النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
(٣) كتاب الطهارة
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
*
٥٤٤ - [٨] عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: إِنَّ نَاساً مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاؤُوا فَقَالُوا:
يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَتَرَى الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِباً؟ قَالَ: لاَ، وَلَكِنَّهُ أَظْهَرُ وَخَيْرٌ
لِمَنِ اغْتَسَلَ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ. وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ بَدْءُ
الْغُسْلِ: كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ، وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ،
وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقَاً مُقَارِبَ السَّقْفِ، إِنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِوَّه
فِي يَوْمٍ حَارٍّ، وَعَرِقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ، حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِبَاحٌ،
آذَى بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً. فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللهِوََّ تِلْكَ الرَِّاحَ قَالَ: «أَيُّهَا
النَّاسُ إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ فَاغْتَسِلُوا،
الفصل الثالث
٥٤٤ - [٨] (عكرمة) قوله: (أترى) من الرأي.
وقوله: (ولكنه أطهر) الظاهر أن المقصود أنه أشد تطهيراً، ولكن اسم التفضيل
لا يشتق من المزيد، وقد قيل: قد يجيء اسم التفضيل من المزيد المضاعف إلا أن يحمل
على الإسناد المجازي.
وقوله: (كان الناس مجهودين) يقال: جهد الرجل فهو مجهود إذا وجد مشقة.
وقوله: (كيف بدء الغسل) بالإضافة.
وقوله: (إنما هو عريش) في (القاموس) (١): العرش والعريش: البيت الذي
یستظل به .
وقوله: (إذا كان هذا اليوم) أي: يوم الجمعة مطلقاً، فالسبب وإن كان مخصوصاً
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٥٢).

٢٨٢
(١٢) باب الحيض
وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ أَفْضَلَ مَا يَجِدُ مِنْ دُهْنِهِ وَطِيبِهِ)). قَالَ ابْنُ عَبَّاس: ثُمَّ جَاءَ اللهُ
بِالْخَيْرِ وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ وَكُفُوا الْعَمَلَ، وَوُسِّعَ مَسْجِدُهُمُ، وَذَهَبَ بَعْضُ
الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً مِنَ الْعَرَقِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٣].
١٢ - باب الحيض
باليوم الحار لكنه استحب عاماً كما هو المعتاد في قواعد الشرع، فهو أتم وأشمل
وأضبط .
وقوله: (وكفوا العمل) بالتخفيف على صيغة المجهول من كفاه مؤنة يكفيه
كفاية .
وقوله: (ووسع مسجدهم) هذا كلام ابن عباس ظا بعد زمان رسول الله ولية.
زمن الصحابة وإلا فالتوسع في المسجد لم يحصل في زمنه ◌َ*، فتدبر.
وقوله: (کان یؤذي) أي : بسببه.
١٢ - باب الحیض
الحيض في اللغة: السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال، ومنه الحوض لأن
الماء يسيل إليه، وفي الشرع: دم ينفضه رحم امرأة بالغة من غير علة أو نفاس، يقال:
حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحيضاً فهي حائض وحائضة في لغة، وقيل: الحائض
للدوام، والحائضة للحدوث، والحيضة بالفتح المرة، وبالكسر الاسم من الحيض،
والحال التي تلزمها الحائض من التجنب، وقد يجيء بمعنى خرقة الحيض كما مرّ في
(باب أحكام المياه).

٢٨٣
(٣) كتاب الطهارة
قالوا: والحكمة في إيجاده تربية الولد، فعند الحمل ينصرف ذلك الدم بإذن الله
تعالى إلى تغذية الولد، ولذلك لا تحيض الحامل، وعند الوضع يخرج ما فضل عن
غذاء الولد من ذلك الدم، ثم يحيله الله تعالى لبناً يتغذى به الولد، ولذلك قلّ ما تحيض
المرضع، فإذا خلت من حمل أو رضاع بقي ذلك الدم لا مصرف له في محله، ثم يخرج
غالباً في كل شهر ستة أيام أو سبعة أيام، وقد يكثر ويقل ويطول ويقصر على حسب
ما ركبه الله في الطباع.
وأما بدء الحيض فقد قال النبي ◌ُّر: (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم)، وقال
بعضهم: كان أول ما أرسل الحيض على نساء بني إسرائيل، وأخرج عبد الرزاق(١) عن
ابن مسعود بإسناد صحيح قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعاً،
وكانت المرأة تتشرف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد.
وقال البخاري: وحديث النبي ◌َّ أكثر، أي: أشمل؛ لأنه عام، فيتناول
الإسرائيليات ومن قبلهن، وقال الداودي: ليس بينهما مخالفة بصحة حمل بنات آدم في
الحديث على الإسرائيليات فما بعدهن .
وقال الشيخ(٢): يمكن أن يجمع بينهما مع القول بالتعميم بأن الذي أرسل على
نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لا ابتداء وجوده، وهذا يناسب السبب
الذي ذكره الشيخ من منعهن من المساجد، وقال: وقد روى الطبراني وغيره عن ابن
عباس وغيره أن قوله تعالى في قصة إبراهيم ﴿ وَأَمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] أي:
(١) (مصنف عبد الرزاق)) (٣ / ١٤٩).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (١ / ٤٠٠).

