النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(٣) كتاب الطهارة
الفراغ ما كان حراماً عليه، ثم التسليم - أي: الخروج عن الصلاة بلفظ السلام - فرض
عند الشافعي ومالك وأحمد الله قالوا: لأن ظاهر قوله: (وتحليلها التسليم) أن لا تحليل
لها سواه، ولأنه جاء في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة : (وكان يختم
الصلاة بالتسليم)(١)، وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وواجب عند أبي
حنيفة ه إن تركه عمداً يأثم، ويخرج عن الصلاة ناقصة، ويسجد للسهو إن تركه
سهواً، والفرض عندهم الخروج بفعل يناقض الصلاة كما عرفت في الفقه، وعند
سفيان الثوري والأوزاعي سنة، والدليل لنا على عدم الفريضة أن النبي وّ لم يعلّم
الأعرابي حين علّمه الصلاة، ولو كان فرضاً لعلّمه، كذا قال الشُّمُنِّي.
وقال في (الهداية)(٢): ولنا حديث ابن مسعود عنه وهو أن النبي وَّ لما علمه
التشهد: قال له: (إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، فإن
شئت أن تقعد فاقعد)، وجه الاستدلال: أنه وَّلو حكم بتمام الصلاة قبل السلام، وخيّه
بين القعود والقيام، وهذا ينفي بقاء واجب عليه، كذا في شرحه، ويكفي في صحة قوله:
(وتحليلها التسليم) كونه واجباً بل سنة، ولا يدل على الفرضية قطعاً، وقول عائشة زين:
كان يختم الصلاة بالتسليم أيضاً لا يدل على الفريضة، بل لا يدل إلا على فعله وص له،
وقد رأوا صلاته بجميع ما اشتملت عليه من الفرائض والواجبات والسنن والآداب كما
في حديث أبي حميد الساعدي وغيره، فعلى هذا قوله صلّه: (صلوا كما رأيتموني)
لا يقتصر الأمر فيه على الفرائض بل يشملها وغيرها، ويتم الكلام فيه في كتاب الصلاة.
(١) ((صحيح مسلم)) (٤٩٨).
(٢) ((الهداية)) (١ / ٤٧).

٤٢
(١) باب ما يوجب الوضوء
٣١٤ - [١٥] وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِذا فَسَا
أَحَدُكُمْ فَلَيَتَوَضَّأُ، وَلاَ تَأْتُو النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
[ت: ١١٦٤، ١١٦٦، ٥: ٢٠٥].
٣١٥ - [١٦] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّمَا
الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَمَتِ الْعَيْنُ اسْتَطْلقَ الوِحَاءُ)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
[دي: ١ / ١٨٤].
٣١٦ - [١٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه
٣١٤ - [١٥] قوله: (علي بن طلق) سيأتي بعد هذا عن طلق بن علي، وليس
اختلافاً في أن علي بن طلق أو طلق بن علي ذات واحدة اسمه علي بن طلق أو طلق
ابن علي كما يفهم من بعض الحواشي، بل علي بن طلق ولد طلق بن علي بن طلق
الذي يأتي الحديث منه بعد، واسمه اسمُ جده علي، فالاختلاف في أن الحديث من
علي بن طلق أو طلق بن علي، ويظهر ذلك من النظر في ترجمتهما، فتدبر.
وقوله: (إذا فسا أحدكم) أي : أحدث بخروج ريح من مسلكه المعتاد، وهو
تنبيه بالأخف على الأغلظ، وفي حديث آخر: (فساء أو ضراط)، والفساء بضم الفاء
والمد: ريح من الدبر يخرج بلا صوت، والضراط بالضم: ما يكون بصوت.
وقوله: (في أعجازهن) جمع عجز بفتح العين وضم الجيم على المشهور: مؤخر
الشيء، والمراد الدبر، ووجه المناسبة من الجملتين: أنه لما ذكر الفساء الذي يخرج
من الدبر ويزيل الطهارة والتقرب إلى الله ذكر ما هو أغلظ منه في رفع الطهارة زجراً
وتشديداً.
٣١٥ -٣١٦ _ [١٦ - ١٧] (معاوية وعلي) قوله: (إنما العينان وكاء السه) في

