النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ (٣) كتاب الطهارة رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي أَخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ: ((فَإِنَّهُ لاَ يَنْجُسُ)). [حم: ٢٧/٢، د: ٦٣، ت: ٦٧، ن: ٥٢، دي: ١ / ١٨٧، جه: ٥١٧، ٥١٨]. فإنه لا ينجس، وهذه الرواية إن صحت دلت على أن تأويل (لم يحمل خبثاً) بأنه لا يحتمله ولا يطيق حمله لضعفه بل ينجس كما قال بعض أصحابنا الحنفية غير صحيح، قيل: وأيضاً تعليق هذا المعنى بشرط كونه قلتين بعيد، وقد توجه أن البلوغ تارة يعتبر من جانب القلة إلى جانب الكثرة وأخرى من الكثرة إلى القلة، والمراد ههنا الثاني، فافهم . ومذهب الشافعي وأحمد: وإذا كان الماء مقدار قلتين لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير لونُهُ أو طعمُه أو ريحُه، لكن عند أحمد إن كانت النجاسة بولاً أو عذرة مائعة ينجس، إلا أن يكون الماء مثل المصانع التي بطريق مكة وما أشبهها من المياه الكثيرة التي لا يمكن نزحها، فذلك الذي لا ينجسه شيء، كذا في (كتاب الخرقي)(١). وقد اختلف في صحة هذا الحديث(٢) مع أنه ذكره أئمة الحديث في کتبهم، ولیس في ((الصحيحين))، وقالوا: هذا الحديث مخالف لإجماع الصحابة كما سنبينه، وخبر (١) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ٣٦ - ٤١). (٢) قال الحافظ ابن القيم في ((تهذيب السنن)): إن الاحتجاج بحديث القلتين مبني على ثبوت عدة مقامات، وذكر هذه المقامات وهي خمسة عشر مقاماً، ثم ذكر الأجوبة عن المحددين بالقلتين وردها أبسط الرد، فارجع إليه لو شئت، وذكر المحدث الكنكوهي في «الكوكب الدري» (١/ ٩٣) أن هذا الحديث لا يضر بمذهب الإمام الأعظم، وبسطه، فانظر إليه لو شئت، وكذلك ذكر شيخنا العلامة البنوري في ((معارف السنن)) (١ / ٢٩٦) تحقيقاً أنيقاً نقلاً عن شيخه الإمام الكشميري، فارجع إليه لو شئت. ٢٠٢ (٧) باب أحكام المياه الواحد إذا كان مخالفاً للإجماع لم يقبل، وقال علي بن المديني - وهو من أكابر أئمة الحديث، من شيوخ البخاري ومن أقران الإمام أحمد بن حنبل -: لم يثبت هذا الحديث عن رسول الله وَّر، وقال: ليس لأحد من الفريقين في تقدير الماء وتحديده حديث صح عنه ◌َّة، وقال الزركشي(١): صححه ابن خزيمة وابن حبان والدار قطني، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ونقل عن الطحاوي خبر القلتين صحيح وإسناده ثابت وإنما تركناه لأنا لا نعلم ما القلتان، وقال الشيخ: إن القلة اسم مشترك يقال على الجرة والقربة ورأس الجبل، والله أعلم. ولما وقع الكلام في تقدير الماء وتحديده في التنجس وعدم التنجس ناسب أن نفصل الكلام في هذا المقام فنقول وبالله التوفيق: اعلم أن مذهب أصحاب الظواهر أن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه أصلاً، سواء كان جارياً أو راكداً، كثيراً أو قليلاً، وسواء تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغير، وعامة العلماء على أنه إن كان قليلاً يتنجس وإن كان كثيراً لا، ثم اختلفوا في حد الفاصل بين القليل والكثير، فقال مالك: فما تغير لونه أو طعمه أو ريحه فهو قليل، وما لم يتغير فكثير، فهو قد جعل التغير وعدمه معياراً للقلة والكثرة، وقال الشافعي - وهو مذهب أحمد -: إن كان الماء قلتين فهو كثير، ولا يحمل الخبث ولا يتنجس، وإلا فهو قليل يتنجس، وأصحابنا الحنفية رحمهم الله قالوا: إن كان الماء بحال لا يخلص ولا ينفصل بعضه عن بعض فهو كثير، وإلا فقليل. واحتج أصحاب الظواهر بحديث بئر بضاعة الآتي من قوله وَّه: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء)، والجمهور يقولون: إن هذا القول وإن كان مطلقاً في الظاهر لكنه (١) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ /٨). ٢٠٣ (٣) كتاب الطهارة مقيد بغير المتغير بدلالة الأحاديث الأخر، فقد روى أبو أمامة أن رسول الله وَالاله قال: (الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه ولونه وطعمه)، ورواه ابن ماجه والدار قطني(١) ولفظه: (إلا ما غير لونه أو ريحه أو طعمه)، وهذا هو دليل مالك رحمه الله، واحتج الشافعي وأحمد رحمهما الله بحديث القلتين. والدليل لأصحابنا على تنجس الماء قوله ◌َّي: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده)، فإنه