النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
(٤) كتاب الصلاة
صلاة الصبح أو غربت وهو في صلاة العصر، لا تبطل صلاته، وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن صلاة الصبح تفسد بطلوع الشمس، وصلاة العصر
لا تبطل بغروب الشمس، وفرقوا بينهما بأن وقت الفجر كله كامل فإذا شرع فيها وجبت
كاملة، فإذا طرأ النقصان لم يؤد كما وجب، بخلاف العصر فإن آخر وقته ناقص لأنه
وقت كراهة، فإذا شرع فيها فقد وجب ناقصة، فإذا طرأ النقصان بالغروب فقد أدى كما
وجب، وهذا إذا شرع في الوقت الناقص ظاهر، وأما إن شرع قبله فلأن للإنسان أن
يستوعب وقت الصلاة لها فلا یمکن الاحتراز عنه.
وهذا الحديث وارد عليهم، والجواب: أنه قد وقع التعارض بين هذا الحديث
وبين الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، فإنها تعم الفرض
والنفل، وليست مخصوصة بالنفل كما زعمت الشافعية، وحكم التعارض بين الحديثين
الرجوع إلى القياس، والقياس رجح حكم هذا الحديث في صلاة العصر، وحكمَ النهي
في صلاة الفجر كما ذكرنا، وليست الأحاديث في النهي عن الثلاثة مخصوصة بالنفل
كالنهي عن الصلاة بعد الفجر والعصر، كما زعمت الشافعية؛ لقوله تخطّ ى: (من نام عن
صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها) أي: أوله، وبه يوفقون بين هذا
الحديث وتلك الأحاديث؛ لأن التخصيص خلاف الظاهر، وظاهر الأحاديث النهي عن
الفرائض والنوافل، وأيضاً لو كانت مخصوصة بالنفل لجاز قضاء الفوائت فيها ولا يجوز؛
لأن النبي وّ لما فاتته صلاة الفجر ليلة التعريس انتظر في قضائها إلى أن ارتفعت الشمس،
فلو جاز قضاء المكتوبة حال طلوع الشمس لما أخر بعد الانتباه، كذا قيل.
وقال السُّغْناقي(١): والآثار المروية في النهي عامةٌ في جنس الصلاة. وقال بعض
(١) هو الحسين بن علي بن الحجاج بن علي، حسام الدين السغناقي، فقيه حنفي، المتوفى : =

٣٦٢
(٢) باب تعجيل الصلاة
٦٠٢ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً
مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاَتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً
مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَتَهُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[خ: ٥٥٦].
أصحابنا: أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث وكان وروده قبل النهي، ومقتضاه أن يبطل
العصر أيضاً لكنا عللناه بما ذكرنا فجوزنا في العصر هذا، وقد روي عن أبي يوسف أن
الفجر لا يفسد بطلوع الشمس ولكنه يصبر حتى إذا ارتفعت الشمس أتم صلاته، فكأنه
استحسن هذا ليكون مؤدياً بعض الصلاة في الوقت، ولو أفسدها كان مؤدياً جميع
الصلاة خارج الوقت، وأداء بعض الصلاة في الوقت أولى من أدائه الكل خارج الوقت،
كذا ذكر السغناقي نقلاً عن (المبسوط)، والله أعلم.
ثم قد أخذت الشافعية من الحديث المذكور أنه إذا بلغ الصبي أو طهرت الحائض
أو أسلم الكافر وأدرك مقدار ركعة من الوقت وجبت عليه هذه الصلاة، وفي إدراك مقدار
تكبيرةٍ قولان من الشافعي كما هو مذهبنا، وخصه الطحاوي من أصحابنا بهذه الصورة،
وقال: المراد بإدراك الصبح هذا المعنى نصرةً لمذهب أبي حنيفة وأصحابه، لكن
الروايات التي جاءت في أن المراد إتمامها بأداء ركعة أخرى كما ذكرنا يأباه، فتدبر.
٦٠٢ - [١٦] (عنه) قوله: (إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر) الحديث،
قال الخطابي: معناه: الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها بسجودها
فسميت بهذا المعنى سجدةً، وحكم [ما] دون الركعة كذلك، والحديث خارج
= ٧١١ هـ، نسبته إلى سغناق بلدة في تركستان، له ((النهاية في شرح الهداية))، انظر: ((الأعلام))
للزركلي (٢ / ٢٤٧).

