النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ (٤) كتاب الصلاة ٦٢٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥٤، م: ٦٣٥]. الأخر، لصيرورتهما مكفَّرتين لها، وفضل الله أوسع، لكنه ينافي ما عليه الجمهور من اختصاص الكفارة بالصغائر. وقال الطيبي(١): الظاهر من حال من يحافظ عليهما مع ما فيهما من التثاقل والتشاغل أن لا يقع منه تفريط في غیرهما فیغفر له، ولن يلج النار، وفيه أنه إن أريد غيرهما من الصلوات فمسلّم لكنه يبقى الذنوب الأُخر، وإن أريد أنه لا يقع منه تفريط أصلاً فمحلٌّ تردد. وبالجملة الظاهر أن المراد المبالغة في بيان فضلهما، وأن من شأن من يحافظ عليهما أن لا يدخل النار إلا أن الله سبحانه يجزي كلَّ أحد على كل عمل بما هو جزاؤه، ومع ذلك إن شاء لم يعذِّب ويعفو بفضله ورضاه عن فاعلهما، والله أعلم. ٦٢٥ - [٢] (أبو موسى) قوله: (من صلى البردين) في (القاموس)(٢): الأبردان: الغداة والعشي كالبردين، والأكثرون على أن المراد بهما الفجر والعصر لكونهما في طرفي النهار، والبرد هواؤهما بخلاف ما بينهما من النهار، وكفى بالحديث السابق تأييداً لذلك، ونقل عن جماعة أنهما الصبح والعشاء، وتأويله ما ذكرناه، على أن الأمر في هذا الحديث أسهل من ذلك؛ لأن البشارة ههنا بدخول الجنة وهو ثابت للمؤمنين ولو بعد دخول النار، خصوصاً لمن يصلي أفضل الصلوات، وهناك بعدم دخول النار قطعاً، وللتأويل مجال واسع. (١) ((شرح الطيبي)) (٢/ ١٨٢). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٥٦). ٣٨٢ (٣) باب فضائل الصلاة ٦٢٦ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (( يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةٍ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَآتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ -: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: قال التُّورِبِشْتِي(١): ومن المفهوم الواضح أن النبي ◌َّ لم يخصص هاتين الصلاتين بالمحافظة تسهيلاً للأمر في إضاعة غيرهما من الصلوات، أو ترخيصاً لتأخيرهما عن أوقاتهما، وإنما أمر بأدائهما في الوقت المختار والمحافظة عليهما في جماعة لما فيهما من الفضل والزيادة، فنبّه المكلفين على هذه المعاني بزيادة تأكيد، وقد علم وَّ أنه إذا حافظ عليهما مع ما في وقتيهما من الشواغل والقواطع لم يكن ليضيع غيرهما من الصلوات مع أن الأمر في إقامتها أيسر، انتهى. وهذا الكلام يومئ إلى أن المراد عدم المعاقبة لأجل ترك الصلوات لا جيمع الذنوب كما ذكرنا أولاً، والعلم عند الله . ٦٢٦ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (يتعاقبون) أي: يجيء طائفة عقب طائفة لرفع أعمال العباد، ويجتمعون في الصعود والنزول، وهو من باب ﴿ وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣] وفيه وجوه، أحدها: أن الواو حرفٌ علامةً على جمع الفاعل، لا ضميرٌ كالتاء في فعلت، وثانيها: أن الاسم المظهر المذكور بدل منه، وثالثها: أنه خبر مقدم. وقوله: (ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر) وهذا هو أحد وجوه فضل هاتين الصلاتين . وقوله: (فيسألهم) أي: الذين باتوا فيكم، ظاهره يدل على أن المسؤول منهم ملائكة الليل، ويوجه تخصيصهم بأن الليل أفضل من النهار، فيكون ملائكته أفضل، (١) ((كتاب الميسر)) (١ / ١٨٧ -١٨٨). ٣٨٣ (٤) كتاب الصلاة تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [غ: ٥٥٥، م: ٦٣٢]. ٦٢٧ - [٤] وَعَنْ جُنْدُبِ الْقَسْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (مَنْ صَلَّى صَلاَةَ الُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، فَلاَ يَطْلُبَّكُمُ اللهُ. كذا في شرح الشيخ، ويمكن أن يقال: الحكمة في سؤال الرب تعالى الملائكة عن أعمال عباده إظهار الفضل والكرامة لهم بتسبيحهم وتقديسهم، هو في الليل أفضل وأشق وأدخل في الإخلاص، فلهذا يسأل حملة أعمال الليل(١). وإنما قال الشيخ(٢): ظاهره يدل؛ لأنه يجوز أن يسأل ملائكة النهار أيضاً لكنه لم يذكر في الحديث اكتفاءً، وللعلم به بالمقايسة. وقوله: (تركناهم وهم يصلون) أي: صلاة الفجر، (وأتيناهم وهم يصلون) أي: العصر، وقد يفهم منه كون وقت العصر في آخر النهار، إذ الظاهر أن ملائكة