يدل على أن الماء يتنجس بوقوع النجاسة، وإلا لم يكن للنهي عن غمس اليد احتياطاً لتوهم النجاسة معنىً، وكذلك الأحاديث مستفيضة مشهورة في الأمر بغسل الظروف من ولوغ الكلب مع أنه لا يغير اللون والطعم والريح، وكذلك حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) كما في الفصل الأول، ولا شك أن الماء الذي يمكن الاغتسال فيه قد يكون أكثر من قلتين ولا يغير البول لونه وطعمه وريحه، فعلم أن مجرد بلوغ الماء قلتين كما هو مذهب الشافعي، وعدم تغير اللون والطعم والريح كما هو مذهب مالك لا يكفي في عدم تنجس الماء، كذا قيل. وقد ورد عن ابن عباس وابن الزبير # أنهم أمروا بنزح كل الماء بوقوع الزنجي في بئر زمزم، ولم يظهر أثره في الماء، ولا شبهة في أنه كان أكثر من القلتين، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم يظهر عن أحد منهم الإنكار عليهم، فيكون حديث القلتين مخالفاً للإجماع، فلا يقبل. ولما لم يثبت عن النبي ◌ّ﴿ حديث في تقدير الماء وتحديده رجع أصحابنا في (١) ((سنن ابن ماجه)) (٥٢١)، و((سنن الدار قطني)) (١ / ٢٨). ٢٠٤ (٧) باب أحكام المياه ذلك إلى الدلائل الحسية دون السمعية، وجعلوا معيار القلة والكثرة الخلوص، وقالوا: الغدير العظيم الذي في حكم الجاري هو الذي لا يخلص ولا ينفصل أجزاء بعضه عن بعض . ثم اختلفوا في تفسير الخلوص، ففي أكثر الروايات يعتبر الخلوص بالتحريك، يعني یکون بحيث لا يتحرك طرفه عند تحريك الآخر، بأن لا ينخفض ويرتفع من ساعته، كذا قال الشُّمُنِّي. ثم اختلفوا في سبب التحريك، روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله: أن المعتبر التحريك بالاغتسال من غير شدة وعنف؛ لأن الحاجة إلى الحياض في الاغتسال أكثر، وروى محمد أنه يعتبر التحريك بالوضوء لأنه وسط، وفي رواية باليد من غير اغتسال ووضوء، وفي هذا توسعة، وظاهر الرواية عن أبي حنيفة: أن المعتبر غلبة الظن، إن غلب على الظن وصول النجاسة إلى الطرف الآخر لم يتوضأ، وإلا توضأ. وقال شمس الأئمة: المذهب الظاهر التحري والتفويض إلى رأي المبتلى من غير حكم بالتقدير، فإن غلب على الظن وصولها يتنجس، وإن غلب عدم وصولها لم يتنجس، وهذا هو الأصح. واعتبر أبو سليمان الجوزجاني الكثرة بالمساحة، واختاره المتأخرون، فقوم اعتبروا ثمانية في ثمانية، وقوم خمسة عشر في خمسة عشر، ونقل عن محمد حين سئل عن الكثير أنه قال: إن كان مثل مسجدي هذا فكثير، فقيس حين قام وكان اثني عشر في مثلها في رواية، وثمانية في ثمان في أخرى، وصرحوا بأن محمداً رجع عن هذا، وقال أبو عصمة: كان محمد بن الحسن يوقت في ذلك عشرة في عشرة، ثم رجع إلى ٢٠٥ (٣) كتاب الطهارة قول أبي حنيفة ه، وقال: لا أوقت شيئاً، كذا قال الشيخ ابن الهمام(١)، والأكثرون بعشر في عشر. وروي أن عبدالله بن المبارك كان أولاً يقدر بعشر في عشر، ثم رجع إلى خمسة عشر في خمسة عشر، وذهب إليه أبو مطيع وقال: إن اعتبر بخمسة عشر في خمسة عشر أرجو أن يكون جائزاً، وإن كان بعشرين في عشرين لا يبقى شبهة وخلجان في القلب، وعامة المشايخ على عشر في عشر؛ لأن العشر أدنى شيء ينتهي إليه نوع الأعداد، وقال أبو الليث: وعليه الفتوى، والمعتبر ذراع الكرباس توسعة على الناس، وهو سبع مُشِتَّات فوق كل مُشِتَّةٍ أصبع قائمة، وفي (المحيط)(٢): الأصح أن يعتبر في كل مكان وزمان ذراعه، كذا قال الشُّمُنِّي. واستنبط شارح (الوقاية) التقدير بعشر في عشر من حديث: (من حفر بئراً فله حريمها أربعون ذراعاً)، وفيه كلام ذكر في حواشيه، وقال الشيخ ابن الهمام: إن ترجيح الأول أخذاً من حريم البئر غير منقول عن الأئمة الثلاث، وقال الشُّمُنِّي: كون حریم البئر عشرة أذرع من كل جانب قول البعض، والصحيح أنه أربعون، ثم اعتبار عشر في عشر في المربع ظاهر، وأما في المدور فقيل: يعتبر ثمانية وأربعون مساحة دوره، وقيل: أربع وأربعون، وقيل: ستة وثلاثون، والأول أحفظ، وقالوا: القول الأخير أوفق بقواعد الحساب، وقد بينه مولانا علي البرجندي في (شرح مختصر الوقاية) بتحقيق وتفصيل فليراجع ثمة، وفروع المسائل في هذا الباب كثيرة مذكورة في كتب الفقه، تركناها مخافة التطويل، والله أعلم، وهو يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل. (١) انظر: ((شرح فتح القدير)) (١ / ٧٦ - ٧٧). (٢) ((المحيط