٣٦٣
(٤) كتاب الصلاة
٦٠٣ - [١٧] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَنْ نَسِيَ صَلَةً
أَوْ نَمَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((لاَ كَفَّارَة لَهَا إِلَّ
ذَلِك)». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٧، م: ٦٨٤].
٦٠٤ - [١٨] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: ((لَيْسَ فِي
النَّوْمِ تَغْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْقَظَةِ، .
على الغالب، والصحيح أن الصلاة كلها أداء، وبعض الشافعية على أنه قضاء، وثمرة
الخلاف تظهر في مسافر نوى القصر وصلى ركعة في الوقت، فإن قلنا أداء فله قصرها،
أو قضاء فعليه إتمامها، كذا ذكره الكرماني(١).
٦٠٣ - [١٧] (أنس) قوله: (فكفارتها) إشارة إلى كون فوات الصلاة خطيئة
وإن لم یکن باختياره.
وقوله: (إذا ذكرها) لما كان الاستيقاظ مستسبقاً لذكرها، وإنما الصلاة إذا ذكرها
بعد الاستيقاظ، اكتفى بالذكر، وهو في الظاهر مقابل النسيان، ولم يذكر بعده: واستيقظ،
فافهم .
وقوله: (وفي رواية) يعني: زيادة على قوله: (فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها)
للتأكيد، ومعنى الحصر: عدم شرعية الفداء بالمال كما في الصوم.
٦٠٤ - [١٨] (أبو قتادة) قوله: (ليس في النوم تفريط) وكذا في النسيان ولم
يُذكر لأنه في معناه، ولهذا ذكره في التفريع.
وقوله: (إنما التفريط في اليقظة) أي: إنما يوجد التقصير في حال اليقظة بأن
يفعل ما يؤدي إلى النوم أو النسيان كالاضطجاع عند غلبة الظن بالنوم، والاشتغال بما
(١) ((شرح الكرماني)) (٤ / ٢٢٠).

٣٦٤
(٢) باب تعجيل الصلاة
فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾)) [طه: ١٤]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٨١].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٦٠٥ - [١٩] عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ نَِّقَالَ: ((يَا عَلِيُّ، ثَلاَثٌ لاَ تُؤَخِّرْهَا:
الصَّلاَةُ إِذَا أَنَتْ،
يترتب عليه النسيان من المشاغل كلعب الشطرنج ونحوه، فيأثم بذلك، وبالنوم يجب
القضاء ولا إثم.
وقوله: (إذا ذكرها) اكتفى به لِمَا عرفت، أو المعنى أنه وإن عذر في النوم أو النسيان
ولم ينسب إليه التفريط، ولكن إذا استيقظ وذكر زال العذر ونسب إليه التفريط فليصلها
بعده .
وقوله: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾) أي: لذكرها، فإن مَن ذكرها ذكر الله، وقد
قرئ: (للذكرى) واللام للوقت.
الفصل الثاني
٦٠٥ - [١٩] (علي) قوله: (ثلاث لا تؤخرها) ضبط بالرفع والجزم، فعلى
الرفع إما خبر لـ (ثلاث)، أو صفة له على المشهور من عدم جواز وقوع النكرة المحضة
مبتدأ، وأما على الجزم فيجوز أن يكون خبراً على ما قال العلامة التفتازاني من ارتباط
الطلب من غير تأويل في نحو: زيدٌ اضربه، وأما الصفة فلا يكون إلا بتأويل، وللمرتضى
الشريف كلام في الأول أيضاً، والرواية القوية بالجزم، والله أعلم.
وقوله: (أتت) بالتائين من الإتيان، قال التُّورِبِشْتِي(١): وهو الموجود في أكثر
النسخ المقروءة على المشهورين من أهل العلم، وقال: وهو تصحيف، وإنما المحفوظ
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ١٨٦).

٣٦٥
(٤) كتاب الصلاة
وَالْجِنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأَيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفُؤْاً). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
[ت: ١٧١].
٦٠٦ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((الْوَقْتُ
الأَوَّلُ مِنَ الصَّلاَةِ رِضْوَانُ اللهِ، وَالْوَقْتُ الآخَرُ عَفْوُ اللهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
[ت: ١٧٢].
٦٠٧ - [٢١] وَعَنْ أُمِّ فَرْوَةَ قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ◌َِهِ: أَيُّ الأَعْمَالِ
أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الصَّلاَةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
من ذوي الإتقان: (آتت) على وزن كانت بمعنى: حانت.
وقوله: (والجنازة إذا حضرت) يدل إطلاقه على تعجيل صلاة الجنازة وإن
حضرت في وقت مكروه، وللصلاة في الأوقات المكروهة تفصيل مذكور في الفقه،
وقال السُّغناقي نقلاً من (تحفة الفقهاء)(١): إن الأفضل في صلاة الجناة أن يؤديها
ولا يؤخرها؛ لهذا الحديث.
وقوله: (والأيم) بفتح الهمزة وكسر التحتانية المشددة: من لا زوج لها، بكراً
كانت أو ثيباً، ويسمى الرجل الذي لا زوجة له أيّما أيضاً.
٦٠٦ - [٢٠] (ابن عمر) قوله: (الوقت الأول من الصلاة) أي: الصلاة في أول
الوقت، والظاهر أن المراد ما سوى ما استحب فيه التأخير؛ كالتبريد للظهر والإسفار
للفجر، وما لم يكن في التأخير عنه في الجملة مصلحة دينية مكملة للصلاة ومتممة
للثواب كتكثير الجماعة مثلاً.
٦٠٧ - [٢١] (أم فروة) قوله: (إلا من حديث عبدالله بن عمر العمري) وهو
(١) ((تحفة الفقهاء)) (١ / ١٠٥).