٢٨٤
(١٢) باب الحيض
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٤٥ - [١] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ الْتَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ
فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ◌َ﴾
النَّبِيَّ ◌َهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآيَةَ. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَهِ: ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّ النَّكَاحَ»، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا:
مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَاَ شَيْئاً إِلاَّ خَالَفَنَا فِيهِ، .
حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب، وروى الحاكم وغيره عن ابن
عباس ظ﴾ أن ابتداء الحيض كان على حواء عليها السلام بعد أن أهبطت من الجنة.
الفصل الأول
٥٤٥ _ [١] (أنس) قوله: (فيهم) وفي بعض الروايات: منهم.
وقوله: (ولم يجامعوهن في البيوت) أي: لم يداخلوهن ويجالسوهن، لما كان
المؤاكلة بالمرأة غالباً مخصوصاً بالزوجة أو الأم مثلاً وحّد ضميرها، أما مداخلة البيوت
والمجالسة فیکون مع الجماعة فجمعه، فافهم.
وقوله: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) وفي رواية النسائي: (إلا الجماع)، تفسير
للآية وبيان لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بأن المراد من الاعتزال المجانبة
من الوطء لا ما يشمل ترك المؤاكلة والمصاحبة، والنكاح في أصل اللغة الضم، ثم
استعمل في الوطء لوجود الضم فيه، ثم استعمل في العقد، وكلاهما بعلاقة السببية
واللزوم، الأول من إطلاق لفظ السبب الملزوم على المسبب اللازم، والثاني بالعكس،
كذا في بعض شروح (الوقاية)، قال في (القاموس)(١): النكاح: الوطء والعقد له،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٣٧).

٢٨٥
(٣) كتاب الطهارة
فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ
كَذَا وَكَذَا، أَفَلاَ نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ وَهِ حَتَّى ظَنْنَا أَنْ قَدْ وَجَدَ
عَلَيْهِمَا،
وبالجملة ليس إطلاق النكاح على الوطء فرعاً لإطلاقه على العقد، كما قال الطيبي(١):
إن المراد بالنكاح الجماع إطلاقاً لاسم السبب على المسبب؛ لأن عقد النكاح سبب
للجماع، بل الأمر بالعكس أو مشترك فيهما، فتدبر.
وهذا الحديث يدل على أنه يحل الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج، وهو
مذهب أحمد وأبي يوسف ومحمد وبعض أصحاب الشافعي، وعند أبي حنيفة والشافعي
ومالك ثه: يحرم ملامسة الحائض فيما بين السرة والركبة، والأحاديث الآتية دالَة عليه،
فکأنه رخص بعده واتسع الأمر.
وقوله: (فجاء أسيد بن حضير) كلاهما بلفظ التصغير، (وعباد) على صيغة
المبالغة، (ابن بشر) بكسر الباء.
وقوله: (كذا وكذا) كناية عما ذكروه من وجوه الضرر في مجامعة الحائضات
من العلل والأسقام.
وقوله: (أفلا نجامعهن؟) أي: في البيوت، وهذا اللفظ في بعض النسخ بلفظ
الخطاب للواحد خطاباً لرسول الله وَّيه، وذلك لغاية حرصهم على سلامته وَّه من الضرر
والآفة، وفي بعضها: فلا نجامعهن بلفظ المتكلم، وفي بعضها: أفلا، وفي بعضها:
ألا، وهذا أصح، وزاد في رواية: في الحيض، وهذا الحديث رواه الجماعة إلا البخاري،
وفي (المصابيح) أورده مختصراً.
وقوله: (وجد عليهما) أي: غضب على أسيد وعباد لقولهما: إن اليهود تقول
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ١٣٧).

٢٨٦
(١٢) باب الحيض
فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنِ إِلَى النَّبِيِّ بَّهِ، فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا
فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠٢].
٥٤٦ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ◌َهِ مِنْ إِنَاءٍ
وَاحِدٍ وَكِلَنَا جُنُبٌ، وَكَانَ يَأْمُرُّنِي فَأَتَّزِرُ،
كذا وكذا، لما فيه من إساءة الأدب وتوجيه كلام اليهود، وجد عليه يجد وجداً وجدة
وموجدة بمعنی غضب.
وقوله: (فاستقبلتهما هدية) أي: شخص معه هدية، والضمير في (أرسل)
للنبي ◌َ﴾ أي: أرسل أحداً أن يردهما إلى حضرته.
وقوله: (فعرفا أنه لم يجد عليهما) أي: لم يغضب غضباً شديداً باقياً.
٥٤٦ - [٢] (عائشة) قوله: (كنت أغتسل أنا والنبي ◌َّ) بالرفع والنصب مثل
جئت أنا وزيداً، وقد سبق شرحه في (باب مخالطة الجنب).
وقوله: (فأتزر) وقع في الأصول بالإدغام، قال التُّورِبِشْتِي(١): صوابه بهمزتين
فإن إدغام الهمزة في التاء غير جائز، ولما كانت أم المؤمنين عائشة ◌َّع من البلاغة بمكان
لا يخفى على ذوي المعرفة بأساليب الكلام علمنا أنه نشأ من بعض الرواة، وكذا أورده
الحافظ أبو موسى في كتابه فقال: هو من تحريف الرواة، انتهى.
وقال صاحب (القاموس)(٢): ائتزر، ولا يقال: اتزر، وقد جاء في بعض الأحاديث
ولعله من تحريف الرواة.
وقال في (فتح الباري)(٣): كذا في روايتنا، وغيرها بتشديد التاء المثناة بعد
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ١٧١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٢٢).
(٣) ((فتح الباري)) (١ / ٤٠٤).

