النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
(٣) كتاب الطهارة
· الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٧٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ
عَلَى أُمَّنِي لأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ وَبِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ». مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ.
[خ: ٨٨٧، م: ٢٥٢].
وقال الشُّمُنِّي: ينبغي أن يكون السواك من الأشجار المرة في غلظ الخنصر وطول
الشبر، وأن يكون الاستياك عرضاً لا طولاً، وأن يكون حالة المضمضة، وإن لم يكن
معه سواك أو كان مقلوع الأسنان استاك بإصبع يمينه لما روى البيهقي(١) عن أنس
قال: قال رسول الله وَلهُ: (يُجْزِئُ مِنَ السَّوَاكِ الأَصَابِعُ)، وروي نحو ذلك عن
عائشة چچين(٢).
الفصل الأول
٣٧٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لولا أن أشق على أمتي) في (القاموس)(٣):
شق عليه الأمر شقًّا ومشقة: صعب، وشق عليه: أوقعه في المشقة، والمعنى لولا أن
أثقل عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧]، أي: ما أحملك
من الأمر ما يشتد عليك، أي: لولا خوف المشقة أو توقعها (لأمرتهم)، وهذا يدل ظاهراً
على أن الأمر للوجوب، والمندوب ليس بمأمور به، والمراد مادة أمر والاختلاف إنما
هو في صيغة أفعل، والصواب أنه يشمل المندوب والواجب؛ لأنه يقال: أمره أمر
إيجاب أو أمر ندب، والمراد في الحديث لأمرتهم أمر إيجاب، فتدبر. ويأتي الكلام
(١) السنن الكبرى)) للبيهقي (١ / ٤٠، ح: ١٧٦).
(٢) انظر: ((المعجم الأوسط)) (٦ / ٣٨١).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٢٧).

١٠٢
(٣) باب السواك
٣٧٧ - [٢] وَعَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِىءٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ
يَبْدَأُ رَسُولُ اللهِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٣].
٣٧٨ - [٣] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ
اللَّيْلِ.
في قوله: (عند كل صلاة) في آخر الباب.
٣٧٧ - [٢] (شريح بن هانئ) قوله: (قالت: بالسواك) قالوا: إنما كان يبدأ به
حين دخل بيته؛ لأنه ربما تتغير رائحة الفم بمحادثة الناس، فهو من حسن معاشرته
بأهله، وفيه تعليم للأمة بحسن المعاشرة مع الأهل، وقول الطيبي(١): لأن الغالب أنه
كان لا يتكلم في الطريق، والفم يتغير بالسكوت فيستاك ليزيله، لا يخلو عن شيء؛
لأنه ليس بين مجلسه وبيته طريق يتغير الفم بالسكوت فيها؛ لأن بيته متصل بالمسجد،
وغالب جلوسه في المسجد وحواليه، وقيل: كان يبدأ بصلاة النفل فإنه قلما يتنفل في
المسجد فيتسوك لها .
٣٧٨ _ [٣] (حذيفة) قوله: (إذا قام للتهجد من الليل) وأصل التهجد ترك
الهجود وهو النوم، وصيغة التفعل للسلب والإزالة كتأثم وتخرج، وفسر البيضاوي(٢)
قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الَتْلِ فَتَهَجَدْ﴾ [الإسراء: ٧٩] بقوله: بعض الليل فاترك الهجود
للصلاة، والتهجد أيضاً يجيء بمعنى النوم كما في (القاموس)(٣)، ويمكن أن تكون
إضافة الصلاة إليه بوقوعه في وقت النوم وبعده.
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٥٤).
(٢) ((تفسير البيضاوي)) (١ / ٥٧٩).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠٩).

١٠٣
(٣) كتاب الطهارة
يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٥، ١١٣٦، م: ٢٥٥].
٣٧٩ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ:
قَصُّ الشَّارِبِ،
وقوله: (يشوص) أي يستاك ويغسل، في (القاموس) (١): الشوص: الدلك باليد
ومضغ السواك والاستنان به من سفل إلى علو.
٣٧٩ _ ٣٨٠ - [٤ - ٥] (عائشة، وعمار بن ياسر) قوله: (عشر) أي خصال
عشر (من الفطرة)، الفطر في الأصل بمعنى الشق والابتداع والاختراع، والفطرة الخلقة
كقوله: ﴿فَاطِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والخلقة الجبلة التي خلق عليها المولود، وفسر كثير
من العلماء الفطرة في هذا الحديث بالسنة، أي: سنة الأنبياء الذين أمرنا بأن نقتدي بهم
كما جاء حديث(٢): (أربع من سنن المرسلين)، وإنما يقال لها: سنة إبراهيم لكونه ێ
أول من أمر بها، وقيل: أي: من السنن القديمة التي اختارها الأنبياء - عليهم السلام -
واتفقت عليه الشرائع فكأنها أمر جبلي فطروا عليه.
وقال التُّورِبِشْتِي (٣): ولو فسرت بالدين لكان أوجه كما في قوله تعالى: ﴿فِظَرَتَ
اللَّهِ اَلَتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أي: دينه الذي اختاره لأول مفطور من البشر،
ويكون معنى الحديث: عشر من توابع الدين ولواحقه، والمعدودات من جملته أو مما
ركب في العقول التي فطر الله الخلق عليها استحسان ذلك.
وقوله: (قص الشارب) قص الشعر والظفر قطع منهما بالمقص، أي: المقراض،
والشارب ما سال على الفم من الشعر، أو ما طال من ناحيتي السبلة، والسبلة كلها
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٧٤).
(٢) أخرجه الترمذي (١٠٨٠)، وأحمد في («مسنده)) (٥ / ٤٢١).
(٣) (كتاب الميسر)) (١ / ١٤١).

