النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ (٣) كتاب الطهارة وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ وَفِيهِ: قَالَ: ((إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ، ثمَّ تَنْفَخَ، ثمَّ تَمْسَحَ بِهَمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ)). [خ: ٣٣٨، م: ٣٦٨]. ٥٢٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى النَّبِيِّ وَ﴿ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى قَامَ إِلَى جِدَارٍ، فَحَتَّهُ بِعَصاً كَانَتْ مَعَهُ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْجِدَارِ . من حديث عمار وقوع الاجتهاد من الصحابة في زمن النبي ◌َّير، وأن المجتهد لا لوم عليه إذا بذل وسعه وإن لم يصب الحق، وأنه إذا عمل بالاجتهاد لا يجب عليه الإعادة، وفي تركه أمر عمر ظله أيضاً بقضائها تمسك لمن قال: إن فاقد الطهورين لا يصلي ولا قضاء عليه، كذا في (فتح الباري)(١) . ٥٢٩ - [٤] (أبو جهيم بن الحارث بن الصمة) قوله: (وعن أبي الجهيم) بلفظ التصغير (ابن الحارث بن الصمة) بكسر الصاد وتشديد الميم المفتوحة. وقوله: (فحته بعصاً) أي: خدشه وفركه وقشره، وفي (مختصر النهاية)(٢): الحت والحك والقشر سواء، وفي الحديث الآخر: وتحات الورق: سقطت، ومنه رأى نخامة فحتها، فسره في رواية الحموي فحکها. قال الطيبي(٣): فيه أن التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار، وعند أبي حنيفة يجوز على حجر أملس ولو بلا نقع، أو حائط لا غبار عليه، أو على أرض ندية لم تلزق بيديه منه شيء، وقال محمد: لا يجوز بلا نقع لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ (١) ((فتح الباري)) (١ / ٤٤٤). (٢) ((الدر النثير)) (١ / ٢٠٨). (٣) ((شرح الطيبي)) (٢/ ١٢٨). ٢٦٢ (١٠) باب التيمم فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ. وَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) وَلاَ فِي ((كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ)، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [أخرجه د: ٣٢٩، ابن خزيمة: ٣ /٨٠٥]. الْفَصْلُ الثَّانِ: ٥٣٠ - [٥] عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وكلمة (مِن) للتبعيض، ولأبي حنيفة وهو رواية عن محمد أن المعتبر هو الإمساس بدليل أنه ينفضهما حتى يتناثر ما عليهما من التراب، ولهذا نفخ رسول الله يسير فيهما كما مر، وخدشه الجدار لا يدل على وجوبه، غايته الندب والأولوية، وكلمة (مِن) ابتدائية. وقوله: (فمسح وجهه وذراعیه) إن کان بضربتین فهو ما ذهب إليه الجمهور، وإن كان بضربة وهذا شق ثالث وراء المذهبين. وقوله: (ولا في كتاب الحميدي) الأولى أن يقول: ولا في (جامع الأصول). الفصل الثاني ٥٣٠ _ [٥] (أبو ذر) قوله: (إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) في رواية: (ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء)، والوضوء بفتح الواو ماء يتوضأ به، والمراد أنه طهوره بالفتح، أي: مطهره، وفي الحديث مبالغة في طهوريته وإشارة إلى أنه خلف مطلق للماء، وأنه يرفع الحدث حقيقة، فالشارع جعل تطهير المسلم بشيئين بالوضوء عند وجود الماء، وبالتيمم إذا لم يوجد الماء، فهو يرفع الحدث إلى أن يوجد الماء كما هو مذهبنا، ويتفرع عليه أنه يصلي به ما شاء من ٢٦٣ (٣) كتاب الطهارة فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ إِلَى قَوْلِهِ: عَشْرَ سِنِينَ. [حم: ١٨٠،١٥٥/٥، ت: ١٢٤، د: ٣٣٢، ن: ٣٢٢]. ٥٣١ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلاً مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ فَاحْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ هَل تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَّهُمْ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ◌َ أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فرض ونفل ويصلي به فرائض متعددة، ولا ينتقض بخروج الوقت، ويتيمم قبل الوقت، وعند الثلاث هو خلف ضروري للوضوء بأن يبيح الصلاة كوضوء