٢٨٧
(٣) كتاب الطهارة
فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا خَائِضٌ، .
الهمزة، وأصله فأءتزر بهمزة ساكنة بعد الهمزة المفتوحة ثم المثناة بوزن أَفَتَعِلُ،
وأنكر أكثر النحاة الإدغام حتى قال صاحب (المفصل): إنه خطأ، لكن نقل غيره أنه
مذهب الكوفيين، وحكاه الصغاني في (مجمع البحرين)، وقال ابن مالك: إنه مقصور
على السماع، ومنه قراءة ابن محيصن ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اتَّمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] بالتشديد،
انتھی .
وقال الكرماني(١): لا يجوز الإدغام فيه عند التصريف، وقال صاحب
(المفصل): وقول من قال: اتزر خطأ، قلت: قول عائشة وهي من فصحاء العرب حجة
في جوازه، فالمخطِّئء مخطئ، أو بأنه وقع من الرواة عنها، انتهى.
قال العبد الضعيف - أصلح الله حاله -: قد وقع في بعض الأحاديث ألفاظ على
خلاف ما قرره اللغويون من القاعدة مثل هذه اللفظة، وكاستعمال قطّ في المستقبل
وغيرهما فيحكمون بخطئها، وهذا لا يخلو عن شيء، لم لا يحكمون على القاعدة
بالخطأ وعدم كلّيتها حتى يستثنوا منها هذه الصور؟ فلعلهم لم يحيطوا بها علماً، وقد
فعل بعض النحاة من أهل الإنصاف ذلك حتى ابن مالك جوز وقوع قطّ في المستقبل،
وسيجيء ذلك في (باب الشفاعة).
وقوله: (فيباشرني) أي: تواصل بشرته بشرتي، قال في (الفتح)(٢): وحد الفقهاء
شد الإزار على وسطها بما بين السرة والركبة عملاً بالعرف الغالب، انتهى. وهذا دليل
لأبي حنيفة ومن معه في حرمة الاستمتاع بما تحت الإزار، قال الكرماني(٣): مباشرة
(١) ((شرح الكرماني)) (٣/ ١٦٥).
(٢) ((فتح الباري)) (١ / ٤٠٤).
(٣) ((شرح الكرماني)) (١٦٥/٣ -١٦٦).

٢٨٨
(١٢) باب الحيض
الحائض أقسام :
أحدها: أن يباشرها بالجماع، وهذا حرام بالإجماع، ولو اعتقد مسلم حله صار
كافراً، ولو فعله غير معتقد حلّه فإن كان ناسياً أو جاهلاً بوجود المحيض أو جاهلاً
بتحريمه أو مكرهاً فلا إثم عليه ولا كفارة، وإن كان عامداً عالماً بالحيض وبالتحريم
مختاراً فقد ارتكب معصية، نص الشافعي على أنها كبيرة، وتجب عليه التوبة، وفي
وجوب الكفارة قولان، أصحهما وهو قول الأئمة الثلاثة أنه لا كفارة عليه.
ثم اختلفوا في الكفارة فقيل: عتق رقبة، وقيل: دينار أو نصف دينار على
اختلاف منهم، كل الدينار في أول الدم ونصفه في آخره، أو الدينار في زمن الدم ونصفه
بعد انقطاعه .
وثانيها: المباشرة فيما فوق السرة والركبة بالذكر أو باللمس أو بغير ذلك، وهو
حلال بالاتفاق.
وثالثها: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، فيه ثلاثة أوجه
لأصحابنا أصحها: أنه حرام، وثانيها: مكروه كراهة تنزيه وهو المختار، وثالثها: إن
كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج ويثق من نفسه بالاجتناب عنه، إما لضعف شهوته
وإما لشدة ورعه جاز وإلا فلا.
ثم اختلفوا فقال أبو حنيفة : إذا انقطع الدم لأكثر الحيض حل وطؤها في
الحال. وقال الجمهور: لا يحل إلا بعد الغسل محتجين بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى
يَطْهُرْنَّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوُهُرَ ﴾ [البقرة: ٢٢٢] انتهى.
ونحن نقول: في قوله تعالى: ﴿حَّ يَطْهُرْنٌ﴾ قراءتان بالتخفيف والتشديد، فحمل
أبو حنيفة رحمه الله قراءة التخفيف على الطهارة بانقطاع الدم، وقراءة التشديد على