النهار يصعدون وملائكة الليل ينزلون في آخر النهار، وقد وقع: (أتيناهم يصلون) إلا أن يراد الإخبار بالصلاة في وقت العصر کله، ثم يجوز أن یکون بعض الناس مصلین مع كراهته، أو يكفي مقارنة الحال لعاملها في جزء، فافهم. ٦٢٧ - [٤] (جندب القسري) قوله: (وعن جندب) بضم الدال وفتحها، (القسري) بفتح القاف وسكون المهملة آخره راء. وقوله: (فهو في ذمة الله) أي: في عهده وأمانه . وقوله: (فلا يطلبنكم الله) من وضع المسبّب موضع السبب، أي: لا تتعرضوا (١) قال القاري: وَقِيلَ: سُؤَالُهُ تَعَالَى مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، لِنَّهُ يَبَاهَى بِعِبَادِهِ الْعَامِلِينَ، أَوْ لِلتَّوْبِيخِ عَلَى الْقَائِلِينَ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾. ((مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٥٤١). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٢/ ٣٥). ٣٨٤ (٣) باب فضائل الصلاة مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبُهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُتُّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي بَعْضٍ نُسَخِ (الْمَصَابِيحِ)) الْقُشَيْرِي بَدَلُ الْقَسرِي. [م: ٦٥٧]. ٦٢٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا، . لما يوجب مطالبة الله إياكم من نقض عهده وخيانة أمانته. وقوله: (من ذمته) أي: من خيانتكم في ذمته وأمانته تعالى، و(من) تبعيضية أو بيانية قدمت على المبيَّن، وفي تكرير الجلالة والذمة مع إقامة المسبَّب مُقام السبب مبالغة وتأكید. وقوله: (بشيء) أي: بشيء قليل فضلاً عن كثير، والمعنى: لا تتعرضوا لمن صلى صلاة الصبح بشيء يسير، فإن تعرضتم يدرككم الله ويكبكم على وجوهكم إذ لا مهرب ولا مفر عنه تعالی. ٦٢٨ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (لو يعلم الناس) عدل عن الماضي إلى المضارع لقصد الاستمرار، أي: لو علم الناس ما في منصب الأذان والاستباق إلى الصف الأول من الفضيلة، وجاء في رواية أبي الشيخ: (من الخير والبركة)، (ثم لم يجدوا) أي: شيئاً من وجوه الأولوية والرجحان (إلا أن يستهموا عليه) أي: يقترعوا، وسمي الاقتراع استهاماً؛ لأن الغالب وقوعه بسهام تكتب عليها الأسماء لاقترعوا، أي: ذلك أمر عظيم يُتنافس فيه ويُتنازع ويُقترع عليه، وحمل بعضهم الاستهام على الترامي بالسهام للمبالغة، واستأنس بحديث لفظه: (لتجادلوا عليه بالسيوف)، لكنَّ فهمَ البخاري من الاستهام الاقتراع أولى؛ لما ذكر أن قوماً اختلفوا في الأذان فأقرع بينهم سعد بن أبي وقاص ◌ُه. ٣٨٥ (٤) كتاب الصلاة وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاَسْتَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لِأَثَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٥، م: ٤٣٧]. وقوله: (ثم لم يجدوا) قال في (الفتح) (١): وفي رواية المستملي والحَقُّوبي: (ثم لا يجدون)، وحكى الكرماني أن في بعض الروايات: (ثم لا يجدوا)، ووجَّه بجواز حذف النون تخفيفاً، ولم أقف على هذه الرواية، وقوله: (إلا أن يستهموا عليه) أي: على ما ذكر ليشمل الأمرين: الأذان، وصف الأول، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلّ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقد رواه عبد الرزاق عن الإمام مالك رحمه الله بلفظ: (لاستهموا عليهما)، وهذا مفصح عن المراد من غير تكلف. وقوله: (ولو يعلمون ما في التهجير) أي: صلاة الظهر، أي: إيقاعها وقت المهاجرة، وفي (مجمع البحار)(٢): أي: التبكير إلى الصلاة أيَّ صلاة كانت، وخصه الخليل بالجمعة، وفي (النهاية)(٣): التهجير: التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه، وهذا لغة أهل الحجاز، ولا بد يكون ذلك في غیر شدة الحر فإن الإبراد فيه مستحب كما عرفت. وقوله: (لأتوهما ولم حبواً) في (القاموس)(٤): حبا الرجل: مشى على يديه وبطنه، والصبي: مشى على استه، وأشرف على صدره. وفي (مشارق الأنوار)(٥): حبا الصبي يحبو حبواً: زحف، قال ابن دريد: إذا (١) ((فتح الباري)) (٢ / ٩٦). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٥ / ١٤٨). (٣) ((النهاية)) (٥ / ٢٤٦). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٧). (٥) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٧٥). ٣٨٦ (٣) باب فضائل الصلاة ٦٢٩ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَيْسَ صَلاَةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِهِمَا لِأَنَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٧، م: ٦٥١]. ٦٣٠ - [٧] وَعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٥٦]. ٦٣١ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لاَ يَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمٍ صَلاَتَكُمُ الْمَغْرِبِ)). قَالَ: ((وَتَقُولُ الأَعْرَابُ: مشى على استه وأشرف على صدره، وقال الحربي: مشى على يديه . ٦٢٩ - [٦] (عنه) قوله: (ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء) لكونه وقت الكسل وقلة مُراءاة الناس. ٦٣٠ - [٧] (عثمان ) قوله: (فكأنما صلى الليل كله) يحتمل معنيين، أحدهما: أنه لما حصل لصلاة العشاء ثواب قيام نصف الليل، ثم القيام لصلاة الصبح، وثانيهما: أن صلاة الصبح في حكم قيام كل الليل مستقلاً، وحقيقته موكول إلى علم الشارع، والتعبير بالقيام أولاً وبالصلاة ثانياً تفنن. ٦٣١، ٦٣٢ - [٨، ٩] (ابن عمر) قوله: (لا يغلبنكم) بلفظ التذكير والتأنيث، وكذا أخواته، ولعل التعبير بالأعراب وإن كان العرب أيضاً يسمونه بذلك تهجينٌ لشأنهم في الجهل والتكلم بما يخالف لسان الدين، والله أعلم. وقوله: (المغرب) بدل من (صلاتكم). وقوله: (قال) فاعلُه ابن عمر أو النبي ◌َّ، والثاني أرجح. ٣٨٧ (٤) كتاب الصلاة هِيَ الْعِشَاءُ)). ٦٣٢ - [٩] وَقَالَ: ((لاَ يَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاَئِكُمُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ فَإِنَّهَا تُعْتَمُ بِحِلاَبِ الإِبِلِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٤٤]. ٦٣٣ - [١٠] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللهِن ◌َِّ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: ((حَبَسُونَاَ عَنْ صَلاَةِ الْوُسْطَى: صَلاَةِ الْعَصْرِ، . وقوله: (فإنها في كتاب الله العشاء) علة للنهي، أي: اسمها في القرآن ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوْةِ الْعِشَآءِ﴾ [النور: ٥٨]، ولا يليق العدول عما في كتاب الله، (فإنها تعتم) تعليل لتسمية الأعراب العشاء عتمة، و(تُعْتَمُ) ضبط بلفظ المجهول والمعلوم من الإعتام، فعلى الأول الضمير لصلاة العشاء، وعلى الثاني للأعراب، والإعتام: الدخول في الظلام؛ لأنهم كانوا يحلبون الإبل بعد غيبوبة الشفق، والعتمة الظلمة، والمعنى: لا تسموا المغرب عشاء والعشاء عتمة على لسان أهل الجاهلية، فالنهي في الظاهر للأعراب، وفي الحقيقة للمسلمين بوضع المسبّب موضع السبب كما سبق في قوله: (لا يطلبنكم الله من ذمته). وما وقع في الأحاديث من تسمية العشاء عتمة محمول على ما قبل النهي، وقيل: لا كراهة لكثرة وقوعها فيها، وقيل: استعمل لبيان الجواز، أو يكون النهي عن إطلاقه في أغلب الأحوال لا أحياناً، ومع ذلك الكراهة للتنزيه لا للتحريم، وسبب الكراهة التشبه بأهل الجاهلية كما يفهم من سوق الحديث، وقيل: قبح لفظه إذ العتمة شدة الظلال، والصلاة هي النور الأعظم. ٦٣٣ - [١٠] (علي ) قوله: (يوم الخندق) وهو غزوة الأحزاب فات فيها أربع صلوات منها العصر، وتخصيصها بالتحسر لفضلها، و(صلاة الوسطى) مما يرى من إضافة الموصوف إلى الصفة، وهو متأوَّل، أي: صلاة الساعة الوسطى كما في ٣٨٨ (٣) باب فضائل الصلاة مَلأَّ اللهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً)). مُتَّفَقٌ عَليْهِ. [خ: ٤٥٣٣، ٤١١١، ٦٣٩٦، م: ٦٢٧]. * الْفَصْلُ الثَّانِ : ٦٣٤ - [١١] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالاَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: ((صَلاَةُ الْوُسْطَى صَلاَةُ الْعَصْرِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٨١]. ٦٣٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّنَّه فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قَالَ: ((تَشْهَدُهُ مَلاَئِكَةُ. (صلاة الأولى)، و(جانب الغربي) أي: المكان الغربي، وقد يجيء بالتوصيف أيضاً كما في: الفصل