المعذور ولا يرفع الحدث، فلا يجوز التيمم عندهم قبل الوقت، ولا يجمع بين فرضين فصاعداً بتیمم واحد. وقال أحمد رحمه الله: إذا تيمم صلى الصلاة التي حضر وقتها والفوائت والتطوع إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى، وظاهر النصوص وإطلاقها يؤيد مذهبنا كما لا يخفى. وقوله: (فليمسه) بضم الياء وكسر الميم من أمَسَّ بمعنى مسح، والبشر كالبشرة ظاهر الجلد، وهو كناية عن الوضوء، وإطلاق (خير) ههنا كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ اُلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ الآية [الفرقان: ٢٤]. ٥٣١، ٥٣٢ - [٦، ٧] (جابر، وابن عباس) قوله: (فشجه) شج رأسه: کسره، والضمير المرفوع للحجر، أي: أوقع الشجة في رأسه. وقوله: (وأنت تقدر على الماء) فهموا من ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ﴾ [النساء: ٤٣] أن وجود الماء والقدرة عليه مانع من جواز التيمم، ولم يعرفوا تأويله أن المراد القدرة على استعماله وعدم التضرر به . ٢٦٤ (١٠) باب التيمم قَالَ: ((قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَّ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَن يَتَمَّمَ وَيُعَصِّبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرِ جَسَدِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣٦]. ٥٣٢ - [٧] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ عَن ابْن عَبَّاسِ. [جه: ٥٧٢]. ٥٣٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَجُلاَنِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيداً طَيِّباً فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلاَةَ بِوُضُوءٍ وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَنَا رَسُولَ اللهِوَهُ فَذَكَرَا ذَلِك لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: ((أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلاَتُكَ))، وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: ((لَكَ. وقوله: (قال: قتلوه) يدل على جواز الإسناد إلى التسبب والتكلم به في مثل هذا المقام من أهل المعرفة، كيف وسيد العارفين نطق بذلك، ولكن ينبغي أن يكون اعتقاد قلبه على الحقيقة. وقوله: (ألا) بتشديد اللام للتنديم، و(العي) بكسر العين العجز وعدم الاهتداء للمراد والحصر في المنطق والمراد ههنا الجهل، والشفاء استعارة مصرِّحة للإزالة، أو العي استعارة مكنية عن المرض، والشفاء تخييلية . وقوله: (ويعصب على جرحه) أي: يشد عليها خرقة ويجعلها عصابة. وقوله: (ويغسل سائر جسده) فيه الجمع بين التيمم وغسل سائر البدن بالماء، وفي الحديث التعبير والتعييب في الإفتاء بغير علم دون الضمان. ٥٣٣، ٥٣٤ _ [٨، ٩] (أبو سعيد الخدري، وعطاء بن يسار) قوله: (لك ٢٦٥ (٣) كتاب الطهارة الأَجْرُ مَرَّتَيْنٍ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [د: ٣٣٨، دي: ٢ / ٢٨٨، ن: ٢٣٢]. ٥٣٤ _ [٩] وَقَدْ رَوَى هُوَ وَأَبُو دَاوُدَ أَيْضاً عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلاً. [ن: ٢٣٢، د: ٣٣٩]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٣٥ - [١٠] عَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ◌َهُ مِنْ نَخْوٍ بِثْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرَُّّ النَّبِيُّ ◌َهُ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَار، الأجر مرتين) مرة بأداء الفرض بالتيمم للعذر، ومرة بصلاة النفل بالوضوء عند زوال العذر، أو على ظن أن القدرة على الماء في الوقت توجب الإعادة، فإن الفرض قد سقط، والقدرة على الماء بعد أداء الصلاة لا يوجب الإعادة، ويحتمل أن يكون الحكم إذ ذاك كذلك، والله أعلم. وأما عند الشافعي رحمه الله فيجوز تكرار الفرض على معنى أن ينوي الفرض في المرتين وإن كان المؤدى فرضاً هو الأول، هكذا مذهبهم. الفصل الثالث ٥٣٥ - [١٠] (أبو جهيم بن الحارث بن الصمة) قوله: (من نحو بئر جمل) أي: من جانب الموضع الذي يعرف به بئر جمل بالإضافة بفتح الجيم والميم موضع معروف