النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ (٤) كتاب الصلاة * الْفَصْلُ الثَّانِ : ٥٨٣ - [٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِين صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَه، وَصَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءُ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسَفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مَنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٣٩٣، ت: ١٤٩]. الفصل الثاني ٥٨٣ - [٣] (ابن عباس) قوله: (وكانت قدر الشراك) الضمير في (كانت) للشمس، والمراد الظل الذي وقت الزوال لكونه مسبباً عنها، يعني كان فيء الزوال في ذلك اليوم قدر شراك النعل، والظاهر أن المراد عرضه فإنه يختلف باختلاف الأمكنة والأوقات، ولا يكون في مكة الفيء في أطول أيام السنة لكون الشمس في سمت الرأس حينئذ، فكل بلد على الميل الكلي لا يكون فيه الفيء في نقطة السرطان، ثم يختلف باختلاف عرض البلد، وتحقيق ذلك في علم الهيئة، ولمعرفة فيء الزوال طرق مذكورة في الكتب، وباقي الحديث صار مشروحاً بما ذكرنا في حديث عبدالله بن عمرو، غير أن قوله: (هذا وقت الأنبياء من قبلك) يدل بظاهره على أن الصلوات الخمس كانت واجبة على الأنبياء عليهم السلام، والمراد التوزيع بالنسبة إلى غير العشاء، إذ مجموع ٣٤٢ (١) باب المواقيت · الْفَصْلُ الثَّالِثُ: * ٥٨٤ - [٤] عَن ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئاً، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﴿ يَقُولُ: ((نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ)). هذه الخمس من خصوصياتنا، وأما بالنسبة إليهم فكان ما عدا العشاء متفرقاً فيهم كما جاء في الأخبار، وقيل: المخصوص بنا وجوب صلاة العشاء، ومَن قبلنا كانوا يصلون العشاء نافلة، والله أعلم. الفصل الثالث ٥٨٤ _ [٤] (ابن شهاب) قوله: (أخر العصر شيئاً) أي: تأخيراً يسيراً عن وقت الاختيار، لا أنه أخرها حتى غربت الشمس، و(أما) بالتخفيف حرف التنبيه، و(أمام) ضبط بالكسر والفتح، وعروة بن الزبير من التابعين ابن أسماء بنت أبي بكر، ولد في زمن النبوة، ومقصوده تذكير حديث إمامة جبرئيل الذي يدل على أفضلية أداء الصلوات في أول أوقاتها، وإنما لم يذكر لشهرته في زعمه، وقول عمر: (اعلم ما تقول يا عروة) بلفظ الأمر تغليظ وتنبيه على رعاية مزيد الاحتياط في الرواية. وقوله: (فقال) أي: عروة جواباً لعمر ضه وإشارة إلى أني في غاية التثبت فيما أقول، لأني سمعت ذلك ممن صحب وسمع صاحب رسول الله ◌َّة، ثم روى حديثاً دالاً على أداء الصلوات الخمس. ٣٤٣ (٤) كتاب الصلاة يَحْسُبُ بِأصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢١، م: ١٦٧،٦١٠]. ٥٨٥ _ [٥] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَ لهُ: أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: إِنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلاَةَ، مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ، ثُمَّ كَتَبَ: أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ أَنْ كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعاً إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَفِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً قَبْلَ مَغِيْبِ الشَّمْسِ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ،. وقوله: (يحسب) من الحساب بضم السين، ويروى بالياء فالضمير لرسول الله وَّته، أي: يقول ذلك حال كونه يحسب تلك المرات بعقد أصابعه، وبالنون على لفظ المتكلم أي: نحن نحسب، وهذا مما يشهد بإيقانه وضبط ما أخبر رسول الله بصّر، وفي شرح الشيخ: والأول أظهر لو ساعدته الرواية، وهذا يدل على ضعف تلك الرواية، وضبط في النسخ المصححة بما يدل على تساوي الروايتين، بل في بعض النسخ ما يدل على قوة الأولى، والله أعلم. ٥٨٥ _ [٥] (عمر بن الخطاب ضه) قوله: (إن أهم أموركم عندي) إشارة إلى التهديد والمبالغة لكونهم خائفين من صولته وشوكته. وقوله: (من حفظها وحافظ) تأكيد وتقرير، أو المراد مِن