٤٣
(٣) كتاب الطهارة
((ِكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ فَمَنْ نَمَ فَلَيَتَوَضَّأُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٠٣].
وَقَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ مُحْيِي السُّنةِ رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا فِي غَيْرِ الْقَاعِدِ، لِمَا
صَخَّ :
٣١٧ - [١٨] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِوَهِ يَنْتَظِرُونَ
الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثمَّ يُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّؤُونَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَالتِّرْمِذِيُّ إِلاَّ أَنَه ذَكَرَ فِيهِ: يَنَامُونَ بَدَلَ: يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ
رُؤُوسُهُمْ. [د: ٢٠٠، ت: ٧٨].
(القاموس)(١): الوكاء ككساء: رباط القربة وغيرِها، والسَّتْه ويحرك: الاست، والجمع:
أستاه، والسَّهُ ويضم مخففة الهاء: العجز أو حلقة الدبر. وفي (مجمع البحار)(٢):
السه هو حلقة الدبر، وهو من الاست، وأصله سَتَهٌ كفرس وجمعها أستاه، فحذف
الهاء وعوضت الهمزة، فإذا رُدَّت هاؤه حذفت تاؤه نحو سه بفتح سین، ویروی: (وکاء
الست) بحذف لامه وإثبات عينه، ومعناه: من كان مستيقظاً كان استه كالمشدودة الموكَی
علیھا، فإذا نام انحلّ وکاؤها، گُني به عن الحدث بخروج الريح باسترخاء المفاصل،
ثم أقيم السبب مقام المسبب كالسفر مقام المشقة، ولما كان السبب الاسترخاء لم يَجْرِ
الحكم في نوم المتمكن المَقْعد كالقاعد ونحوه.
٣١٧ - [١٨] (أنس) قوله: (حتى تخفق) في (القاموس)(٣): خفق فلان: حرك
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٤٨، ١٢٣٣).
(٢) («مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ١٦٢).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨١١).

٤٤
(١) باب ما يوجب الوضوء
رأسه إذا نعس، كأخفق، وخفقت الراية تخفق خفقاً وخفقاناً، محركة: اضطربت
وتحركت، دل الحديث على أن النوم قاعداً لا ينقض الوضوء، وهذا هو المراد مما
وقع في سنن البزار(١) بإسناد صحيح: (كان أصحاب رسول الله ينتظرون الصلاة
فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام ثم يقوم إلى الصلاة)، والصحيح من مذهب أبي
حنيفة ربه أنه لو نام قاعداً فسقط، إن انتبه قبل أن يصل جنبه إلى الأرض لم ينتقض،
كذا في (شرح ابن الهمام)(٢).
ثم هذا الحديث يخص نوم القاعد، وأما تخصيص غيره من الهيئات التي
لا ينتقض بالنوم فيها فبِعلَّة الاستمساك وعدم الاسترخاء كما أشرنا إليه، وقد روى في
(الهداية)(٣) حديثاً وهو قوله وَله: (لا وضوء على من نام قائماً أو قاعداً أو راكعاً أو
ساجداً، إنما الوضوء على من نام مضطجعاً، فإنه إذا نام مضطجعاً استرخت
مفاصله(٤))، وقد تكلم الشيخ ابن الهمام في هذا الحديث وضعَّفه، ولكنه بلغه بتعدد
الطرق ونقل الاختلاف في تضعيفه إلى درجة الحسن، والمعتمد في هذا المطلب
التعليل بالاسترخاء، والقول بأن النوم ليس حدثاً بعينه فاعتبر مظنة الاسترخاء، وهذه
العلة منطوق النص كما يأتي في الحديث الآتي.
(١) ((مسند البزار)) (٧٠٧٧)، وفيه: ((فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ)). وما ذكره في الكتاب
فهو منقول عن ((نصب الراية)) (١ / ٤٧).
(٢) ((فتح القدير)) (١ / ٧٢).
(٣) ((الهداية)) (١ / ١٧).
(٤) انظر: ((نصب الراية)) (١ /٤٤).

٤٥
(٣) كتاب الطهارة
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((إِنَّ
٣١٨ _ [١٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
الْوُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعاً، فَإِنَّهُ إِذَاَ اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ)). رَوَاهُ
التِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٧٧، د: ٢٠٢].
٣١٩ - [٢٠] وَعَنْ بُسْرَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ
ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأُ)). رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ
والدَّارِمِيُّ. [ط: ٥٨، حم: ٦ / ٤٠٦، ٤٠٧، د: ١٨١، ت: ٨٢، س: ١٦٣، جه:
٤٧٩، دي: ١ / ١٨٤، ١٨٥].
٣٢٠ - [٢١] وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنْ مَسِّ
الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ. قَالَ: ((وَهَلْ هُوَ إِلاَّ بَضْعَةٌ مِنْهُ؟)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ.
٣١٨ _ [١٩] (ابن عباس) قوله: (فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله) هذه
هي العلة المنصوص عليها لنقض النوم الطهارةَ كما ذكرنا.
٣١٩ - [٢٠] قوله: (عن بسرة) بضم الباء وسكون المهملة بنت صفوان، (إذا
مس أحدكم ذكره فليتوضأً (١)) هذا الحديث متمسك الشافعية في نقض مس الذكر
الطهارة، ويأتي الكلام فيه مفصلاً.
٣٢٠ _ ٣٢١ - ٣٢٢ _ [٢١ - ٢٢ - ٢٣] (طلق بن علي، أبو هريرة، وبسرة)
قوله: (وهل هو إلا بضعة منه؟) وفي بعض الروايات: (منك)، وفي رواية الترمذي:
(١) أي: استحباباً أو أدباً، كما يتوضأ من القهقهة خارج الصلاة أو بكلام الدنيا، أو محمول إذا
خرج منه شيء، كذا في ((التقرير))، والأوجه عندي أن مفعول المس محذوف، أي: مس ذكره
بفرج المرأة وهي المباشرة الفاحشة، انظر: هامش ((بذل المجهود)) (٢ / ٥٥).