بالمدينة . وقوله: (فلقيه رجل) وهو أبو الجهيم الراوي بيّه الشافعي في رواية هذا الحديث من طريق الأعرج، كذا في بعض الشروح، والحديث المذكور في الفصل الأول من روايته قال فيه: مررت على النبي ◌َّ﴿ وهو يبول فسلمت عليه، الحديث، والظاهر أن ٢٦٦ (١٠) باب التيمم فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٧، م: ٣٦٩]. ٥٣٦ - [١١] وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ بِالصَّعِيدِ لِصَلاَةِ الْفَجْرِ، فَضَرَّبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ، ثُمَّ مَسَحُوا بِوُجُوهِهِمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى، فَمَسَحُوا بِأَيْدِبِهِمْ كُلِّهَا إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَنِدِهِمْ. رَوَاهُ أَبُّو دَاوُدَ. [د: ٣٢٠]. الواقعة متعددة أو مبني على اختلاف الرواية، والله أعلم. وقوله: (فمسح بوجهه ويديه) وفي الحديث السابق من أبي الجهيم كان وجهه وذراعيه، وفي هذا الحديث أيضاً جاء للدار قطني من طريق أبي، وكذا للشافعي: فمسح بوجهه وذراعيه، وأما الضربة والضربتين فمحتمل فيهما. ٥٣٦ _ [١١] (عمار بن ياسر) قوله: (ثم عادوا فضربوا) هذا صريح في أن التيمم ضربتان، والحديث المذكور في الفصل الأول يدل بظاهره على أنه ضربة واحدة، وكلا الحديثين عن عمار، وستنكشف جليَّة الحال فيما نذكره من المقال. وقوله: (إلى المناكب والآباط) في (القاموس)(١): المنكب: مجمع رأس الكتف والعضد مذكر، والإبط: باطن المنكب بكسر الكاف وقد تؤنث، انتهى. فذكرهما إشارة إلى ظاهر اليد وباطنها، وكأنهم نظروا إلى عدم تقييد اليد بالغاية في التيمم كما في الوضوء، ولم ينظروا إلى فرعية التيمم للوضوء. اعلم أنهم اختلفوا في كيفية التيمم، فالأكثرون على أنه ضربتان: ضربة للوجه، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٤٢). ٢٦٧ (٣) كتاب الطهارة وضربة لليدين إلى المرفقين، وهذا مذهب أبي حنيفة وصاحبيه ومالك رحمهم الله، والمحفوظ والمختار من مذهب الشافعي وبعض أصحاب أحمد وقول علي وابن عمر والحسن البصري والشعبي وسالم بن عبدالله بن عمر وسفيان الثوري، وروى الطبراني والدارقطني والحاكم عن جابر ظه(١) قال: قال رسول الله وَلاي: (التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين)، ورواه الطبراني عن ابن عمر وأبي أمامة، والحاكم عن ابن عمر، وأحمد عن عمار بن ياسر # أيضاً، وروى أبو داود عن عمار ابن ياسر أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهو مع رسول الله وَّر بالضربتين كما في الحديث المذكور في الكتاب غير أنه ذكر فيه المناكب والآباط، وقد عرفت تأويله. وذهب بعضهم إلى أن التيمم ضربة واحدة ومسح الوجه والكفين، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد والقول القديم للشافعي، والمنقول من عطاء الخراساني ومكحول الشامي والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن خزيمة من المحدثين، ونقل عن مالك وآخرين من أصحاب الحديث، ودليلهم الحديث المتفق عليه من عمار بن ياسر المذكور في (الفصل الأول)، وفيه فقال رسول الله صلاته: (إنما يكفيك هكذا)، فضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه، هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: (إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تمسح بهما وجهك وکفیك)، ووقع في بعض الروايات بالواو بتقديم وجهه على كفيه وبالعكس، وفي بعضها بـ (ثم) بتقدیم کفیه علی وجهه. (١) ((المعجم الكبير)) (٢٤٥/٨، ١٢/ ٣٦٨)، ((سنن الدارقطني)) (٢/ ٢٦٣)، و((المستدرك)) (٢/ ١٣٨)، و((مسند أحمد)) (٤/ ٢٦٣). ٢٦٨ (١٠) باب التيمم قال الشيخ(١): ومن ههنا يعلم أن الترتيب ليس بشرط في التيمم، وأجاب النووي بأن مقصوده وَ لّ ههنا بيان صورة الضرب لتعليم عمار وإراءته أن يضرب اليد على الأرض هكذا، ولا ينبغي أن يتمعك في الأرض كما فعله ربه، لا بيان كيفية التيمم، وجميع ما يحصل به فروى عمار تعليمه بَ ل# إياه بالضرب، ولهذا جاء في الروايات الأخر عن عمار في (سنن أبي داود) وغيره ما هو نص في كون التيمم