١٠٤
(٣) باب السواك
وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ،
شارب، والمختار قصه حتى يبدو طرف الشفة ولا يُحفه من أصله، وذهب بعضهم
بظاهر قوله: (أحفوا الشوارب) إلى استئصاله وحلقه وهو قول الكوفيين وأهل الظواهر
وكثير من السلف، وخالفهم آخرون وأولوا الإحفاء بالأخذ حتى تبدو أطراف الشفة،
وهو المختار، ويرى مالك حلقَه مُثْلةً ويؤدب فاعله، وخيّر البعض بينهما، وليس ما ورد
نصًّا في الاستئصال، والمشترك بين جميعها التخفيف، وهو أعم من أن يكون الأخذ
من طول الشعر أو من مساحته، وظاهر الألفاظ الأخذ من الطول ومساحته حتى يبدو
الإطار، وقد اشتهر عن أبي حنيفة أنه ينبغي أن يأخذ من شاربه حتى يصير مثل الحاجب،
وندب بعض الحنفية توفير الشارب للغازي في دار الحرب لإرهاب العدو، ولا بأس
بترك سبالته وهما طرفا الشارب، نقل ذلك عن عمر وغيره لأنه ذلك لا يستر الفم
ولا يبقى فيه غمر الطعام إذ لا يصل إليه.
وقوله: (إعفاء اللحية) أي وتوفيرها وتكثيرها، في (القاموس)(١): عفى شَعَرُ
البَعِيرِ: كَثُرَ، وطالَ فَغَطَّى دُبْرَهُ، والعافي: الزائد، وأعفى اللحية: وَفَّرها، وناقة عافية
اللحم، كثيرته، والمشهور عندنا بقدر القبضة سنة، فإن زاد على قبضة منها يجب قطعه،
كذا في السغناقي، ولا بأس إذا طالت لحيته أن يأخذ من أطرافها، فإن كان ما زاد طويلاً
تركه، كذا في (الملتقط) و(الحاوي).
واختلفوا فيما طال من اللحية، قيل: إن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما تحت
القبضة فلا بأس به، فعله ابن عمر ظُه وجماعة من التابعين، واستحسنه الشعبي وابن
سيرين، وكرهه الحسن وقتادة، كذا في (الإحياء) و(قوت القلوب)(٢)، وقال النخعي:
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٠٦).
(٢) ((إحياء العلوم)) (١ / ١٥١)، و((قوت القلوب)) (٢ / ٨٢).

١٠٥
(٣) كتاب الطهارة
وَقَصُّ الأَْفَارِ،
التوسط في كل شيء محمود، وحكى النووي عن بعض السلف أنهم كانوا يتركون
اللحية في العام كلها ويأخذون منها قدراً صالحاً يوم منى، وهل يجوز حلق اللحية كما
يفعله الجوالقيون؟ الجواب: لا يجوز، ذكره في جناية (الهداية) وكراهة (التجنيس)،
والظاهر من كلامهم حرمة حلق اللحية ونقصانها من القدر المسنون، وما يقال: إنها
سنة فمعناه طريقة مسلوكة في الدين، وإن وجوبها ثبت بالسنة.
قال التُّورِبِشْتِي(١): قص اللحية كان من صنع الأعاجم، وهو اليوم شعار كثير
من المشركين كالإفرنج والهنود ومن لا خلاق له في الدين من الفرقة الموسومة
بالقلندرية، طهر الله عنهم حوزة الدين.
وقوله: (وقص الأظفار) قال الإمام الغزالي في (إحياء العلوم) (٢): لم أر في
الكتب خبراً مروياً في ترتيب قلم الأظفار، ولكني سمعت أنه و لم بدأ بمسبحة اليمنى
وختم بإبهام اليمنى، وابتدأ في اليسرى بالخنصر إلى الإبهام، وفي اليمنى من المسبحة
إلى الخنصر وختم بإبهام اليمنى، وأما أصابع الرجل فالأولى عندي إن لم يثبت فيه
نقل أن يبدأ بخنصر اليمنى ويختم بخنصر اليسرى كما في التخليل، وقد ذكر الإمام وجه
هذا، ويحتج به كثيراً، فلينظر ثمة، وقد رأيت لبعض العلماء شعراً في قص الأظفار
قال :
قلم الأظفار بالسنة والأدب
يوم الخميس خواسب أو خسب
وهذه الحروف رموز للأصابع والابتداء باليمنى، والله أعلم.
(١) (كتاب الميسر)) (١ / ١٤١).
(٢) ((إحياء العلوم)) (١ / ١٤١).