٤٦
(١) باب ما يوجب الوضوء
وَقَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا مَنْسُوخٌ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَسْلَمَ
٥
بَعْدَ قَدُومٍ طَلَقٍ. [د: ١٨٢، ت: ٨٥، س: ١٦٥، جه: ٤٨٣].
٣٢١ - [٢٢] وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِنَِّ قَالَ: ((إِذَا أَفْضَى
أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَيْءٌ فَلْيَوَضَّأُ)). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ
وَالدَّارِ قَطْنِيُّ. [كتاب الأم: ١/ ١٩، قط: ١٤٧].
٣٢٢ - [٢٣] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ بُسْرَةَ إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ((لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا
شَيْءٌ)). [س: ٤٤٥].
(إلا مضغة منه أو بضعة) على سبيل الشك من الراوي، والمضغة على وزن اللقمة:
قطعة لحم وغيره، من مضغه كمنعه ونصره: لاكه بسنه، والبضعة وقد تكسر:
القطعة من اللحم، من البَضْع بمعنى القطع، كذا في (القاموس) (١). وفي شرح كتاب
(الخرقي)(٢): المضغة: قَدْرُ اللقمة من اللحم، والبضعة قطعة أكبر من المضغة، وفي
(النهاية)(٣): المضغة: القطعة من اللحم قدر ما يمضغ، وفي (المشارق)(٤): المضغة
بمعنى البضعة وهي القطعة من اللحم، وقد روي في حديث: (فاطمة بضعة مني):
(مُضغة مني).
واعلم أن حديث بسرة دليل على أن مس الذكر ينقض الوضوء، وهذا الحديث
عن طلق بن علي يدل على خلافه، وقد اختلف العلماء من الأئمة الأربعة والصحابة
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٢٧).
(٢) ((شرح مختصر الخرقي)) (١ / ٢٥٢).
(٣) ((النهاية)) (٣٣٩/٤).
(٤) (مشارق الأنوار)) (١ / ٦٢٩).

٤٧
(٣) كتاب الطهارة
في ذلك، فالشافعي ومالك وأحمد - رحمهم الله - ذهبوا إلى النقض، بل عند أحمد
ومس الفرج مطلقاً ناقض، وقالوا: الفرج مأخوذ من الانفراج، وهو اسم لمخرج
الحدث، ويتناول الذكر والدبر وفرج المرأة، وفي مذهب مالك اختلاف في مس المرأة
فرجها، وعند الشافعي رحمة الله عليه مس الذكر بباطن كفه بلا حائل ناقض، وعن
أحمد في رواية أنه يستحب الوضوء من مسه ولا يجب جمعاً بين الأحاديث، واختارها
بعض أصحابه في فتاواه.
ثم في مس ذكره وذكر غيره وذكر الصغير والكبير والحي والميت، وفي المراد
باليد أنه إلى الكوع أو إلى المرفق، وأن المراد المس بالبطن أو بالطرف، بشهوة أو بغير
شهوة، بحائل أو بغير حائل = تفصيل واختلاف في مذاهبهم مذكور في كتبهم.
وعند أبي حنيفة وأصحابه - رحمهم الله - لا ينقض مطلقاً.
ومتمسكهم في ذلك حديث أبي هريرة: (إذا أفضی أحدكم بيده إلى ذكره ليس
بينه وبينها شيء فليتوضأ)، وفي رواية أحمد، ورواه الطبراني وابن حبان والحاكم
وصححه والنسائي(١): (إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب الوضوء)، وحديث
بسرة: (من مس ذكره فليتوضأ)، رواه الخمسة(٢) وصححه أحمد والترمذي، وقال
البخاري: إنه أصح ما في الباب، وقالوا: وكان عمل الصحابة عليه، فقد رواه مالك
في (الموطأ) عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر ثه، وحكاه أحمد عن عمر وابنه
(١) ((المعجم الكبير)) للطبراني (٤٥٠)، و((صحيح ابن حبان)) (١١١٤)، و((المستدرك)) للحاكم
(١/ ٢٢٣، رقم: ٤٧٩)، و((سنن النسائي (٤٤٥).
(٢) ((سنن أبي داود)) (١٨١)، و((سنن النسائي)) (٤٤٧)، و((سنن الترمذي)) (٨٢)، و(«ابن ماجه))
(٤٧٩)، و((مسند أحمد)) (٦ / ٤٠٦).