الثالث، ثم قد وقع الاختلاف في المراد بالصلاة الوسطى في قوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَتِ وَالضَّلَوةِ اَلْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، والأكثر على أنها صلاة العصر، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، وذهب مالك والشافعي رحمهم الله أنها صلاة الصبح، وقال النووي: والذي يقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها صلاة العصر، وهو المختار. وقوله: (ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً) دعاء بعذاب الدارين، فهو من باب المجاز دون الجمع بين الحقيقة والمجاز. الفصل الثاني ٦٣٤ - [١١] (ابن مسعود وسمرة بن جندب) قوله: (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث صحيح، وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي بصّر وغيرهم. ٦٣٥ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (إن قرآن الفجر) أي: صلاة الصبح، سميت قرآناً لكونه ركناً كما سميت ركوعاً وسجوداً، وقد يفسر بالقراءة في صلاة الفجر، ورجح الإمام الرازي هذا التفسير، ويلزم منه فضل صلاة الفجر ووقتِها أيضاً، (تشهده ملائكة ٣٨٩ (٤) كتاب الصلاة اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣١٣٥]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٦٣٦ - [١٣] عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَائِشَة قَالاَ: الصَّلاَةُ الْوُسْطَى صَلاَةُ الظُّهْرِ. رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ زَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُمَا تَعْلِيقاً. [ط: ٣١٥، تـ الليل وملائكة النهار) قال البيضاوي(١) في تفسير قوله: ﴿مَشْهُودًا﴾: أو شواهد القدرة من تبدل الظلمة بالضياء، والنوم الذي هو أخو الموت بالانتباه، أو كثير من المصلين، أو من حقه أن يشهده الجم الغفير. الفصل الثالث ٦٣٦ - [١٣] (زيد بن ثابت وعائشة) قوله: (قالا: الصلاة الوسطى صلاة الظهر) أما إن أخذ الوسطى من التوسط بمعنى الوقوع في البين فلأنها في وسط النهار، وإن كان بمعنى الفضلى فلأنها كانت أشق الصلوات عليهم لكونها بالهاجرة، وقد ورد أن أفضل العبادات أحمزها، أي: أشدها وأشقها، والحمازة: الشدة، ولأنها أول صلاة ظهرت وصليت مع أن فرض الصلوات كان ليلاً، فأخِّر تعليمُ جبريل النبيَّ نَّ﴿ كيفية الصلاة ووقتها إليها . وقوله: (والترمذي عنهما تعليقاً) أي: روى الترمذي هذا القول عن زيد وعائشة ﴿ك بطريق التعليق، والتعليق أن يحذف من أول الإسناد كلَّ أو بعضاً سواء كان الحذف مرفوعاً أو موقوفاً أو مقطوعاً، وقد سبق في المقدمة بيانها، فالترمذي قال: وقال زيد بن ثابت وعائشة ظه: صلاة الوسطى صلاة الظهر، قال الطيبي(٢): وإليه ذهب أبو سعيد الخدري وأسامة بن زيد (١) ((البيضاوي)) (١ / ٥٧٩). (٢) ((شرح الطيبي)) (٢ / ١٩١). ٣٩٠ (٣) باب فضائل الصلاة ٦٣٧ - [١٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلاَةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهَِّهِ مِنْهَا، فَنَزَلَتْ ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالضَّلَوةِ اَلْوُسْطَى﴾ وَقَالَ: إِنَّ قَبْلَهَا صَلَتَيْن وَبَعْدَهَا صَلاَتَيْنِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ١٨٣/٥، د: ٤١١]. ٦٣٨ - [١٥] وَعَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولَاَنِ: الصَّلاَةُ الْوُسْطَى صَلَةُ الصُّبْحِ. رَوَاهُ فِي ((الْمُوَطَّ)). [ط: ٣١٦]. ٦٣٩ - [١٦] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَن ابْن عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ تَعْلِيقاً. [ت: ١٨٢]. ٦٣٧ - [١٤] (زيد بن ثابت) قوله: (فنزلت ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَاتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى﴾) أي: الفضلى، فعُطِفَ عَطْفَ الخاص على العام إشارةً إلى مزيد فضله، (وقال) أي: زيد أو الراوي عنه في إثبات التوسط: (إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين) إحداهما نهارية والأخرى ليلية، أما قبلها فالفجر والعشاء، وأما بعدها فالعصر والمغرب، وإنما قلنا هذا لتحصل للظهر خصوصية، وإلا فكل صلاة