٢٨٩
(٣) كتاب الطهارة
وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ:
٢٩٩، م: ٢٩٧].
٥٤٧ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ◌َ
فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعٍ فِيَّ فَيَشْرَبُ، وَأَنَعَزَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ
النَّبِيَّ وَّ فَيَضَعِ فَاهُ عَلَى مَوضعٍ فِيَّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠٠].
٠٠
٥٤٨ _ [٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ێ ینّكِئُ فِي حِجْرِي ..
الاغتسال، واعتبر في انقطاع الدم لأكثر المدة للوطء أصل الطهارة الحاصلة بالانقطاع،
وفي الانقطاع لأقلُّها الطهارة الكاملة الحاصلة بالغسل؛ لأنه ليس فيه مظنة الدم؛ لأن
الحيض لا مزيد له على عشرة أيام، قال في (الهداية)(١): إلا أنه لا يستحب له الوطء
قبل الاغتسال للنهي في القراءة بالتشديد.
وقوله: (وكان يخرج رأسه إلي) فيه جواز إخراج المعتكف بعض أعضائه من
المسجد .
وقوله: (فأغسله) فيه جواز المباشرة مع الحائض.
٥٤٧ _ [٣] (وعنها) قوله: (وأتعرق العرق) بالفتح والسكون عرق العظمَ عرقاً
ومعرقاً كمقعد: أكل ما عليه من اللحم، كتعرَّقَه، والعَرْقُ، وكغراب: العَظْمُ أُكِلَ لَحْمُهُ،
أو العرق: العظم بلحمه، فإذا أُكِلَ لحمه فعُراق، أو كلاهما لكليهما، كذا في
(القاموس)(٢)، فقوله: أتعرق العرق إما على حقيقته أو من قبيل قتل قتيلاً.
٥٤٨ _ [٤] (وعنها) قوله: (في حجري) بفتح الحاء وكسرها.
(١) ((الهداية)) (١ / ٣٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٣٦).

٢٩٠
(١٢) باب الحيض
وَأَنَا حَائِضٌ، ثمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٧، م: ٣٠١].
٥٤٩ - [٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ
الْمَسْجِدِ)). فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: ((إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٨].
وقوله: (ثم يقرأ القرآن) يحتمل التراخي في الزمان وفي الرتبة، وهذا أظهر.
٥٤٩ - [٥] (وعنها) قوله: (ناوليني الخمرة) الخمرة بالضم وسكون الميم هي
السجادة من حصير أو خوص بقدر ما يضع الساجد وجهه، وفي (القاموس)(١): حصيرة
صغيرة من السعف والورس، انتهى. واشتقاقه من الخمر بمعنى التعلقة والتغطية.
وقوله: (من المسجد) متعلق بـ (ناوليني) وهو الظاهر، والمراد مدي يدك وأنت
خارجة فتناوليها منه ثم ناوليني إياها، أو ادخلي المسجد فخذيها من غير مكث، وهذا
جائز عند الشافعية، يدل على ذلك كلام الشيخ ابن حجر، أو متعلق بـ (قال) لكنه بعید،
وفي بعض الشروح أن السابق إلى الفهم من العبارة أن يتعلق بـ (ناوليني)، ولكن الصواب
أن يتعلق بـ (قال لي النبي ◌َّ) لما روى أبو هريرة: بينما النبي ◌ُّ في المسجد فقال:
(يا عائشة! ناوليني الثوب)، فقالت: إني حائض، فقال: (إن حيضتك ليست في يدك)،
رواه مسلم(٢).
وأقول: لعل هذه قضية أخرى فلا شاهد فيه، ومما يدل على تعلقه بـ (ناوليني)
ترجمة الترمذي إياه بـ (باب الحائض تتناول الشيء من المسجد)، وإيراده هذا الحديث
ثم قوله: لا نعلم بين العلماء اختلافاً في أنه لا بأس أن تتناول الحائض شيئاً من
المسجد .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٦١).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٢٩٩).