٤٨
(١) باب ما يوجب الوضوء
وابن عباس وأنس، وابنُ عبد البر عن زيد بن خالد الجهني والبراء وجابر، والخطابيُّ
عن أبي هريرة - رضي الله عنهم أجمعين -.
ولنا ما رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن قيس بن طلق عن أبيه قال: قدمنا على
رسول الله ﴾ فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله! ما ترى في مس الرجل ذكره
بعد ما توضأ؟ فقال: (هل هو [إلا] مضغة منه؟ أو: بضعة منه، أو: منك)، وفي (شرح
الآثار) للطحاوي(١): لا نعلم أحداً من الصحابة أفتى بالوضوء من مس الذكر إلا ابن
عمر ﴾، وقد خالفه في ذلك أكثرهم، كذا نقل الشُّمنِّي، والله أعلم.
ثم من المخالفين من حمل حديث طلق على المس من وراء حائل؛ لأنه قد
جاء أن السؤال كان عن المس في الصلاة، وردّ بأن تعليله وَّ يردُّ ذلك، ومنهم من
ادعى أنه منسوخ بحديث أبي هريرة ؛ لأن وفادة طلق كانت في سنة الهجرة، وهم
يؤسسون مسجد النبي ◌ّير، وإسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة عام خيبر، وهذا
كما ترى لا يوجب القول بالنسخ إلا احتمالاً، فإنه يجوز أن يكون طلق رجع بعد
إسلام أبي هريرة وسمع بعده، إلا أن يثبت أن طلقاً توفي قبل إسلام أبي هريرة، أو لم
يرجع من أرضه بعد إسلامه ولم يثتبت، وأيضاً لم يرو عن أبي هريرة الحديث بصيغة
السماع منه ◌ّر، فيحتمل أن يكون سمعه من بعض الصحابة الذين سمعوه قبل سماع
طلق، فيكون حديث طلق ناسخاً له، ويكون من مراسيل الصحابة، والمسألة مذكورة
في أصول الحديث أن رواية الصحابي المتأخر إسلاماً لا تدل على النسخ، فالنسخ
محتمل لا مقطوع به .
(١) ((شرح معاني الآثار)) (١ / ٧٧).

٤٩
(٣) كتاب الطهارة
وقال بعض الحنابلة: وهذا وإن لم يكن نصًّا في النسخ لكنه ظاهر فيه.
ومن ههنا ذهب بعضهم إلى استحباب الوضوء احتياطاً، ومن جهة عدم ثبوت
النسخ اختلف العلماء، وحكى الشُّمُنِّي عن (سنن الدارقطني) أنه اجتمع العلماء في
مسجد الخيف بمنى، وفيهم أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين فتناظروا
في مس الذكر، فقال يحيى بن معين: يتوضأ منه، وقال علي بن المديني بقول الكوفيين
وتقلد بقولهم، فاحتج ابن معين بحديث مروان بن الحكم عن بسرة بنت صفوان،
واحتج علي بن المديني بحديث قيس بن طلق، وقال ليحيى: كيف تتقلّد إسنادَ بسرة،
ومروان أرسل شرطيًّا حتى ردّ جوابها إليه، فقال يحيى: وقد أكثر الناس في قيس بن
طلق ولا يحتج بحديثه، فقال أحمد بن حنبل: كلا الأمرين على ما قلتما، فقال يحيى:
حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه توضأ من مس الذكر، فقال ابن المديني: كان
ابن مسعود يقول: لا تتوضأ منه، إنما هو بضعة من جسدك، فقال يحيى: عمن؟ قال:
عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل عن عبدالله، وإذا اجتمع ابن مسعود وابن عمر
واختلفا فابن مسعود أولى بأن يُتَّبع، فقال ابن حنبل: نعم، ولكن أبو قيس لا يحتج
بحديثه، فقال: حدثني أبو نعيم قال: أخبرنا مسعر عن عمير بن سعيد عن عمار بن
ياسر قال: ما أبالي إن مسسته أو مسست أنفي، فقال ابن حنبل: عمار وابن عمر
استويا، فمن شاء أخذ بهذا، ومن شاء أخذ بهذا، انتهى.
ومما ذكر يستأنس بما ذكر الطحاوي أنه لا نعلم أحداً من الصحابة أفتى بالوضوء
من مس الذكر إلا ابن عمر ظل﴾ إذ الظاهر أنه لو كان من هؤلاء الجماعة من الصحابة
الذين ذكر الشافعية أنهم كانوا على ذلك لذكر يحيى عن مالك، والله أعلم. وبما روي

٥٠
(١) باب ما يوجب الوضوء
٣٢٣ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َلِ يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ
ثُمَّ يُصَلِّي وَلاَ يَتَوَضَّأُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: لاَ يَصِحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بِحَالٍ إِسْنَادُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَيْضاً إِسْنَادُ
إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْهَا. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مُرْسَلٌ وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ لَمْ يَسْمَعْ
عَنْ (١) عَائِشَةَ. [د: ١٧٨، ١٨٩، ت: ٨٦، س: ١٧٠، جه: ٥٠٢].
عن أحمد بن حنبل من القول بالاستحباب احتياطاً، وقال محمد في (موطئه)(٢): إنه
لا وضوء في مس الذكر، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وفي ذلك آثار كثيرة، ثم
ذكر حديث قيس بن طلق وقول علي وقول ابن عباس # مثل ما نقل عن عمار څ،
وأنه كان يقول ابن عباس: إن كنت تستنجسه فاقطعه. يعني الذكر، ونقل عن ابن مسعود
وسعد بن أبي وقاص مثل هذا القول، ونقل عن علي وابن مسعود وحذيفة بن اليمان
وعمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص من الصحابة القول بعدم النقض، وعن سعيد بن
المسيب وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح
٣٢٣ - [٢٤] (عائشة) قوله: (يقبّل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ) هذه
مسألة أخرى مختلف فيها، وهي أن لمس المرأة هل ينقض الوضوء؟ فعند الثلاثة
ينقض إما بشهوة أو بغير شهوة، وأيضا أجنبية أو غيرها على تفصيل ذكر في كتبهم،
وقيد الشافعي بكونهما أجنبيين كبيرين، وعندنا: لا ينقض مطلقاً، تمسكوا بقوله تعالى:
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لَمَسْتُم النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] في قراءة حمزة والكسائي،
وقالوا: الحمل على لمس البدن أولى ليوافق قرينه وهو المجيء من الغائط، ولنا في
(١) في نسخة: ((من)).
(٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (١ / ١٢٠).