قبلها صلاتان وبعدها صلاتان، ويمكن أن يكون المراد أن التوسط ثابت لكل صلاة، ويختص الظهر بمزيد فضل، فتكون هي المرادةَ من قوله تعالى: ﴿وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ المقتضي لثبوت خصوصيةٍ وفضل لما أريد بها، وهذا دليل من زيد بن ثابت على إثبات مدعاه، فظهر أنه قال ذلك باجتهاده، والله أعلم. ٦٣٨ _ [١٥] (مالك) قوله: (كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الصبح) وجهه: أنها بين صلاتي النهار والليل، والواقع بين الحد المشترك بينهما، ولأنها مشهودة. ٦٣٩ - [١٦] قوله: (ورواه الترمذي عن ابن عباس وابن عمر تعليقاً) ليس في ٣٩١ (٤) كتاب الصلاة ٦٤٠ - [١٧] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ غَدَا إِلَى صَلاَةِ الصُّبْحِ غَدَا بِرَايَةِ الإِيمَانِ، وَمَنْ غَدَا إِلَى السُّوقِ غَدَا بِرَايَةٍ إِبْلِيسَ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٢٥٣]. (جامع الترمذي) ذكر ابن عمر صريحاً، ولفظه: وقال ابن عباس وغيره: صلاة الوسطى صلاة الصبح. هذا وقيل: إنها المغرب لأنها المتوسطة بالعدد ووتر النهار، وقيل: العشاء لأنها بين جهريتين واقعتين طرفي الليل، مع ما في أدائها من مزيد مشقة ومزيد فضلٍ لكونها من خصائص هذه الأمة، وكأنه من ههنا ذهب بعضهم أنه واحد مبهم من الخمس، أبهمها الله تحريضاً على محافظة جميعها كما في ليلة القدر وساعة الجمعة، ومما ألقي في رُوع الكاتب من غير فكر وتوجه: أن المراد الصلاة الواقعة في وسط العمل والشواغل، فإنها أحق وأجدر بالاهتمام والمحافظة، والله أعلم. والأحاديث الصحيحة المرفوعة إلى رسول الله وتسليم قد قطعت النزاع إذ لا حجة بعدها، ويحتمل أن تكون هذه الأقوال من الصحابة والتابعين باجتهاد منهم قبل سماعهم من الرسول ◌َّ وقبل وصول الحديث إليهم، ثم لما سمعوا الحديث ووصل إليهم أنها صلاة العصر رجعوا عن أقاويلهم، ولنعم ما قال الماوردي من الشافعية: نص الشافعي رحمه الله أنها الصبح، وصحت الأحاديث أنها العصر، وكان هذا هو مذهبَه لقوله: إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بمذهبي على عرض الحائط، رحمه الله . ٦٤٠ - [١٧] (سلمان) قوله: (ومن غدا إلى السوق) أي: من غير أن يغدوا إلى الصبح، وإلا لو غدا بعد أداء الصلاة وإقامة الأوراد لكسب الرزق الحلال وحاجةٍ له إليه فلا بأس . ٣٩٢ (٤) باب الأذان ٤ - باب الأذان ٤ - باب الأذان الأذان في اللغة: الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أي: الإعلام، وأصله من الأذن بفتحتين، وهو الاستماع، وأَذِنَ به: عَلِمِه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾﴾ [البقرة: ٢٧٩] كأنه يلقي في أذن الناس بصوته، إذا سمعوه علموا أنهم ندبوا لذلك. وفي الشرع: إعلام بدخول وقت الصلاة بذكرٍ مخصوصٍ في وقتٍ مخصوص، وهو مشروعٌ للصلوات الخمس بالإجماع. والمشهور أن شرعيته في السنة الأولى من الهجرة، وقيل: في السنة الثانية، ثم المشهور أنه ثبت برؤيا عبدالله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، ورؤية عمر بن الخطاب ٹے، وقد وقع في (الأوسط)(١) للطبراني: أن أبا بكر الصديق حظبته أيضاً رأى الأذان، وفي (الوسيط)(٢) للغزالي: أنه رآه بضعة عشر رجلاً، وصرح بعضهم بأربعة عشر، وأنكره ابن الصلاح والنووي، وفي (سيرة مغلطاي): أنه رآه سبعة من الأنصار. وقال الحافظ ابن حجر(٣): لا يثبت شيء من ذلك إلا لعبدالله بن زيد، وقصة عمر رتڅته جاءت في بعض الطرق، والصحيح أنه أوحي إليه ێ بعد رؤيا عبدالله بن زيد، وهو المراد بقوله وق سيلفر حين ذكر عبدالله بن زيد رؤياه: (إنها لرؤيا حقِّ إن شاء الله) ترقباً منه ◌َّ ** نزول الوحي بذلك. (١) ((المعجم الأوسط)) (ح: ٢٠٢٠). (٢) ((الوسيط)) (٢ / ٦٧٦). (٣) ((فتح الباري)) (٢ / ٧٨). ٣٩٣ (٤) كتاب الصلاة وقد وقع فيما رواه عبد الرزاق وأبو داود في (المراسيل)(١) من طريق عبيد بن عمير الليثي - أحد كبار التابعين - أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي ◌َّ، فقال له وَلَّى: (قد سبقك بذلك الوحي)، وهذا أصح. وقد روى البزار(٢) عن علي حظ ه أنه قال: لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان جاء جبرئيل علينا بدابة يقال له: البراق، فركبها حتى أتى بها الحجاب الذي يلي الرحمن، فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب فقال: يا جبرئيل من هذا؟ فقال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكاناً وإن هذا الملكَ ما رأيته منذ خُلِقْتُ قبل ساعتي هذه، فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر، وذكر بقية الأذان. ووردت فيه أحاديث كلها ضعيفة مخالفة لما ورد في الخبر الصحيح من أن بَدْءَ الأذان كان بالمدينة، وقيل: إنه وَ﴿ أُريَه ليلة الإسراء، أو فهو قد شُرِعَ بمكة قبل الهجرة. وقال في (فتح الباري)(٣): والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه سي كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور، وأيّد ذلك بأنه لو كان مشروعاً قبل ذلك لما احتاج إلى التشاور، وقد يقال: الذي سمع ليلة الإسراء هو كلمات الأذان من غير أن يؤمر بإقامته وقت الصلاة، وعَلِمَ بعد رؤيا القوم أن مراد الله بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض، والله أعلم. (١) ((مصنف عبد الرزاق)) (١ / ٤٥٦، رقم: ١٧٧٥)، ((كتاب المراسيل)) (١ / ١٢٦، رقم: ٢٠). (٢) («مسند بزار)) (٥٠٨). (٣) ((فتح الباري)) (٢ / ٧٩). ٣٩٤ (٤) باب الأذان * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٦٤١ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّقُوسَ، فَذَكَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، الفصل الأول ٦٤١ - [١] (أنس) قوله: (ذكروا النار والناقوس) أول القصة ما ذكر في الفصل : (أن المسلمين كانوا حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الثالث عن ابن عمر للصلاة) الحدیث. وقال التُّورِبِشْتِي: هذا الحديث إما أن يكون مبسوطاً فاختُصر، وإما أن يكون أنس قد حدَّث به على ما هو عليه، فلم يضبط الراوي، وحدث به حين علاه السنُّ فلم يتذكر القصة فيه . وقوله: (ذكروا النار)، قال بعضهم: نوقد ناراً ونرفعها، فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة، وقوله: (والناقوس)، في (القاموس)(١): الناقوس: الذي يضربه النصارى لأوقات صلاتهم، خشبة كبيرة طويلة، وأخرى قصيرة، واسمها الوبيل، وفي (مجمع البحار)(٢): خشبة طويلة تضرب بخشبة هي أصغر منها، والنصارى يعلمون بها أوقات صلاتهم، وكذا قال السيوطي في (شرح صحيح البخاري)(٣) . وقال الكرماني(٤): الناقوس: الذي يضربه النصارى لوقت الصلاة. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٣٥). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٧٩١، ٧٩٢). (٣) ((التوشيح)) (٢/ ٦٤٠). (٤) ((شرح الكرماني)) (٥/ ٢). ٣٩٥ (٤) كتاب الصلاة فَأُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ. وفي (فتح الباري)(١): ووقع لابن ماجه عن ابن عمر: (أن النبي ◌َّ استشار الناس لما يجمعهم إلى الصلاة، فذكروا البوق، فكرهه من أجل اليهود، ثم ذكروا الناقوس، فكرهه من أجل النصارى)، ووقع في بعض النسخ: (بل قرناً)، وهي رواية مسلم والنسائي(٢)، والبوق والقرن معروفان، والمراد أنه ينفخ فيه فيجتمعون عند سماع صوته، وهو من شعار اليهود، ويسمى أيضاً الشبّور بالشين المعجمة المفتوحة والموحدة المضمومة الثقيلة، انتهى. وفي (القاموس)(٣): البوق بالضم: الذي ينفخ فيه ويزمر. ثم الظاهر من هذا الحديث أن النار لليهود والناقوس للنصارى، وعليه كلام الطيبي (٤) . وذكر في بعض شروح (الهداية): أنه أشير إلى الناقوس فقيل: هو للنصارى، وأشير إلى النفخ في القرن فقيل: هو لليهود، وأشير إلى إيقاد النار فقيل: هو للمجوس. ولكن يختلج أن المجوس ليس لهم صلاة، فالمراد أن إيقاد النار من دأبهم سواء کان للإعلام لوقت العبادة أو لا، وهم يعبدون النار. وقال التُّورِبِشْتِي: المشهور عن اليهود أنهم كانوا ينفخون في قرن، وقد ذُكر ذلك في حديث الأذان، ولم تُذكر النار إلا من حديث أنس هذا، فلعلهم صنعوا الأمرين، أو كانوا فريقين: فريق يوقد النار وفريق ينفخ في القرن. وقوله: (فأمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة) هذا مذهب الأئمة الثلاثة (١) ((فتح الباري)) (٢/ ٨٠)، وانظر: ((سنن ابن ماجه)) (ح: ٧٠٧). (٢) ((صحيح مسلم)) (٣٧٧)، ((سنن النسائي)) (٦٢٦). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٠٢). (٤) (شرح الطيبي)) (٢/ ١٩٢). ٣٩٦ (٤) باب الأذان وتمسكهم بهذا الحديث، وقال الترمذي(١): وفي الباب عن ابن عمر ظلمًا، وقال: حديث أنس حسن صحيح، وهو قول بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌ّر والتابعين، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وأورد حديثاً آخر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبدالله بن زيد قال: (كان أذان رسول الله ﴿ ﴿ شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة)، وقال بعض أهل العلم: الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة. وقال الشيخ ابن الهمام(٢): روى أبو داود عن ابن أبي ليلى عن معاذ حظرُه، وذكر الحديث بطوله إلى أن قال: (فاستقبل القبلة) يعني الملك (قال: الله أكبر) إلى آخر الأذان، قال: (ثم أمهل هُنيةً، ثم قام فقال مثلها إلا أنه زاد بعد ما قال: حي على الفلاح: قد قامت الصلاة)، وقال: إن ابن أبي ليلى لم يدرك معاذاً، وهو مع ذلك حجة عندنا، إذ روى ابن أبي شيبة (٣) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى بسندٍ قال في (الإمام): رجاله رجال الصحيحين، قال: (ثنا أصحاب محمد ◌ّ أن عبدالله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ◌َّلـ فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رجلاً قام وعليه بردان أخضران، فقام على حائط، فأذن مثنى مثنى)، الحديث، ولابن ماجه قال - يعني أبا محذورة -: (علمني رسول الله وَّلـ الأذان تسع عشرة كلمة: الله أكبر الله أكبر)، الحديث، وفيه الترجيع، والإقامة سبع عشرة كلمة: الله أكبر الله أكبر، إلى آخره، وفيه تثنية التشهدين والحيعلتين، وقد قامت الصلاة، وللترمذي: علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة. (١) ((سنن الترمذي)) (١ / ٣٧٠)، وانظر: رقم الحديث (ح: ١٩٤). (٢) ((فتح القدير)) (١ / ٢٤٣). (٣) ((مصنف ابن أبي سيبة)) (٢١١٨). ٣٩٧ (٤) كتاب الصلاة قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرْتُهُ لِأَيُوبَ فَقَالَ: إِلَّ الإِقَامَة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٣، م: ٣٧٨]. وأما الاستدلال للشافعي رحمه الله بالحديث المتفق عليه فلا يخفى أن ما رويناه نصٌّ على العدد، وعلى حكاية كلمات الأذان، فانقطع الاحتمال بالكلية، بخلاف: أمر أن يوتر الإقامة، فإن بعد كون الآمر هو الشارع، فالإقامة اسم لمجموع الذكر، وتعليق الإيتار بها نفسها لا يراد على ظاهره، وهو أن يقول: الإقامة التي هي مجموع الذكر مرة لا مرتين، فلزم كونه إما إيتار ألفاظها كما ذهب إليه، أو إيتار صوتها بأن يَحْدُرَ فيها كما هو المتوارث، فيجب الحمل على الثاني ليوافق ما رويناه من النص الغير المحتمل. كيف وقد قال الطحاوي: تواترت الأخبار عن بلال ظ أنه كان يُثَنِّي الإقامة حتى مات، وعن إبراهيم النخعي: كانت الإقامة مثل الأذان، حتى كان هؤلاء الملوك فجعلوها واحدة واحدة للسرعة إذا خرجوا، يعني: بني أمية، كما قال أبو الفرج ابن الجوزي: كان الأذان والإقامة مثنى مثنى، فلما قام بنو أمية أفردوا الإقامة، انتهى كلام ابن الهمام. وقال الشُّمُنِّي: روى الطحاوي والبيهقي في (الخلافيات) عن أبي العميس قال: سمعت عبدالله بن محمد بن عبدالله بن زيد الأنصاري يحدث عن أبيه عن جده: (أنه رأى الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى). وقوله: (قال إسماعيل) أحد رواة الحديث، شيخ شيخ البخاري ومسلم، وهذا القول أيضاً مذكور في الصحيحين، لكنه ذكره البخاري بلفظ: إسماعيل بن إبراهيم، ومسلم: إسماعيل بن عُلَيَّة، وإبراهيم اسم أبيه وعلية اسم أمه. قوله: (إلا الإقامة) أي: إلا لفظ (قد قامت الصلاة) فإنه يثنَّى. قوله: (متفق عليه) الاستثناء مذكور في الحديث المتفق عليه، وقد تفرد بهذا ٣٩٨ (٤) باب الأذان ٦٤٢ - وَعَن أبي مَحْذُورَةَ قَالَ: أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ التَّأْذِينَ هُوَ بنَفْسِهِ فَقَالَ: ((قُل: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ تَعُودُ فَتَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، البخاري أيضاً، ولم يذكر فيه الاستثناء، فأخذ به مالك رحمه الله، فعنده يوتر الإقامة، أي: قوله: (قد قامت الصلاة) أيضاً. ٦٤٢ - [٢] (أبو