البرهاني)) (١ / ١٠٦). ٢٠٦ (٧) باب أحكام المياه ٤٧٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْتَوَضَّأَ مِنْ بِثْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِثْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلاَبِ وَالنَّتْنُ؟. ٤٧٨ - [٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من بئر بضاعة) بضم الباء الموحدة على المشهور وحكي كسرها وبالضاد المعجمة، وقيل: بالمهملة في آخرها عين مهملة، كذا في (تاريخ المدينة)، وفي (القاموس) (١): بئر بضاعة بالضم، وقد يكسر لكنه ذكره في الضاد المعجمة، وهكذا في (الصحاح)(٢): بئر على قرب الدرب الشامي على يمين سالك طريق مشهد سيدنا حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء ره، وجاء في الخبر أن رسول الله وَ ﴿ جاء على بئر بضاعة وأخذ دلواً فنزع الماء وتوضأ، وألقى بقية الماء مع بصاقه في البئر، وكانوا في زمانه ◌ّل* يغسلون بمائه المرضى ويستشفون به فيشفون، وعن ابن أسيد وهو صاحب بئر بضاعة أنه قال: كنا بعد أن يبصق رسول الله وله فيها نشرب من مائها ونتبرك به، وجاء في شأنه أخبار وأحاديث. و(الحيض) بكسر الحاء وفتح الياء جمع الحيضة بكسر الحاء خرقة الحيض، وهي التي تستثفر بها، ويقال أيضاً: المحيضة، وجمعها المحائض، وقد يروى في الحديث: (يلقى فيها المحائض)، وقيل: هو جمع المحيض وهو مصدر حاض، فلما سمي به جمع، ويقع المحيض على المصدر والزمان والمكان والدم، وقد جاء الحيضة بالكسر اسماً من الحيض، والحال التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض كالجلسة، ومنه (إن حيضتك ليست في يدك). وقوله: (والنتن) بالفتح والسكون: الرائحة الكريهة، والمراد ههنا الشيء المنتن، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٤٨). (٢) ((الصحاح في اللغة)) (٣/ ١١٨٧). ٢٠٧ (٣) كتاب الطهارة فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لاَ يْنَجِّسُهُ شَيْءٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٣/ ٣١، ٨٦، ت: ٦٦، د: ٦٦، ن: ٣٢٦]. ٤٧٩ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِنَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَزَكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَتَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ . وفي (القاموس)(١): النتن ضد الفوح، نتن ككرم وضرب وأنتن فهو منتن، انتهى. ونتن وأنتن بمعنى، فإن قلت: كيف جاز إلقاء هذه الأشياء فيها لاسيما إذا كان بعد ما ذكر من وضوئه * من مائها وإلقاء البصاق فيها؟ قلنا: لعل البئر كانت بمسيل من بعض الأودية التي يحل بها أهل البادية فيلقي ما في منازلهم فيكسحها السيل، كذا قال الطيبي(٢). وقوله: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) قد مر الكلام فيه، وقالوا: كانت هذه البئر في ذلك الزمان جارية، وقال الطحاوي: إن بئر بضاعة كانت طريقاً إلى البساتين فهو كالنهر وإن لم يكن ماؤه يبلغ حد عدم الانفصال ولم يكن عشراً في عشر، وبعض الروايات عن أصحابنا حكم البئر المَعِينة حكم الماء الجاري، فافهم. ٤٧٩ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (سأل رجل) هو عبد المدلجي، وقيل: عبد العزى، وقيل: اسمه العركي بفتح العين والراء بعدهما كاف ثم ياء، كذا في (الحاشية). وقوله: (أفنتوضأ بماء البحر) وكان استبعادهم طهارة ماء البحر نشأ من فهم التخصيص من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] مع مخالفته لماء (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٣٩). (٢) ((شرح الطيبي)) (٢/ ١٠٤). ٢٠٨ (٧) باب أحكام المياه فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ). رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [ط: ٤١، ت: ٦٩، ن: ٥٩، جه: ٣٨٦، دي: ١ / ١٨٥ - ١٨٦]. . . . ٤٨٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ. السماء في الأوصاف، والله أعلم. وقوله: (هو الطهور ماؤه) الطهور بمعنى المطهّر، وقد ذكرنا في أول (كتاب الطهارة) اشتقاقه من الطهارة مع كونه لازماً. (والحل) بالكسر بمعنى الحلال، والميتة بفتح الميم: ما لم تلحقه الذكاة، والمراد بالميتة السمك سماه ميتة لكونه لم يذبح، وكما في حديث: (أحلت لنا ميتتان ودمان، الميتتان: الحوت والجراد، والدمان: الكبد والطحال)، رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني(١)، وليس المراد الذي مات في البحر وهو حرام عندنا، وعند مالك والشافعي وأحمد لا بأس به، ومتمسكهم هذان الحديثان، ولنا ما روى جابر قال: قال رسول الله وَله: (ما ألقاه البحر وجزر عنه الماء فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوا)، رواه أبو داود وابن ماجه(٢)، وسيجيء في (باب ما يحل أكله وما يحرم)، وقد روي من مذهب علي وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة ه مثل مذهبنا، وإنما لم يقل في الجواب: بلى أو نعم؛ لأنهم كانوا سألوه عن الضرورة، فلو قال: بلى أو نعم لم يستفيدوا منه حال الرفاهية، فأخبر أنه طهور في كل حال فأتى بجملة مستقلة. ٤٨٠ - [٧] (أبو زيد) قوله: (وعن أبي زيد عن عبدالله بن مسعود) الحديث، (١) ((مسند أحمد)) (٢/ ٩٧)، و((سنن ابن ماجه)) (٣٢١٨)، و((سنن الدار قطني)) (٢٥/٤). (٢) ((سنن أبي داود)) (٣٨١٥)، و((سنن ابن ماجه)) (٣٢٤٧). ٢٠٩ (٣) كتاب الطهارة الكلام في هذا الحديث طويل نذكر منه ما تيسر بتوفيق الله ولا نخاف التطويل، فاعلم أن نبيذ التمر هو أن ينبذ التمر في الماء ويترك أياماً حتى يخرج حلاوته وقد يحدث فيه شيء من الحدة، وسيجيء الكلام فيه وفي أحكامه في (باب الأشربة). واختلف في التوضؤ به فعند أبي حنيفة وسفيان رحمهما الله جاز الوضوء به إذا لم يوجد ماء خالص، ومع وجوده لا يجوز التيمم، وقيل: النية شرط عند أبي حنيفة ريه في الوضوء بالنبيذ كأنه بدل من الماء مثل التراب، وعند الشافعي وأحمد لا یجوز ویجب التیمم، وهو قول أبي يوسف ورواية عن أبي حنيفة، ویحکی رجوعه إلى هذا القول، وعند محمد يتوضأ ثم يتيمم كما في الماء المشكوك كسور الحمار. ويروى عن الطحاوي أنه قال: إن قدر على الماء المكروه ونبيذ التمر توضأ بالماء المكروه إجماعاً. وفي الاغتسال بنبيذ التمر قولان عن أبي حنيفة، والاختلاف في نبيذ يكون حلواً رقيقاً یسیل على الأعضاء کالماء وإن اشتد وصار حدیداً، فإن كان من غیر نار فهو حرام لا يجوز الوضوء به، وإن غيرته النار إن كان حلواً جاز عند أبي حنيفة ظله لكون شربه حلالاً عنده، وعند محمد لا يجوز لحرمته عنده، ولا يجوز الوضوء بسائر الأنبذة كنبيذ الزبيب ونحوه كما هو مقتضى القياس؛ لأن الوضوء لا يجوز إلا بماء مطلق لم يتقيد باسم آخر، ولهذا لا يجوز بماء الورد والخل مثلاً، وإذا لم يوجد الماء المطلق وجب التيمم لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا هو دليل الأئمة القائلين بعدم جواز الوضوء بالنبيذ، ومتمسك الإمام أبي حنيفة في تجويزه هذا الحديث عن أبي زيد عن ابن مسعود أن النبي وّ قال له ليلة الجن، وهي الليلة التي جاءت الجن رسول الله و 8* وبايعوه، وسمعوا منه القرآن، وأخبروا به قومهم. ٢١٠ (٧) باب أحكام المياه قَالَ لَهُ لَيْلَةَ الْجِنِّ: ((مَا فِي إِدَاوَتِكَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: نَبِيذٌ. قَالَ: ((تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ: فَتَوَضَّأَ مِنْهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَبُو زَيْدٍ مَجْهُولٌ. [د: ٨٤، حم: ١ / ٤٥٠، ت: ٨٨]. وقوله: (ما في إداوتك؟) أي: مطهرتك، (قال) ابن مسعود: (قلت نبيذ، قال) رسول الله رئيسية: (تمرة طيبة وماء طهور) أي: ما النبيذ إلا تمرة وهي طيبة ليس فيها ما يمنع التوضؤ وماء مطهر، (فتوضأ منه) رسول الله وَ ل﴾، وهذه الزيادة لأحمد والترمذي في هذا الحديث، ولم يزدها أبو داود، ويكفي في الدلالة على جوازه قوله: (تمرة طيبة وماء طهور)، ورواه السيوطي في (جمع الجوامع) (١) عن عبد الرزاق والبيهقي، وأورده الشيخ ابن الهمام(٢) عن ابن أبي شيبة بلفظ: قال ابن مسعود: سألني رسول الله وَير: (هل معك ماء يتوضأ به؟) قلت: لا، قال: (فما في إداوتك؟) قلت: النبيذ، قال: (تمرة حلوة وماء طيب)، ثم توضأ به وأقام الصلاة، والترمذي ضعف هذا الحديث وقال: إنما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن ابن مسعود، وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث، لا تعرف له رواية غير هذا الحديث، وقال في (ميزان الاعتدال)(٣): أبو زيد مولى ابن حريث عن ابن مسعود، وعنه أبو فزارة، لا يصح حديثه، ذكره