حِفْظها عدمُ نسيانها وأداؤها في أوقاتها، والمحافظة عليها: أداؤها بشرائطها وآدابها والاهتمام برعاية صفاتها، أو المراد: حِفْظُها لنفسه والأمرُ به للغير، كما قيل في معنى ﴿أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. وقوله: (أن كان) أن مصدرية، أي: وقت كون الفيء ذراعاً، وهذا في مواضع مخصوصة وفي أزمنة مخصوصة؛ لما عرفت أن هذا مختلف في الأقاليم والبلدان والفصول، و(ما) في (ما يسير) مصدرية. ٣٤٤ (٢) باب تعجيل الصلاة فَمَنْ نَامَ فَلاَ نَمَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَمَ فَلاَ نَمَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَمَ فَلاَ نَمَتْ عَيْنُهُ، وَالصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٦]. ٥٨٦ - [٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ قَدْرُ صَلاَةٍ رَسُولِ اللهِ وَهُ الظُّهْرَ فِي الصَّيْفِ ثَلاَثَةَ أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامِ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَام. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٠٠، ن: ٥٠٣]. تعی ٢- باب الجميل الصلاة وقوله: (فمن نام) ظاهره مخصوص بالعشاء لكونه وقت النوم، أو المراد بالنوم السهو والغفلة أعمّ من أن يكون بالمنام أو غيره فيشمل الكل. ٥٨٦ _ [٦] (ابن مسعود) قوله: (ثلاثة أقدام ... إلخ) هذا هو الإبراد كما عرفت، وهذا بالنسبة إلى المدينة المطهرة وما هو على سَمْتها . ٢ - باب تعجيل الصلاة لما ذكر مواقيت أولها وآخرها أراد أن يورد أحاديث تدل على أفضلية أدائها في أوائل أوقاتها، ومذاهب الأئمة فيه مختلفة، فمذهب الشافعي رحمه الله أفضلية أول الوقت في الصلوات إلا لشغل أو عذر، وإيراد ظهر الصيف عنده رخصة لمن يسعى إلى المسجد من بعيد، ومن يصلي وحده أو في مسجده فالأصل أن يصلي في أول الوقت، وإن كان شدة الحر، ومذهب مالك نحوه، قال بعض أصحابه: أما في شدة الحر فالأفضل أن يُبْرِد وإن كان يصلي وحده، وكذا المختار من مذهبه، ومذهب أحمد استحباب التأخير، وكذا العصر يُستحب تقديمها عندهم، والمغرب له وقت واحد ويستحب تعجيلها بالإجماع، والعشاء يستحب تأخيرها عند أحمد، وقال مالك: المبادرة، ولا بأس ٣٤٥ (٤) كتاب الصلاة * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٥ ٥ ٥٨٧ - [١] عَنْ سَيَّرِ بْنِ سَلاَمَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِيٍ عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يُصَلِّيِ الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصلي الْعَصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ. بتأخيرها لاجتماع الناس، وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فإيراد الظهر وإسفار الفجر وتأخير العشاء مستحب، وستعرف في أثناء البيان تفاصيلها ودلائلها . ثم الظاهر من كلام بعضهم أنه يكفي كونَها في أول الوقت وقوعُها في النصف الأول. الفصل الأول ٥٨٧ - [١] (سيار بن سلامة) قوله: (عن سيار) بتقديم السين على الياء بالتشديد (ابن سلامة) بفتح السين وتخفيف اللام، بصري من مشاهير التابعين. وقوله: (كان يصلي الهجير) في (القاموس) (١): الهجير والهجيرة والهاجرة نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر أو من زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يَسْتَكِنُّونَ في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، أو شدة الحر، والمراد به في الحديث صلاة الظهر، أو المضاف محذوف ولذا أنث صفتها، وتسميتُها بالأولى لكونها أول صلاة صليت مع جبرئيل بالإمامة . وقوله: و(تدحض) من الدحض وهو الزلة، في (القاموس)(٢): دَحَضَتْ رجلُه: [َزَلَقَتْ]، والشمسُ: زالت، وهو أول وقت الظهر، ولابد أن يكون في غير الصيف (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٦٠). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٩٢). ٣٤٦ (٢) باب تعجيل الصلاة وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَن يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَثَمَةَ، وشدة الحر للأمر بالإبراد فيه مع التأكيد والمبالغة فيكون الإبراد فيه أفضل، وهذا هو مذهب أبي حنيفة . وقوله: (حية) قال التُّورِبِشْتِي(١): يتأول ذلك على وجهين، أحدهما: أنه أراد بحياتها شدة وهجها [وبقاء حرها]، والآخر: أنه أراد به صفاء لونها عن [التغير و] الاصفرار، وهذا أقرب التأويلين، انتهى. قیل : ذلك لا یکون بعد مصیر الظل مثلیه، وذلك محل کلام وتردد. وقوله: (ونسيت ما قال في المغرب) هذا قول الراوي من أبي برزة، وفاعل (قال) أبو برزة، ويدل على أنه كان قد قال فيها أيضاً شيئاً، ولكنه نسي خصوصه، ويحتمل أنه لم يقل فيها شيئاً لعدم اختلاف وتطريق التقديم والتأخير في وقتها، ومقصوده: كان بيان أول الوقت فيما يتساهل الناس فيه، والله أعلم. وقوله: (وكان يستحب) بصيغة المعلوم وكذا (يؤخر)، والمراد: التأخير إلى وقت الاختيار وهو الثلث عندنا وسيأتي . وقوله: (التي تدعونها العتمة) عتم الليل: أظلم، وفي (القاموس)(٢): العتمة محركة: ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق أو وقت صلاة العشاء الأخيرة. يريد أولها، وفي قوله: (تدعونها) إيماء إلى كراهة تسميتها بالعتمة في الشرع، وقد ورد النهي عنه، ومع ذلك وقع في بعض الأحاديث إما باعتبار السابق أو بياناً للجواز، وسيجيء ذلك بالتفصيل (٣) . (١) ((كتاب الميسر)) (١ / ١٨١). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٤٦). (٣) عند شرح الحديث (٦٣٢). ٣٤٧ (٤) كتاب الصلاة وَكَانَ يَكْرَهُ الَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ وَيَقْرَأُ بِالسِّينَ إِلَى الْمِئَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَلاَ يَُالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَلاَ يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٧، م: ٦٤٧]. وقوله: (وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها) وقد تنقل الرخصة فيهما لعذر أو غلبة، وفي (صحيح البخاري)(١): أن ابن عمر لا يبالي أَقَدَّمَهَا أم أَخَّرَهَا إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها، وقد کان یرقد قبلها، وقد أورد عن ابن عباس أنه قال(٢): أعتمَ رسول الله وَّ﴿ ليلة بالعشاء حتى رقد الناس، واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا، وقد جاء في التكلَّم أيضاً - بعدَ أن لا يكون مما لا يعني - رخصةٌ. وقوله: (وكان ينفتل) أي: ينصرف، في (القاموس)(٣): فتله: لواه، ووجْهَه عنهم: صرفه. وقوله: (حين يعرف الرجل جليسه) المقصود أنه كان يبديه في الغلس. وقوله: (ويقرأ بالستين إلى الْمِئَة) أي: كان يقرأ في صلاة الفجر ستين آية وما فوقها منتهياً إلى المئة. وقوله: (ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل) أي: كان لا يحافظ على أول وقتها، ولا يبالي ولا يتحرج بتأخيرها إلى ثلث الليل لكونه مستحبًّا عنده، فافهم . وقوله: (ولا يحب النوم) ظاهره أعمّ من الكراهة أو كناية عنها. (١) ((صحيح البخاري)) (٥٧٠). (٢) ((صحيح البخاري)) (٥٧١)، و((سنن النسائي)) (٥٣١). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٥٩). ٣٤٨ (٢) باب تعجيل الصلاة ٥٨٨ - [٢] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللهِ عَنْ صَلاَةِ النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٥، م: ٦٤٦]. ٥٨٨ - [٢] (محمد بن عمرو) قوله: (والعصر والشمس حية) قد مر في الحديث الأول أنها كانت حية بعد أن يرجع أحدنا إلى رحله، فيفهم منه أن حياة الشمس لا يختص بأول الوقت، فافهم. وقوله: (إذا وجبت) أي: سقطت، يقال: وجبت الشمس وجباً ووجوباً: غابت. وقوله: (وإذا كثر الناس عجل، وإذا قلوا أخر) يدل على أن التأخير كان لقصد تكثير الجماعة، وقد قيل: إن أبا حنيفة وأصحابه إنما لم يلتزموا أول الوقت للصلاة لأجل هذا لا لعدم فضيلته، فتدبر. والجملتان في موضع الحال، أي: صلى العشاء معجلاً حين كثرة الناس ومؤخِراً حين قلَّتهم. وقوله: (والصبح بغلس) في (القاموس) (١): الغلس محركة: ظلمة آخر الليل، وقد جاء في رواية: (وصلى الصبح بغبس) بالباء، وقال القاضي عياض: اختلفت فيه الروايات فرويناه في (الموطأ) عن أبي محمد بن عتاب بالسين المهملة، وكذا رواه ابن وضاح، وعن غيره من شيوخنا بالمعجمة، وكذا يقوله أكثر [رواة الموطأ]، وضبطه الأصيلي في البخاري بالمهملة في حديث يحيى بن موسى، وفسره مالك قال: يعني الغلس، وغبس وغبش وغلس سواء، وأنكر شارح (الموطأ) السين المهملة ولم يقل شيئاً، وقد جاءت حروف كثيرة بالسين والشين معاً مثل شمته وسمته، وسُدْفَة من الليل وشُدْفَة، وسوذق وشوذق، وقال أبو عبيدة: غبس الليلُ وأغبس: إذا أظلم. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥١٩). ٣٤٩ (٤) كتاب الصلاة ٥٨٩ - [٣] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَيْنَا خَلْفَ النَّبِّ ◌َهَ بِالَّهَائِرِ سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتَّقَاءَ الْحَرِّ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. [خ: ٥٤٢، م: ٦٢٠]. ٥٩٠ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ». ٥٩١ - [٥] وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ((بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ. وقال الأزهري: هي بقية ظلمة الليل يخالطها بياض الفجر، قال: والغبش بالمعجمة قبل الغبس، والغلس باللام بعد الغبس، وهي كلّها في آخر الليل، ويجوز الغبش بالمعجمة في أول الليل، انتهى. ثم لا يخفى أن الحديث لا يدلّ على الدوام؛ لما عرفت من أن دلالة (كان) عليه منظور فيه، ولو سلِّم فقد ورد الأمر بالإسفار، والقولُ راجح على الفعل عند أبي حنيفة رحمة الله عليه . ٥٨٩ _ [٣] (أنس) قوله: (بالظهائر) جمع ظهيرة وهي الهاجرة، جمعها باعتبار الأيام أو باعتبار الأشخاص. وقوله: (على ثيابنا) الظاهر: الثياب الملبوسة، فالحديث يدل على جواز السجدة على ثوب المصلي كما ذهب إليه أبو حنيفة رحمة الله عليه، فهو حجة على الشافعي رحمة الله عليه في عدم تجويزه السجود على ثوب هو لابسه، وأوَّلَ الحديث بأن المراد ههنا الثوب الغير الملبوس. ٥٩٠، ٥٩١ - [٤، ٥] (أبو هريرة، وأبو سعيد) قوله: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة) فيه ندب الإبراد بالظهر في شدة الحرّ، لكنهم اختلفوا في المراد بالإبراد، فقال ٣٥٠ (٢) باب تعجيل الصلاة بعض الناس: المراد بالإبراد بالظهر أداؤها في أول الوقت، وبرد النهار أوله، وهذا التأويل ليس بصواب؛ لأن الإبراد في الأحاديث ذكر لبيان ما اختاره وَّ من الوقت الأخير في أوان الحر، ويبطله تعليله وَّر ذلك بقوله: (فإن شدة الحر من فيح جهنم)، وما سبق في باب المواقيت من قول الراوي: (فأنعم) أي: زاد على الإبراد وبالغ فيه، وبهذا يبطل أيضاً ما ذكره الشافعية أن المراد بالإبراد الصلاة وقت الزوال، وأنه ينكسر فيه وهج الحر فهو برد بالإضافة إلى حر الظهيرة، وعن ابن مسعود(١) قال: كان قدر صلاة رسول الله ◌َي الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام، وعن ابن عمر ظل﴾: كان الفيء ذراعاً ونصفاً إلى ذراعين، وكان الجدران في ذلك الزمان سبعة أذرع، کذا قيل. وعند مالك رحمه الله: إلى أن يزيد ظل كل شيء ربعه، وقال أئمة مذهب أحمد: يؤخر حتى ينكسر الحر ولا يؤخر إلى آخر الوقت، وقال بعضهم: يؤخر إلى وقوع الظل الذي يمشي فيه الساعي إلى الجماعة، وقال بعضهم: يؤخر إلى قريب من وسط الوقت. وفي (صحيح البخاري)(٢): (فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة حتى رأينا فيء التلول)، أي: أبردنا وانتظرنا حتى رأينا الظلال، والتلولُ لكونها منبسطة غير منتصبة لا يظهر فيها عقيب الزوال، بل لا يصير لها في عادة إلا بعد الزوال بكثير، بخلاف الشاخصات المرتفعة كالمنارة مثلاً، وقال أيضاً: الإبراد أن يؤخر بحيث يحصل للحيطان ظل يمشون فيه ويتناقص الحر، وخصه بعضهم بالبلاد الحارة، وخصه بعضهم بالجماعة. (١) أخرجه النسائي (٥٠٣). (٢) ((صحيح البخاري)) (٥٣٥). ٣٥١ (٤) كتاب الصلاة مِنْ فَتْحِ جَهَنَّمَ، وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: وقال في (الهداية)(١): أشد الحر في تلك الديار في وقت بلوغ ظل كل شيء مثله كما مر. وبالجملة المبالغة في إبراد الظهر وارد في الأحاديث الصحيحة، وأما حديث خباب: (شكونا إلى رسول الله وَل﴿ حر الرمضاء فلم