٣٦٦
(٢) باب تعجيل الصلاة
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لاَ يُرْوَى الْحَدِيثُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
الْعُمَرِيِّ، وَهُوَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. [حم: ٦/ ٣٧٤ _ ٣٧٥، ٤٤٠،
ت: ١٧٠، ٥: ٤٢٦].
٦٠٨ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ لَّهُ قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِوَهِ صَلَاَةً
لِوَقْتِهَا الْآخِرِ مَرَّتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ تَعَالَى. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٧٤].
عبدالله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضيالله، وهو ممن غلب عليه
الزهد، وشغلته العبادة عن حفظ الحديث وضبطه، وذكرناه وأخاه عبيدالله وسائر العمريين
في الفصل الثاني من (كتاب العلم) في تعيين عالم المدينة مستوفى، فانظر ثمة.
٦٠٨ - [٢٢] (عائشة) قوله: (مرتين حتى قبضه الله) يعني: أنه وُّر وإن وقع له
أنه صلى بعض الصلوات في آخر وقتها، لكنه لم يقع له ذلك أكثر من مرة إلى أن توفاه
الله سبحانه وتعالى، قيل: وتلك المرة هي التي صلاها تَّ للتعليم حين جاء رجل سائل
عن أوقات الصلاة، فكان كل صلاة في آخر وقته، وأما حديث إمامة جبرئيل اليا فخارج
عن المبحث، ويروى: (إلا مرتين)، والظاهر أن يكون المراد منه حين إمامة جبرئيل،
وسؤال الرجل، لكن الظاهر أن يكون المراد غير ما هو للتعلم والتعليم، أو لم يفعل
من حين تزوجها، فأخبرت بما أحاط علمها، كذا قيل، وهذا الكلام في الصلاة لآخر
الوقت الحقيقي بحيث لا يبقى بعده من الوقت شيء، وأما تأخيره عن أول الوقت فله
مواضع كثيرة، منها ما جاء أن الصحابة استعجلوا فقدموا عبد الرحمن بن عوف، وفي
حديث آخر: قدموا أبا بكر الصديق ظه، فجاء رسول الله وَ ﴿ فأرادا أن يتأخرا فأومأ أن
على مكانكما، وكذا في حالة مرضه الذي أمر أبا بكر بالصلاة مع الناس، وكذا في ليلة
رأى ربه فأخر الخروج لصلاة الغداة وبيّن قصتها، وكذا جاء في أحاديث [أخر] أنه كان
إذا حضر القوم عجل بالعشاء وإلا أخر، وغير ذلك، والشافعية يحملون كل ذلك على

٣٦٧
(٤) كتاب الصلاة
٦٠٩ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: ((لاَ تَزَالُ أُمَّتِي
بِخَيْرٍ أَوْ قَالَ: عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ)).
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٨].
٦١٠ - [٢٤] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنِ الْعَبَّاسِ. [دي: ١ /٢٧٥].
٦١١ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ
عَلَى أُمَتِي لِأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢ / ٢٥٠، ٤٣٣، ت: ١٦٧، جه: ٦٩١].
عذر أو ضرورة، والله أعلم، وقد تكلم الترمذي في حديث عائشة هذه، وقال: هذا
حديث غريب وليس إسناده بمتصل، والله أعلم.
٦٠٩، ٦١٠ - [٢٣، ٢٤] (أبو أيوب، والعباس) قوله: (إلى أن تشتبك النجوم)
في (القاموس)(١): شَبَكت الأمور واشتبكت وتشابكت: اختلطت والتبست، والمراد
كثرة النجوم، وربما ينظر هذا الحديث إلى كون الشفق هو البياض، وفضيلة تعجيل
المغرب متفق عليه بين العلماء بلا خلاف.
٦١١ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (لأمرتهم أن يؤخروا العشاء) ظاهر هذه العبارة
في بيان أفضلية التأخير وتأكَّد استحبابه كما في حديث السواك، فينافي مذهب أفضلية
تعجيل العشاء، وقال بعضهم: لا ينافيه؛ لأن (لولا) أفادت عدم الأمر به فبقيت كغيرها
من المكتوبات في أن تعجيلها هو السنة، وفيه ما فيه.
وقوله: (أو نصفه) شك من الراوي، وقد يقع كل منهما في الصحاح بلا شك،
كذا في بعض الشروح، ولا يذهب عليك أنه يجوز أن يكون للتنويع أيضاً، وربما يَنظر
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٦٩).

٣٦٨
(٢) باب تعجيل الصلاة
٦١٢ - [٢٦] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((أَعْتِمُوا
بِهَذِهِ الصَّلاَةِ فَإِنَّكُمْ قَدْ فُضِلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ، وَلَمْ تُصَلَّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ).
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢١].
٦١٣ - [٢٧] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلاَةِ
صَلاَةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يُصَلَّيْهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ. رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ. [د: ٤١٩، دي: ١ / ٢٧٥].
الإضمار في (نصفه) إلى ذلك إلا أن يكون نقلاً بالمعنى.
٦١٢ - [٢٦] (معاذ بن جبل) قوله: (أعتموا بهذه الصلاة) أعتم، أي: دخل في
العتمة، وهي ثلث الليل بعد غيبوبة الشمس، أو مطلق الظلمة بعد غيبوبتها، أي: ادخلوا
في هذه الصلاة في العتمة، أو الباء للتعدية، أي: أدخلوها [في] العتمة، وهذا الحديث
أيضاً يدل على تأخير العشاء، وحمله على تحقق سقوط الشفق وعدم الاستعجال فيها
بعيد، كتأويلهم الإسفار على تحقق الصبح كما سيأتي، والإبراد على الزوال، فإن كون
وقتها بعد الشفق قد تحقق، وهذا تنبيه على تأخيرها من أول وقتها تدل عليه الأحاديث
الدالة على تأخيرها إلى الثلث خصوصاً إن كان من العتم بمعنى الإبطاء والاحتباس عن
فعل شيء، يقال: أعتم الرجل قرى الضيف: إذا أبطأ به، وأعتمت الحاجة: إذا تأخرت،
وأعتم: احتبس عن فعل شيء يريده.
وقوله: (لم تصلها أمة قبلكم) قد سبق الكلام فيه في آخر الفصل من (باب
المواقيت) [برقم: ٥٨٣]، ووجه التعليل به: أن في الإعتام والتأخير تكثير الجماعة
وشدة المشقة، وفيه اعتناء بها .
٦١٣ - [٢٧] (النعمان بن بشير) قوله: (لسقوط القمر لثالثة) أي: غروبه في
ليلة ثالثة، وفي شرح الشيخ: وهو غالباً يسقط في تلك الليلة قرب غيبوبة الشفق

