النص المفهرس
صفحات 1-20
◌َحَابُ التَّنِفِيَّة
فِي شَرَحِ
مُشْكَاة المصانع
لِلْخَطِيْبِ التّبْرِ يْزِيِّ (ت: (٧٤هـ)
تَألِيْفُ
اٌلْعَلَّامَةِالمُحَدِّثِ عَبْدِ الحَقِّ الدِّهْلَوِيّ
عَبْدِالحَقّ بْنِسَيْفِ الدِّينِ بْنِ سَعْدِاللهِ البُخَارِيّ الدّهْلَوِيِّالخَنَفيِ
المَوْلُؤَدِ بِهِلِي فِي الْهِنْدِ سَنَةَ (٩٥٨هـ) وَالمُتَوَلَى بَ سَنَّة (١٠٥٢هـ)
◌َرَحِمَهُ اللهُ تَعَالى
تحقيق وتعليق
الأستاذ الدكتورِ يَفِي الدِّينُ التَّدَاوِيُّ
طَبِعَ عَلَى نَفَقَةِ سُمُوِّالشَّيْخِ
مُمَثِّلٍ صَاحِبِ السُّمُوِّرَبِيْسِ دَوْلَةِ الإِمَارَاتِ العَرَبِيَّةِ الْمُتَحِدَةِ
المُجَلَّدُ الشَّاني
ــ~
ر
13
مـ
د
فِي شَرح
مُشْكَاةُ المُصَارِ
مروسروهو ور
(٢)
د
المؤسس والمالك
نُورُ الدُّنْ طَالِ
مؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي
والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية
المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية
تأسست في دمشق سنة 1422هـ - 2002 م،
وأُشهرت سنة 1426 هـ - 2006م.
سوريا - دمشق - الحلبوني :
ص. ب : 34306
00963112227001
00963112227011
00963933093783
00963933093784
00963933093785
S
dar. alnawader
t . daralnawader . com
f
f. daralnawader. com
You
y. daralnawader. com
Tube
i. daralnawader. com
L. daralnawader . com
جميعُ الْحُقُوقِ مَخْفُوظَة للمُحَقِّق
يُمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق
الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل
المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبياً بكافة
أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية
والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.
اُلْطَبْعَةُ الْأُولَى
١٤٣٥هـ-٢٠١٤م
شبهات التيح
فرج منهذا النصائح
بسبب الروي
HE
9 ************ 50*
E_mail : info@daralnawader.com
Website: www.daralnawader.com
شركات شقيقة
دار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص.ب: 4462/14 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
دار النوادر الكويتية - الكويت - ص.ب : 1008 - هاتف : 22453232 - فاكس : 22453323 (00965)
دار النوادر التونسية - تونس - ص.ب: 106 (أريانة) - هاتف: 70725546 - فاكس: 70725547 (00216)
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي
البحوث والدراسات الإسلامية
مظفر فقد أعظم جراء- يوني - الهند
الهاتف: 5462270104-0091
متحرك : 9450876465 - 0091
SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER
For Research & Islamic Studies
MOZAFFAR PUR, AZAMGARH, U.P.(INDIA).
الفاكس: 5462270786 -0091
البريد الإلكتروني : drnadwi@gmail.com
(٣)
3
6
٠
2
(٣)
كَابُ الظَّهَرة
٣ - كتاب الطهارة(١)
الطهارة - بفتح الطاء - في اللغة بمعنى النظافة نقيض النجاسة، وطهر كنصر
وكرُم، والطّهور: مصدر واسم ما يُتطهر به، أو الطاهر المطهّر، كذا في (القاموس)(٢)،
وظهر مما ذكر أن الطهارة لازمة، فاستشكل اشتقاق الطهور منها بمعنى المطهّر، فقال
قوم: الطهور منقول شرعي من معنى الطاهر طهارة تامة إلى معنى المطهّر، والظاهر
أنه متعدٍّ لغة كما يظهر مما ذكره في (القاموس) (٣)، ولكن الإشكال في وجه اشتقاقه
من معنى اللازم، وقال آخرون: المبالغة في الطهارة لا تعقل إلا بتعديتها؛ إذ الطهارة
الشرعية لا تقبل الزيادة والنقصان، وفيه ما فيه، وقيل: هو مشتق من طهره
كمنعه بمعنى أبعده، فالطهور بمعنى المُبْعِد للنجاسة، وقد ذكر هذا المعنى في
(١) قال القاري: لَمَّا كَانَتِ الْعِبَادَةُ نَتِيجَةَ الْعِلْمِ، وَالصَّلاَةُ أَفْضَلَ الْعِبَادَاتِ، وَالطَّهَارَةُ مِنْ شُرُوطِهَا
الْمُتَوَقِّفِ صِخَّتُهَا عَلَيْهَا، عَقَّبَ كِتَابَ الْعِلْمِ بِكِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَاخْتُصَّتْ مِنْ بَيْنِ شُرُوطِهَا لِكَوْنِهَا
غَيْرَ قَابِلَةٍ لِلسَّقُوطِ، وَلِكَثْرَةِ مَسَائِلِهَا الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا هُنَا. قَالَ الْغَزَالِيُّ: لِلطَّهَارَةِ مَرَاتِبُ مِنْ تَطْهِيرِ
الظَّاهِرِ عَنِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، ثُمَّ تَطْهِيرِ الْجَوَارِحِ عَنِ الْجَرَائِمِ، ثُمَّ تَطْهِيرِ الْقَلْبِ عَنِ الأَخْلاَقِ
الْمَذْمُومَةِ، ثُمَّ تَطْهِيرِ السِّرِّ عَمَّا سِوَى اللهِ تَعَالَى. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٣٤١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٠٣).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٠٣).