ضربتين، وليس في بعض طرق هذا الحديث ضربة واحدة صريحاً بل قال: ضرب بكفيه الأرض ونفخ، ثم مسح وجهه وكفيه، وهذا بإطلاقه يحتمل الضربتين أيضاً. وقال الكرماني: قال النووي: المحفوظ ضربتين لا ضربة واحدة، ووقع في حديث البخاري: ومسح وجهه وكفيه واحدة، وحملوه على مسحة واحدة لا على ضربة واحدة كما جاء في حديث آخر عن عمار الذي فيه مسح إلى المناكب والآباط، وأن مذهب البخاري هو الثاني، وهذا جواب ضربة دون ضربتين، وأما ذكر الكفين ومسحهما فهو أيضاً لعدم كون المقصود بيان التيمم بتمامه، فاقتصر عليه لكفايته في تعليم الضربة بدليل ذكر الذراعين إلى المرفقين في الأحاديث الأخر حيث كان المقصود ذكر التيمم بتمامه، وقد يقال: أراد بالكفين ههنا اليدين كما أريد باليد الكف في قوله تعالى: ﴿وَالشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَهُوَاْأَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] لوجود العلاقة من الجانبين، انتھی. قال العبد الضعيف - أصلح الله شأنه وصانه عما شانه -: لقد بالغ بعض المحدثين في تأييد المذهب الأخير حتى قال المجد اللغوي في (سفر السعادة)(٢): لم يرو في (١) انظر: ((فتح الباري)) (١ / ٤٥٧). (٢) ((سفر السعادة)) (ص: ٢٤). ٢٦٩ (٣) كتاب الطهارة الحديث الصحيح أنه يَّر ضرب يديه على الأرض مرتين، ولا أنه مسح إلى المرفقين، بل الذي صح هو أنه ◌ُ ﴿ ضرب ضربة واحدة فمسح وجهه وكفيه، والأحاديث الواردة على خلافه كلها ضعيفة. وقال الشيخ ابن الهمام(١): إن الحاكم صحح حديث الضربتين، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، والشيخ أيضاً رجح المذهب الثاني في (شرح البخاري)، وقال: إتيان البخاري الترجمة بلفظ الجزم حيث قال: (باب التيمم للوجه والكفين) مع شهرة الخلاف لقوة دليله؛ لأن الأحاديث الواردة في صفة التیمم لم يصح منها سوی حدیث أبي جھیم وحديث عمار، أما حديث أبي جهيم فورد بلفظ اليدين مجملاً، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية: إلى نصف الذراع، وفي رواية: إلى الآباط، فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيهما مقال. وأما رواية الآباط فقال الشافعي وغيره: وإن كان ذلك وقع بأمر النبي ◌َّ فكل تيمم صح للنبي ◌ّ بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره، فالحجة فيما أمر به، ومما يقوي رواية (الصحيحين) في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار يفتي بعد النبي وَلهم بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره لاسيما الصحابي المجتهد، وكذلك في رواية (الصحيحين) ضربة، وفي غيرهما ضربتين. وقال الشيخ: وأما قول النووي: المراد بيان صورة الضرب للتعليم وليس المراد به بیان جمیع ما يحصل به التيمم، فتعقب بأن سياق القصر يدل على أن المراد بيان (١) ((فتح القدير)) (١/ ١٢٦). ٢٧٠ (١٠) باب التيمم جميع ذلك؛ لأن ذلك هو الظاهر من قوله: (إنما يكفيك). وأما ما استدل به من اشتراط بلوغ المسح إلى المرفقين من أن ذلك شرط في الوضوء، فجوابه أنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد الاعتبار، وقد عارضه من لم يشترط ذلك بقياس آخر وهو الإطلاق في آية السرقة، ولا حاجة مع وجود هذا النص. فإن قلت: كما ذكر في توجيه المذهب صار مدخولاً فيه فهل عندك شيء؟ فأقول: نعم، - وبالله التوفيق - لا شك أن الأحاديث وردت في الباب مختلفة متعارضة جاءت في بعضها ضربتين، وفي بعضها ضربة واحدة، وفي بعضها مطلق الضرب، وفي بعضها كفين، وفي بعضها يدين إلى المرفقين، وفي بعضها يدين مطلقاً، والأخذ بأحاديث ضربتين ومرفقين أخذ بالاحتياط وعمل بأحاديث الطرفين لاشتمال الضربتين على ضربة، ومسح الذراعين إلى المرفقين على مسح الكفین دون العكس، وأيضاً التيمم طهارة ناقصة فلو كان محله أكثر بأن يستوعب إلى المرفقين، وكان للوجه واليدين ضربة على حدة لكان أولى وأحسن، وإلى الاحتياط أقرب وأدنى، لا يقال: إلى الإبط أقرب منه إلى الاحتياط فلتأخذوا به، قلنا: حديث الآباط ليس بصحيح مع أن وقوع ذراعيه في حديث أبي جهيم كما روى في (شرح السنة) وقال: حديث حسن، ويديه وهو الظاهر في الذراعين كما في المتفق عليه يؤيد ذلك. فإن قلت: لِمَ لم يجعلوا الضربة ومسح الكفين فرضاً والزيادة سنة مكملاً له كما جعلوا الغسل مرتين أو ثلاثاً ومسح كل الرأس سنة في الوضوء؟ قلنا: المروي في الوضوء كلا الفعلين تارة فتارة، وجواز كليهما منصوص عليه، فلا جرم جعلوا المتيقن فرضاً والزيادة سنة، وفيما نحن فيه جاءت الأحاديث متعارضة، والسبيل ههنا الترجيح ورعاية الاحتياط صالحة لذلك، والقياس على الوضوء الذي ٢٧١ (٣) كتاب الطهارة هو أصل التيمم أيضاً للترجيح لا أنه قياس في مقابلة النص، وهكذا الحال في الدلائل العقلية في مذهبنا يذكر لترجيح بعض الأحاديث على بعضها، والخصوم يزعمون أنها قياسات في مقابلة النص، ولا شك أن القياس على الوضوء أقرب من القياس على حد السرقة . فإن قلت: التعارض على تقدير أن تكون الأحاديث متساوية في المرتبة، والمحدثون حكموا أن أحاديث الضربتين والمرفقين غير مذكورة في الصحاح، قلنا: عدم ذكرها في الصحاح محل بحث كما نقلنا عن الحاكم والدارقطني، على أن عدم صحتها وقوتها في زمن الأئمة الذين استدلوا بها محلٌّ منع، إذ يحتمل أن تطرق الضعف والوهن فيها بعدهم من جهة لين بعض الرواة وضعفهم الذين رووها بعد زمن الأئمة، فالمتأخرون من المحدثين الذين جاؤوا بعدهم أوردوها في السنن دون الصحاح، ولا يلزم من وجود الضعف في الحديث عند المتأخرين وجوده عند المتقدمين، فرب حديث كان صحيحاً عندهم لقوة الرواة الذين كانوا عندهم، ثم تطرق الضعف لضعف بعض الرواة الذين رووه بعدهم، مثلاً رجال الإسناد في زمن أبي حنيفة ظله كان واحداً إن كان ◌ّ من التابعين أو اثنين أو ثلاثة إن لم يكن منهم كانوا ثقات من أهل الضبط والإتقان، ثم روى ذلك الحديث من بعده من لم يكن في تلك الدرجة، فصار الحديث عند علماء الحديث مثل البخاري ومسلم والترمذي وأمثالهم ضعيفاً، ولا يضر ذلك في الاستدلال به عند أبي حنيفة ظله، فتدبر. وهذه نكتة جيدة قد أفيضت بفضل الله على هذا العبد الضعيف سامحه الله في رد من يتكلم في بعض الأحاديث التي تمسك به أئمتنا المتقدمون - رحمهم الله - هذا تحقيق المقام، والله أعلم وبيده أزمة المرام. ٢٧٢ (١١) باب الغسل المسنون ١١ - باب العمل المنون ١١ - باب الغسل المسنون أورد المؤلف في هذا الباب من الغسل المسنون أربعة: غسل الجمعة، وبعد غسل الميت، وبعد الحجامة، وعند الإسلام، ولم يذكر للعيدين مع أنه مسنون أو مندوب عند الأئمة إذ لم يصح عند المحدثين حديث في ذلك، ولم يذكر المؤلف في باب العيدين أيضاً حديثاً في ذلك، وما وجدناه في (جامع الأصول) من الكتب الستة، وما وجدنا في الكتب سوى حديثين حكموا عليهما بالضعف، أحدهما: ما ذكره الشُّمُنِّي من رواية ابن ماجه في (سننه) والطبراني في (معجمه) والبزار في (مسنده) عن الفاكه بن سعد قال(١): كان رسول الله وَله يغتسل يوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة، والفاكه بن سعد رظُه ثبت صحته، بل بلغ حد الشهرة، ولم يعرف له غير هذا الحدیث. وقال الشيخ ابن الهمام(٢): هذا حديث ضعيف كذا ذكره النووي وغيره، وذکر في شرح (كتاب الخرقي)(٣) هذا الحديث وقال: كان الفاكه بن سعد يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام، وقال: رواه عبدالله بن أحمد في (زوائد المسند) وابن ماجه. وثانيهما ما ذكر السيوطي في (جمع الجوامع) عن الشعبي عن زياد بن عياض الأشعري أنه قال لقوم: كل فعل رأيته من رسول الله وَّ وجدتكم تفعلونه إلا أنكم لا تغتسلون یوم العیدین، رواه ابن منده وابن عساكر وقال: صحيح عن عياض، (١) ((سنن ابن ماجه)) (١٣١٦)، و((المعجم الكبير)) (١٨/ ٣٢٠، رقم: ٨٢٨)، وانظر: ((نصب الراية)) (١ / ٨٥). (٢) ((فتح القدير)) (١ / ٦٦). (٣) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ٣٦٦). ٢٧٣ (٣) كتاب الطهارة وقوله: زياد غير محفوظ، انتهى. وقد ذكر في (جامع الأصول)(١) من (الموطأ) أن عبدالله بن عمر ﴿﴾ كان يغتسل، وفي رواية: كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى، وقالوا: شدة مبالغته رزقه في متابعة السنة تقتضي أنه قد صح الحديث في ذلك، قاله صاحب (سفر السعادة)(٢)، ولم