٣٦٩
(٤) كتاب الصلاة
٦١٤ - [٢٨] وَعَنْ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((أَسْفِرُوا
بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ)).
الأحمر(١)، وفيه أن الحساب يقتضي أن يغرب في قريب من خمس الليل، ففيه أيضاً
تأخير العشاء لكن لا إلى الثلث، وسمي القمر قمراً لبياضه، كذا في (الصحاح)(٢)، وفي
صفة الدَّجَّال: (هِجانٌ أقمر) هو الشديد البياض، والأنثى قمراء، ومنه: (معها أتان
قمراء)، كذا في (مجمع البحار)(٣)، وفي (القاموس) (٤): القمرة بالضم: لون إلى
الخضرة، أو بياضٌ فيه كدرة، ولون القمر يشتمل على ما ذكره.
ثم المشهور أن قبل الثلاث هلال وبعده القمر، ففي إطلاق القمر ههنا توسع من
الراوي، ولكن قال في (القاموس)(٥): القمر يكون في الليلة الثالثة، فلا توسع، وقال
القاضي عياض(٦): وإنما سمي القمر قمراً من أول الليلة الثانية (٧) إلى أن يبدر، فإذا أخذ
في النقص قيل له قمیر مصغراً، قاله ابن دريد.
٦١٤ - [٢٨] (رافع بن خديج) قوله: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر) أسفر
(١) قال القاري (٢/ ٥٣٦): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ أَصْرَحُ دَلِيلٍ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الأَفْضَلَ تَعْجِيلُ
الصَّلاَةِ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا حَتَّى الْعِشَاءُ، اهـ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ غَيْرُ مُحَرٍَّ، فَإِنَّ الْقَمَرَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ
يَقْرُبُ غَيْيُوبَةَ الشَّفَقِ دُونَ الثَّالِثَةِ فَتَدَبَّرْ، فَإِنَّهَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ، وفي ((التقرير)): لعله يفارق بين
المشاهدتين أن الهلال إذا كان للثلاثين فيسقط في الثالثة بالتأخير.
(٢) ((الصحاح)) (٢/ ٧٩٨).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٣٢٥).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٣٣).
(٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٣٣).
(٦) ((مشارق الأنوار)) (٢/ ٣١٢).
(٧) قوله: ((الثانية)) كذا في ((المشارق))، وفي المخطوطة: الثالثة.

٣٧٠
(٢) باب تعجيل الصلاة
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَلَيْسَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: ((فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ)).
[ت: ١٤٥، د: ٤٢٤، دي: ١ / ٢٧٧، ن: ٥٤٨].
الصبح: إذا انكشف وأضاء وتنوّر، وأسفر الرجل: دخل وقت الإسفار، وقد عرفت
معناه في قوله: (أعتموا بهذه الصلاة)، ثم الظاهر المتبادر من هذه العبارة أن يبتدؤوا
في صلاة الفجر وقت الأسفار، وما قيل في معناه: إن المراد إتمامها، فيه تأويل وتكلف،
وحدّ الإِسفار والتنوير على ما قال السُّغناقي نقلاً عن شمس الأئمة والقاضي الإمام أبي
علي النسفي: أنه يبدأ الصلاة بعد انتشار البياض في وقت لو صلى الفجر بقراءة مسنونة
ما بين أربعين آية إلى ستين أو أكثر ويرتل القراءة، فإذا فرغ من الصلاة لو ظهر له
سهو في طهارته يمكنه أن يتوضأ ويعيد الصلاة قبل طلوع الشمس، كما فعل أبو بكر
وعمر ﴾، كذا في (فتاوى قاضيخان)(١)، انتهى. بل بحيث لو ظهر فساد صلاته أن
يعيدها في الوقت بقراءة مستحبة كما قيل.
ومذهب الشافعي رحمة الله عليه التغليس، وأوَّلَ أصحابه الحدیث بأن المراد:
أخروا صلاة الفجر إلى أن يتحقق طلوع الفجر، ولا تبادروا عند ظن طلوعه، فإن ذلك
أعظم لأجوركم، إذ الصلاة بعد تيقن دخول الوقت أفضل منها عند ظنه، وفيه بعدٌ؛ لأن
الظاهر المتبادر من قوله: (فإنه أعظم للأجر) أن يكون ذلك لخصوصيته في الإسفار،
لا لأجل تحقق الوقت فإنه عام لوقت كل صلاة، فإنه لما لم يتبين الوقت لا يحكم بجواز
الصلاة، فالظاهر على تقدير هذا التعليل أن يقال: فإنه لا تصح الصلاة بدونه، وهذا
أظهر من أن يخفى، وقد يقال: يحتمل أنهم حين أمرهم بتغليس الفجر كانوا يصلونها
عند الفجر الأول حرصاً عليه فقال: أسفروا، أي: أخِّروها إلى الفجر الثاني.
(١) ((فتاوى قاضيخان)) (١ / ٣٥).