٢٩١
(٣) كتاب الطهارة
٥٥٠ - [٦] وَعَنْ مَيْمُونَ ﴾ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ يُصَلِّي فِي مِرْطٍ،
بَعْضُهُ عَلَيَّ وَبَعْضُهُ عَلَيْهِ وَأَنَا حَائِضٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٩، م: ٥١٣].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٥١ - [٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: ((مَنْ أَتَى حَائِضاً
أَوِ امْرَأَةً فِي دُبْرِهَا أَوْ كَاهِناً فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ)) ..
٥٥٠ _ [٦] (ميمونة) قوله: (يصلي في مرط) المرط بكسر الميم: كساء من
صوف أو خز.
الفصل الثاني
٥٥١ _ [٧] (أبو هريرة) قوله: (من أتى حائضاً) أي: مستحلاً وهو عالم
بكونها حائضاً وبحرمة الوطء حالة الحيض وعامد ومختار كما بيّا، والإتيان بمعنى
المجيء، والمجيء للمرأة يكون للجماع، وللكاهن للسؤال، فليس الإتيان ههنا مستعملاً
بالاشتراك في الجماع والمجيء كما قيل، فافهم. ثم إن كان المراد الإتيان باستحلال
وتصديق فالكفر محمول على ظاهره، وإن كان بدونهما فهو محمول على كفران النعمة،
وفيه تغليظ وتشدید لا يخفى .
هذا وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي في شرحه: الكفر ههنا بالنسبة إلى الحليلة،
أو لأنه محمول على كفر النعمة بشهرة الخلاف في ذلك، فلم يوجد إجماع على تحريمه
فضلاً عن علمه بالضرورة، وما كان كذلك لا يقول أحد بأن استحلاله كفر على أن
الحديث ضعيف كما يأتي، انتهى. وعلى هذا فإتيان الأجنبية في دبرها يكون أشد شناعة
ونكيراً، وأما إتيان الذكران فأشد وأشد.
وقوله: (بما أنزل على محمد) وهو القرآن لتحريمه الوطء حالة الحيض والإتيان

٢٩٢
(١٢) باب الحيض
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَفِي رِوَايَتِهِمَا: ((فَصَدَّقَهُ بِمَا
يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ)). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لاَ نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّ مِنْ
حَكِيمِ الأَثْرَمِ عَنْ أَبِي تَمِيْمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [ت: ١٣٥، جه: ٦٣٩، دي:
١ / ٢٥٩].
في الدبر، ولتكذيبه الكهان.
وقوله: (قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حكيم الأثرم عن
أبي تميمة عن أبي هريرة)، وقال الترمذي بعد هذا الكلام: وإنما معنى هذا عند
أهل العلم على التغليظ، وقد روي عن النبي ◌َّ﴾ قال: (من أتى حائضاً فليتصدق
بدينار)، فلو كان إتيان الحائض كفراً لم يؤمر فيه بالكفارة، وقال: وضعف
محمد هذا الحديث من قبل إسناده، وأبو تميمة الهجيمي اسمه طريف بن مجالد،
انتھی .
وقال في (التقريب)(١): حكيم الأثرم البصري فيه لين، من السادسة، ونقل في
الحاشية من (ميزان الاعتدال)(٢) أنه قال النسائي: ليس به بأس، وروي عن علي بن
المديني أنه ثقة عندنا، وقال البخاري: لم يتابع على حديثه، قال في (الكاشف)(٣):
طريف بن مجالد وثق، مات سنة سبع وتسعين، وفي (التهذيب) (٤): قال يحيى: ثقة،
وقال العجلي : إن شاء الله تعالى.
(١) ((التقريب)) (ص: ١٧٧).
(٢) ((ميزان الاعتدال)) (١ / ٥٨٦).
(٣) ((الكاشف)) (١ / ٥١٣).
(٤) ((التهذيب)) (٥ / ١٢).

٢٩٣
(٣) كتاب الطهارة
٥٥٢ - [٨] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا يَحِلُّ لِي
مِنِ امْرَأَنِي وَهِيَ خَائِضٌ؟ قَالَ: (مَا فَوْقَ الإِزَارِ، وَالتَّعَقُّفُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ)).
رَوَاهُ رَزِينٌ. وَقَالَ مُحْيِيٍ السُّنَّةِ: إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِقَوِيٌّ. [أخرجه د: ١٨٣].
٥٥٣ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِذَا وَقَعَ الرَّجُلُ
بِأَهْلِهِ وَهِيَ خَائِضٌ فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ
والنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٣٦، د: ٢٦٦، ن: ٢٨٩، دي: ١ /٢٥٤ -
٢٥٥، جه: ٦٤٠].
٥٥٤ - [١٠] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((إِذَا كَانَ دَماً أَحْمَرَ، فَدِينَارٌ
وَإِذَا كَانَ دَماً أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٣٧].
٥٥٢ - [٨] (معاذ بن جبل) قوله: (قال: ما فوق الإزار) يؤيد مذهب أبي
حنيفة ظله بدلالة المقام، ومع ذلك قال: التعفف عن ذلك أفضل؛ لأنه ربما يؤدي
إلى الوطء، وأما هو ﴿ فمأمون كما في تقبيل المرأة صائماً ونحوه، فلا يتجه قول
الطيبي(١) في الحكم بتضعيف الحديث، لو كان التعفف أفضل لكان رسول الله وَلي به
أولى.
٥٥٣ _ [٩] (ابن عباس) قوله: (إذا وقع الرجل بأهله) من الوِقاع بمعنى
الجماع.
وقوله: (فليتصدق بنصف دينار) قد سبق بيانه فيما نقلنا من التفصيل من
الكرماني.
٥٥٤ _ [١٠] (ابن عباس) قوله: (قال: إذا كان دماً أحمر فدينار ... ) الحديث،
(١) انظر: ((شرح الطيبي)) (٢ / ١٤٠).