يُشْكِنا) أي: لم يُزِلْ شكوانا، فمحمول على أنهم طلبوا تأخيراً زائداً على قدر الإبراد، وقيل: إنهم التمسوا تأخير الصلاة عن الوقت، كذا قال الكرماني(٢)، وقال بعض الشافعية: الإبراد رخصة، وعلى كل تقدير لا يجوز حمل الإبراد على الزوال، وكون وقت الزوال أبردَ من الاستواء محلٌّ بحث، بل هو أشد منه لبقاء السبب كما في الإبراد وقت الفجر من نصف الليل، وإن كانت الشمس أقرب، ويرده سياق الحديث في الرخصة. ونقل عن الشافعي أنه قال: الإبراد لصلاة الظهر لمن ينتابُ من البعد وللمشقة على الناس، فأما المصلي وحده والذي يصلي في مسجد قومه [فالذي] أُحب له أن لا يؤخر الصلاة في شدة الحر، وهو أيضاً مخالف بظاهر الحديث عن أبي ذر: (كنا مع رسول الله في سفر، فأذن بلال لصلاة الظهر، فقال النبي ◌َّقي: يا بلال أبرد ثم أبرد)، فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله لم یکن للإبراد في ذلك الوقت معنی؛ لا جتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد، كذا في (جامع الترمذي)(٣)، وقال: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر هو أولى وأشبه بالاتّباع. وقوله: (من فيح جهنم) فاحت القدر تفيح وتفوح: إذا غلت، وفيح جهنم وفوحها (١) ((الهداية)) (١ / ٤٠). (٢) ((شرح الكرماني)) (٤ / ١٨٧). (٣) انظر: ((سنن الترمذي)) (١٥٨). ٣٥٢ (٢) باب تعجيل الصلاة رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضاً، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشَّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ من الزَّمْهَرِيرِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ((فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ. بالياء والواو وبالحاء المهملة: سطوع حرها وانتشارها، ويجيء بمعنى الوسعة، والفيحاء: الواسعة من الدور، والاشتكاء من النار حقيقةٌ أو مجاز، والظاهر هو الأول، فإن الله تعالى قادر على أن يخلق فيها كلاماً تشتكي به عند ربها، وقال ابن عبد البر: لكلا القولين وجه ونظائر، والأول أرجح، وقال عياض: وهو الأظهر، وقال النووي: هو الصواب. وقوله: (أكل بعضي بعضاً) كناية عن اختلاط أجزائها وازدحامها كأنه يقصد كلُّ جزء في إفناء الآخر والتمكن في مكانه، والمراد بنفسها لهبها وخروج ما يبرز منها كالتنفس في الحيوان. وقوله: (نفس) بالجر والرفع، وكذا قوله: (أشد) يجوز فيه الرفع والجرّ على البدل. وقال التُّورِبِشْتِي(١): روايتنا بالرفع إما خبرُ محذوفٍ، أي: هو أشد، أو خبره محذوف تقديره: أشدُّ ما تجدون من ذلك النفس، ويؤيده الرواية الأخرى للبخاري ورواية النسائي: (فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم)، ويؤيد الأول رواية الإسماعيلي: (فهو أشد)، كذا قال الشيخ(٢). والمراد بالزمهرير شدة البرد، فإن قيل: كيف يحصل من نَفَس النار الزمهرير؟ قلت: المراد من النار محلها وهو جهنم، وفيها طبقة زمهريرية. ثم الحكمة في (١) كذا في المخطوطة، ولم نجد في ((كتاب الميسر))، وقال في ((الفتح)) (٢/ ١٩): في روايتنا بالرفع. (٢) ((فتح الباري)) (٢ / ١٩). ٣٥٣ (٤) كتاب الصلاة فَمِنْ سَمُومِهَا، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْبَرْدِ فَمِنْ زَمْهَرِيرِهَا)). [خ: ٥٣٣، ٥٣٦، ٥٣٧، ٥٣٨، م: ٦١٥، ٦١٧]. ٥٩٢ - [٦] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّه يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِهِمْ، المنع من الصلاة في شدة الحر، إما دفع المشقة لكونها قد تسلب الخشوع، وقيل: كونها الحالة التي ينشر فيها العذاب، والأول أظهر؛ لأن الصلاة محل وجود الرحمة ففعلها مظنة لطرد العذاب فكيف أمر بتركها؟ وقد يؤيَّد الثاني بحديث عمرو بن عبسة عند مسلم حيث قال له: (أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس فإنها ساعة تسجّر فيها جهنم)، فافهم. وقد يتوهم من قضية التعليل المذكور مشروعية تأخير الصلاة في وقت شدة البرد أيضاً ولم يقل به أحد، لأنها تكون غالباً في وقت الصبح فلا يزول إلا بطلوع الشمس، فلو أخرت لخرج الوقت. هذا وقال التُّورِبِشْتِي(١): أشار بقوله: (أشد) إلى أن هذين النفسين ليسا على الإطلاق بموجِبَين للحر والبرد في فصل الشتاء والصيف، فإن الله جعل ذلك مربوطاً بالآثار العلوية، وهذه من مقتضيات حكمة الله البالغة؛ حيث أظهر آثار فيح جهنم في زمان الحر، وآثار الزمهرير في زمان البرد، ولم يجعلهما على العكس، فيتولد منهما وخامة في الأهوية وفساد في الأمزجة. وقوله: (فمن سمومها) في (القاموس)(٢): السَّموم الريح الحارة تكون غالباً بالنهار . ٥٩٢ - [٦] (أنس) قوله: (إلى العوالي) جمع عالية، وهي المواضع في جانب (١) ((كتاب الميسر)) (١ / ١٨٢). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٣٦). ٣٥٤ (٢) باب تعجيل الصلاة وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٥، م: ٦٢١]. ٥٩٣ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَِّ: ((تِلْكَ صَلاَةُ الْمُنَافِقِ: يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتْ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَتَقَرَ أَرْبَعاً. علو المدينة في جانب مسجد قباء ومسجد بني قريظة . وقوله: (وبعض العوالي ... إلخ) مدرج من كلام الزهري. وقوله: (أو نحوه) أي: نحو هذا المقدار ولهذا ذكَّر الضمير، ولا يخفى أنه لا يُدرى أن الذهاب كان راكباً أو ماشياً، وعلى تقدير المشي: بالسرعة أو البطؤ، وحال الذاهب في القوة أو الضعف، ولا يظهر أيضاً بأيِّ ناحية من العوالي كان الذهاب، وبالجملة لا يثبت به أن يصلي العصر وقت بقاء ربع النهار كما هو مذهبهم. ٥٩٣ - [٧] (أنس) قوله: (تلك صلاة المنافق) إشارة إلى ما في الذهن، وهي العصر المؤخَّرة عن أول وقتها إلى قبيل الغروب عمداً بلا عذر. وقوله: (يجلس ... إلخ) استئناف لبيان الجملة السابقة، والمنافق إما محمول على حقيقته بأن يكون بياناً لصلاته، أو يكون تغليظاً، والمراد مَن هو على صفة المنافق. وقوله: (فنقر أربعا) في (القاموس): نقر الطائر: لقط من ههنا وههنا (١)، شبه به تخفيف السجدة من غير طمأنينة، وإطلاق الأربع باعتبار جعل السجدتين ركناً واحداً بإرادة الجنس، أو كان وروده في السفر، أو حين كان صلاة العصر ركعتين قبل الزيادة، أو لمَّا كان لم يفصِل بين السجدتين فكأنهما سجدة واحدة، والله أعلم. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٥٢). ٣٥٥ (٤) كتاب الصلاة لاَ يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّ قَلِيلاً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٢٢]. ٥٩٤ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((الَّذِي تَفُوتُهُ صَلاَةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٢، م: ٦٢٦]. ثم تخصيص البيان بالعصر إما لكونها في وقت اشتغال الناس بياناً للباعث على التهاون أو لفضلها مبالغة في التقبيح والتشديد. وقوله: (لا يذكر الله فيها إلا قليلاً) إشارة إلى التهاون والتقصير في الأركان الظاهرة وخشوع الباطن، وإنما قال: (قليلاً) إذ المنافق والمرائي لا يفعل إلا بحضرة من يرائيه وهو أقل أحواله، أو لأنه يذكر باللسان دون القلب وهو قليل بالنسبة إليه، وقد وقع في القرآن المجيد في شأن المنافقين: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلََّقَلِيلًا ﴾ [النساء: ١٤٢] بهذا الاعتبار. ٥٩٤ - [٨] (ابن عمر) قوله: (الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) في (القاموس)(١): وَتَر الرجلَ: أفزعه وأدركه بمكروه، ووتره مالَه: نقصه إياه، وفي (الصحاح) (٢): وتره حقه، أي: نقصه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَّكُمْ أَعْمَلَكُمْ ﴾ [محمد: ٣٥] أي: لن ينقصكم، وقال البيضاوي(٣): أي: لن يضيع أعمالكم، من وترتُ الرجلَ: إذا قتلتُ متعلقاً به من قريب أو حمیم فأفردته منه، من الوتر، ویروی بنصب (أهله) ورفعه، فعلى الأول في (وتر) ضمير للذي تفوته، وعلى الثاني لا ضمير فيه، بل الفعل مسند إلى (أهله)، والظاهر على ما ذكر في معناه هو الأول كما لا يخفى. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٥٦). (٢) ((الصحاح)) (٢ / ٨٤٣). (٣) ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ٤٠٦). ٣٥٦ (٢) باب تعجيل الصلاة ٥٩٥ _ [٩] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلَهُ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٣، ٥٩٤]. وقال الشيخ(١): النصب هو المشهور عند الجمهور على أنه مفعول ثان، والمعنى: أصيب بأهله وماله، وقال القرطبي(٢): يروى بالنصب على أن (وُتر) بمعنى سُلب، وهو يتعدى إلى مفعولين، وبالرفع على أن (وُتر) بمعنی أُخذ، انتهى. والمعنى: أن التقصير في صلاة العصر مصيبة عظيمة في نقص الدين كوتر الأهل والمال في الدنيا، وذلك تنبيه على زيادة فضيلة صلاة العصر، فينبغي أن لا تُترك بحال، وقد يلحق بها سائر الصلوات، والكلام في اشتراك العلة، نعم قد يروى: من ترك صلاة مكتوبة حتى تفوته، ويروى: من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله، فالظاهر العموم وقد خصه الشيخ، وقيل في معناه: أي: بشؤم ترك الصلاة يهلك أهله وماله. ٥٩٥ - [٩] (بريدة) قوله: (من ترك صلاة العصر) وزاد معمر في روايته: (متعمداً) كذا قال الشيخ(٣). وقوله: (فقد حبط عمله) في (القاموس)(٤): حبط عمله كسمع وضرب حَبْطاً وحُبوطاً: بطل، وهذا تغليظٌ وتشديد، والمراد المبالغة في نقصان الثواب، وحقيقة الحبط إنما هو بالردة إذا مات على ذلك، واستدل بهذا الحديث من يقول بتكفير العاصي من الخوارج؛ لأنه نظير قوله تعالى ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ [المائدة: ٥]. وقال الشيخ(٥): قال ابن عبد البر: مفهوم الآية أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله (١) ((فتح الباري)) (٢/ ٣٠). (٢) ((المفهم)) (٢ / ٢٥١). (٣) ((فتح الباري)) (٢ / ٣٢). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٠٩). (٥) ((فتح الباري)) (٢ / ٣٢). ٣٥٧ (٤) كتاب الصلاة ٥٩٦ - [١٠] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَيَنْصَرِفِ أَحَدْنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَّلِهِ. مُنَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٩، م: ٦٣٧]. ٥٩٧ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ لَ﴾ قَالَتْ: كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٦٤، م: ٦٣٨]. فيتعارض مفهومها [ومنطوق الحديث]، انتهى. والكلام يرجع إلى تحقيق معنى الإيمان وأن العمل داخل فيه أم لا، وقد حقق في موضعه، نعم قد ذهب الإمام أحمد إلى أن تارك الصلاة عامداً كافر، وقد مر الاختلاف فيه، وقيل: المراد بالعمل عمل الدنيا الذي بسبب الاشتغال به ترك الصلاة، أي: لا يتمتّع به، وفي إيراد الحديثين في هذا الباب رمز خفي إلى [أن] التأخير عن الوقت المستحب في حكم التفويت، أو الإشارة إلى أنه لما كانت فضيلتها في هذه الدرجة فينبغي أن تعجل لئلا تفوت لشغل شاغل عنها. ٥٩٦ - [١٠] (رافع بن خديج) قوله: (مواقع نبله) النبل بفتح النون وسكون الموحدة: السهام، كذا في (القاموس)(١)، وفي بعض الشروح: وهي السهام العربية، وفي (الصحاح)(٢): هو مؤنثة ولا واحد لها من لفظها، وقيل: هو واحد وجمعها نبال وأنبال ونبلان، انتهى. أي: ينظر إلى مواضع وقوع سهمه بعد الرمي به لا النبل، والمراد بيان التعجيل لصلاة المغرب وهو مستحب بالاتفاق. ٥٩٧ - [١١] (عائشة 148) قوله: (فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل) أي: (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٧٨). (٢) ((الصحاح)) (٥/ ١٨٢٣). ٣٥٨ (٢) باب تعجيل الصلاة ٥٩٨ - [١٢] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ لَيُّصَلِّي الصُّبْحَ فَتَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٦٧، م: ٦٤٥]. ٥٩٩ - [١٣] وَعَنْ قَتَادَةَ عَن أَنَسٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِن ◌َّهِ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَخَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِ هِمَا قَامَ نَبِيُّ اللهِنَّهِ إِلَى الصَّلاَةِ فَصَلَّى ... كانوا يصلون في أجزاء الوقت الذي بين مغيب الشفق وثلث الليل، فكان مبدؤها مغيب الشفق ومنتهاها ثلث الليل، فافهم. ٥٩٨ _ [١٢] (عائشة (*) قوله: (متلفعات) أي: ساترات وجوههن وأبدانهن، والتلفع شد اللفاع، وهو بالكسر: الملحفة والكساء