يذكر المؤلف غسل يوم عرفة أيضاً، ولم يذكره أيضاً في الأحاديث الواردة في مناسك الحج مع ذكر الفقهاء إياه، ولم يذكر الغسل للإحرام مع وروده في الأحاديث، فكأنه اکتفی بذكره في موضعه، ولکن غسل الجمعة أيضاً مذکور في بابه، فتدبر . قال في (الهداية)(٣): وسن رسول الله ◌َّ﴿ الغسل للجمعة والعيدين ويوم عرفة وللإحرام، والله أعلم. ثم إنهم قد اختلفوا في غسل يوم الجمعة، فالأكثر على أنه سنة ومستحب وهو مذهبنا ومذهب الشافعي والمختار في مذهب أحمد وعند مالك رحمهم الله، وفي رواية عن أحمد واجب؛ لأنه قد ورد بصيغة الأمر كما جاء في رواية البخاري ومسلم والترمذي (والموطأ) والنسائي عن ابن عمر ﴿4﴾ قال(٤): قال رسول الله وَله: (من جاء منكم يوم الجمعة فليغتسل)، وفي (الموطأ)(٥) عن ابن السباق: أن رسول الله وَ ◌ّه قال (١) ((جامع الأصول)» (٧ / ٣٣١). (٢) ((سفر السعادة)) (ص: ١٠٤). (٣) ((الهداية)) (١ / ٢٠). (٤) ((صحيح البخاري)) (٨٩٤)، و((صحيح مسلم)) (٨٤٤)، و((سنن الترمذي)) (١٤٠٧)، و((الموطأ)» (٢٣١)، و((سنن النسائي)) (١٣٧٦). (٥) ((موطأ مالك)) (١٤٤). ٢٧٤ (١١) باب الغسل المسنون . في جمعة من الجمع: (يا معشر المسلمين! إن هذا يوم جعله الله عيداً فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك)، وجاء بصريح لفظ الوجوب أيضاً كما رواه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، وفي أخرى: (الغسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم)، وفي أخرى: (على كل محتلم، وأن يستن وأن يمس طيباً إن وجد)، وقال عمر حظه: أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم أواجب هو أم لا، ولكن هكذا جاء في الحديث، كذا عند البخاري. وجاء عند مسلم في الطيب: (ولو من طيب المرأة)، وفي (الموطأ)(١) عن أبي هريرة خلاله أنه كان يقول: غسل الجمعة واجب على كل محتلم كغسل الجنابة، وغيره من الأحاديث في معنى ما ذكرنا، لكن القائلين باستحباب الغسل يقولون: كما أنه وردت أحاديث ظاهرة في وجوب غسل الجمعة كذلك جاءت أحاديث في الاكتفاء بالوضوء أيضاً كالحديث المذكور في الكتاب عن سمرة بن جندب، كما روى الترمذي وأبو داود والنسائي، وقال في شرح (كتاب الخرقي)(٢): رواه الخمسة إلا ابن ماجه، قال: قال رسول الله وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وأنس رضي﴾، وقال: حديث سمرة حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّر ومن بعدهم اختاروا الغسل يوم الجمعة ورأوا أن يجزئ الوضوء عن الغسل. (١) «موطأ مالك» (٢٢٨). (٢) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ٣٦٢). ٢٧٥ (٣) كتاب الطهارة وروى الخمسة(١) إلا النسائي عن ابن عمر وأبي هريرة أن عمر حظه بينا هو يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل رجل من أصحاب رسول الله وَ ل﴿ من المهاجرين الأولين، وفي رواية أبي هريرة من رواية الأوزاعي: إذ دخل عثمان بن عفان ﴿ه، فنادى عمر: أية ساعة هذه؟ فقال: إني شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد على أن توضأت، فقال عمر ظله: والوضوء أيضاً، وقد علمت أن رسول الله المه كان يأمر بالغسل، وفي حديث أبي هريرة: ألم تسمعوا أن رسول الله وسلم كان يقول: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)؟ . وقال الشافعي رحمه الله: ومما يدل على أمر النبي ◌َّي بالغسل يوم الجمعة كان على الاختيار لا على الوجوب، وحديث عمر حيث قال لعثمان ظه: والوضوء أيضاً، وقد علمت أن رسول الله وَّ﴿ أمر بالغسل يوم الجمعة، فلو عَلِمَا أن أمره على الوجوب لا علی الاختیار لم یترك عمر عثمان څ حتی کان یرده ویقول له: ارجع واغتسل، ولما خفي على عثمان به ذلك مع علمه، ولكن دلّ الحديث على أن الغسل يوم الجمعة فيه فضل من غير وجوب يجب على المرء ذلك. وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلّى: (من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم أتی الجمعة)، الحدیث، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال محمد رحمه الله في (الموطأ)(٢): الغسل أفضل يوم الجمعة (وليس