النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ (٣) كتاب الطهارة والمشهور من مذهب الشافعي ظه الوجه الأول من الوجوه الخمسة، والمشهور من مذهب إمامنا الأعظم أبي حنيفة ظله الفصل بين المضمضة والاستنشاق على الوجه الخامس، ومتمسكه حدیث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده رواه أبو داود(١) قال: دخلت على رسول الله ﴿ ﴿ وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق، وقد جاء عنه أيضا قال: إن رسول الله وَله توضأ فمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً من کف واحد، رواه ابن ماجه(٢)، لكن رجحنا الرواية الأولى عنه؛ لأن الفم والأنف عضوان فلا يجمع بينهما بماء كسائر الأعضاء، وقد ثبت في أصول الفقه أن الحديث الذي يوافق القياس يقدم على ما يخالفه، وقد تكلموا في حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده بأن جد طلحة مجهول، ولم يثبت صحبته مع رسول الله وَّر، وذكر في (جامع الأصول)(٣): طلحة بن مصرف من أعلام التابعين وأثباتهم، وجده كعب بن عمرو، وقيل: عمرو بن كعب، وقال الشُّمُنِّي في شرح (النقاية): وقال البيهقي في (كتاب المعرفة): كان عبد الرحمن بن مهدي يقول: جده عمرو بن كعب له صحبة، وقال في (سننه) عن يحيى بن معين أنه قال: المحدثون یقولون: إنه رأی رسول الله ێے، وأهله یقولون: لا صحبة له، انتهى. قال الشيخ ابن الهمام(٤): وذلك غير قادح بعد ما اعترف به أهل الشأن، وعبد الرحمن بن مهدي من كبار أئمة المحدثين في درجة الإمام أحمد بن حنبل (١) ((سنن أبي داود)) (١٣٩). (٢) ((سنن ابن ماجه)) (٤٠٤). (٣) ((جامع الأصول)) (١٢ / ٥٤٣). (٤) ((فتح القدير)) (١ / ٣٥). ١٢٢ (٤) باب سنن الوضوء رحمهم الله، وكذلك يحيى بن معين من كبار الأئمة، ولما قالوا بصحبته ثبت المدعى، وعدم وقوف أهل بيته لا يقدح في ذلك، وأخرج ابن سعد حديثاً من جد طلحة في (باب المسح) بلفظ: رأيت رسول الله * يمسح هكذا، فثبت أن له صحبة، كذا قال الشيخ ابن الهمام. وبالجملة قد علم أن فعله وَّر في غسل أعضاء الوضوء كان مختلفاً على ما هو عادته الشريفة المستمرة في السنن والمستحبات، وأيضاً كان عمله 18 في المضمضمة والاستنشاق وكيفيتهما أيضاً مختلفاً، ولهذا لم يذهب أحد من الأئمة بوجوب أحد الوجوه، وعند الإمام الأعظم أبي حنيفة ظله يجوز وصل المضمضة والاستنشاق وبغرفة واحدة كما نقل الشُّمُنِّي من (الفتاوى الظهيرية)، وكذا يجوز عند الشافعي الفصل بينهما بمياه جديدة. وروى الترمذي (١) عن الشافعي ظلُّه أنه قال: جمع المضمضة والاستنشاق بكف واحد جائز، وفصلهما بمياه جديدة أحبّ إلي، فارتفع الاختلاف، والله أعلم. ولقد وقع شيء من الإطناب في الكلام في هذا المقام تحصيلاً للمقصود وتحقيقاً للمرام، ونتممه بذكر مسح الرأس والاختلاف فيه ليتم شرح الباب فنقول معتصماً بتوفيق الملك الوهاب: اعلم أن أكثر الأحاديث في المسح جاءت مطلقة بلا تقیید بعدد، وجاءت مقيدة بمرة واحدة أيضاً، وهذه الأحاديث صحيحة، ووقع في رواية النسائي والترمذي وأبي داود مرتين أيضاً وسموها بالضعف، وأما تثليث المسح فلم يجئء في حديث صحيح سوى ما جاء في الحديث أنه توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثاً ثلاثاً، والوضوء شامل للغسل والمسح. (١) ((سنن الترمذي)) (٢٧). ١٢٣ (٣) كتاب الطهارة وقال الشافعي رحمه الله بتثليث المسح بهذا الحديث ويقياس المسح على الغسل، وجوابه أن قوله: توضأ ثلاثاً ثلاثاً محتمل، والأحاديث الصحيحة التي جاءت في عدم تكرار المسح عين المراد به، وبين أن التثليث باعتبار الغالب من الأعضاء ومخصوص بالأعضاء المغسولة، وبناء المسح على التخفيف، فقياسه على الغسل وبناؤه على الإكمال والإسباغ قياس مع الفارق، وأيضاً تثليث المسح بماء جدید قد يفضي إلى الغسل الذي حقيقته جريان الماء، وهو خلاف وضع المسح، وأيضاً قد وقع في الحديث الذي ذكر فيه المسح مرة أن من زاد أو نقص أساء وتعدّى وظلم، فلا تكون الزيادة على مرة واحدة سنة. وقال في (فتح الباري)(١): لم يجئ في طريق من الصحيحين ذكر عدد المسح، وعليه أكثر العلماء إلا الشافعي #به يقول: بأن تثليث المسح مستحب، وقال أبو داود: أحاديث أمير المؤمنين