٣٧١
(٤) كتاب الصلاة
وقيل: الأمر بالإسفار خاص في الليالي المقمرة احتياطاً لعدم تبين الفجر.
وقال الطحاوي من أصحابنا(١): يبدأ بالتغليس ويختم بالإسفار، ويجمع بينهما
وهو أن يطول القراءة، وقال التُّورِبِشْتِي(٢): وهو أقوى التأويلين؛ لأنه يوفق بين الأحاديث
التي وردت في التغليس والإسفار، وقال السُّغناقي: الأفضل في صلاة الفجر عندنا
الإسفار بها، يبدأ بالإسفار ويختم بالإسفار في ظاهر الرواية، ولا ينبغي أن يؤخر تأخيراً
يقع له الشك في طلوع الشمس؛ لأن في ذلك خوف فساد صلاته.
وقال الشافعي: يستحب التعجيل في كل صلاة، والمراد من التعجيل هو أن
يكون الأداء في النصف الأول، كذا في (الأسرار)، قال: لأن في هذا إظهار المسارعة
في أداء العبادة وهو مندوب إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾
[آل عمران: ١٣٣]، واستدل على تغليس الفجر بحديث أم المؤمنين عائشة لي الذي مر في
الفصل الأول من قوله: (فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس).
ولنا هذا الحديث الذي ورد فيه الأمر بالإسفار؛ ولأن في الإسفار تكثير الجماعة
وفي التغليس تقليلها، وما يؤدي إلى تكثير الجماعة كان أفضل، ولأن المكث في مكان
الصلاة حتى تطلع الشمس مندوب إليه كما نطقت به الأحاديث، وإحراز هذه الفضيلة
متيسر في الإسفار، وفي التغليس قلما يتمكن منه، والذي ثبت في الروايات من فعل
رسول الله ( هو الإسفار، فإن ثبت التغليس في وقت كان لعذر كالخروج إلى سفر
ونحوه، ولهذا لما صلى ليلة المزدلفة بغلس ورد أنه صلى في غير وقته المعتاد، أو كان
(١) انظر: ((شرح معاني الآثار)) (١ / ١٨٣).
(٢) ((كتاب الميسر)) (١ / ١٨٧).

٣٧٢
(٢) باب تعجيل الصلاة
التغليس كما وقع في حديث عائشة ◌ّ حين تحضر النساء للصلاة بالجماعة، ثم انتسخ
ذلك حين أمرن بالقرار في البيوت.
وأما الجواب عن تعلقهم بالآية فقلنا: المسارعة إلى مغفرة الله إنما يكون في
المسارعة إلى الشيء الذي هو أفضل عند الله، وذلك في تكثير الجماعة لا في تقليلها،
وذلك لا يكون إلا في التنوير، والمعنى الفقهي فيه: أن تأخير الفجر إلى آخر الوقت
مباح بالإجماع لا كراهة فيه، وتقليل الجماعة أمر مكروه، وكذلك إيقاع الناس في
الحرج، والتغليس بالفجر يؤدي إلى أحد الأمرين، ألا ترى أن رسول الله وَّ نهى معاذاً
عن تطويل القراءة، وعلل ذلك بتنفير الناس عن الجماعة، وتطويل القراءة في الصلاة
في الأصل سنة فوق تعجيل الصلاة في أول الوقت، كذا في (الأسرار)، هذا حاصل
ما قال السغناقي مع شيء من الاختصار والزيادة، فتدبر.
وقال القاضي عياض المالكي في شرح حديث: (أسفروا في الفجر): أي: صلوها
بعد تبين وقتها وسطوع ضوء الفجر، ولا تبادروا بها أول مبادئ الفجر قبل تبينه، وهذا
مذهب الحجازيين في تقديم وقتها وأنه أفضل، والعراقيون يذهبون إلى صلاتها عند
الإسفار البيّن آخر وقتها وأنه أفضل، انتهى.
وفي شرح (كتاب الخرقي)(١) في مذهب أحمد بن حنبل رحمه الله: أما الصبح
فالأفضل تقديمها مطلقاً على إحدى الروايات، واختيارِ الخرقي وأبي محمد وطائفة
من أصحابنا، والثانية: الإسفار بها أفضل، والثالثة: الاعتبار بحال أكثر المأمومين، فإن
غلَّسوا غلس، وإن أسفروا أسفر، توفيراً للجمع فهو أحب إلى الله تعالى كما ورد في
(١) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ١٩٥).