٥١
(٣) كتاب الطهارة
(الصحيحين)(١) من حديث عائشة ث: أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله وَلقوله
ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجليَّ وإذا قام بسطتهما، وهذا حجة من
أطلق المراد من الأجنبية وغيرها، وأجيب عن الآية بأن اللمس مكني به عن الجماع،
وحمل الآية عليه أولى؛ لأنها تصير بياناً لكون التيمم رافعاً للحدث الأصغر والأكبر،
وهذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه لكنهم تكلموا فيه
کما ذکر في الکتاب.
واعلم أن الترمذي روى أولاً عن قتيبة وجماعة أنهم رووا عن وكيع عن الأعمش
عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة : أن النبي ◌ّي قبّل بعض نسائه ثم
خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال: قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت، وقال: وقد
روي نحو هذا الحديث عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّر والتابعين،
وهو قول سفيان الثوري قالوا: ليس في القبلة وضوء.
وقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق - رحمهم الله -: في
القبلة وضوء، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ◌ّ والتابعين،
وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي ◌ّ في هذا لأنه لا يصح عندهم لحال
الإسناد، وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني قال: ضعف يحيى
ابن سعيد القطان هذا الحديث، قال: شبه لا شيء، وسمعت محمد إسماعيل يضعف
هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئاً.
وقد روي عن إبراهيم التيمي عن عائشة ◌ً: (أن النبي ◌َّ قبّلها ولم يتوضأ)،
(١) ((صحيح البخاري)) (٣٨٢)، ((صحيح مسلم)) (٥١٢).

٥٢
(١) باب ما يوجب الوضوء
٣٢٤ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: أَكَلَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ كَتِفاً ثُمَّ مَسَحَ
يَدَهُ بِمِسْحٍ كَانَ تَحْتَهُ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٨٩ ،
جه: ٤٨٨].
وهذا لا يصح أيضاً، ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعاً من عائشة ◌َ﴾، وليس يصح
عن النبي ◌َّ في هذا الباب شيء، هذا كلام الترمذي.
وبهذا ظهر أن حكم الترمذي بعدم صحة الإسناد من جهة أن حبيب بن أبي
ثابت لم يسمع من عروة لا من جهة أنه لا يصح إسناد عروة عن عائشة حيث، حاشاه
لأن سماع عروة عن عائشة أمر محقق لا شبهة فيه، وهو ابن أختها أسماء بنت أبي
بكر في، وله صحبة بها أكثر من أن يعد ويحصى، ففي قول المؤلف: لا يصح إسناد
عروة عن عائشة كزازة، والمراد لا يصح هذا الإسناد الذي روى فيه عروة عن عائشة،
فافهم .
وأما نفي سماع إبراهيم التيمي عن عائشة فالظاهر أنه على الإطلاق لا مقيداً بهذا
الحديث، وإبراهيم التيمي لم يذكره صاحب (جامع الأصول) في كتابه، والذهبي ذكره
في (الكاشف)، وقال: إبراهيم بن يزيد التيمي العابد عن عائشة مرسلاً وعن أنس
وعن عمرو بن ميمون، وعنه الأعمش ومسلم البطين، وهذا يوافق ما ذكره المؤلف
عن أبي داود: هذا مرسل، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، والمراد بالمرسل
ههنا المنقطع، وفيه ثلاث اصطلاحات: الأول وهو المشهور: قول التابعي: قال
رسول الله بَير، والثاني: قول التابعي الكبير ذلك، والثالث: المنقطع الساقط من إسناده
واحد أو أكثر، وقد سبق في المقدمة.
٣٢٤ _ [٢٥] (ابن عباس) قوله: (ثم مسح يده بمسح) بكسر الميم وسكون