١٠٦
(٣) باب السواك
وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتَّفُ الإِبِطِ،
ويقال: يستحب قلمها يوم الجمعة، ويروى فيه أثر، وقيل: يدفن قلامة أظفاره
وشعره لئلا يلعب به السحرة، وإن رمى فلا بأس، وإن ألقى في الكنيف أو المغتسل
يكره، وقيل: يورث الداء والبلاء، ولا يقلم الأظفار بالسن فإنه يورث البرص، والله
أعلم.
وقوله: (وغسل البراجم) جمع برجمة بالضم: المفصل الظاهر، أو الباطن
من الأصابع، أو هي مفاصل الأصابع كلّها، وفي بعض الشروح: البراجم هي العقد
التي على ظهر مفاصل الأصابع، والتي في بواطنها رواجب بالجيم والموحدة، كذا
قاله ابن العراقي، وقال التُّورِبِشْتِي(١): البراجم مفاصل الأصابع اللاتي بين الأشاجع
والرواجب، والرواجب المفاصل اللاتي تلين الأنامل وبعدها البراجم وبعدها الأشاجع،
وإنما خص البراجم بالحث على غسلها لأن مكاسر (٢) الجلد عليها أكثر وأغلظ، فكان
مساس الحاجة إلى غسلها أشد لا سيما لمن كان شئن الأصابع خشن الجلد بعمل،
انتهى. وبالجملة يلتحق بما ذكر جميع معاطف البدن التي هي محل الأوساخ.
وقوله: (نتف الإبط) الإبط - بسكون الباء وكسرها - باطن المنكب، ويقال
بالفارسية: بغل، وقياسها لكونها من الأعضاء المتكررة التأنيث وقد يذكر، قال
الطيبي(٣): نتف الإبط سنة ويحصل أيضاً بالحلق والنورة، وفي (مجمع البحار)(٤):
وهل يكفي الحلق أو التنوير؟ ويمكن أن يخص الإبط بالنتف؛ لأنه محل الرائحة
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ١٤١).
(٢) في المخطوط: ((مكاتبة)) والصحيح ((مكاسر)) كما في ((كتاب الميسر)).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٥٥).
(٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٦٧٤).

١٠٧
(٣) كتاب الطهارة
وَحَلْقُ الْعَانَةَ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ». يَعْنِي الإِسْتِنْجَاءَ،
الكريهة باحتباس الأبخرة عند المسام، فالنتف يضعف أصول الشعر والحلق يقويها،
ثم ظاهر الحديث حصول السنة بنتفه بنفسه وتنف غيره له، وقيل: هو أقرب إلى الكراهة
من قص الأظفار لقرب ستره عن الأعين من حفظ المروءة، وسوى النووي بين الإبط
والعانة في التولي بنفسه لما فيه من هتك المروءة بخلاف الشارب، وهو مسلم في
النتف دون الحلق بنفسه، وذكر أنه لم يكن في إبطه وَّر شعر، واعترض بأنه لم يثبت في
المعتمدات، وحديث: (حتى يرى بياض إبطيه) لا يدل عليه كما زعم؛ فإنه بعد النتف
يبقى بياضاً، نعم لم يكن فيه رائحة كريهة، بل طيب الرائحة نظيفاً، وأبلغ منه أنه كان
توجد الرائحة الطيبة عند قضاء حاجته، وكانت الأرض تبتلعه بل تبتلع ما يخرج من
جميع الأنبياء، ذكر جميع ذلك في (مجمع البحار)، وذكر أيضا أن نتف الإبط أفضل
من حلقه، وكان الشافعي يحلق المزَيِّن إبطه ويقول: السنة النتف لكني لا أقدر عليه،
وهو أفضل أيضاً من النورة.
وقوله: (وحلق العانة) وهو الشعر على الفرج أو منبته، قيل: يستحب حلق
ما على القبل والدبر وما حولهما، ويكفي القص والنتف والنورة، روي أنه ي * كان
ينور على عانته بيده، وقيل: يستحب للمرأة النتف.
وقوله: (انتقاص الماء) بالقاف والصاد المهملة وهو الأشهر رواية (يعني
الاستنجاء) وهذا التفسير من وكيع قول بعض الرواة، وقد يفسر بانتقاص البول باستعمال
الماء في المذاكير ليرتد البول؛ لأنه إذا لم يغسل نزل منه الشيء بعد الشيء، و(الماء)
مفعول الانتقاص إذا أريد به البول، وفاعله إذا أريد به ماء يغسل به، كذا قيل، والانتقاص
يجيء متعدياً أيضاً وإن كان اللزوم أكثر كالازدياد، ونقص أيضا لازم ومتعد كزاده،
وكذلك انتقص كازداد، هذا وقد يروى: (انتفاص) بالفاء، وقد صوبه بعضهم، وأراد