٣٧٣
(٤) كتاب الصلاة
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٦١٥ - [٢٩] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَهِ، ثُمَّ تُنْحَرُ الْجَزُورُ،
الحديث، وعن معاذ بن جبل قال: (بعثني رسول الله وَلَه إلى اليمن فقال: يا معاذ! إذا
كان في الشتاء فغُّس بالفجر، وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملّهم، وإذا كان
في الصيف فأسفر بالفجر، فإن الليل قصير والناس ينامون، فأمهلهم حتى يدركوا)،
رواه أبو الحسين بن مسعود الفراء في (سننه)(١).
واعلم أن كلا الروايتين فيما إذا كان الأرفق على المأمومين في الإسفار مع
حضورهم أو حضور بعضهم، أما لو تأخر الجيران جميعهم فالأولى التأخير بلا خلاف
على مقتضى ما ذكره القاضي وقال: نص عليه في رواية الجماعة، انتهى الكلام في
مذهب الإمام أحمد بن حنبل، والله أعلم.
الفصل الثالث
٦١٥ - [٢٩] (رافع بن خديج) قوله: (ثم تنحر الجزور) الجزور: البعير ذكراً
كان أو أنثى، إلا أن اللفظ مؤنث وإن أريد به الذكر، كذا في (صحاح) الجوهري(٢).
وفي (القاموس)(٣): الجزور: البعير، أو خاص بالناقة المجزورة، وما يذبح من
الشاء، واحدتها جَزْرة، ويعلم منه أن الجزور جاء بمعنى الشاة أيضاً، والظاهر أن المراد
في الحديث هو البعير يتم به المبالغة في تعجيل العصر، والله أعلم.
(١) ((شرح السنة)) (١ / ٩٥).
(٢) (الصحاح)) (٢ / ٦١٢).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٤١).

٣٧٤
(٢) باب تعجيل الصلاة
فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ، ثُمَّ تُطْبَخُ، فَتَأْكُلُ لَحْماً نَضِيجاً قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ)).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٩، م: ٦٣٧].
وقوله: (فتقسم) بالتاء والياء لكون التأنيث غير حقيقي، وكذا (ثم تطبخ) كذا
قيل، و(قسم) بكسر القاف وفتح السين جمع قِسْم بالسكون، وفي إيراد (ثم) في
الموضعين مبالغة في بيان الامتداد، وهذا الحديث إن سلم دلالته على أداء صلاة العصر
يومئذ عند بلوغ الظل المثل فلعله كان يصلي في بعض الأحيان كذلك تعليماً وتقريراً،
ودلالةُ (كان) على الدوام والاستمرار منظور فيه، والله أعلم.
وروى الشيخ ابن الهمام أحاديث في تأخير العصر وقال(١): وعندي أنه لا تعارض
بينها وبين ما روي في تعجيله من رافع بن خديج من نحر الجزور وتقسيمه عشر قسم،
الحديثَ، فإنه إذا صلى العصر قبل تغير الشمس أمكن في الباقي إلى الغروب مثل هذا
العمل، ومن يشاهد المَهَرة من الطباخين في الإسفار مع الرؤساء لم يستبعد ذلك، انتهى.
وحكي عن أحمد بن حنبل رحمه الله أن الأفضل مع الصحو التأخير إلى الوقت
المختار، وعندنا تأخير العصر مستحب إذا لم تتغير الشمس، والدلیل علیه حديث ابن
مسعود ري قال: (كان النبي ◌ّ يصلي العصر والشمس بيضاء نقية)، وهذا منه بيان
تأخير العصر إلى عدم تغير الشمس، وقيل: سميت العصر لأنها تعصر، أي تؤخَّر، أو
لأن الوقت يُعصر، وفي (القاموس)(٢): العصر العشي إلى احمرار الشمس، وقالوا:
ولأن في تأخير العصر تكثير النوافل لكراهتها بعد العصر، ولهذا كان التعجيل في المغرب
أفضل؛ لأن أداء النافلة قبلها مكروه، وتكثير النوافل أفضل من المبادرة إلى الأداء لأول
الوقت، كذا قال السغناقي عن المبسوطين، ثم المعتبر هو تغير القرص، وهو أن يصير
(١) ((فتح القدير)) (١ / ٢٢٧).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤١٠ - ٤١١).

٣٧٥
(٤) كتاب الصلاة
٦١٦ - [٣٠] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ صَلاَةَ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ
بَعْدَهُ، فَلاَ نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: ((إِنَّكُمْ
لَتَنْظِرُونِ صَلاَةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ، .
بحال لا تحار فيه الأعين، هو الصحيح، وقيل: إذا قامت الشمس للغروب قدر رمح أو
رمحين لم تتغير، وإذا صارت أقل فقد تغيرت.
وقيل: لو وضع طست ماء وينظر فيه، فإن كان القرص يبدو للناظر فقد تغيرت،
والمختار عند صاحب (الهداية) الأول وصححه، وعند سفيان وإبراهيم النخعي المعتبر
تغير الضوء الذي يقع على الجدران، والقول باعتبار تغير القرص قول الشعبي، قال
شمس الأئمة: لأن تغير الضوء يحصل بعد الزوال وبه كان يقول مشايخ بلخ والشيخ
الإمام أبو بكر محمد بن الفضل، وفيه أن تغير الضوء بعد الزوال غير مدرك، والذي
عند قرب الغروب شيء آخر واضح، وقد مر في (باب الاستحاضة) [برقم: ٥٦٢]،
والله أعلم.
٦١٦ - [٣٠] (عبدالله بن عمر) قوله: (صلاة العشاء) ظرف لـ (ننتظر) أي: في
هذا الوقت، أو منصوب بنزع الخافض، أي: لصلاة العشاء.
وقوله: (الآخرة) قيد بها لأنه قد يسمى المغرب أيضاً عشاء ولو تغليباً، وقد كانوا
يسمون المغرب عشاء وإن نهوا عن ذلك بعد ذلك بقوله وَله: (لا يغلبنكم الأعراب على
اسم صلاتكم المغرب) كما جاء في (صحيح البخاري)(١)، فافهم.
وقوله: (ما ينتظرها أهل دين غيركم) لأنه لم يكن العشاء فرضاً على غير هذه
(١) ((صحيح البخاري)) (٥٦٣).