أو البرد أو كل ما تتلفع به المرأة، والمرط كساء من خز أو صوف، وعرف معنى الغلس، وقيّد التلفع بأنه لو كانت الوجوه والأبدان مكشوفة لعرفن بها في ذلك الغلس الذي كان في ذلك الوقت، وقد يعرفن بمشخِّصات أخر، وكان الغلس بحيث لا يعرفن بها، فافهم. هذا ويحتمل أن يكون المراد: لا يتميزن من الرجال للتلفع والغلس، والأول هو الوجه، قال الشيخ(١): ولا معارضة بين هذا الحديث وحديث أبي برزة أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه؛ لأن هذا إخبار عن رؤية المتلفعة عن بعد، وذلك إخبار عن رؤية الجليس عن قرب. ٥٩٩ - [١٣] (قتادة) قوله: (من سحورهما) ضبط بضم السين وفتحها، وقالوا: هو بالضم اسم للفعل المخصوص، وبالفتح للمأكول وقت السحر. وقوله: (فصلى) أي: النبي ◌َّ، وفي بعض الروايات: (فصلَّيا)، وهو موافق (١) «فتح الباري)) (٢/ ٥٥). ٣٥٩ (٤) كتاب الصلاة قُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَخُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلاَةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٦٧]. ٦٠٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لِ: ((كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلاَةَ. لقوله: (ودخولهما)، وفي بعضها: (فصلينا) بلفظ المتكلم كما في حديث زيد بن ثابت : أنهم تسحروا مع رسول الله ثم قاموا إلى الصلاة. وقوله: (قال: قدر) ضبط بالنصب على أنه خبر كان المقدر، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. وقوله: (خمسين آية) وفي حديث آخر للبخاري: (خمسين أو ستين)، وهو تخمين يتعسر للعامة الأخذ به، وعلى كل تقدير المراد الآيات المتوسطةُ لا طويلةً ولا قصيرةً، ولا قراءة سريعة ولا بطيئة، ولا يخفى أن التوسط له مقادير ومراتب كثيرة، فيتعسر الأخذ بها، فالأحفظ لهم أن يتعجلوا بمقدار، ولا يدل هذا الحديث على أداء فرض الفجر في الغلس جداً بالذهاب إلى المسجد وأداء ركعتي السنة، فافهم. ٦٠٠ - [١٤] (أبو ذر) قوله: (كيف أنت) أي: كيف حالك. وقوله: (إذا كانت عليك الأمراء) أي: مسلطين ومستولين عليك بحيث لا يسعك مخالفتهم، قالوا: المراد أمراء بني أمية، وهم الذين أحدثوا التهاون في أوقات الصلاة ورعاية سنتها وواجباتها كالتعديل والطمأنينة، قال في (سفر السعادة)(١): أول من تساهل في القومة والجلسة أمراء بني أمية. واعلم أنه مات أبو ذر سنة اثنين وثلاثين في خلافة عثمان ، وكان بالشام في إمارة معاوية من قبل عثمان، فدعاه عثمان رقڅته إلى (١) ((سفر السعادة)) (ص: ٣٦). ٣٦٠ (٢) باب تعجيل الصلاة أَوْ يُؤَخِّرُونَ عَنْ وَقْتِهَا؟)) قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُّنِي؟ قَالَ: ((صَلِّ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلٌّ فَإِنَّهَا لَك نَافِلَةٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٨]. ٦٠١ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٩، م: ٦٠٨]. المدينة وله قصة، فيحمل تحذير أبي ذر عن ذلك على تقدير الفرض والتقدير، أو كان المراد إمارتهم من قِبَلِ الخليفة، والله أعلم. وقوله: (أو يؤخرونها) (أو) لشك الراوي، ويحتمل أن يكون للتنويع، والمراد تأخيرها عن وقتها المختار. وقوله: (نافلة) بالرفع، وفي بعض النسخ بالنصب إما خبرُ كان محذوفٍ أو حال من الضمير في الظرف، ثم الحديث يفيد بإطلاقه جواز التنفل بعد الفجر والعصر، وصحة كون النفل ثلاث ركعات، وفيه كلام سيأتي في موضعه، فتقيد بما سوى هذه الثلاثة على أن ارتكاب هذا المكروه أهون من إثارة الفتنة التي تلزم من مخالفتهم. ٦٠١ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (فقد أدرك الصبح) يعني: إذا صلى ركعة أخرى كملت صلاته؛ لأن من البيّن أنه لا يدرك الصلاة بأداء ركعة واحدة، وقد جاء في رواية البيهقي: (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس وركعة بعد ما تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة)، وقد جاء في رواية البخاري: (من أدرك من العصر ركعة فلتيم صلاته)، كذا قال الشيخ(١)، والحديث يدل على أن من طلعت عليه الشمس وهو في (١) ((فتح الباري)) (٢ / ٥٦).