١٠٨
(٣) باب السواك
قَالَ الرَّاوِي: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ الْمَضْمَضَةُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
٢٦١].
وَفِي رِوَايَةٍ: ((الْخِتَانُ» بَدَلَ ((إِعْفَاءُ اللَّحْيَةِ) لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي
(الصَّحِيحَيْنِ) وَلاَ فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ. وَلَكِنْ ذَكَرَهَا صَاحِبُ ((الْجَامِعِ) وَكَذَا
الْخطابِيُّ فِي ((مَعَالِمِ السُّنَنِ)).
٣٨٠ - [٥] وَعَنْ أَبِي دَاوُدَ بِرِوَايَة عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ . [د: ٥٤].
نضحه على الذكر، والنفصة: نضح الدم القليل، قال في (القاموس) (١): النفصة بالضم:
دفعة من الدم، والانتفاص: رش الماء من خلل الأصابع على الذكر.
وقوله: (قال الراوي) قیل: هو مصعب، وقيل: الراوي منه.
وقوله: (ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة) تقديره: ولا أظنه أن يكون
شيئاً من الأشياء إلا أن يكون المضمضة، (ونسيت) بلفظ المعلوم مخففاً أو المجهول
مشدداً.
وقوله: (وفي رواية: الختان بدل إعفاء اللحية) هذا لفظ صاحب (المصابيح)،
واعترض عليه المؤلف بقوله: و(لم أجد ... إلخ)، والختان بكسر الخاء يجيء بمعنى
المصدر وموضع القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية كما جاء في الحديث(٢): (إذا
التقى الختانان وجب الغسل منه)، قد يطلق على الوليمة المتخذة له، والختان سنة
عندنا، وعند مالك وأحمد وأكثر العلماء وبعض الشافعية، وواجب عند الشافعية وبعض
المالكية وجماعة من العلماء للرجال والنساء، والواجب قطع جميع الجلدة التي تغطي
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٨٤).
(٢) ((سنن الترمذي)) (١٠٩)، و((سنن ابن ماجه)) (٦٠٨)، و((مسند أحمد)) (٦ / ٢٣٩).

١٠٩
(٣) كتاب الطهارة
الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٨١ - [٦] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((السِّوَاكُ مَظْهَرَةٌ
◌ِلْفَمِ مَرْضَاءٌ لِلرَّبِّ)). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ
البُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِلاَ إِسْنَادٍ. [مسند الشافعي: ٤١، حم: ٦ / ٤٧، ٦٢،
١٢٤، دي: ١ / ١٧٤، ن: ٥، خ: الصوم، باب: ٢٧].
الحشفة، وقطع أدنى جزء من جلدة أعلى الفرج، ويتفرع على القول بوجوبها وسنيتها
فعلها للبالغ وتركها له، وسائر أحكامه مذكورة في موضعه، وقد ذكرنا طرفاً منه في
(شرح سفر السعادة)(١): فلينظر ثمة.
الفصل الثاني
٣٨١ - [٦] (عائشة) قوله: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) مصدران ميميان،
ويجوز أن يكونا بمعنى الفاعل، أي: مطهر ومحصل للرضا، وأن يكونا اسمي مكان،
أي: مظنة الطهارة والرضا كما في قوله: (الولد مبخلة مجبنة)(٢)، والثاني يحتمل أن
يكون بمعنى المفعول أيضاً، أي: مَرضِيٍّ للرب، وقيل: هما باقيتان على مصدریتهما،
والمعنى: سبب للطهارة والرضا، وقيل: هما للكثرة كالمأسدة والمأذبة(٣)، وفي (مجمع
البحار)(٤): هو بكسر الميم وفتحها بمعنى المطهر أو الآلة، وهو سبب الرضا لإتيانه
بما هو مقدمة مناجاته .
وقوله: (ورواه البخاري في صحيحه بلا إسناد) أي: في التراجم تعليقاً.
(١) ((شرح سفر السعادة)) (ص: ٤٩١).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٦٦٦)، وابن أبي شيبة (٨٠٦)، وأحمد في ((مسنده)) (١٧٥٦٢)، والحاكم
في ((المستدرك)) (٤٧٧١).
(٣) كذا في الأصل، والظاهر: ((والمذابة))، انظر: ((القاموس)) (ص: ٧٩).
(٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٤٧٩).