البخاري في الضعفاء، وقال الحاكم: رجل مجهول ما له سوى حديث واحد، وفي (التقريب) (٤): أبو زيد المخزومي مولى عمرو بن حريث، وقيل: أبو زائد، (١) ((جمع الجوامع)) (٤٤٠)، و(سنن الكبرى)) (١ / ٩، رقم: ٢٦). (٢) ((شرح فتح القدير)) (١/ ١١٩). (٣) ((ميزان الاعتدال)) (٤ / ٥٢٦). (٤) ((التقريب)) (٦٤٢). ٢١١ (٣) كتاب الطهارة مجهول، من الثالثة، وقال(١): أبو فزارة راوي الحديث عن أبي زيد أيضاً مجهول(٢). فقال الشافعي وأبو يوسف: هذا حال هذا الحديث، ولو صح أيضاً فآية القرآن أقوى منه، فتعين العمل بها على أن الحديث منسوخ بالآية، فإن الآية مدنية، وقضية ليلة الجن كانت بمكة . وقال محمد: لما كان في الحديث اضطراب، وفي التاريخ جهالة وجب الجمع بينهما احتياطاً، وقالوا من جانب أبي حنيفة رحمه الله: إن ليلة الجن متعددة وكانت بالمدينة كما كانت بمكة، ولعل هذه القضية كانت في التي كانت في المدينة، وقد عمل بهذا الحديث جماعة من الصحابة، فعن علي ظه أنه قال: الوضوء بنبيذ التمر وضوء من لم يجد الماء، وعن ابن عباس: توضؤوا بنبيذ التمر، ولا توضؤوا باللبن، وروي عن ابن مسعود جوازه عند عدم الماء، كذا في بعض شروح (الهداية)، وأورد السيوطي في (جمع الجوامع) عن الدار قطني أنه روي عن ابن عباس مثل قول علي ـ وقال الُّورِبِشْتِي(٣): حديث التوضؤ بنبيذ التمر روي عن ابن مسعود بوجوه متعددة، وفي سائر أسانيدها مقال، لكن الحديث إذا روي من طرق شتى غلب على ظن المجتهد حقيته، هذا وقال الشيخ ابن الهمام(٤): قال القاضي أبو بكر بن العربي في (شرح جامع الترمذي): أبو زيد مولی عمرو بن حریث، روى عنه راشد بن كيسان (١) أي: أحمد، كما في ((التهذيب)) (٣/ ٢٢٧). (٢) قال الحافظ: وتعقبه ابن عبد الهادي فقال: هذا النقل عن أحمد غلط من بعض الرواة عنه، وكأنه اشتبه عليه أبو زيد بأبي فزارة، انتهى. ((تهذيب التهذيب)) (٣/ ٢٢٧). (٣) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٤٥٣). (٤) ((شرح فتح القدير)) (١ / ١١٨). ٢١٢ (٧) باب أحكام المياه ٤٨١ - [٨] وَصَحَّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٠]. العنسي الكوفي وأبو روق، وهذا يخرجه من الجهالة، وقال الشيخ تقي الدين السبكي: في تجهيل أبي فزارة أيضاً نظر؛ لأنه قد روى هذا الحديث من أبي فزارة جماعة من أهل العلم مثل سفيان وشريك وجراح بن مليح وقيس بن الربيع، وقال ابن عدي: أبو فزارة راوي هذا الحديث مشهور واسمه راشد بن كيسان، وكذا قال الدار قطني. وفي (الكاشف)(١): راشد بن كيسان العنسي الكوفي عن أنس وابن أبي ليلى، وعنه سفيان وحماد بن زيد ثقة. وقد ضعف هذا الحديث بأنه صح: ٤٨١ - [٨] (علقمة) قوله: (عن علقمة عن عبدالله بن مسعود أنه قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله وٍَّ. رواه مسلم) قال الُّورِبِشْتِي: هذا صحيح ولكنه يحتمل أنه لم يكن مع رسول الله وَّل عند مفاوضة الجن ودعائهم إلى الإسلام، وكان قد خرج معه فأقعده بمدرجته على ما ذكر في الحديث عن ابن مسعود: فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد، فخطّ لي خطًّا وأجلسني فيه، وقال: لا تخرج من هذا، فبت فيه حتى أتاني مع السحر، ويحتمل أن ابن مسعود لم يكن مع رسول الله صل* وقت الخروج، ثم لحقه في آخر الليل بعد أن فرغ من دعوة الجن، فكونه مع رسول الله تَكليه وعدم كونه معه ليلة الجن كلاهما صحيح، وهذا الوجه أوثق لما في بعض طرق حديث علقمة عن عبدالله الذي استدل به المؤلف أن علقمة قال: قلت لعبدالله بن مسعود: هل صحب رسولَ الله وَّليه ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد، قال: ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح أو قال: في السحر إذا نحن به يجيء من قبل حراء، ثم ساق الحديث، وهذا حديث صحيح (١) ((الكاشف)) (١ / ٣٣٨). ٢١٣ (٣) كتاب الطهارة أخرجه مسلم في كتابه، ولا تنافي بينه وبين قوله: في ليلة الجن؛ لأن سحر تلك اليلة كان من ليلة الجن، انتهى كلام التُّورِبِشْتِي(١). والحق أنه قد ثبت بطرق كثيرة أن ابن مسعود كان معه ◌َّه في ليلة الجن وخطٌ رسول الله * حوله وقال: لا تخرج منه، وهذه القصة طويلة ذكرت في كتب السير والأحاديث، وذكرها أبو نعيم في (الحلية)(٢)، فالمراد بعدم كونه معه عدم حضوره في وقت المفاوضة والمكالمة مع الجن، والله