بواجب]، وفي هذا آثار كثيرة، وبهذا تحقق أن صيغة الأمر ولفظ الوجوب في هذا الباب للندب (١) ((صحيح البخاري)) (٨٧٨)، و((صحيح مسلم)) (٨٤٥)، و((سنن أبي داود)) (١١١٥)، و((سنن الترمذي» (٤٩٤)، و (سنن ابن ماجه)) (١٠٨٨). (٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (١ / ٢٩٩). ٢٧٦ (١١) باب الغسل المسنون الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٣٧ - [١٢] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٧٧، م: ٨٤٤]. والاستحباب وللتأكيد والمبالغة فيه. وبالجملة للقوم في إثبات سنية غسل الجمعة واستحبابه ثلاث طرق، أحدها: أن الوجوب كان في الابتداء بالدلائل الدالة عليه ثم نسخ، واستحب بما جاء من الدلائل، ولكن ادعاء النسخ بمجرد الاحتمال من غير علم بالتاريخ بعيد، وثانيها: انتهاء الحكم بانتهاء العلة كما يعلم من حديث أبي داود عن عكرمة على ما ذكر في الكتاب، كما ارتفع سهم المؤلفة القلوب من الغنائم، وقد يبقى الحكم مع انتهاء العلة كما في بقاء الرمل في الطواف، وثالثها: حمل الأمر على الندب والوجوب على الثبوت أو على التأکید جمعاً بین الدلائل، وهذا المسلك أقوى وأقوم كما لا يخفى. الفصل الأول ٥٣٧ - [١] (ابن عمر 48) قوله: (إذا جاء أحدكم الجمعة) قال الطيبي(١): الظاهر أن الفاعل (الجمعة) على وتيرة قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ تَهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ [الأعراف: ١٣١] ونظائره، وقد دلّ كلام الشيخ ابن حجر (٢) على أن الفاعل (أحدكم) لأن الفاء للتعقيب، وظاهره أن الغسل عقب المجيء وليس ذلك بمراد، وإنما المراد إذا أراد أحدكم، وقد جاء مصرّحاً به في رواية أبي الليث عن نافع: (إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل)، انتهى. وفي حديث أبي هريرة: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة)، وفي رواية (١) ((شرح الطيبي)) (٢/ ١٣٣). (٢) ((فتح الباري)) (٢ / ٣٥٧). ٢٧٧ (٣) كتاب الطهارة ٥٣٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٧٩، م: ٨٤٦]. ٥٣٩ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةٍ أَيَّامٍ يَوْماً، يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدْهُ». مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٩٧، م: ٨٤٩]. الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٤٠ - [٤] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنَعِمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ)). أخرى: (ثم أتى الجمعة)، انتهى. والظاهر أنه إن كان المراد بالجمعة يومها ويكون الغسل لليوم تكريماً له، فالفاعل هو (الجمعة)، وإن كان المراد صلاتها كما هو المختار أن الغسل للصلاة بأدائها بطهارة كاملة فالفاعل (أحدكم)، فافهم. ٥٣٨ - [٢] (أبي سعيد الخدري) قوله: (على كل محتلم) أي: بالغ؛ لأن الصغير غير مأمور سواء كان الغسل ليوم الجمعة تكريماً له أو لصلاتها تكميلاً لها. ٥٣٩ _ [٣] (أبو هريرة) قوله: (يوماً) المراد يوم الجمعة؛ لأن ورود الحديث في الترغيب في غسل الجمعة، ولا حاجة إلى حمل المطلق على المقيد، فافهم. وقوله: (يغسل فيه) استئناف لبيان السبب. الفصل الثاني ٥٤٠ _ [٤] (سمرة بن جندب) قوله: (فبها ونعمت) الباء في (بها) متعلق بمحذوف، والضمير راجع إلى شيء يدل عليه المقام، والتقدير: من توضأ فبالفريضة ٢٧٨ (١١) باب الغسل المسنون رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ. [حم: ١٦/٥، ٢٢، د: ٣٥٤، ت: ٤٩٧، ن: ١٣٨، دي: ١ / ٣٦٢]. ٥٤١ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ غَسَّلَ مَيّاً فَلْيَغْتَسِلْ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَزَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ: ((وَمَنْ حَمَلَهُ فَلَيَتَوَضَّأ)). [جه: ١٤٦٣، حم: ٢ / ٢٧٢، ٤٥٤، ت: ٩٩٣، د: ٣١٦١، ٣١٦٢]. أخذ، وقيل: فبالرخصة أخذ، وقيل: فبهذه الخصلة ينال الفضل، والمتبادر فعليه بتلك الفعلة، أي: لإقامة أصل الفريضة التي لا يجوز تركها، وعلى كل تقدير معنى قوله: ونعمت الخصلة هي، فحذف المخصوص، أي: حسنت في حد ذاتها وإن كانت مفضولة بالنسبة إلى الغسل، وأما تقدير فنعمت السنة التي ترك فبعيد من اللفظ. ٥٤١ _ [٥] (أبو هريرة) قوله: (من غسل مَيِّتاً فليغتسل) قال الطيبي(١): اختلف في وجوبه، الأكثرون على أنه غير واجب. وقوله: (ومن حمله فليتوضأ) قيل: أي مسه، وقيل: المراد ليكن على الوضوء حالة حمله ليمكنه الصلاة عليه إذا وضعه، ويجوز أن يكون بمجرد الحمل لأنه قربة، كذا في بعض الشروح. وفي (جامع الأصول)(٢) من (الموطأ): أن أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر ؟ غسلت أبا بكر ظه حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إني صائمة وإن هذا يوم شديد البرد، فهل علي من غسل؟ فقالوا: لا، وعن (١) ((شرح الطيبي)) (٢/ ١٣٣). (٢) ((جامع الأصول)) (٧٣٣٨). ٢٧٩ (٣) كتاب الطهارة ٥٤٢ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعِ: مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَة، وَمِنَ الْحَجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٤٨، ٣١٦٠]. (الموطأ) أيضاً أن ابن عمر حنط ابناً لسعيد بن زيد وحمله، ثم دخل المسجد فصلى ولم يتوضأ، وعن أبي داود والنسائي: أن رسول الله بَّه أمر عليًّا ظُه بعد مواراة أبي طالب بالاغتسال ودعا له. وقال الترمذي(١): وفي الباب عن علي وعائشة ێ﴾، وحديث أبي هريرة حسن، وقد روي عن أبي هريرة موقوفاً، واختلف أهل العلم في الذي يُغَسّل الميت، فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّه وغيرهم: إذا غسل ميتاً فعليه الغسل، وقال بعضهم: عليه الوضوء. وقال مالك بن أنس به: أستحب الغسل من غسل الميت، ولا أرى ذلك واجباً، وهكذا قال الشافعي ظ، وقال [أحمد]: من غسّل ميتاً أرجو أن لا يجب عليه الغسل، وأما الوضوء فأقل ما [قيل] فيه، وقال إسحاق: لا بد من الوضوء، وقد روي عن عبدالله بن المبارك أنه قال: لا يغتسل ولا يتوضأ مَنْ غَسّل المیت، انتهى. قال العبد الضعيف: وهكذا مذهب علمائنا، ولم يتعرضوا له في الكتب المشهورة لعدم الاعتناء به، ولم يذكره الترمذي؛ لأن عادته أن لا يذكر مذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله في كتابه تعصباً، تجاوز الله عنه. ٥٤٢ - [٦] (عائشة) قوله: (من الجنابة ومن الحجامة) لإماطة الأذى، (ومن غسل الميت) لرشاش لا يؤمن، فالغسل لأجلها مستحب، وأما الغسل في يوم الجمعة (١) ((سنن الترمذي)) (٩٩٣). ٢٨٠ (١١) باب الغسل المسنون ٥٤٣ - [٧] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ: أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٦٠٥، د: ٣٥٥، ن: ١٨٨]. فلما كان لكرامته لم يظهر فيه معنى الغلبة فلم يصرح بمن، وقد ينصب يوم الجمعة على الظرفية، ثم قيل: إنه يفهم من هذا الحديث أنه ﴿ كان يغسل الميت ويغتسل منه، وقيل: معناه أنه سي كان يرى الاغتسال ويأمر به فالإسناد مجازي، فإنه ◌َّ ما غسّل ميتاً قطّ، وقال صاحب (الأزهار): الأول أقرب إلى اللفظ، ويتأيد بما ذكر صاحب (الحاوي) حكاية عن الشافعي أنه قال: إنما كان غسل الميت سنة مع ضعف هذا الحديث؛ لأنه وعَل فعله، وكذلك أصحابه، كذا في بعض الشروح، والله أعلم. ٥٤٣ - [٧] (قيس بن عاصم) قوله: (أنه أسلم فأمره النبي ◌َّ أن يغتسل بماء وسدر) هذا لفظ الترمذي والنسائي، وظاهره أنه أمره بالغسل بعد الإسلام، ولفظ أبي داود: وقال قيس بن عاصم: أتيت رسول الله وسلم أريد الإسلام، فأمرني أن أغتسل، وهو ظاهر في تقديم الغسل، والأصح أن يؤمر أولاً بالشهادتين، ثم يغسل، واختلف في أنه واجب أو مستحب، والثاني أصح، وقيل: إن كان جنباً وجب وإن لم يكن ندب، واستعمال السدر مع الماء متسحب إجماعاً مبالغة في التنظيف، قالوا: يستحب أن يغتسل ويغسل ثيابه ويحلق ويختتن، وفي (جامع الأصول)(١): لأبي داود: عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده أنه جاء إلى رسول الله وسلم فقال: قد أسلمت، فقال له رسول الله وَ له: (ألق عنك شعر الكفر) - يقول: احلق-، [قال: وأخبرني آخر: أن النبي وَ ل#] قال لآخر معه: (ألق عنك شعر الكفر، واختتن). (١) ((جامع الأصول)) (٧ / ٣٣٨).