محذورة) قوله: (وعن أبي محذورة قال: ألقى علي رسول الله وَ﴿ التأذين فقال: قل: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر) هكذا وقع في نسخ (المشكاة) و(المصابيح): (الله أكبر) أربع مرات كما هو المعهود في الأذان، قال الشيخ ابن الهمام(١): روى مسلم التكبير في أوله مرتين، وبه يستدل مالك رحمه الله، ورواه أبو داود والنسائي التكبير في أوله أربعاً وإسناده صحيح، انتهى. وقال النووي في شرح هذا الحديث(٢): وقع التكبير في أكثر الروايات مرتين، وبه قال مالك، وهو عمل أهل المدينة، ووقع في بعض طرق الفارسي في (صحيح مسلم) أربع مرات، وبه قال الثلاثة الشافعي وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله والجمهور؛ لأن زيادة الثقة مقبولة . وقوله: (ثم تعود ... إلخ)، وهذا هو الترجيع، وهو من الرجع، يعني معاودة الكلام، وفي اصطلاح الفقهاء: هو إعادة الشهادتين بعد ذكرهما بخفضٍ الصوت أرفع (١) ((فتح القدير)) (١ / ٢٤١). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢/ ٣١٧). . ٣٩٩ (٤) كتاب الصلاة من الصوت الأول، وهو سنة عند مالك والشافعي رحمهما الله، واختلفت الرواية عن أحمد، وظاهر مذهبه عدم الترجيع، وقال أئمة مذهبه: الخلاف في الاختيار، ولا خلاف في جواز الأمرين من غير كراهة، وقيل عنه: يكره الترجيع، ونُقُل عنه: أنه قال: قد رجع النبي ◌َّ﴾ عن أذان أبي محذورة، فأقرَّ بلالاً على أذان عبدالله بن زيد، ولا ينافيه ما قيل: إن أذان عبدالله بن زيد كان بالمدينة، وأذان أبي محذورة كان بعد فتح مكة. والترجيع ليس بسنة عندنا. وقال في (الهداية)(١): ولنا أنه لا ترجيع في المشاهير، وكان ما رواه تعليماً فظنه ترجيعاً. وقال الشيخ ابن الهمام(٢): منها حديث عبدالله بن زيد بجميع طرقه، ومنها ما في (سنن أبي داود) عن ابن عمر ◌ٍ ﴾، ورواه ابن خزيمة وابن حبان، فاحتمل أن يكون ذلك في حديث أبي محذورة؛ لأنه لم يمدّ بها صوته على الوجه الذي أراده النبي ◌ٍَّ، فقال: (ارجع فَمُدَّ بها صوتك)، وهو المراد بقول المصنف: (وكان ما رواه تعليماً) أي: تعليماً لكيفية أذانه، فظنه ترجيعاً، واستشكل بما في (أبي داود) بإسناد صحيح عن أبي محذورة قال: قلت: يا رسول الله! علمني سنة الأذان، قال: (تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، تخفض بها صوتك، ثم ترفع بها صوتك)، هذا وقد روى الطبراني عن أبي محذورة ولم يذكر فيه ترجيعاً، فيعارض رواية أبي محذورة فيتساقطان، ويبقى (١) ((الهداية)) (١ / ٤٣). (٢) ((فتح القدير)) (١ / ٢٤١ - ٢٤٢). ٤٠٠ (٤) باب الأذان ما قدمناه من حديث ابن عمر، وحديث عبدالله بن زيد سالماً من المعارض، ويترجح عدم الترجيع؛ لأن حديث عبدالله بن زيد هو الأصل في الأذان، وليس فيه ترجيع، فيبقى معه إلى أن يتحقق خلافه، لكن خلافه متعارضٌ فلا یرفع حكماً تحقّق ثبوتُه بلا معارض، انتھی . وقال التُّورِبِشْتِي: حديث أبي محذورة عند من لا يرى الترجيع مؤول على أن أبا محذورة لم يرفع صوته بتلك الكلمات التي هي علم الإيمان ومنار التوحيد، فأمره أن يرجع فیمد بها صوته، ذكر ذلك أبو بكر الرازي، وهو تأويل حسن مستقيم، تشهد له قصة الحال بالإصابة، وذلك أن أبا محذورة كان في جماعة من مشركي مكة، شردوا في الجبال بعد فتح مكة، فسمعوا منادي رسول الله ورسله ينادي بالصلاة، فطفقوا ينادون ويستهزؤون به، فبلغ الصوت رسول الله ﴿ فأرسل في طلبهم، فأتي بهم، فقال: أيكم الذين سمعت صوتهم؟ فأشاروا إلى أبي محذورة فأطلقهم وحبسه. ثم قال: قم فأذن بالصلاة، فقال أبو محذورة: فقمت ولا شيء أكره إلي من رسول الله وَ﴿ ولا مما يأمرني به، فقمت بين يديه فألقى إلي التأذين هو بنفسه، وذكر الحديث، فكأنه لشدة كراهته تهاون في رفع الصوت، فأمره أن يرجع، فيمد صوته بالشهادتين؛ لأنهما كانتا هما الموجبتين لكراهته. وقال: وعلى هذا الذي ذكرت أراه محتملاً لوجه آخر، وهو أن يكون قصد النبي ◌َّ في الشهادتين عرض الإسلام عليه، وإنما استحسنا التأويل؛ لأن الترجيع لم يذكر في شيء من الأحاديث إلا في حديث أبي محذورة، لا في حديث بلال، وهو زعيم المؤذنين، وإليه المرجع في سنة الأذان فهو المتبوع، ولم يرو عن ابن أم مكتوم ولا عن سعد القَرَظ مؤذن مسجد قباء، ولم يرو عن أحد الترجيع إلا ما رُوي عن أبي