أعلم. وقال الشيخ ابن الهمام(٣): وأما ما روي أنه سئل ابن مسعود عن ليلة الجن فقال: لم يحضر منا أحد فمعارض ما روى ابن أبي شيبة أن ابن مسعود كان معه، وبما روى حفص بن شاهين عن ابن مسعود أنه قال: كنت معه ليلة الجن، وأيضاً روي أن ابن مسعود رأى قوماً من زط فقال: ما أشبههم بالذين رأينا من الجن ليلة الجن، والإثبات مقدم على النفي، وإن جمعنا بينهما قلنا: المراد بقوله: لم يكن منا أحد أنه لم يكن أحد من الصحابة غيري، فالمقصود نفي المشاركة وإثبات اختصاص نفسه بالحضور. وقال صاحب (آكام المرجان في أحكام الجان)(٤): ظاهر الأحاديث الواردة في وفادة الجن أنها كانت ست مرات، واحد منها كانت في بقيع الغرقد حضرها ابن مسعود، ومرتين منها حضر بمكة، ومرة رابعة كانت خارج المدينة حضرها الزبير بن (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٤٥٣). (٢) انظر: ((حلية الأولياء)) (٧ / ٣٩٥). (٣) ((شرح فتح القدير)) (١ / ١١٨). (٤) ((آكام المرجان في أحكام الجان)) (ص: ٨٤). ٢١٤ (٧) باب أحكام المياه ٤٨٢ - [٩] وَعَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءاً، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَيْشَةُ: فَرَآَنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَّعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهَِّ قَالَ: العوام، وبهذا لم يقطع بالنسخ، انتهى كلام الشيخ ابن الهمام، وبهذا ظهر أن الحق مع أبي حنيفة، والله أعلم. ٤٨٢ - [٩] (كبشة بنت كعب بن مالك) قوله: (وعن كبشة) بفتح الكاف وسكون الباء الموحدة وبالشين المعجمة . وقوله: (فسكبت) أي: في ظرف، والسكب: الصب، و(سكبت) يحتمل أن يكون بصيغة المتكلم، وأن يكون بصيغة الغائبة. وقوله: (فأصغى) أي: أمال (لها) أي: للهرة (الإناء) حتى يسهل عليها الشرب، يدل على أن سؤر الهرة ليس بمكروه كما هو مذهب أبي يوسف، كذا قال الشُّمُنِّي، ولكن قال أبو حنيفة رحمه الله بالكراهة؛ لأنه قد جاء الحديث أنها سبع، رواه الحاكم في (المستدرك)(١) عن أبي هريرة ظه، وقال: صحيح الإسناد، وهو يقتضي نجاسة سؤرها كسؤر سائر سباع البهائم، لكنها سقطت إلى الكراهة لقوله مية: (إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم)، فتدبر. وقوله: (يا ابنة أخي) المراد أخوة الإسلام، ومن عادة العرب أن يدعوا بيا ابن أخي ویا ابن عمي. (١) ((المستدرك على الصحيحين)) (١/ ٢٦٤، رقم: ٥٦٩). ٢١٥ (٣) كتاب الطهارة (إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطَّوَّافَاتِ)). رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ط: ٤٢، حم: ٥ / ٣٠٣، ت: ٩٢، د: ٨٥، ن: ٦٨، جه: ٣٦٧، دي: ١ / ١٨٧ - ١٨٨]. ٤٨٣ - [١٠] وَعَن دَاوُدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَمِّهِ أَنَّ مَوْلاَتَهَا .... و وقوله: (إنها ليست بنجس) هكذا وقع بلفظ التذكير في نسخ (المشكاة) و(المصابيح)، ولكنها في الشروح والكتب (إنها ليست بنجسة) بلفظ التأنيث، ووقع في نسخة (جامع الترمذي) قديمة صحيحة بخط المغرب، وكذا (كتاب الخرقي) أيضاً بالتذكير، فغير بعد ذلك بالتاء، ويظهر بذلك أن أصل لفظ الحديث بالتذكير، وكذلك في الحديث الآتي، ونقل في الحاشية من بعض الشروح أنه بكسر الجيم وهو القياس، وإنما لم تلحق التاء لأنه في معنى السنور، وقال بعض الأئمة: إنه بالفتح بمعنى النجاسة فالتقدير إنها ليست بذات النجس. وقوله: (من الطوافين عليكم أو الطوافات) بصيغة فَعَّال للمبالغة، وليست (أو) هذه للشك لوروده بالواو في رواية أخرى، والمراد أنها من الذكور أو الإناث، فشبه ذكور الهرة بالطوافين وإناثها بالطوافات، كذا في الحاشية من (الأزهار)، وقيل: للشك من الراوي، والمعنى أنها تطوف عليكم في منازلكم، فلو حكمت بنجاسة سؤرها لشق عليكم، وقيل: المراد من يطوف للحاجة على الأبواب ويسأل، شبه الهرائر بهم يعني أن الأجر في مواساتها كالأجر في مواساتهم، كذا في بعض الشروح، ويناسب هذا المعنى حمل الطائف على معنى الخادم يخدم برفق وعناية على ما في (القاموس)(١). ٤٨٣ - [١٠] (داود بن صالح) قوله: (أن مولاتها) أي: معتقة أمه وكانت أمه (١) ((القاموس)) (ص: ٧٦٩). ٢١٦ (٧) باب أحكام المياه أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةٍ إِلَى عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَوَجَدْتُهَا تُصَلِّي فَأَشَارَتْ إِلَيَّ أَنْ ضَعِيهَا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَكَلَتْ مِنْهَا، فَلَمَّ انْصَرَفَتْ عَائِشَةُ مِنْ صَلاَتِهَا أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أَكَلَتِ الْهِرَّةُ، فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ: ((إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَِسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ)). وَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَتَوَضَّأْ بِفَضْلِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [٥ : ٧٦]. مولاة لبعض نساء الأنصار، والمولى اسم مشترك بين المعتق والمعتق بالكسر والفتح، والمراد ههنا بالكسر، والضمير المرفوع في (أرسلتها) للمولاة والمنصوب لأمه. وقوله: (بهريسة) هو الطعام المعروف، والهرس الأكل الشديد والدق العنيف، ومنه الهريس والهريسة، وقد يروى في فضل الهريسة حديث وهو موضوع، ففي (تنزيه الشريعة)(١) عن معاذ قال: قلت: يا رسول الله! أتيت من الجنة بطعام، قال: نعم، أتيت بالهريسة فأكلتها فزادت في قوتي قوة أربعين، وفي نكاحي نكاح أربعين، رواه العقيلي، وفيه محمد بن الحجاج وهو وضعه، وغالب طرقه يدور عليه، وله طرق كلها باطلة أو مختلف فيها والأغلب البطلان. وقوله: (فأشارت إلي أن ضعيها) أن مفسرة لما في الإشارة من معنى القول، ولهذا استثنى الرمز من التكلم في قوله تعالى: ﴿أَلَّاتُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلََّ رَمْزًا﴾. [آل عمران: ٤١] وفيه دليل على أن مثل هذه الإشارة جائزة في الصلاة، وقد وقعت في غيره من الأحاديث في الإشارة للسلام باليد والرأس، وجاء في بعض الروايات أن الإشارة المفهمة مفسدة للصلاة، وهذا الحديث يدل على خلاف ذلك. وقوله: (إنها ليست بنجس) الرواية المشهورة المقروءة بكسر الجيم، وقد يفتح، (١) ((تنزيه الشريعة)) (٢ / ٢٥٣). ٢١٧ (٣) كتاب الطهارة ٤٨٤ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِوَهِ أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْخُمُرُ؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السَّّةِ). [١ / ٧٧] . ٤٨٥ - [١٢] وَعَنْ أمِّ هَانِيْ قَالَتْ: اغْتَسَلَ رَسُولُ اللهِنَّهُ هُوَ وَمَيْمُونَةٌ فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ن: ٢٤٠، جه: ٣٧٨]. وقد سبق بيانه . ٤٨٤ - [١١] (جابر ﴿) قوله: (بما أفضلت) أي: أبقته من فضله، وكلمة (ما) في الموضعين موصولة وقد يمد، قال التُّورِبِشْتِي(١): ولا أراه إلا تصحيفاً، والله أعلم. وقوله: (وبما أفضلت السباع كلها) يدل على أن سؤر السباع طاهر كما هو مذهب الشافعي رحمة الله عليه، وعندنا هو نجس؛ لأن لعابه متولد من لحمه النجس فیکون نجساً، وهو مذهب أحمد رحمة الله علیه مع ما فيه من اختلاف في روايات عند أصحابه، والأحاديث التي تدل على طهارتها متكلم فيها، ولو سلم فالمراد به الغُدْرَان العظام، وأيضاً هو يقتضي طهارة سؤر الکلب وهو لا يقول به، کذا قال الشُّمُنِّي، ونقل عن (المحيط)(٢) عن (نوازل أبي الليث): إذا أخذ الكلب عضو إنسان أو ثيابه إن كان في حال الغضب لا يجب غسله، وإن كان حال المزاح يجب لأنه حال الغضب يأخذ بالأسنان لا غير ولا رطوبة فيها، وحال المزاح يأخذ بالشفتين وهما رطبتان . ٤٨٥ - [١٢] (أم هانئ) قوله: (فيها أثر العجين) لعله لم يكن مغيراً للماء عن (١) ((كتاب الميسر)) (١ / ١٦٢). (٢) انظر: ((المحيط البرهاني)) (١ / ١٤٠ - ١٤١). ٢١٨ (٧) باب أحكام المياه * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٨٦ - [١٣] عَن يَحْبَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ خَرَجَ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حَتَّى وَرَدُوا حَوْضاً، فَقَالَ عَمْرٌو: يَا صَاحِبَ الْخَوْضِ هَلْ تَرِدُ حَوْضَكَ السِّبَاعُ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لاَ تُخْبِرْنَ، فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السَِّاعِ وَتَرِدُ عَلَيْنَا. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٤٣]. ٤٨٧ - [١٤] وَزَادِ رزين قَالَ: زَادَ بَعْضُ الزُّوَاةِ فِي قَوْلِ عُمَرَ: وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ﴿ يَقُولُ: (لَهَا مَا أَخَذَتْ فِي بُطُونِهَا، وَمَا بَقِي فَهُوَ لَنَا طَهُورٌ وَشَرَابٌ)). ٤٨٨ - [١٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَِّيَّ ◌َّ سُئِلَ عَنِ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَالْكِلاَبُ وَالْحُمُرُ عَنِ الظُّهْرِ مِنْهَا، ... طبعه كذا قال الطيبي(١)، وعندنا إن غير شيء طاهر أحد أوصاف الماء جاز إلا أن يخرجه عن طبعه من السيلان . الفصل الثالث ٤٨٦ - ٤٨٧ - [١٣ - ١٤] (يحيى بن عبد الرحمن، رزين) قوله: (لا تخبرنا) قال الطيبي(٢): معناه إخبارك وعدمه سواء عندنا وحمل على ذلك بدلالة قوله: (فإنا نرد على السباع وترد علينا) يعني لا بأس به، وقد يتبادر إلى الذهن من قوله: (لا تخبرنا) إنا نقع في الشك بإخبارك فلا تخبر لنعمل على ظاهر الحال من عدم وجود النجاسة فيه، فافهم. ٤٨٨ - [١٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (عن الطهر منها) بدل اشتمال عن (١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ١٠٩). (٢) ((شرح الطيبي)) (٢ / ١١٠). ٢١٩ (٣) كتاب الطهارة فَقَالَ: ((لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا، وَلَنَا مَا غَبَرَ طَّهُورٌ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٥١٩]. ٤٨٩ - [١٦] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ قَالَ: لاَ تَغْتَسِلُوا بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ فَإِنَّهُ يُورِثُ البَرْصَ. رَوَاهُ الدَّارَ قَطْنِيُّ. [قط: ١ / ٣٩]. الحياض أي: عن حصول الطهر منها، وقال الطيبي(١): المراد بالطهر التطهير. وقوله: (ولنا ما غبر) أي: بقي، في (القاموس(٢)) غير: مكث وذهب ضدٍّ. ٤٨٩ - [١٦] (عمر بن الخطاب) قوله: (لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص) لعل المراد الاعتياد على ذلك أو عند عدم ما يعارضه أو يمنعه كما في بعض الأطعمة التي منع منه الأطباء وحذروا منه، ثم قالوا: لم يصحّ عن النبي ◌َّ في ذلك شيء، وقال في (تنزيه الشريعة)(٣): حديث عائشة : أسخنت لرسول الله وَلخير ماء في الشمس فقال: (لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص)، رواه أبو نعيم في (الطب)، وفيه خالد، والدارقطني في (الأفراد) وفيه الهيثم، وفي (السنن) وفيه عمرو، وابن حبان وفيه وهب بن وهب، وجاء من حديث أنس : (لا تغتسلوا بالماء الذي يسخن بالشمس فإن يعدي من البرص)، رواه العقيلي من طريق سوادة(٤)، وقال: مجهول حديثه غير محفوظ، وليس في الماء المشمس شيء يصحّ سنداً، إنما يروى فيه شيء (١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ١١٠). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤١٧). (٣) ((تنزيه الشريعة)) (٢/ ٦٨). (٤) قوله: سوادة، وفي المخطوطة ((سودة)) وهو تصحيف. ٢٢٠ (٨) باب تطهير النجاسات تطر ٨ - باب مير النجاسات * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٩٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٢، م: ٢٧٩]. من قول عمر ظه، وتعقب بأن الحديث وإن كان واهياً من جميع طرقه فقول عمر شاهد له، وقد أخرج الشافعي قول عمر بسند رجاله ثقات إلا إبراهيم فإنه مختلف فيه، وشيخه صدقة ضعيف، وأخرجه الدار قطني من طريق أخرى حسنها المنذري وغيره، والله أعلم. ثم قد وقع فيما أورد المؤلف التخصيص بالاغتسال، ذلك إما بطريق العادة أو الخاصيّة له في ذلك، ولكن قال صاحب (سفر السعادة): إن في استعمال الماء المشمس لم يصحّ شيء من النبي لة، وهذه العبارة مما يشتمل الغسل والوضوء أو غيرهما، والله أعلم . ٨ - باب تطهير النجاسات النجاسة ضد الطهارة، وجاء نجس ينجس من باب سمع وكرم، وقال في (القاموس)(١): النجس بالفتح وبالكسر وبالتحريك وككتف وعضد ضد الطاهر انتهى. وفي اصطلاح الفقهاء: النجس بفتح الجيم يقع بمعنى عين النجاسة، ويكسرها بمعنى ما لا يكون طاهراً أعم من أن يكون عين النجاسة أو شيئاً اتصل به النجاسة، وإنما أورد المؤلف بلفظ الجمع إرادة لأنواعها المختلف حكمها. الفصل الأول ٤٩٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إذا ولغ الكلب) ولغ الكلب يلَغ بفتح اللام (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٣٣).