٢٩٤
(١٢) باب الحيض
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٥٥ - [١١] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَه
فَقَالَ: مَا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأَنِي وَهِيَ خَائِضٌ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((تَشُدُّ
عَلَيْهَا إِزَارَهَا ثُمَّ شَأَنُكَ بِأَعْلاَهَا)). رَوَاهُ مَالِكٌ وَالدَّارِمِيُّ مُرْسَلاً. [ط: ١٥٩،
دي: ٣ / ٢٣٩].
٥٥٦ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ إِذَا حِضْتُ نَزَلْتُ عَنِ الْمِثَالِ
عَلَى الْحَصِيرِ، فَلَمْ نَقْرُبْ رَسُولَ اللهِ.
قال الترمذي: حديث الكفارة في إتيان الحائض قد روي عن ابن عباس موقوفاً ومرفوعاً
أيضاً، وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال ابن المبارك:
يستغفر ربه ولا كفارة عليه، وقد روي نحو قول ابن المبارك عن بعض التابعين، منهم
سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي رحمهم الله .
الفصل الثالث
٥٥٥ _ [١١] (زيد بن أسلم) قوله: (ثم شأنك بأعلاها) مرفوع على أنه مبتدأ
خبره محذوف أي: مباحٌ، أو منصوب بإضمار فعل، أي: الزم، كذا قالوا، وأقول:
أو يكون الخبر (بأعلاها) أي: متلبس به.
٥٥٦ _ [١٢] (عائشة) قوله: (عن المثال) في (القاموس) (١): المثال: الفراش،
والجمع أَمْثِلَةٌ ومُثُلٌ.
وقوله: (فلم نقرب) على صيغة المتكلم مع الغير شاملاً لأمهات المؤمنين
كلهن، أخبرت أولاً عن حالها ثم عممت، وفيه تفنن قريب من الالتفات، وفي بعض
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٧٤).

٢٩٥
(٣) كتاب الطهارة
وَلَمْ نَدْنُ مِنْهُ حَتَّى نَطْهُرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧١].
١٣ - باب استحاضة
النسخ صحح بالياء بلفظ الغائب وفاعله رسول الله وَّة، وكتب في الحاشية أن في أصول
أبي داود كلّها بالنون، وهو الأظهر الأوفق بقوله: (ولم ندن منه حتى نطهر).
ثم ظاهره ينافي ما سبق من الأحاديث من حل المباشرة والاستمتاع بغير الجماع
أو بما فوق الإزار، فقيل: هذا منسوخ، أو المراد بالقرب الغشيان أو التمتع لما تحت
الإزار.
والأحسن ما قیل من أن المراد أن هذا کان شأنهن معه ټ حتى يدعوهن ویؤویھن
إلى معاشرته، وهذا المعنى - أعني كون القرب ضد البعد - أقرب وأظهر إذا كان (نقرب)
بلفظ المتكلم، والمعنى الأول - أعني كونه بمعنى الغشيان - إن كان بالياء، فافهم، والله
أعلم.
١٣ - باب المستحاضة
المستحاضة من يسيل دمها لا من حيض بل ذلك من عرق يسمى العاذل،
والاستحاضة يستعمل مشتقاته على لفظ المجهول، وكم من كلمات لا يستعمل إلا كذلك
مثل: جن واستجن من الجنون، وأغمي عليه من الإغماء، فإن كان ذلك مبنياً على
أنها أفعال غير اختيارية وعوارض سماوية كما قيل، فهو غير مطّرد، وكفى في نقضه
الحائض من الحيض فإنه مثل المستحاضة من الاستحاضة غير اختياري، فالظاهر أنه
سماعي غير مطرد، فتدبر.

٢٩٦
(١٣) باب المستحاضة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٥٧ _ [١] عَنْ عَائِشَةَ لَّهُ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى
النَّبِّ ◌َ﴿ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَخَاضُ فَلاَ أَظْهُرُ أَفَدَعُ الصَّلاَةَ؟
فَقَالَ: ((لَاَ، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِخَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي
الصَّلاَةَ،
الفصل الأول
٥٥٧ _ [١] (عائشة) قوله: (إني امرأة أستحاض) على لفظ المجهول، أي: دائم
الاستحاضة، والقياس على ما قال أهل العربية أن يقال: تستحاض، لكنه قد ينظر إلى
المعنى عرف ذلك في :
أنا الذي سمتني أمي حيدره
وقوله: (إنما ذلك عرق) أي: دم عرق، ويناسبه قوله: (وليس بحيض)، أو
المراد المحل الذي يخرج منه الدم عرق لا رحم، قال الفقهاء: ما نقص عن أقل
الحيض أو زاد على أكثره أو أكثر النفاس أو على عادة وجاوز الأكثر، أو استمر دمها،
أو ما رأته حامل فهو استحاضة، فإن كانت مبتدأة فحيضها أكثر المدة، وإن كانت
معتادة فعادتها، وما زاد فهو استحاضة، وهذا معنى قوله ◌َّ: (فإذا أقبلت حيضتك)
بكسر الحاء وفتحها، أي: أيام عادتك إن كانت معتادة، والظاهر أن هذه المرأة السائلة
كانت معتادة، أو أيام أكثر الحيض إن كانت مبتدأة، هذا عندنا، وعند الباقين يعمل
بالتمييز في المبتدأة إن كان دماً أسود يحكم بأنه من الحيض كما جاء في الحديث
الآتي عن عروة: (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف)، الحديث، وعندنا لا يعمل
بالتمييز لخفائه، وإن تعارضت العادة والتمييز فعند جمهور الشافعية يعتبر التمييز،