٥٣
(٣) كتاب الطهارة
٣٢٥ - [٢٦] وَعَنْ أمِّ سَلَمَةَ ﴾ أَنَّهَا قَالَتْ: قَرَّبْتُ إِلَى النَّبِيِّ لَهُ
جَنْباً مَشْوِيًّا فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم:
٦/ ٣٠٧].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٢٦ - [٢٧] عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: أَشْهَدُ لَقَدْ كُنْتُ أَشْوِي لِرَسُولِ اللهِ وَهُ
بَطْنَ الشَّاةِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٥٧].
٣٢٧ - [٢٨] وَعَنْهُ قَالَ: أُهْدِيَتْ لَهُ شَاةٌ فَجَعَلَهَا فِي الْقِدْرِ، فَدَخَلَ
رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ: ((مَا هَذَا يَا أَبَا رَافِع؟)).
السين المهملة: البلاس، وقال في مادة البلس: والبلاس كسحاب: المسح، وفي
(الصراح)(١): مسح بالکسر بلاس وقال: بلاس گلیم وهو معرب.
٣٢٥ - [٢٦] (أم سلمة) قوله: (ولم يتوضأ) وهذا أيضاً ناسخ لأحاديث التوضئ
کحديث جابر وأبي رافع وغيرهما.
الفصل الثالث
٣٢٦ - [٢٧] (أبو رافع) قوله: (أشهد لقد كنت) المبالغة في التأكيد، قد ينبئ
عن وقوع الاختلاف فيما بينهم في هذا الحكم، والمراد ببطن الشاة: ما في بطنها من
القلب والكبد وغيرهما مما يؤكل.
وقوله: (ثم صلى) أي: فأكل وقام وصلى.
٣٢٧ - ٣٢٨ - [٢٨ -٢٩] (أبو رافع، أبو عبيد) قوله: (أهديت له) أي: لأبي
(١) ((الصراح)) (ص: ٢٣٤).

٥٤
(١) باب ما يوجب الوضوء
فَقَالَ: شَاةٌ أُهْدِيَتْ لَنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَطَبَخْتُهَا فِي الْقِدْرِ، قَالَ: ((نَاوِلْنِ الذِّرَاعَ
يَا أَبَّ رَافِع))، فَنَاوَلَّتُهُ الذِّرَاعَ، ثُمَّ قَالَ: (نَوِلْنِي الذِّرَاعَ الآخَرَ)، فَنَاوَلَتُهُ الذِّرَاعَ
الآخَرَ، ثُمَّ قَالَ: ((نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ الآخَرَ))، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّمَا لِلشَّةِ
ذِرَاعَانِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَكَثَ لَنَاوَلْتَنِي ذِرَاعاً فَذِرَاعاً
مَا سَكَثَّ)»، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ فَاهُ وَغَسَلَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ قَامَ
فَصَلَّى، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ فَوَجَدَ عِنْدَهُمْ لَحْماً بَارِداً فَأَكَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ
فَصَلَّى وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦ / ٣٩٢].
٣٢٨ - [٢٩] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ إِلَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ دَعَا
بِمَاءٍ إِلَى آخِرِهِ. [دي: ١ / ٢٢].
رافع (لناولتني) ناولته فتناول، أي: أعطيته فأخذ.
وقوله: (ذراعاً فذراعاً) أي: ذراعاً بعد ذراع.
وقوله: (ما سكت) أي: ما دمت ساكتاً، ولعل ذلك لخاصية وسنة جارية من الله
تعالى في إظهار الأمور الغيبية الخارقة للعادة لطريان التردد والشك بالسؤال والبحث،
والله أعلم.
وقوله: (وغسل أطراف أصابعه) يدل على أنه يكفي في غسل اليد بعد الطعام
ما يزيل به الدسومة والزهومة من اليد، واستيعاب غسلها ليس بلازم.
وقوله: (ثم عاد إليهم) أي: إلى أهل أبي رافع.
وقوله: (لم يمس ماء) أي: لم يتوضأ ولم يغسل اليد والأصابع كما غسلها في
المرة الأولى لعدم الدسومة.

٥٥
(٣) كتاب الطهارة
٣٢٩ - [٣٠] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُبَّيِّ وَأَبُو طَلْحَةَ
جُلُوساً فَأَكَلْنَا لَحْماً وَخُبْزاً ثُمَّ دَعَوْتُ بِوَضُوءٍ، فَقَالاَ: لِمَ تَتَوَضَّأُ؟ فَقُلْتُ:
لِهَذَا الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْنَا، فَقَالاَ: أَتَتَوَضَّأُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَمْ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ مَنْ هُوَ
خَيْرٌ مِنْكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٣٠].
٣٣٠ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسُهَا بِيَدِهِ
مِنَ الْمُلاَمَسَةِ. وَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا بِبَدِهِ فَعَلَيهِ الْوُضُوءُ. رَوَاهُ مَالِكٌ
وَالشَّافِعِيُّ. [ط: ٦٤، مسند الشافعي: ٢٧].
٣٣١ - [٣٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ
الْوُضُوءُ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٦٧].
٣٢٩ - [٣٠] (أنس بن مالك) قوله: (لم يتوضأ منه من هو خير منك) أنكرا
على أنس ظُبه، وسكوت أنس يدل على أنه موافق لهما، فصار متفقاً عليه.
٣٣٠ - [٣١] (ابن عمر) قوله: (وجسها بيده) الجس: المس باليد
كالإجساس.
وقوله: (من الملامسة) أي: المذكورة في قوله: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ [النساء: ٤٣]،
أي: ناقضان للوضوء كما بينه بقوله: (ومن قبّل امرأته أو جسها) وفيه حجة على من
قال من الشافعية: إن الناقض إنما هو لمس المرأة الأجنبية.
٣٣١ - [٣٢] (ابن مسعود) قوله: (من قبلة الرجل امرأته الوضوء) لعل التقديم
للاهتمام حتى يفهم أن من قبلة غير امرأته الوضوء بالطريق الأولى، وليس للتخصيص
كما لا يخفى.