٣٧٦
(٢) باب تعجيل الصلاة
وَلَوْلاَ أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ) ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ
الصَّلاَةَ وَصَلَّى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٣٩].
٦١٧ - [٣١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَ﴿ يُصَلَّى
الصَّلَوَاتِ نَحْواً مِنْ صَلاَتِكُمْ، وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلاَتِكُمْ شَيْئاً، وَكَانَ
يُخفِّفُ الصَّلاَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٤٣].
الأمة من أهل الملة كما سبق(١).
وقوله: (لصليت بهم هذه الساعة) أي: لدُمت عليها في هذه الساعة، وهذه العبارة
تدل عند الإنصاف على فضلها في هذه الساعة، وقد عرف في الفصل الأول(٢) في
حديث أبي هريرة، ولكنه كان يصلي في بعض الأحيان لأول الوقت إذا حضروا كلهم
أو أكثرهم كما جاء في حديث آخر وهو مذهب أحمد رحمه الله، ولم يثبت الالتزام
منه على الدوام على الصلاة لأول الوقت، وفي كلا الصورتين شفقة ورحمة منه
صلى الله عليه وسلم، وجزاه عن الأمة خيراً.
٦١٧ - [٣١] (جابر بن سمرة) قوله: (نحواً من صلاتكم) أي: في الأوقات.
وقوله: (وكان يؤخر العتمة) وهذا الحديث ونحوه حجة على الشافعي رحمه الله
في التزامه أول الوقت في كل الصلوات، وهم يقولون: إن كل ما جاء من هذا القبيل
فهو مبني على عذر، ولكنه لا يخفى أن الحديث السابق يدل على فضله.
وقوله: (وكان يخفف الصلاة) أي: إذا كان إماماً، وهذا باعتبار الأغلب إذ يأتي
أنه قرأ الأعراف في صلاة المغرب، ويجيء تحقيقه في (باب ما على الإمام)، قال
الترمذي: وتأخير العشاء الآخرة هو الذي اختاره أكثر أهل العلم من أصحاب النبي زَّل
(١) عند شرح الحديث (٥٨٣).
(٢) كذا في الأصول، وهو سبق قلم، والصواب: ((في الفصل الثاني)».

٣٧٧
(٤) كتاب الصلاة
٦١٨ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ صَلاَةَ
الْعَتَمَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: ((خُذُوا مَقَاعِدَكُمْ)
فَأَخَذْنَ مَقَاعِدَنَا، فَقَالَ: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلُوا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ، وَإِنَّكُمْ لَنْ
تَزَالُوا فِي صَلاَةٍ مَا انْتُظَرْتُمُ الصَّلاَةَ، وَلَوْلاَ ضَعْفُ الضَّعِيفِ وَسَقَمُ السَّقِيمِ
لأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلاَةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ)).
والتابعين، وبه يقول أحمد وإسحاق رحمهما الله.
٦١٨ - [٣٢] (أبو سعيد) قوله: (فلم يخرج) من عطف التفصيل على الإجمال،
أو المراد: صلينا ليالي فلم يخرج في ليلة، فافهم.
وقوله: (نحو من شطر الليل) في (القاموس) (١): الشطر نصف الشيء وجزؤه،
ومنه حديث الإسراء: فوضع شطرها، أي: بعضها، والمراد في الحديث معنى النصف
كما لا يخفى.
وقوله: (خذوا مقاعدكم) أي: اصطفوا للصلاة كما في قوله سبحانه: ﴿مَقَعِدَ
لِلْقِتَالِ ﴾ [آل عمران: ١٢١].
وقوله: (إن الناس) أي: بقية أهل الأرض كما في خبر آخر: ما ينتظرها أهل دين
غيركم؛ لكونها غير واجبة على غير هذه الأمة، فالمراد بالصلاة المغرب، كذا في شرح
الشيخ، وقد يقال: المراد ممن عداهم من هذه البلدة من أهل المحلات الذين لم يكونوا
حاضرين في المسجد النبوي ◌َّة، وهذا المعنى أنسب بالمقام وبقوله: (ما انتظرتم
الصلاة)، ولكن قد صرحوا أن المراد هو الأول، والله أعلم.
وقوله: (في صلاة) بالتنوين، كأنه للتنويع فإن انتظار الصلاة نوع من الصلاة غير
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٨٧).