٢٩٧
(٣) كتاب الطهارة
وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثَمَّ صَلِّي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٨، ٣٠٦،
م: ٣٣٣].
ولم تعتبر العادة، وعند أحمد روايتان، وأكثر الأحاديث وردت في المعتادة، والله
أعلم.
وقوله: (وإذا أدبرت) أي: الحيضة، أي: زمنها (فاغسلي عنك الدم) أي:
واغتسلي.
وقوله: (ثم صلي) أي: بعد هذا الاغتسال، وبعد ذلك تتوضأ لوقت كل صلاة
عندنا، ولكل صلاة عند الشافعي لقوله تعالى: (المستحاضة تتوضأ لكل صلاة)، فاللام
عندنا بمعنى الوقت كقولك: آتيك لصلاة الظهر، أي: وقتها، ولأن الوقت أقيم مقام
الأداء تيسيراً، فيدار الحكم عليه، وقد ورد في بعض الروايات: (المستحاضة تتوضأ
الوقت كل صلاة)، فيحمل عليه، كذا في (الهداية)(١).
وقال الشيخ ابن الهمام(٢): ذكر سبط ابن الجوزي أن الإمام أبا حنيفة له رواه،
وفي (شرح مختصر الطحاوي): روى أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة:
أن النبي ◌َّ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: (توضئي لوقت كل صلاة)، ولا شك أن هذا
محكم بالنسبة إلى (لكل صلاة)؛ لأنه لا يحتمل غيره بخلاف الأول، فإن لفظ الصلاة
شاع استعمالها في الشرع والعرف في وقتها فوجب حمله على المحكم، وقد رجح أيضاً
أنه متروك الظاهر بالإجماع للإجماع على أنه لم يرد حقيقة كل صلاة لجواز النوافل مع
الفرض بوضوء واحد، كذا قال الشيخ ابن الهمام.
(١) ((الهداية)) (١ / ٣٤).
(٢) ((فتح القدير)) (١ / ١٧٩).

٢٩٨
(١٣) باب المستحاضة
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٥٨ - [٢] عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: أَنَّهَا كَانَتْ
تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِذَا كَانَ دَمُ الْخَيْضِ فَإِنَّهُ دٌَ أَسْوَدُ يُعْرَفُ،
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلاَةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّتِي وَصَلِّي، فَإِنَّمَا
هُوَ عِرْقٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٨٦، ن: ٢١٥].
٥٥٩ - [٣] وَعَنْ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ عَلَى
عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ێ.
الفصل الثاني
٥٥٨ - [٢] (عروة بن الزبير) قوله: (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود) لا شك
أنه باعتبار الأغلب، فإنه قد يكون دم الحيض غير أسود فيعسر اعتباره.
وقوله: (یعرف) أي: تعرفه النساء باعتبار لونه وثخانته کما تعرفه باعتبار عادته،
قيل: تعرف بالفوقانية على الخطاب، والصواب أنه بالتحتانية إذ لو كان كذلك لقال:
تعرفين على خطاب المؤنث، وقيل: هو من العرف بالفتح والسكون وهو الرائحة،
وفيه أن العرف هو الرائحة الطيبة لا المنتنة، بل الصواب أنه من المعرفة، كذا في بعض
الشروح.
٥٥٩ - [٣] (أم سلمة) قوله: (إن امرأة كانت تهراق الدم) بضم التاء الفوقانية
وفتح الهاء(١) على صيغة المجهول، أي: تَصُبُّ، والدم إما مرفوع لكونه مسنداً إليه،
والألف واللام بدل من الإضافة، والتقدير يهراق دمها، أو لكونه بدلاً من الضمير في
تهراق، وإما منصوب على أنه مفعول به لمقدر كأنه قيل: ما تهراق؟ فقيل: تهريق الدم،
(١) وقد تسكن، قاله القاري (٢ / ٥٠٠).