عثمان رظه وهي صحاح الباب كلّها دالة على أن مسح الرأس مرة واحدة، وقد بالغ أبو عبيد وقال: لا أعلم أحداً من السلف ذهب إلى استحباب التثليث في المسح إلا إبراهيم التيمي، ولكن في هذا القول نظر؛ لأن ابن أبي شيبة وابن المنذر حكاه عن أنس وعطاء وغيرهما، وصحح ابن خزيمة وغيره التثليث في حديث عثمان ﴿ه، وزيادة الثقة مقبولة، انتهى. وأورد في (جامع الأصول)(٢) من حديث عثمان رَاشته رواية ذكر فيها مسح الرأس ثلاثاً، ونقل الشيخ ابن الهمام(٣) عن البيهقي أنه قال: روي بوجوه غريبة تكرار المسح (١) انظر: ((فتح الباري)) (١ / ٢٩٨). (٢) ((جامع الأصول)) (٨ / ٧٦). (٣) (فتح القدير)) (١ / ٥٢). ١٢٤ (٤) باب سنن الوضوء في حديث عثمان، ولكنها لمخالفتها الأحاديث الصحيحة ليست بحجة عند أهل العلم، انتھی . وأخرج الترمذي(١) عن وائل بن حجر: ثم مسح على رأسه ثلاثاً ومسح أذنيه ثلاثاً، وكل ما جاء من هذا القبيل إن صح فهو محمول على التكرار بماء واحد لا بماء جديد كما هو مذهب الشافعي ظه، وذكر الشُّمُنِّي من (الفتاوى الظهيرية) أن تثليث المسح بماء جديد بدعة، وقد جاء في رواية غريبة عن أبي حنيفة ظله تثليث المسح بماء واحد، فقال في (الهداية)(٢): إنه مشروع ومروي عن أبي حنيفة، وفي بعض شروح (الهداية) أنه روى الحسن عن أبي حنيفة ظله أنه لو مسح ثلاثاً بماء واحد كان مسنوناً، هذا الكلام في سنة المسح، وأما فرضه فقد ذهب مالك ظه أن مسح كل الرأس فرض، وعند أبي حنيفة فرضه مسح ربع الرأس، وفي رواية: قدر ثلاث أصابع باعتبار أن الواجب إلصاق اليد بالرأس، والأصابع أصل اليد، ولهذا تجب بقطعها دية اليد، والثلاث أكثرها، وللأكثر حكم الكل، وعند الشافعي ظُه أدنى ما يطلق عليه اسم المسح وإن كان ثلاث شعرات بل شعرة واحدة، ومذهب أحمد ظه عند عامة أصحابه كمذهب مالك ه، وفي رواية كمذهب الشافعي، وفي أخرى كمذهب أبي حنيفة ، وفي رواية: مسح أكثر الرأس، وفي رواية: للنساء مسح البعض، وللرجال مسح كله، ودلائل الكل ذكرتها في (شرح سفر السعادة)(٣). (١) لم نجده في ((سنن الترمذي))، نعم رواه البزار في ((مسنده)) (٤٤٨٨)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٢ / ٤٩) مطولاً وفيه: ((ثم مسح على رأسه)). (٢) ((الهداية)) (١ / ١٦). (٣) ((شرح سفر السعادة)) (ص: ٣٧). ١٢٥ (٣) كتاب الطهارة وسمعت شيخي علي بن جار الله مفتي بلد الله الحرام ينقل عن بعض مشايخه أنه قال: الإنصاف في مسألة المسح مع مالك رحمه الله، وأقوی ما یرده حديث مسح الناصية، وقالوا: هو محمول على أن ذلك مع العمامة كما جاء مفسراً في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة: وكان يز إذا مسح على ناصيته أتمه بالمسح على العمامة، وسيجيء ذلك. ثم اعلم أن كيفية مسح كل الرأس الذي هو سنة أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم رأسه ويمدّها إلى قفاه على وجه يستوعب الرأس، ثم يمسح بإصبعيه أذنيه، ولا يكون الماء مستعملاً بهذا؛ لأن الاستيعاب بماء واحد كما هو مذهبنا لا يكون إلا بهذا الطريق، ولأنه لا يحتاج إلى تجديد الماء لكل جزء من أجزاء الرأس، فالأذن أولى لكونه تبعاً له، وفي (المحيط)(١): والمستحب في الاستيعاب أن يضع من كل واحد من اليدين ثلاث أصابع على مقدم رأسه، ولا يضع الإبهام والسبابة، ويجافي کفیه ويمدها إلى القفاء، ثم يضع كفيه على مؤخر رأسه ويمدهما إلى مقدمه، ثم يمسح ظاهر كل أذنيه بإبهام، ومسح باطنهما بمسبحة، ذكر كلا من هذين الطريقين الشُّمُنِّي، ونقل الأول عن (شرح الكنز) والثاني عن (المحيط)، فتدبر. وقال الشيخ ابن الهمام(٢): وأما مجافاة السبابتين مطلقاً ليمسح بهما الأذنين والكفين في الإدبار ليرجع بهما على الفودين(٣) فلا أصل له في السنة؛ لأن الاستعمال لا يثبت قبل الانفصال، والأذنان من الرأس حتى جاز اتحاد بلتهما، ولأن أحداً ممن (١) انظر: ((المحيط البرهاني)) (١ / ٤٧). (٢) ((فتح القدير)) (١ / ١٦). (٣) الفَوْدُ: مُعْظَمُ شَعْرِ الرأسِ مما يَلِي الأُذُن، وناحِيَةُ الرأسِ. ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠٧). ١٢٦ (٤) باب سنن الوضوء حكى وضوء رسول الله وَيّ لم يؤثر عنه ذلك، فلو كان ذلك من الكيفيات المسنونة وهي غير متبادرة لَنَصُّوا عليها . ثم اعلم أنه لم يرو في الكتاب حديث في مسح الرقبة، وقال صاحب (سفر السعادة)(١): لم يثبت في مسح الرقبة حديث، وهو مستحب عند أبي حنيفة ربه، وهو مختار بعض الشافعية أيضاً، ويروون في ذلك حديثاً(٢): (من مسح قفاه مع رأسه وقي من الغل يوم القيامة)، وروي هذا الحديث موقوفاً ومرفوعاً، لكن سنده ضعيف، وأورد الشيخ ابن الهمام حديث الترمذي في ذلك عن وائل بن حجر: ثم مسح على رأسه ومسح أذنيه وظاهر رقبته، وحديثاً من أبي داود: أنه وَّي مسح الرقبة مع مسح الرأس(٣)، وقال: عند البعض هو بدعة، ولم يذكره في (الهداية) من السنن والمستحبات، وقال الشُّمُنِّي: مسح الحلقوم بدعة. (١) ((سفر السعادة)) (ص: ٢٠). (٢) انظر: ((كتاب الطهور)) القاسم بن سلام (١ / ٣٨٤). (٣) وأخرج أبو داود حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: ((رأيت رسول الله يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القذال وهو أول القفا)). قال شيخنا في هامش ((البذل)) (١ / ٥٨٢): وفي رواية أحمد: ((وما يليه من مقدم العنق))، بسطه صاحب ((الغاية)). استدل به صاحب ((المغني)) (١ / ١٥١) على مسح الرقبة، واستدل أيضاً برواية ابن عباس: ((امسحوا أعناقكم مخافة الغُلِّ)، واستحبابه رواية لأحمد، والقديم للشافعي، وفي رواية الدارقطني: ((حتى بلغ بهما إلى أسفل عنقه))، كذا في ((غاية المقصود)). قال ابن رسلان: استدل به على ما قال البغوي والغزالي: إنه يستحب مسح الرقبة، وصحح الرافعي أنه سنة، ومقتضى كلام الحموي أن فيه قولين، وليس بسنة في الجديد، ثم ذكر عدة الروايات في إثباته، فارجع إليه. وقال الشعراني: قول مالك والشافعي: إنه ليس بسنة، وقال أبي حنيفة وأحمد وبعض الشافعية: مستحب، وبسطه في ((تحفة الطلبة)) لمولانا عبد الحي (ص: ١٧). ١٢٧ (٣) كتاب الطهارة ٣٩٥ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ لّهِ مَرَّةً مَرَّةً لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٥٧]. ٣٩٦ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِّ ◌َ﴿ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٥٨]. ٣٩٧ - [٧] وَعَنْ عُثْمَانَ ﴾ أَنَُّ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ فَقَالَ: أَلَا أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ؟ فَتَوَضَّأَ ثَلَاثاً ثَلاَثَاً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٠]. ٣٩٥ - [٥] (عبدالله بن عباس) قوله: (مرة مرة) في (القاموس)(١): المرة: الفعلة الواحدة ولا يستعمل إلا ظرفاً، وفي (الصراح)(٢): مرة: يكبار، مراراً مرات: بارها، وقال الكرماني(٣): قوله: (مرة) منصوب على الظرف، أي: توضأ في زمان واحد، ولو كان ثمة غسلتان أو غسلات لكل عضو من أعضاء الوضوء لكان التوضؤ في زمانين أو أزمنة، إذ لا بد لكل غسلة من زمان غير زمان الغسلة الأخرى، أو منصوب على المصدر، أي: توضأ مرة من التوضؤ، أي: غسل الأعضاء غسلة واحدة، وكذا حكم المسح. ٣٩٦ - [٦] (عبدالله بن زيد) قوله: (مرتين مرتين) قد علم وجه إعرابه في شرح قوله: مرة مرة. ٣٩٧ _ [٧] (عثمان ﴿به) قوله: (أنه توضأ بالمقاعد) أي: مواضع قعود الناس بالسوق أو غيره، وفي الحواشي: هي صُفَّة بناها أمير المؤمنين عمر عظاته خارج المسجد (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٤١). (٢) ((الصراح)) (ص: ٢١٣). (٣) ((شرح الكرماني)) (٢ / ٢٠٦). ١٢٨ (٤) باب سنن الوضوء ٣٩٨ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى إِذا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ فَتَوَضَّؤُوا وَهُمْ عُجَّالٌ، فَانْتُهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُّوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ مِ: ليقعد الناس ويتكلموا ويتناشدون الشعر فيه، ويقال له: رحبة، وفي شرح الشيخ: اسم موضع بالمدينة يقعد فیه الناس. ٣٩٨ _ [٨] (عبدالله بن عمرو) قوله: (حتى إذا كنا بماء بالطريق) أي: كنا نازلين بموضع فيه ماء كنهر أو حوض أو بئر، كان الناس يسكنون عنده، كائن في طريق مكة. وقوله: (تعجل قوم عند العصر) أي: توضؤوا مستعجلين خوفاً من فوات العصر ومضي