٣٧٨
(٢) باب تعجيل الصلاة
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٢٢، ن: ٥٣٨].
٦١٩ - [٣٣] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ أَشَدَّ تَعْجِيلاً
لِلُّهْرِ مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ أَشَدُّ تَعْجِيلاً لِلْعَصْرِ مِنْهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
[حم: ١ / ٢٩٣ - ٢٩٤، ت: ١٦١].
٦٢٠ - [٣٤] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ
بِالصَّلاَةِ، وَإِذَا كَانَ الْبَرْدُ عَجَّلَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٤٩٩].
٦٢١ - [٣٥] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلّى :
(إِنَّهَا سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي أُمَرَاءُ يَشْغَلُهُمْ أَشْيَاءُ عَنِ الصَّلاَةِ لِوَقْتِهَا حَتَّى
يَذْهَبَ وَقْتُهَا فَصَلُوا الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا)). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أُصَلِّي مَعَهُمْ؟
قَالَ: ((نَعَمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٣].
. . .
٦٢٢ - [٣٦] وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ.
متعارف، والسقم بفتحتین أو بضم وسكون كحَزَنٍ وخُزْنٍ .
٦١٩ - [٣٣] (أم سلمة) قوله: (أشد تعجيلاً للظهر) يعني: في غير شدة الحر،
والمقصود التحريض على الاتباع من كل وجه.
٦٢٠ - [٣٤] (أنس) قوله: (إذا كان الحر أبرد بالصلاة) يعني: صلاة الظهر،
وقد مرّ الكلام فيه .
٦٢١ - [٣٥] (عبادة بن الصامت) قوله: (يشغلهم أشياء) أي: من شهواتهم
وغفلاتهم .
٦٢٢ - [٣٦] (قبيصة بن وقاص) قوله: (قبيصة) بفتح القاف وكسر الباء كذا

٣٧٩
(٤) كتاب الصلاة
((يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاهُ مِنْ بَعْدِي يُؤَخِّرُونَ الصَّلاَةَ فَهِيَ لَكُمْ وَهِيَ عَلَيْهِمْ،
فَصَلَّوا مَعَهُمْ مَا صَلَّوُا الْقِبْلَةَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٤].
٦٢٣ - [٣٧] وَعَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَدِيٌّ بْنِ الْخِيَارِ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ
وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ
فِتْنَةٍ، ونَتَحَرَّجُ، فَقَالَ: الصَّلاَةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ
فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاؤُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٦٣].
في (التقريب)(١) .
وقوله: (فهي لكم) أي: ثوابها في أول وقتها لكم إن صليتموها أولاً، ثم معهم،
وكذا إن أخرتموها إلى الصلاة معهم؛ لأنكم لم تؤخروها إلا لخوف الفتنة.
٦٢٣ - [٣٧] (عبيدالله بن عدي بن الخيار) قوله: (إنك إمام عامة) يريد الإمامة
الكبرى وهي الخلافة، والمراد في قوله بـ (إمام فتنة): رئيس أهل الفتنة والبغي وهو
كنانة بن بشر .
وقوله: (ونتحرج) الحرج لغة: الضيق على الإثم والحرام، وقيل: الحرج أضيق
الضيق، والتحرج التأثم، أي: نتحرج من الإثم ونجتنبه، تحرج فلان: إذا فعل فعلاً
يخرج به من الإثم والضيق، ومنه حديث: (يتحرج أن يطوف) كانوا لا يسعون بين الصفا
والمروة خروجاً من الحرج والإثم، ومنه: (فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً) أي: تجنباً
من الإثم وخروجاً، فالمراد: لا نصلي مع إمام الفتنة خروجاً من الإثم والحرام، وفي
(١) ((التقريب)) (ص: ٤٥٣).

٣٨٠
(٣) باب فضائل الصلاة
٣- باب فضائل الصلاة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦٢٤ - [١] عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ:
(لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)). يَعْنِي الْفَجْرَ
وَالْعَصْرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٣٤].
الحديث دليل على جواز الصلاة خلف الفئة الباغية كما ورد: (صلَّوا خلف كلِّ بر
وفاجر).
٣ - باب
هكذا في أكثر النسخ من غير ذكر عنوان، وهو في توابع ومتممات لما سبق من
فضائل الصلاة وأوقاتها، ومن عادة المؤلف أن يذكر في مواضع هكذا باباً مطلقاً في
توابع ومتممات لما سبق من غير أن يقيده بشيء.
الفصل الأول
٦٢٤ - [١] (عمارة) قوله: (عن عمارة) بضم العين المهملة مخففاً، (ابن رويبة)
براء مهملة وموحدة مصغراً.
وقوله: (لن يلج) الولوج: الدخول، والمراد: الدخول للتعذيب كما يكون
العصاة، وأما الورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فليس
كذلك، ولهذا يعم الكل من الأنبياء والمرسلين سوى سيد المرسلين صلى الله عليه
وعلیهم أجمعين ففيه اختلاف.
وقوله: (يعني الفجر والعصر) وذلك لغاية فضلهما، وظاهر الحديث يدل على
أن مصليها لا يدخل النار لا لأجل ترك الصلوات الأخر ولا لأجل ارتكاب الذنوب