٢٩٩
(٣) كتاب الطهارة
فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ النَّبِّ ◌َ، فَقَالَ: ((لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللََّالِي وَالأَّيَامِ الَّتِي
كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَشْرُكِ الصَّلاَةَ
قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَغْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ».
رَوَاهُ مَالَكٌ وَأَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ. [ط: ١٣٦، د: ٢٧٤،
دي: ١ / ١٩٩ - ٢٠٠، ن: ٢٠٨].
وقال زين العرب: منصوب على التشبيه بالمفعول كما في الصفة المشبهة، أو على
التمييز وإن كانت معرفةً؛ لأن له نظائر فيكون اللام زائدة، وقيل: ذلك جائز على مذهب
الكوفيين .
وقال صاحب (الأزهار): على أنه مفعول به بأن يكون تهراق في الأصل تهريق
على المعلوم، أبدلت كسرة الراء فتحة وانقلب الياء ألفاً على لغة من قال في ناصية:
ناصاة، قال بعض الشارحين: هذا التوجيه عار عن التكلف المذكور في تصحيح النصب،
قال الرافعي وغيره: ولكن العرب تعدل بالكلمة إلى ما هو في معناها، وهي في معنى
تستحاض وهو على وزن ما لم يسم فاعله، ولم يجئء بالبناء للفاعل، هذا ما ذكره
الشارحون في تصحيح هذه الكلمة، وقد سبق بيانه في آخر الفصل الثالث من (كتاب
الإيمان) [رقم: ٤٦]، فلينظر ثمة.
وقوله: (فاستفتت لها أم سلمة) هذا قول الراوي عن أم سلمة أو التفات منها.
وقوله: (قبل أن يصيبها الذي أصابها) أي: الاستحاضة بدوام خروج الدم.
وقوله: (فإذا خلفت ذلك) أي: تركت خلفها قدر زمن الحيض، أي: مضى
ذلك الزمان .
وقوله: (ثم لتستثفر) أي: تشدّ ثوباً بين فخذيها، تحتجز به على موضع الدم
ليمنع سيلانه، والاستثفار أن يدخل إزاره بين فخذيه ملويًّا، وإدخال الكلب ذنبه بين

٣٠٠
(١٣) باب المستحاضة
٥٦٠ - [٤] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ جَدِّهِ - قَالَ يَحْيَى بْنُ
مَعِينٍ: جَدُّ عَدِيٍّ اسْمُهُ دِينَارٌ - عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّهِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : ....
فخذيه حتى يلزقه ببطنه، والثفر بالتحريك: السير في مؤخر السرج، وقد يسكن، كذا
في (القاموس)(١).
٥٦٠ - [٤] (عدي بن ثابت) قوله: (قال يحيى بن معين) في بيان اسم جده(٢):
(جد عدي اسمه دينار) وبهذا يظهر أن ضمير جده راجع إلى عدي لا إلى ثابت، وهكذا
يكون في أسانيد أخر بعبارة عن أبيه عن جده، وهو الظاهر من اللفظ الموافق لعود
ضمير عن أبيه إليه، يقول الشراح في إسناد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: إن
الضمير في جده، إما أن يرجع إلى عمرو بن شعيب أو إلى أبيه، ويكون الحديث
على الأول مرسلاً، وعلى الثاني منقطعاً(٣) مجرد احتمال ذكروه لبيان هذه الفائدة
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٣٧).
(٢) أي: جد عدي، صحابي، واختلف في اسمه على أقوال، فقيل: اسمه دينار، وقيل: عمرو
ابن أخطب، وقيل: عبيد بن عازب، وقيل: قيس بن الخطيم، وقيل: إنه يعني جده أبا أمه،
وهو عبدالله بن يزيد الخطمي، كذا زعم يحيى بن معين فيما حكى الدارقطني. وكذا قال أبو
حاتم الرازي، واللالكائي، وغير واحد. وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): ولم يترجح
لي في اسم جده إلى الآن شيء من هذه الأقوال كلها، إلا أن أقربها إلى الصواب أن جده هو
جده لأمه عبدالله بن يزيد الخطمي. والله أعلم، انتهى. وعبدالله بن يزيد هو أبو موسى الأوسي
الأنصاري الخطمي، صحابي صغير، شهد الحديبية وهو ابن سبع عشر سنة، وشهد الجمل
والصفين مع علي، وكان أميراً على الكوفة زمن ابن الزبير، له سبعة وعشرون حديثا، روى له
البخاري حديثين. (مرعاة المفاتيح)) (٢ / ٢٦١).
(٣) قال الزيلعي (١ / ٥٩): فَعَمْرُو لَهُ ثَلاثَةُ أَجْدَادٍ: مُحَمَّدٌ وروايته مرسلة لأنه تابعي، وَعَمْرُو بْنُ
الْعَاصِ صحابي وروايته منقطعة؛ لأنه لم يدرك عمراً قطعاً، فَمُحَمَّدٌ تَابِعِيٌّ، وَعَبْدُ اللهِ وهو
أيضاً صحابي إلا أن روايته تحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ السّمَاعِ، وصرح الترمذي بسماعه عنه، بسطه =