٥٦
(١) باب ما يوجب الوضوء
قَالَ: إِنَّ الْقُبْلَةَ
٣٣٢ _ [٣٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب .
مِنَ اللَّمْسِ فَتَوَضَّؤُوا مِنْهَا.
٣٣٣ - [٣٤] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيّ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَِّ: ((الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمِ سَائِلٍ)). رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ:
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ وَلاَ رَآهُ، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ وَيَزِيدُ
ابْنُ مُحَمَّدٍ مَجْهُولاَنِ. [دي: ١ / ١٥٧].
٣٣٢ - [٣٣] (ابن عمر) قوله: (إن القبلة من اللمس) في معنى قوله في الحديث
السابق من الملامسة، وفي الآية قراءتان: ﴿لَمَسْئُمُ النِّسَآءَ﴾، و﴿لَمَسْكُمُ اُلِنِّسَاءَ﴾.
اعلم أن هذه الآثار من ابن عمر وابن مسعود ◌ٍ﴾ تدل على أن مس المرأة
ناقض كما هو مذهب الشافعي - رحمه الله -، ولعلها عند الحنفية لم يثبت، ويحتمل
أن يقال: إن ذلك بناء على مذهبهما، ويكون مذهب غيرهما على خلاف ذلك، فإنهما
لم يرفعا إلى النبي ◌َّ، وحديث عائشة ◌َّ مرفوع، والله أعلم.
٣٣٣ - [٣٤] (عمر بن عبد العزيز) قوله: (الوضوء من كل دم سائل)(١) هذا
الحكم مخصوص بالحنفية، وعند الأئمة الثلاثة الناقض هو ما يخرج من السبيلين
معتاداً أو غير معتاد، وعند أحمد خروج البول والغائط من غير مخرجهما ناقض،
والحجة لنا هذا الحديث الذي رواه الدارقطني في (سننه) عن عمر بن عبد العزيز عن
(١) ذهب إلى إيجابه الحنفية وأحمد بن حنبل، وذهب الشافعي ومالك إلى أنه غير ناقض. انظر:
((بذل المجهود)) (٢ / ١١٢).

٥٧
(٣) كتاب الطهارة
تميم الداري، ورواه ابن عدي في (الكامل)(١) عن زيد بن ثابت، وطعن الدارقطني
فيه بأن عمر بن عبد العزيز لم ير تميماً الداري؛ فإن ولادة عمر كان في سنة سبع
وخمسين، وتميم الداري مات في أيام علي ظه، ويزيد بن خالد ويزيد بن محمد
مجهولان، وقد عرفت معنى المجهول في المقدمة، وهذا ليس بطعن عندنا لأنا نقبل
المراسیل، وقد عرف في موضعه.
وأما يزيد بن خالد ويزيد بن محمد فقد اختلف فيهما، وقد وثقوهما كما في
(الكاشف)(٢) للذهبي، والمجهول قسمان: مجهول العين من لم يرو عنه إلا واحد
ولم یوثق، ومن روی عنه اثنان أو أكثر من غير توثيق فهو مجهول الحال وهو المستور،
وقد قبل روايته الجمهور وردها البعض، وقيل: موقوف إلى استبانة الحال ولا يدرى
من أي قسم، والله أعلم.
ولنا أيضا ما روى البخاري(٣) عن أم المؤمنين عائشة ﴾: أن فاطمة بنت حبيش
جاءت إلى النبي ◌َّ فقالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: (لا إنما
ذلك عرق ليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي
عنك الدم، وتوضئي لكل صلاة)، فنبه وَلهم على العلة الموجبة للوضوء، وهو كون
ما يخرج منها دم عرق، ولأنه نجس خرج إلى موضع یلحقه حكم التطهیر فینقض به
الوضوء كالخارج من السبيلين.
(١) ((الكامل)) (٢/ ٧٧).
(٢) ((الكاشف)) (٢ / ٣٨١، ٣٨٩).
(٣) «صحيح البخاري)) (٢٢٨).