وقته. وقوله: (وهم عجال) صححوه بكسر العين وتخفيف الجيم، وبضم العين وتشديد الجيم، جمع عاجل كقيام جمع قائم، وحفاظ جمع حافظ. وقوله: (وأعقابهم تلوح) أي: يبدو يبوستها . وقوله: (لم يمسها الماء) بيان له، وكان القوم كانوا حديثي عهد بالإسلام من سُكّان البوادي فتجوّزوا في غسل أرجلهم لجهلهم بأحكام الشرع الشريف، فزجرهم النبي ◌َّ بهذا الوعيد عن ترك الواجب. وقوله: (فقال رسول الله (9) وفي رواية البخاري ومسلم(١): فنادى بأعلى صوته . (١) ((صحيح البخاري)) (٦٠)، و((صحيح مسلم)) (٢٤١). ١٢٩ (٣) كتاب الطهارة ((وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤١]. وقوله: (ويل للأعقاب من النار) ويل كلمة يقولها كل مكروب، وأصلها الهلاك والعذاب، وقيل: شدة العذاب، وقيل: وادٍ في جهنم، ورواه ابن حبان(١) من حديث أبي سعيد، والأعقاب جمع عقب بفتح العين وكسر القاف: مؤخر القدم، يقال بالفارسية لها: باشنة، أي: لأصحاب الأعقاب اللائحة، واللام للعهد، وقيل: العقب يختص بالعذاب إذا قصر في غسلها، فلعلهم يعذبون في الأعقاب خاصة لأجل هذا التقصير. وقوله: (أسبغوا الوضوء) أي: أكملوه وأتمّوه، ولا تتركوا جزءاً من أجزاء الأعضاء غير مغسول. وقال بعض العلماء: المراد بالإسباغ ههنا إكمال الوضوء وإبلاغ الماء كل ظاهر أعضائه، وهذا فرض، والإسباغ الذي هو التثليث سنة، والإسباغ الذي هو التسييل هو شرط، والإسباغ الذي هو إكثار الماء من غير إسراف فضيلة، وبكل هذا يفسر الإسباغ باختلاف المقامات، ثم في هذا الحديث وأمثاله دليل على وجوب غسل الرجلين، وأن المسح لا يجزئ، وعليه جمهور الفقهاء في الأعصار والأمصار، وأنه لا يجب المسح مع الغسل كما هو مذهب الظاهرية، ولم يثبت خلاف هذا من أحد ممن يعتدّ به في الإجماع، والذين وصفوا وضوء رسول الله ويّير في مواطن مختلفة وعلى صفات متعددة متفقون على غسله الرجلين، وقوله وَلي: (ويل للأعقاب من النار) وعيد وتهديد عظيم لمن ينكر الغسل، فهو دليل الوجوب، وهذا الوعيد وقع في أحاديث كثيرة لا تحصى، كذا قال النووي(٢). والكلام ههنا كثير نتحاشى من ذكره مخافة التطويل، لكن المقام جدير بذكره، (١) ((صحيح ابن حبان)) (٦ / ٥٠٨، ح: ٧٤٦٧). (٢) (شرح صحيح مسلم)) (٣/ ١٢٩). ١٣٠ (٤) باب سنن الوضوء فنقول وبالله التوفيق وعلى فضله التعويل: اعلم أنه قد اختلفت الأمة في غسل الرجلين ومسحهما، فذهب داود بن علي الظاهري إلى أنه يجب المسح، والغسل احتياطاً؛ لأن الكتاب ورد بهما، وروي عن الحسن البصري وعن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري التخيير بينهما، وذهب قوم إلى فرضية مسح ظاهر القدمين ووجوب الابتداء من الأصابع والانتهاء إلى الكعبين عملاً بظاهر أخبار المسح وإن كانت ضعيفة مع قلتها وبظاهر قراءة خفض: ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وفي القراءة بالنصب معطوفة على محل رؤوسكم عطفاً على الأقرب، ولأن هذه الواو قد تكون بمعنى مع، وهي تنصب نحو : استوى الماء والخشبة حملاً لما يحتمل وجهين على ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً دفعاً للتعارض، وقالوا: أخبار المسح والغسل في هذا الباب آحاد، فلا تقبل على مخالفة ظاهر الكتاب، والصحيح ما ذهب إليه عامة العلماء، ولهم في إثبات فرضية غسل الرجلين ثلاثة طرق . الأول: وإليه ذهب من أصحابنا الإمام أبو جعفر الطحاوي: أن السبيل في القراءتين كالسبيل في الآيتين، وقد تعارضتا فوجب المصير إلى السنة. وقد اشتهرت الأخبار المتواترة معنى المخرجة في الأصول الستة وغيرها برواية عثمان وعلي وعبدالله بن زيد بن عاصم حاكي وضوء رسول الله وَي وأنس وجابر وأبي هريرة وعبدالله بن عمر وغيرهم ه أن رسول الله وَّر غسل قدميه في وضوئه للصلاة إذا كانتا باديتين وأمر بذلك، وأوعد على تركه، وهي علامة الوجوب كذا في (شرح السنة)(١)، وفي تعداد تلك الأخبار تطويل، ولكن علينا أن نذكر بعضها تيمناً وإلزاماً للحجة، فقد جاء في روايات أبي داود والترمذي والنسائي عن عبد خير وزر بن حبيش (١) انظر: ((شرح السنة)) (١ /٣١٤). ١٣١ (٣) كتاب الطهارة وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي حية وابن عباس وحسين بن علي ثه عن علي ظُه أنه توضأ ليعلمهم فغسل رجليه، ثم قال: من سرّه أن ينظر إلى وضوء رسول الله فهذا وضوؤه. وأخرج الطحاوي(١) عن علي ظه أنه دخل الرحبة، ثم قال ظه لغلامه: ائتني بطهور، فأتاه بماء وطست فتوضأ فغسل رجليه، وقال: هذا طهور رسول الله وَّر. وفي رواية لأبي داود (٢) عن عبد خير أنه قال: صلى عليه الغداة، ثم دخل الرحبة فدعا بماء، فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست، وفي أخرى لأبي داود (٣): أتانا علي ◌َُّه وقد صلى فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى؟ ما يريد إلا ليعلمنا إلى أن قال: ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً، ورجله اليسرى ثلاثاً، وفي رواية للنسائي(٤) عن الحسين بن علي ﴾ قال: دعاني أبي علي ظُه بوضوء فقربته له ... إلى أن قال: ثم غسل رجله الیمنی إلی الکعبین، ثم الیسری کذلك. وأخرج الطحاوي(٥) عن عبد الملك بن سليمان أنه قال: قلت لعطاء: أبلغك عن أحد من أصحاب النبي ◌ّ أنه مسح على القدمين؟ فقال: لا، وأما ما روي عن عباد بن تميم عن عمر (٦) له أن النبي وسلم توضأ ومسح على القدمين، وما روي عن (١) ((شرح معاني الآثار)) (١٥٨). (٢) ((سنن أبي داود)) (١١٢). (٣) ((سنن أبي داود)) (١١١). (٤) ((سنن النسائي)) (٩٥). (٥) (شرح معاني الآثار)) (٢١٤). (٦) ((شرح معاني الآثار)) (١٥٧). ١٣٢ (٤) باب سنن الوضوء علي(١) رَؤُه أنه صلى الظهر، ثم قعد للناس على كرسيه، ثم أتي بماء فمسح بوجهه ويديه، ومسح برأسه ورجليه، وشرب فضله قائماً ثم قال: إن ناساً يزعمون أن هذا يكره، وإني رأيت رسول الله وقليل يصنع مثل ما صنعت، وهذا وضوء من لم يحدث، وسائر ما ورد في ذلك، فقد ذكر عبدالله بن عمر ظل﴾ أنهم كانوا يمسحون حتى أمر رسول الله ◌َّ بإسباغ الوضوء، فدل ذلك على أن حكم المسح الذي كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه، على أنه ليس في حديث علي ظ أن فرض الرجلين هو المسح؛ لأن فيه أنه قد مسح وجهه ويديه، وكان ذلك المسح غسلاً، فكذلك يحتمل أن يكون مسحه لرجليه أيضاً كذلك، يدل على ذلك ما ذكر من الروايات عنه ره الطريق الثاني: التمسك بالإجماع، قال الإمام علاء الدين العالم رحمة الله عليه في (تحفة الفقهاء)(٢): إن العلماء رحمهم الله أجمعوا على وجوب غسل الرجلين إذا كانتا باديتين بعد وجوب الاختلاف فيه، والإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم، هذا، وقد قيل في مسائل أصول الفقه: المختار أن الإجماع الذي ندر مخالفته حجة؛ لأنه يدل على وجود راجح أو قاطع، إذ لو قيل: يكون متمسك المخالف النادر راجحاً، وأن الكثيرين لم يطلعوا عليه وخالفوه غلطاً أو عمداً كان في غاية البُعد، لكن ذلك الإجماع لا يتناول الإجماع المعروف عند الأصوليين الذي يكفّر منكره، وأيضاً المخالف النادر إذا نشأ بعد الاتفاق فلا عبرة لمخالفته أصلاً، ثم إن مدار صحة هذا الطريق على الطريق الأول إذ لا بد للإجماع من سند، والسند ههنا هو السنة، ولا يلزم أن يكون السند قطعيًّا، (١) (شرح معاني الآثار)) (١٥١). (٢) ((تحفة الفقهاء)) (١ / ١١). ١٣٣ (٣) كتاب الطهارة بل قد يكون ظنياً كالقياس وخبر الواحد، ويصير بالإجماع عليهما قطعيًّا، وإن كان السند قطعيًّا كما فيما نحن فيه من السنة المشهورة المتواترة المعنى فهو أقوى وأحكم، والكلام في الإجماع وأقسامه كثير، فليقتصر على هذا المقدار. الطريق الثالث: التمسك بالكتاب، بيانه أن نصب اللام في ﴿أرجلكم﴾ [المائدة: ٦] قراءة شطر القراء السبعة الذين ثبتت قراءتهم بالتواتر كما حقق في موضعه، وهم نافع وابن عامر والكسائي وحفص راوي عاصم - رحمهم الله -، والجر أيضاً قراءة شطر القراء السبعة وهم ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر راوي عاصم - رحمهم الله -، فنصب اللام للعطف على المغسول، وإدخال الممسوح بين المغسولات إشارة إلى انتداب هذه الهيئة أو افتراضها، والعطف على المغسول هو ظاهر تلك القراءة، فلا يجوز ترك هذا الظاهر إلى العطف على محل الممسوح إلا بدليل؛ لأن العطف على المحل بمنزلة المجاز من الحقيقة مع أن العطف على المحل إنما يجوز عند عدم الالتباس، لا تقول: ضربت زيداً ومررت بعمر وبكراً، وأنت تريد عطف بكر