١١٠
(٣) باب السواك
٣٨٢ - [٧] وَعَنْ أَبِى أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((أَرْبَعٌ مِنْ سُنَّنِ
الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ - وَيُرْوَى الْخِتَانُ - وَالثَّعَطُرُ، وَالسِّوَادُ، وَالنِّكَاحُ)). رَوَاهُ
التِّرْ مِذِيُّ. [ت: ١٠٨٠].
٣٨٣ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهُ لاَ يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ وَلاَ نَهَارٍ
فَيَسْتَيْقِظُ
٣٨٢ - [٧] (أبو أيوب) قوله: (الحياء) أي: ما يقتضيه الحياء من الأفعال
كالتستر والانقباض عما يفحش ذكره وهتك المروءات ونحو ذلك، وإلا فالحياء أمر
جبلي لا اختيار فيه للعبد، وليست من الأفعال والاكتساب حتى يعد من السنن، كما
مر مثل ذلك في عد الحياء من شعب الإيمان.
وقوله: (ويروى: الختان) بالخاء المعجمة والفوقية وهو أشبه اللفظ بهذا المقام
وأنسبها كما مر في حديث: (عشر من الفطرة)، والختان لم يزل مشروعاً من لدن
إبراهيم عليه إلى زمن نبينا ◌َّ، وقد يروى (الحناء) بالحاء المهملة والنون المشددة
قالوا: هو تصحيف، وقد بالغوا في تخطئتها دراية ورواية، والظاهر على تقدير صحتها
أن يكون المراد به خضاب الشعر، وقالوا: ما هو إلا من شعار هذه الأمة، ولم يثبت
من أحد من الرسل قبل نبينا ◌َّي أنه كان يخضب، فكيف يعدّ من سنن المرسلين، وقد
تمسك به بعض الجهال في تحنية الأيدي والأرجل متشبهين في ذلك بالنساء، كذا قال
التُّورِبِشْتِي(١)، والله أعلم.
٣٨٣ - [٨] (عائشة) قوله: (فيستيقظ) يروى على العطف بالرفع، والنصب
بتقدير (أن).
(١) ((كتاب الميسر)) (١/ ١٤٢).

١١١
(٣) كتاب الطهارة
إِلَّ يَتَسَوَّكُ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٦/ ١٦٠، د: ٥٧].
٣٨٤ _ [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ وَهِ يَسْتَاكُ فَيُعْطِينِي السِّوَاكَ
لِأَغْسِلَهُ، فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ، ثُمَّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٨٥ - [١٠] عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((أَرَنِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ
بِسِوَاكٍ، فَجَاءَتِي رَجُلاَنٍ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ
مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٣،
م: ٣٠٠٢ ] .
وقوله: (إلا يتسوك قبل أن يتوضأ) فيه إشارة إلى كون السواك من سنن الوضوء،
وإن كان الباعث الاستيقاظ وتغير الفم من النوم وتطييبه، فافهم.
٣٨٤ - [٩] (عائشة) قوله: (فأبدأ به فأستاك) تبركاً ومحبةً للنبي وَّر، وفيه
التبرك بآثار الصالحين والتلذذ بها .
الفصل الثالث
٣٨٥ - [١٠] (ابن عمر4) قوله: (أراني) الرواية المشهورة بفتح الهمزة والرؤية
الحلمية مثل العلمية في جواز اتحاد ضميري الفاعل والمفعول، وقد يروى بضم الهمزة
فيكون بمعنى أظن، فيكون من أفعال القلوب، و(أتسوك) مرفوع بحذف (أن).
وقوله: (بسواك) صرح به اهتماماً بشأنه كما يدل عليه سياق الحديث.
وقوله: (فناولت) أي: أعطيت، أناله: أعطاه، فتناوله: أخذه، و(الأصغر) مفعول
ثان لناولت .
وقوله: (كبر) أي: أعط الأكبر، وفيه بيان فضيلة السواك وتقديم الأكبر في حكمه

١١٢
(٣) باب السواك
٣٨٦ - [١١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((مَا جَاءَنِي
جِبْرِيلُ عَ قَطُّ إِلاَّ أَمَرَنِي بِالسِّوَاكِ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أُحْفِيَ مُقَدِّمَ فِيَّ)). رَوَاهُ
أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٦٣].
٣٨٧ - [١٢] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَقَدْ أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ
فِي السِّوَاكِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٨٤٨].
٣٨٨ _ [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ لَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَسْتَنُّ
وَعِنْدَهُ رَجُلاَنٍ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ فِي فَضْلِ السِّوَاكِ أَنْ
کَبٹزْ،
في مناولة السواك والطيب ونحوه، ثم قد يروى هذا الحديث بدون قصة المنام،
أخرجه أحمد والبيهقي(١) بلفظ: رأيت رسول الله ◌َله فأعطاه أكبر القوم ثم قال: (إن
جبرئيل﴾ أمرني أن أكبر)، ويشهد له حديث عائشة ◌َّ الآتي إلا أن يحمل الأمر
والوحي في المنام.
٣٨٦ - [١١] (أبو أمامة) قوله: (أن أحفي) أي: أستأصل.
٣٨٧ - [١٢] (أنس) قوله: (لقد أكثرت عليكم) أي: أطلت الكلام عليكم في
شأن السواك ولأجله، وفي بعض الشروح عن الكرماني (٢): أكثرت بصيغة الماضي
المجهول، أي: بولغت من عند الله.
٣٨٨ _ [١٣] (عائشة) قوله: (يستن) أي: يستاك، في (القاموس)(٣): استن:
(١) ((مسند أحمد)) (٢/ ١٣٨)، و((السنن الكبرى)) (٤٠/١).
(٢) ((شرح الكرماني)) (٦ / ١٣).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١١٢).