٥٨
(١) باب ما يوجب الوضوء
وتمسك الخصم بما روى الحاكم مسنداً والبخاري(١) معلقاً عن جابر بن عبدالله:
أن النبي ◌ُّ كان في غزوة الرقاع فرمي رجل بسهم، فتزفه الدم فركع وسجد، ومضى
في صلاته. والجواب أنه إنما ينتهض حجة إذا ثبت اطلاع النبي ◌َّ- على صلاة ذلك
الرجل وتقريره له علیها .
وقال الخطابي(٢): ولست أدري کیف یصح الاستدلال به والدم إذا سال أصاب
بدنه وربما أصاب ثيابه، ومع إصابة شيء من ذلك لا تصح صلاته؟ إلا أن يقال: إن
الدم كان يجري من الجراح على سبيل الدفق حتى لم يصب شيئاً من ظاهر بدنه، ولإن
كان كذلك فهو أمر عجيب، كذا ذكره الشُّمُنِّي، واحتج أيضاً بما روى الدار قطني (٣)
من أنه ◌َّ﴿ احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه، وقد ضعف هذا
الحديث أيضاً.
ولنا أيضاً ما رواه ابن ماجه(٤) عن عائشة ﴾ قالت: قال رسول الله وَله: (من
أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف وليتوضأ، ثم ليبن على صلاته ما لم
يتكلم)، ورواه الدارقطني أيضاً، وقد تكلم في ابن عياش، وقد وثقه ابن معين، ونقل
عن الشافعي رحمه الله أنه قال: إنه بتقدير الصحة يحمل على غسل الدم لا وضوء
الصلاة، ودفع بأنه غير صحيح وإلا لبطلت الصلاة، فلم يجز البناء، والكلام في هذا
المقام طويل ذكره الشيخ ابن الهمام.
(١) ((المستدرك)) للحاكم (١ /٢٥٨)، و((صحيح البخاري)) (كتاب: ٤، باب: ٣٤).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (١ / ٢٨١).
(٣) ((سنن الدار قطني)) (١ / ١٥١).
(٤) ((سنن ابن ماجه)) (١٢٢١)، و((سنن الدار قطني)) (١ / ١٥٣).

٥٩
(٣) كتاب الطهارة
٢- باب آداب الخلاء
* الْفَصْلُ الأوَّلُ:
٣٣٤ - [١] عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: ((إِذَا أَيُمُ
الْغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا)) ..
٢ - باب آداب الخلاء
الأدب: استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً، وعبر عنه بعضهم بأنه الأخذ بمكارم
الأخلاق، وفي (الصراح)(١): أدب نگاه داشتن حد هر چیزی را، وسنبين معناه
مفصلاً في كتاب الآداب إن شاء الله تعالى، والخلاء ممدوداً المتوضأ؛ لأن الإنسان
يخلو فيه، في (القاموس)(٢): الخلاء: المتوضأ والمكان لا شيء به .
الفصل الأول
٣٣٤، ٣٣٥ - [١ - ٢] (أبو أيوب الأنصاري، وعبدالله بن عمر) قوله: (إذا أتيتم
الغائط) في (المشارق)(٣): الغائط: المنخفض من الأرض، وبه سمي الحدث لأنهم
كانوا يقصدونه لذلك يستترون فيه، وفي (القاموس) (٤): الغائط والغاط: المطمئن من
الأرض، والغائط كناية عن العذرة، انتهى. وإرادة العذرة من الغائط مجاز من قبيل
تسمية الحال باسم المحل، والكناية في عبارة (القاموس) بمعنى مقابل الصريح.
وقوله: (ولكن شرقوا أو غربوا) في (القاموس)(٥): التشريق الأخذ في ناحية
(١) ((الصراح)) (ص: ١٨).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٧٨).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٢٣٤).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٢٧).
(٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٢٧).

٦٠
(٢) باب آداب الخلاء
مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٤، م: ٢٦٤].
قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحْرَاءِ،
وَأَمَّا فِي الْبُنْيَانِ فَلاَ بَأُس لما رُوِيَ.
٣٣٥ - [٢] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضٍ
حَاجَتِي فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَِّ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقَبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ.
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٨، م: ٦٢].
المشرق، وعلى هذا يكون التغريب الأخذ في ناحية المغرب، والمعنى استقبلوا المشرق
حتى يكون الاستدبار إلى المغرب، أو استقبلوا المغرب حتى يكون الاستدبار إلى
المشرق، وهذا مخصوص بأهل المدينة المطهرة؛ فإن قبلتها الجنوب؛ فإن المدينة
شمالية الكعبة المشرفة.
واعلم أن المسألة مختلف فيها، فعند أبي حنيفة يحرم استقبال القبلة واستدبارها
في الصحراء وفي البنيان، وعند الشافعي لا يحرم في البنيان، وذهب إلى كل من القولين
جمع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ونقل الترمذي عن أحمد بن حنبل الرخصة
من النبي ﴿ في استدبار القبلة بغائط أو بول، فأما استقبال القبلة فلا يستقبلها، كأنه
لم ير في الصحراء ولا في الكنيف أن يستقبل القبلة، ونقل الشُّمُنِّي عدم كراهة الاستدبار
عن أبي حنيفة أيضاً لحديث ابن عمر # الآتي.
حجة الحنفية أن حديث النھي رواه جمع کثیر من الصحابة، ولم یذکر أحد منهم
في رواية ما يدل على التفريق بين الصحارى والأبنية، وقال الترمذي(١): حديث أبي
أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح، انتهى.
(١) ((سنن الترمذي)) (١ / ١٢).