على عمر محلاً، وخفض اللام للعطف على الممسوح وهو ظاهر تلك القراءة، لكنه يحتمل أن يكون العطف على الممسوح لفظاً فقط للجوار، والمعنى على العطف على المغسول ويسمى هذا جرّ الجوار، وهي كثيرة في لغة العرب وواقعة في القرآن وغيره. وقد جعل أئمة النحو للعطف على الجوار باباً وجوّزوا الجرّ للجوار مع العاطف وبدونه، وأخطأ من جعلها لغة رديئة غير فصيحة، ومما يدل على عدم كون الأرجل ممسوحة أن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة، فلما كان ظاهر قراءة النصب وهو العطف على المغسول معيناً للغسل، وظاهر قراءة الخفض محتملاً للغسل وجب الحمل المحتمل على المتعين دفعاً للتعارض، ونقل عن شيخ الإسلام خواهر زاده أنه إذا قيل ١٣٤ (٤) باب سنن الوضوء ٣٩٩ - [٩] وَعَنِ الْمُغيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَّهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ. بالمسح يبقى مقتضى النصب غير معمول به بخلاف العكس، فإن المسح معمول بالغسل؛ لأن المسح بعض الغسل، ففيما ذهبنا إليه عمل بالنص من كل وجه، وفيه خروج عن عهدة الواجب بيقين وتحصيل للطهارة كاملاً، وتمسك بالأصل في باب الوضوء وهو الغسل، إذ هو المطهر حقيقةً وحكماً، ولهذا بدأ الله تعالى به، ثم نقل الحكم إلى المسح في الرأس دفعاً للحرج إذ في غسله من الحرج ما ليس في غسل الوجه واليدين والرجلين إذ كانتا باديتين، ولأن الرجلين أحق بالغسل لوقوعها في مواطئ النجاسة والتلوث من غيرهما من الأعضاء. وقال بعض العلماء - منهم الشافعي رحمة الله عليه - في تأويل القراءتين: بالنصب أريد به قوم، والجر أريد به آخرون يعنون من يجب عليه الغسل ومن يجوز له المسح، قال شيخ الإسلام خواهر زاده: فعلى هذا في قراءة الجر ذكر الرجل وأريد به الخف للاتصال جواراً، وقد أشار الله دت إلى الغسل والمسح بنصب اللام وخفضها بلاغةً وإيجازاً، انتهى. وصحة هذا الطريق الثالث أيضاً مبني على الطريق الأول، إذ فصل الخطاب أن تقييد ظاهر الكتاب وتعيين بعض محتملاته على سبيل القطع لا يجوز إلا بمثل ما ذكر من السنة المشهورة المتواترة معنى . نعم يجوز أن يحصل لظاهر الكتاب قطعية الدلالة باعتبار لحوق القرائن كما قال الأصوليون في إفادة خبر الواحد إذا احتفت به القرائن، وهذا قول من قال من المشايخ: البيان ملتحق بالمبين، والله أعلم وعلمه أحكم. ٣٩٩ - [٩] (المغيرة بن شعبة) قوله: (فمسح بناصيته وعلى العمامة) لمسح بقية الرأس إتماماً لوظيفة مسح الفريضة كما هو مذهب مالك رحمة الله عليه، أو ١٣٥ (٣) كتاب الطهارة وَعَلَى الْخُفَّيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٤]. ٤٠٠ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ لَ﴾ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ: لاستيعاب الرأس كما هو السنة بعد ما مسح أدنى ما يطلق عليه اسم المسح عند الشافعي رحمة الله عليه، أو ربع الرأس عند أبي حنيفة رحمة الله عليه تكميلاً للطهارة في الجملة وهو أمر مستحسن، وأما مسح العمامة مستقلاً بدون مسح الرأس كما على الخف فمنعه أبو حنيفة ومالك ﴾ مطلقاً، وجوز أحمد الاقتصار عليه بشرط الاعتمام على طهر، وأن تكون العمامة تحت الحنك، أو تكون [لها] ذؤابة وكونها ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين وشبههما من جوانب الرأس، كذا في بعض الشروح، وربما ينظر قوله: (وعلى الخفين) إلى هذا المعنى. وقال التُّورِبِشْتِي(١): قد جوز المسح على العمامة جمع من فقهاء أصحاب الحديث، وأكثر ما يدور [عليهم] علم الفتيا في بلاد الإسلام على خلاف ذلك، ومنهم من يقول: إن النبي ◌َّ رخص لهم بعد مسح الواجب أن يقصروا من الاستيعاب على مسح العمائم، هذا، ثم يحتمل أنه مسح بناصيته فسوّى عمامته بيديه، فحسب الراوي أنه مسح عليها . ٤٠٠ - [١٠] (عائشة) قوله: (يحب التيمن) أي: الابتداء باليمين. وقوله: (ما استطاع) إشارة إلى شدة المحافظة عليه. وقوله: (في شأنه) أي: في أفعاله، أي: كان يؤثر اليمين في الأفعال باليد اليمنى والرجل اليمنى والجانب الأيمن. (١) (كتاب الميسر)) (١ / ١٤٥). ١٣٦ (٤) باب سنن الوضوء فِي طَهُورِهِ وَتَرَجُلِهِ وَتَنَعُّلِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٢٦، م: ٢٦٧]. الْفَصْلُ الثَّانِي: ٤٠١ - [١١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا لَبِسْتُمْ وَإِذَا تَوَضَّأُمْ. وقوله: (في طهوره) صححوه بضم الطاء وفتحها، أي: البداية بالشق الأيمن في غسل الأعضاء وباليمنى من اليدين والرجلين، وأما الكفان والخدان والأذنان فيطهران معاً. وقوله: في (ترجله) أي: البداية بالشق الأيمن في تسريح لحيته ورأسه. وقوله: وفي (تتعله) أي: الابتداء بلبس النعل اليمنى، والظاهر أن قوله: (في طهوره) مع أخويه بدل بعض من (شأنه كله)، وحيث ذكر الثلاثة على طريق التمثيل، والمراد هذه وأمثالها كان في المعنى بدل الكل من الكل. وقال الطيبي(١): استغنى بذكر الطهور عن ذكر الطاعات لأنه مفتاحها، والترجل يتعلق بالرأس، والتنعل بالرجل، ففیه إشعار بجمیع البدن فیکون بدل الكل عن الکل، فتدبر، وقد وقع في بعض الروايات بتأخير قوله: وفي شأنه كله، من الثلاثة فهو تعميم بعد تخصيص، ويروى بحذف واو العطف لقرينة، أو هو بدل من الثلاثة بدل اشتمال كذا قيل، ثم المراد بالشأن الذي يستحب التيمن فيه ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بخلافه فيبدأ فيه بالأيسر، علم ذلك بدليل الأحاديث والآثار، وقد عده الطيبي، وله نظائر أخرى. الفصل الثاني ٤٠١ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (إذا لبستم وإذا توضأتم) تخصيص ببعض (١) (شرح الطيبي)) (٢ / ٦٩). ١٣٧ (٣) كتاب الطهارة فَابْدَؤُوا بِأَيَا مِنِكُمْ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٣٥٤، د: ٤١٤١]. ٤٠٢ - [١٢] وَعَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٥، جه: ٣٩٨]. ٤٠٢ - [١٣] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [حم: ٤١٨/٢، د: ١٠١]. الشؤون الفاضلة الشائعة الوقوع اهتماماً بشأنها، ويحتمل أن يكون المقام قد اقتضى تخصيصها بالذكر، والله أعلم. وقوله: (فابدؤا بأيامنكم) وفي رواية: (بميامنكم)، والأول جمع أيمن، والثاني جمع میمن، وكلاهما بمعنى . ٤٠٢ - ٤٠٣ ـ [١٢ - ١٣] (سعيد بن زيد، أبو هريرة) قوله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) ظاهره نفي الصحة، وإليه ذهب أحمد (١) رحمة الله عليه على المختار من مذهبه عند جماعة من أصحابه أن التسمية شرط لصحة الوضوء، وقال إسحاق: إن من ترك التسمية عامداً أعاد الوضوء، وإن كان ناسياً أو متأولاً أجزأ، وعند الأئمة الثلاثة هو لنفي الكمال، وعندنا التسمية سنة أو مستحب لما روى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة والدار قطني(٢) عن أبي هريرة وابن مسعود وابن عمر عنه أنه وَله قال: (من توضأ فذكر اسم الله كان طهوراً لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله كان طهوراً لأعضاء وضوئه)، فإن سياق هذا الحديث في إثبات الكمال بالتسمية، وهذا أمارة السنية أو الاستحباب مع أن الأحاديث الواردة في التسمية قد ضعفها الأكثرون، (١) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ١٧٤). (٢) ((سنن أبي داود)) (١٠١)، ((سنن الترمذي)) (٢٥)، و((سنن الدار قطني)) (١١ /١٢ -١٣). ١٣٨ (٤) باب سنن الوضوء ولهذا الأصح عندنا أنها مستحبة لا سنة، وأيضاً قد أخرج أصحاب السنن الأربعة(١) أن رسول الله وَّيّ قال في تعليم الوضوء: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله)، وأمر الله بالوضوء إنما هو بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ﴾ [المائدة: ٦] الآية، وليس فيه ذكر التسمية . واستدل بعضهم على نفي وجوب التسمية بحديث عدم رد السلام على من سلم عليه وسل* بعد بول أو غائط معللاً بعدم كونه على الطهارة، وهو حديث له طرق متعددة من الصحاح والحسان، وجاء في رواية (٢): أنه سي كان يتوضأ فسلم عليه أحد فلم يردّ عليه، فلما فرغ من الوضوء اعتذر، فهذه الأحاديث تدل على أنه كان لم يذكر اسم الله من غير وضوء، فدلت على عدم التسمية قبل الوضوء، فكيف تكون واجبة بل سنة أيضاً، وفي هذا الاستدلال نظر، فإن في دلالتها على كراهية ذكر عهد في الشرع في الموضع محل بحث، وقد ثبتت التسمية قبل الوضوء بأحاديث متعددة. قال البخاري: أحسن الأحاديث في هذا الباب حديث