١١٣
(٣) كتاب الطهارة
أَعْطِ السِّوَاكَ أَكْبَرَهُمَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠].
٣٨٩ - [١٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((تَفْضُلُ الصَّلاَةُ الَّتِي
يُسْتَاكُ لَهَا عَلَى الصَّلاَةِ الَّتِي لاَ يُسْتَاكُ لَهَا سَبْعِينَ ضِعْفاً). رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي
((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٣/ ٢٦، ح: ٢٧٧٤].
٣٩٠ - [١٥] وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيّ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِّهِ يَقُولُ: (لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ
صَلَةٍ، وَلأَخَّرْتُ صَلاَةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ)) قَالَ: فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ
يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجِدِ وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَائِبِ،
لاَ يَقُومُ إِلَى الصَّلاَةِ إِلَّ اسْتَنَّ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ.
استاك، فقيل: هو مأخوذ من السن بكسر السين، أي: يمرّه عليها، وقيل: من السن
بفتحها، يقال: سننت الحدید، أي: حککته على الحجر حتى يتحدد، والمسن بكسر
الميم: الحجر الذي يمر عليه السكين ليتحدد، كذا في بعض الشروح.
وقوله: (أعط السواك) الظاهر أنه تفسير من الراوي.
٣٨٩ _ [١٤] (عائشة) قوله: (سبعين ضعفاً) الضعف: المثل، وفيه مبالغة
لا تخفى، والعلم بحقيقة العدد موكول إلى النبي وَّر، والحديث رواه البيهقي(١) وأحمد
والبزار وأبو يعلى وابن خزيمة والحاكم، وفيه شيء من الكلام، كذا في بعض الشروح.
٣٩٠ - [١٥] (أبو سلمة) قوله: (عند كل صلاة) وعند الحنفية المراد وقت كل
(١) ((مسند أحمد)) (٦/ ٢٧٢)، ((مسند أبي يعلى)) (١٨/٨، ح: ٤٧٣٨)، ((صحيح ابن خزيمة))
(١/ ٧١)، والحاكم في ((المستدرك)) (١ / ٢٤٤).

١١٤
(٤) باب سنن الوضوء
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ((وَلَأَخَّرْتُ صَلاَةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ
اللَّيْلِ)). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٣، د: ٤٧].
٤- باب سنن الوضوء
صلاة، فإن قلت: لا حاجة إلى التأويل بقرينة لولا، فإنه لانتفاء الثاني بوجود الأول،
فالأمر بالسواك منتف عند كل صلاة لوجود خوف المشقة، قلت: المنتفي هو الإيجاب
فيبقى الاستحباب، فلا بد للحنفية من الحمل على الوقت، فافهم.
٤ - باب سنن الوضوء
المشهور في معنى السنة ما واظب عليه وَيّ مع الترك أحياناً، وقد يراد فعله على
سبيل العبادة ليخرج عاداته مس﴿ المعدودة في المندوبات والمستحبات على ما قالوا،
ويقسم إلى سنن الهدى وسنن الزوائد، وسنن الزوائد في درجة المندوبات فمقابلتها
إنما يكون بسنن الهدى، فتدبر، وفي بعض شروح (الهداية): أن المواظبة إذا أطلقت
أريد بها مع الترك أحياناً كما هو معنى السنة، وحيث يقيد بعدم الترك فهو أمارة الوجوب،
وإذا قيد بالترك فهو ظاهر، وفي (مجمع البحار)(١): السنة في الأصل الطريقة والسيرة،
وفي الشرع يراد بها ما أمر به النبي ◌َّ﴿ ونهى عنه وندب إليه قولاً وفعلاً مما لم يأت به
الكتاب العزيز، وقد يراد به المتسحب سواء دلّ عليه كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس،
ومنه سنن الصلاة، وقد يراد ما واظب عليه النبي ◌ّ﴾ مما ليس بواجب، فهي ثلاث
اصطلاحات، انتهى.
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ١٣١).

١١٥
(٣) كتاب الطهارة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٩١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ
أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِ الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثً، فَإِنَّهُ لاَ بَدْرِي
أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٢، م: ٢٧٨].
٣٩٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ
مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاَثًاً، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٣٢٩٥، م: ٢٣٨].
ثم المراد بالسنن ههنا أفعال النبي وَله وأقواله من الفرائض والسنن، يقال: جاء
في السنة، أي: في الحديث، كذا قال الطيبي(١).
الفصل الأول
٣٩١ _ [١] (أبو هريرة) قوله: (فلا يغمس يده) روي بنون التأكيد وبدونه.
وقوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده) قالوا: كان أهل الحجاز أكثرهم يومئذ
يستنجون بالأحجار لقلة الماء بأرضهم، فإذا نام عرق محل الاستنجاء، وربما أصابت
يده ذلك الموضع، فأمروا بأن لا يغمسوها في الإناء حتى يغسلوها ثلاثاً لاحتمال ورود
النجاسة عليها غالباً، وهو أمر ندب واستحباب احتياطاً في أمر العبادات وليس بواجب؛
لأنه مبني على أمر موهوم أو مظنون، وأصل الماء واليد على الطهارة عند الأكثرين
غير أن أحمد بن حنبل حكم بإيجاب الغسل ونجاسة الماء.
٣٩٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (فليستنثر) في (القاموس)(٢): نثر الشيء ينثره
(١) ((شرح الطيبي)) (٢/ ٦١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٤٦).

