المستدرك)) للحاكم (٢ / ٤٦٥).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٤٦).

٤٥٩
(٤) كتاب الصلاة
يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ
بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابًّا فِي اللّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ
وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ...
ظل عرشه، أي: تحته، والإضافة إليه للتشريف، أو ظل طوبى، أو الجنة، وتعقب
أن هذه القضية حين تدنو الشمس قبل الدخول في الجنة، ويشتد الحر، ويأخذهم
العرق.
وقوله: (يوم لا ظل إلا ظله) أي: لا يكون من له ظل كما في الدنيا، وهذا ظاهر
في أن المراد بالظل ظل العزة والمنعة، كما ورد ﴿لَّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾
[غافر: ١٦]، وعلى التقادير كلها المراد تميزهم وتخصيصهم بمزيد فضل وكرامة، رزقنا الله
وجعلنا داخلين في بعض هذه الأقسام إن شاء الله تعالى.
وقوله: (اجتمعا عليه وتفرقا عليه) عبارة عن خلوص المودة في الغيبة
والحضور.
وقوله: (دعته امرأة) إن وصلت الدعوة إلى مرتبة المراودة والمخادعة والمبالغة
في مباشرة أسبابها وآلاتها والتمكن منها، فهي المرتبة اليوسفية العليا، وإن كانت أدنى
مرتبة منها كالنظرة والإشارة ونحوهما، فالمراد المبالغة، يعني يفوز بذلك الجزاء بهذا
القدر، فكيف إذا تمكن من الفحشاء وكفَّ نفسه عنها، وعلى كل تقدير لا يتجه ما ذکر
بعض الشراح في هذا المقام: أنهم تكلموا في أن هذه الحالة يعني الكف في أول دعوة
أفضل وأشدّ، أو بعد التمكن والقدرة كما كان ليوسف عليها، فقيل: الكفّ في أول
المرتبة أفضل وأصعب وأدخل في التحفظ والاحتراس؛ لأنه كثيراً ما تتساهل النفس
فيها، وبعد التمكن قد يتطرق الكراهة والخوف والانقباض فيسهل الاجتناب، فافهم.

٤٦٠
(٧) باب المساجد ومواضع الصلاة
ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا
حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٠، م: ١٠٣١].
٧٠٢ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي
الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْساً وَعِشْرِينَ ضِعْفاً، ..
وقوله: (ذات حسب) الحسب: ما يعده المرء من مآثره ومآثر آبائه، وقد يراد
به المال، وقد يجيء الحسب بمعنَى يكون في الرجل وإن لم يكن له أب، وقد يجيء
بمعنى النسب كما في حديث: (كيف حسبه فيكم؟) أي: نسبه. و(الجمال) الحسن
والملاحة والبهجة .
وقوله: (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) أي: من كان في شماله، والصواب
أنه كناية عن غاية الإخفاء، هذا وقد یروی: (حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)، ولعله
سهو من قلم الناسخ؛ لأن المعروف في النفقة هو اليمين، وهكذا جاء في رواية مسلم،
وسمّوه في أصول الحديث مقلوباً، فيكون من الراوي، لا أن الكلام محمول على
القلب، كما في عرضت الناقة على الحوض، فافهم.
٧٠٢ - [١٤] (وعنه) قوله: (صلاة الرجل) أي: ثوابها (في الجماعة) أي: في
المسجد .
وقوله: (تضعف) بضم فوقية وتشديد عين من التضعيف، أي: يزاد على صلاته
في بيته، أي: منفرداً كما هو العادة، وكذا تخصيص البيت والسوق بالذكر باعتبار العادة،
وفيه إشعار بعذره لالتزامهما، ومع ذلك يضعف، ففي غيرهما بطريق الأولى.
فالظاهر من الحديث بيان تفضيل الصلاة في المسجد بالجماعة على الصلاة في
البيت، فإذا صلَّى في المسجد منفرداً أو في البيت بالجماعة كان لهذين القسمين ثواب،