سعيد بن زيد، وقال إسحاق: أصح الأحاديث حديثه، والظاهر - والله أعلم - أن امتناعه ◌َّ في الحالة المذكورة عن خصوص رد السلام فإن في تأخيره وتوقفه مجالاً، ولا ضرورة في التبادر به مع عدم الطهارة لا من مطلق الذكر؛ لأنه قد جاء في الصحاح أنه كان لا يمنعه من ذكر الله شيء من الحدث، بل الجنابة أيضاً إلا القرآن، وقد جاء في الحديث(٣) أنه كان (١) ((سنن أبي داود)) (٨٦١)، و((سنن النسائي)) (١٤٤)، و((سنن الترمذي)) (٣٠٢)، و((سنن ابن ماجه)) (١٠٦٠). (٢) أخرجه أبو داود (١٦)، والنسائي (٣٧)، وابن ماجه (٣٥٣). (٣) أخرجه الدارقطني في (السنن)) (١٢). ١٣٩ (٣) كتاب الطهارة ٤٠٤ - [١٤] والدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عَن أَبِهِ، وَزَادُوا فِي أَوَّلِهِ: ((لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ وُضُوءَ لَهُ)). [دي: ١ / ١٧٦]. ٤٠٥ _ [١٥] وَعَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ قَالَ: يقول عند الخروج من البراز: (الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني) الحديث، وقد تمسك بعض الناس بأنه لم يقع في حديث علي وعثمان ﴾ وغيرهما من الذين وصفوا وضوءه ◌َلي ذكر التسمية، ولو كان واجباً لذكروا ثمة، وأجيب بأن مقصودهم حكاية الأفعال التي هي داخلة في الوضوء، والتسمية من الأقوال وهي خارجة منه، أو يقال: لعل الراوي اختصر الحديث، وذكر طرفاً منه بناء على شهرة الابتداء بالتسمية في كل أمر ذي بال، ولا يخفى ما فيه. ٤٠٤ - [١٤] قوله: (والدارمي عن أبي سعيد الخدري) هكذا وقع في نسخ (المشكاة) وهو سهو؛ لأن أبا سعيد هو مالك بن سنان ﴾، وليس هذا الحديث منه، والصواب: والدارمي عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه، فإنه في (سنن الدارمي)(١) هكذا: أخبرنا عبدالله بن سعيد قال: أخبرنا أبو عامر العقدي قال: أخبرنا كثير بن زيد قال: حدثني رُبَيْح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن جده عن النبي وَّل قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)، وقال الشيخ ابن الهمام(٢): وأعل هذا الإسناد بأن ربيحاً ليس بمعروف، ونوزع بأن أبا زرعة قال: ربيح شيخ، وقال ابن عمار: ثقة. ٤٠٥ _ [١٥] (لقيط بن صبرة) قوله: (لقيط) بفتح اللام وكسر القاف، و(صبرة) (١) ((سنن الدارمي)) (٢/ ٢٩٦، ح: ٧١٦). (٢) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٢١). ١٤٠ (٤) باب سنن الوضوء قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ. قَالَ: ((أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الإِسْتِنْشَاقِ. يفتح الصاد وكسر الباء، كذا في (جامع الأصول)(١)، وفي بعض الشروح: ويجوز سکون الباء مع فتح الصاد وکسرها. وقوله: (أخبرني عن الوضوء) كان سأله عن حسنه وكماله وآدابه؛ لأن أصل الوضوء كان معروفاً عندهم فأجاب ◌َّهم بما أجاب، والمراد بـ (الأصابع) أصابع الرجل واليد، وهو سنة عند أبي حنيفة وعند الشافعي ضائها، وعند أحمد ظلشبه تخليل أصابع الرجل سنة بلا خلاف، وفي أصابع اليدين عنه روايتان: الأشهر أنه سنة، وفي رواية: لا؛ لأن تفريجها مغن عن التخليل، وعند مالك ظه التخليل مخصوص بأصابع الرجل، وقال: وإن ترك لا بأس، التخليل أطيب للنفس، فإن قلت: قد ورد الوعيد على ترك التخليل في حديث رواه الدار قطني (٢) كما ذكر في (الهداية) وذلك ناظر في الوجوب. قلنا: الحديث ضعيف بيحيى بن ميمون التمار، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام(٣)، وقيل: السنة في صورة انفراج الأصابع، وفي صورة التصاق الأصابع بعضها مع بعض بحيث لا يصل الماء بينها بدون التخليل واجب، والوعيد محمول عليها . وقوله: (وبالغ في الاستنشاق) وفي رواية: (بالغ في المضمضة والاستنشاق)، ولعل وجه التخصيص على رواية الأولى لكون الخيشوم مبيت الشيطان، قال الشُّمُنِّي عن (الخلاصة): حد المضمضة استيعاب جميع الفم، والمبالغة فيها أن يصل الماء إلى رأس الحلق، وحد الاستنشاق أن يصل الماء إلى المارن، والمبالغة أن يجاوز المارن، (١) ((جامع الأصول)) (١٢ / ٨٢٩). (٢) ((سنن الدار قطني)) (١ / ٩٥). (٣) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٣٠).