١١٦
(٤) باب سنن الوضوء
٣٩٣ - [٣] وَقِيْلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَه
يَتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ
وَاسْتَنْثَرَ ثَلاَئاً، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَئاً، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنٍ إِلَى
الْمَرْفِقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهَ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ،
نثراً ونثاراً: رماه متفرقاً، والنثرة: الخيشوم وما والاه، أو الفرجة بين الشاربين حيال
وترة الأنف، واستنثر: استنشق الماء، ثم استخرج ذلك بنفس الأنف كانتثر، والخيشوم
من الأنف ما فوق نخرته من القصبة وما تحتها، وقد ذكر في الأحاديث الاستنشاق
وحده، وهو إدخال الماء في أنفه بأن جذبه بريح أنفه، والاستنثار وحده وهو إخراجه
منه بريحه بإعانة يده أو بغيرها بعد إخراج الأذى، ويستلزم ذلك ذكر الاستنشاق لكونه
تابعاً له، وقد يذكر كلاهما وهو ظاهر، وبيتوتة الشيطان على الخيشوم محمول على
الحقيقة، وموكول علمه ومعرفته إلى علم الشارع؛ فإن الله خص نبيه عليه الصلاة
والسلام بأسرار تقصر عن دركها العقول والأفهام، وقد يأول بما يجتمع فيه من الأخلاط
والمخاط والغبار والأقذار في أقصى الأنف القريب بمقدم التجويف الأول من الدماغ
الموجب لانسداد طريق الإدراك وتطرق الفكرة والكسل المانع من أداء حق التلاوة
والخضوع والخشوع وفوات رعاية آداب الصلاة، وهي مرضاة للشيطان، فنسب إليه
كما قيل نحو ذلك في أكل الشيطان مع من ترك التسمية، وإدراكه المبيت في بيت لم
يذكر اسم الله فيه، وأمثال هذا كثيرة في الأحاديث، والأول هو الطريق الأقوم، والله
سبحانه وتعالى أعلم.
٣٩٣ _ [٣] (عبدالله بن زيد) قوله: (ثم مضمض واستنثر) أي: استنشق، هذا
يحتمل كونهما بغرفة واحدة، وكون كل منهما بغرفة على حدة سيجيء الكلام فيه
تفصيلاً.

١١٧
(٣) كتاب الطهارة
بَدَأَ بِمُقَدَّم رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى يرجع إِلَى الْمَكَانِ
الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ، وَلِأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ
ذَكَرَهُ صَاحِبُ ((الْجَامِع)). [ط: ٢ / ٢٤، ح: ٤٥، ن: ٩٧، د: ١١٨].
٣٩٤ - [٤] وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: تَوَضَّأْ
لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَدَعَا بِإِنَاءٍ فَأَكْفَأَ مِنْهُ عَلَى يَدَيْهِ فَفَسَلَهُمَا ثَلاَثً،
ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفِّ وَاحِدٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ
ثَلَاثاً، .
وقوله: (بمقدم رأسه ... إلخ)، تفسير لقوله: (فأقبل بهما وأدبر)، فالمراد
بالإقبال الإذهاب من جانب القدام إلى الخلف، وبالأدبار عكسه.
وقوله: (رواه مالك والنسائي، ولأبي داود نحوه) اعتراض على صاحب
(المصابيح) بذكره في الصحاح، فإن ما ذكره ليس إلا في (الموطأ) و(سنن النسائي)
ولأبي داود نحوه، والذي في الصحيحين إنما هو بلفظ ذكره المؤلف بقوله: (وفي
المتفق عليه) إلى قوله: (وفي رواية: فأقبل بهما وأدبر) ومن هذا القول إلى قوله: (ثم
غسل رجليه)، وهذه رواية من المتفق عليه بدل: (فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر)،
وصاحب (المصابيح) ذكرها فيما حكم عليه المؤلف أنها رواية مالك والنسائي،
وما ذكر المؤلف من الروايات سوى هذه الرواية مذكورة في (المصابيح) موجودة في
الصحيحين، فافهم، فإنه لا يخلو عن قلق، وقد ذكر الطيبي(١) اعتذار المؤلف عن
ذلك.
٣٩٤ - [٤] (عبدالله بن زيد) قوله: (فمضمض واستنشق من كفة واحدة) قال
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٦٥).

١١٨
(٤) باب سنن الوضوء
ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا،
فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ
بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ
وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ وَلٌ. [خ: ١٨٥، ١٨٦، ١٩١، ١٩٢، ١٩٩، م: ٢٣٥].
وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمٍ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى
قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رجَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاَثاً بِثَلاَث غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ.
وَفِي أُخْرَى: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثاً.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ
غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. وَفِي أُخْرَى لَهُ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ
مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ.
الشيخ(١): كذا في رواية أبي ذر، وفي نسخة: من غرفة واحدة، وللأكثر: من كف
بغير هاء، ثم قال: قال ابن بطال: المراد بالكفة الغرفة، ولا يعرف في كلام العرب
إلحاق هاء التأنيث بالكف، ثم قال: والمراد بكفة فعله لا أنها تأنيث الكف، وقال
صاحب (المشارق)(٢) قوله: من كفة هي بالضم والفتح كغرفة وغرفة، أي: ملأ كفه.
واعلم أنه مسلم غسل في بعض الأحيان مرة مرة اقتصاراً على مقدار الفرض الذي
لا يصح الوضوء بدونه، وفي بعضها: مرتين مرتين مبالغة في تطهير، وسماه نور على
نور، وجعله سبباً لمزيد الثواب ومضاعفة الأجر، وفي بعضها: ثلاثاً ثلاثاً، وهذا غاية
(١) ((فتح الباري)) (١ / ٢٩٧).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٥٦١).

١١٩
(٣) كتاب الطهارة
مرتبة التطهير والمبالغة، وهو أحد معاني إسباغ الوضوء الذي وقع في الأحاديث الأمر
به، والترغيب فيه، والزيادة على الثلاث تعدي وإسراف وظلم منهي عنه كما جاء في
الحديث، ولكنها لا تبطل الوضوء، وفي بعضها: (غسل بعض الأعضاء ثلاثاً)،
وبعضها: مرتين، وبعضها: مرة، وفيها صور شتى، ثم إنه قد ورد في الأرجل المرات،
وقد ورد الغسل مطلقاً من غير ذكر المرات، ولكن بقيد التنقية والتنظيف، ولذا لم يقل
بعضهم بتثليث الغسل في القدمين، كذا في شرح ابن الهمام(١).
وقد وقع في بعض الروايات غسل الأعضاء كلها مطلقاً بلا ذكر عدد، وظاهره
في المرة الواحدة، أو كان مقصود الراوي في ذلك المقام بيان أصل الغسل فسكت
عن بيان العدد، والكل لبيان الجواز وتوسيع الأمر، والغالب التثليث، ونقل الشُّمُنِّي
من (الفتاوى الظهيرية) أن من اكتفى بالمرة أثم عند البعض لتركه السنة المشهورة،
ولم يأثم عند آخرين لإتيانه بالمأمور به وصحة الحديث الوارد فيها، وقال محمد في
(موطئه)(٢): الغسل ثلاثاً أفضل، والاكتفاء بمرتين كفاية، والغسل مرة إن كان بالإسباغ
والإكمال أيضاً يكفي، وقال: هذا مذهب أبي حنيفة ۆژه، انتهى.
ونقل عن الشافعي ظُ أنه قال(٣): لا أحب الزيادة على الثلاث، وإن زاد
لا أقول: إنه حرام، والصحيح من مذهبه كراهة الزيادة على الثلاث كراهة تنزيه،
وذهب قوم إلى أن الزيادة مبطلة للوضوء كما في الصلاة من زيادة ركعة مثلاً، وهذا
القياس فاسد، وقد ورد بعد ما توضأ ثلاثاً ثلاثاً أنه قال: هكذا الوضوء، فمن زاد أو
(١) انظر: ((فتح القدير)) (١ / ٣٣).
(٢) ((التعليق الممجد)) (١ / ٤٩).
(٣) انظر: ((المجموع شرح المهذب)) (١ / ٤٣٩)، و((فتح الباري)) (١ / ٢٣٤).

١٢٠
(٤) باب سنن الوضوء
نقص أساء وظلم وتعدى، ولم يذكر في بعض الروايات النقصان وهذا أصح، وأخرج
ابن خزيمة هذا الحديث في (صحيحه) وتكلم في ذكر النقصان، وخطأ راويه؛ لأن ظاهره
ذم النقص عن الثلاث وليس الأمر كذلك، وقال بعضهم: الإساءة يتعلق بالنقصان،
والظلم بالزيادة.
بقي الكلام في المضمضة والاستنشاق، قال في (المواهب اللدنية)(١): قال
النووي: وفي كيفية المضمضة والاستنشاق خمسة أوجه، الأصح أن يتمضمض ويستنشق
بثلاث غرفات، يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق، والثاني: يجمع بينهما بغرفة
واحدة يتمضمض منها ثلاثاً ثم يستنشق منها ثلاثاً، والثالث: يجمع أيضاً بغرفة لكن
يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم
يستنشق، والرابع: يفصل بينهما بغرفتين، فيتمضمض من إحداهما ثلاثاً ثم يستنشق
من الأخرى ثلاثاً، والخامس: يفصل بست غرفات، يتمضمض بثلاث غرفات ثم
يستنشق بثلاث، قال: والصحيح الأول، وبه جاءت الأحاديث الصحيحة، انتهى.
هذا وقد وجدنا ألفاظ الحديث فيها مختلفة، وقع في أكثرها: فغسل كفيه ثم
مضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثم يديه، فظاهره يدل على وصل المضمضة
والاستنشاق وإن لم يكن قطعيًّا، وفي بعضها: غسل يديه ثم مضمض ثم استنشق ثم
غسل الوجه، وهو ظاهر في الفصل، والذي ذكر المؤلف من رواية: (فمضمض
واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات من ماء) فمحتمل للوجهين فصلاً ووصلاً، ولكن
وقع في بعض الأحاديث صريحاً أنه مضمض واستنشق بغرفة واحدة أو كفة واحدة.
(١) ((المواهب اللدنية)) (٤/ ٣٧).