٨
(٣) كتاب الطهارة
(القاموس) حيث قال: الطهور اسم ما يتطهر به، أو الطاهر المطهر، وطهره كمنعه:
أبعده .
وقال الزركشي في شرح كتاب الخرقي(١): وقال بعضهم: الطهارة في اللغة:
النظافة والنزاهة عن الأقذار حسيةً كانت أو معنوية. وقد ورد في الصحيحين: كان
رسول الله وسلم إذا دخل على مريض قال: (لا بأس طهور إن شاء الله) أي: مطهّر من
الذنوب، والذنوب أقذار معنوية، ولا يخفى أنه یحتمل أن یکون استعمال الطهر ههنا
بطريق المجاز، إلا أن يقال: الأصل الحمل على الحقيقة.
وأما الطهارة في اصطلاح الفقهاء، فقال أبو محمد من الحنابلة: هي رفع ما يمنع
الصلاة من حدث أو نجاسة بالماء، أو رفع حكمه بالتراب، وأورد على عكسه الحَجَر
وما في معناه في الاستنجاء، ودلك النعل، وذيل المرأة، فإن تقييده بالماء والتراب
يُخرج ذلك، وأيضا نجاسة تصح الصلاة معها لكونها قليلة، فإن زوالها طهارة ولا تمنع
الصلاةَ، وأيضاً الأغسال المستحبة، والتجديد، والغسلة الثانية والثالثة، فإنها طهارة
ولا تمنع الصلاة. وقد أجيب عن الأغسال المستحبة ونحوها بأن إطلاق الطهارة عليها
مجاز لمشابهته للوضوء الواقع في الصورة.
وحدَّها بعض متأخري البغاددة بأنها استعمال الطهور في محل التطهير على
الوجه المشروع، وهو حدٌّ للتطهير لا للطهارة، فهو تعريف بغير المحمول، وقد حُدَّت
بحدود كثيرة يطول ذكرها والكلام عليها، وأحسن ما قيل في تعريفه ما ذكره الشُّمُنِّي
في شرح (النقاية): إنها النظافة عن الحدث والخبث، فتدبر.
(١) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ١١٢).
٩
(٣) كتاب الطهارة
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٨١ _ [١] عَن أَبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((الُهُورُ
شَطْرُ الإِيمَانِ .
الفصل الأول
٢٨١ - [١] (أبو مالك الأشعري) قوله: (الطهور شطر الإيمان) ضبطوا الطهور
بالضم والفتح وكلاهما بمعنى المصدر، نعم قد جاء بالفتح بمعنى ما يتطهّر به أيضاً
كما ذكر في (القاموس)(١)، والمشهور عند الجمهور أن بالضم للمصدر، وبالفتح
للاسم كما في الوضوء، وعن بعضٍ عكسُه، والحق أن كليهما يجيء للمصدر بالفتح
والضم، ويجيء بالفتح للاسم أيضاً.
والشطر نصف الشيء وجزؤه، والمعنى الأول أشهر وأكثر استعمالاً في الأحاديث
كما لا يخفى على المتتبع، ولو ذكرنا موارده لطال الكلام، فإنْ حُمل في هذا الحديث
على معنى الجزء مطلقاً فذاك كأنه جزء من حقيقة الإيمان مبالغة في التحريض
والمحافظة عليه سواء أُريد بالإيمان حقيقتُه أو الصلاة، وإن حمل على معنى النصف
فتوجيهُه إرادة المبالغة في أن الأجر في الطهور ينتهي إلى نصف أجر الإيمان أو الصلاة،
أو الإيمان يجبُّ ما قبله من الخطايا، إلا أن الإيمان يجبُّ الكبائر والصغائر، والطهور
يجبُّ الصغائر فقط، أو أن الإيمان يطهر الباطن، والطهور يطهر الظاهر، كذا في (مجمع
البحار)(٢)، ولعل المراد أنهما في المؤمن متناصفان، فافهم.
وقال بعض المحققين في تأويله: إن الإيمان تخلية عن الرذائل وتحلية بالفضائل،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٠٣).
(٢) انظر: ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٤٧٩).
١٠
(٣) كتاب الطهارة
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنٍ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاَةُ نُورٌ.
والطهور ههنا محمول على التخلية.
وقوله: (والحمد لله يملأ الميزان) يملأ يروى بالفوقانية والتحتانية، فالأُولى
باعتبار اللفظة أو الكلمة أو المثوبة، والثانية باعتبار اللفظ أو الثواب، وقد ثبت
بالنصوص أن الأعمال توزن إما نفسها، أو بجعلها صوراً، أو كتبها أو لكونها جواهر
في موطن الآخرة كما هو عند المحققين، وقد حقق في موضعه.
وقوله: (سبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ) شك من الراوي أنه بلفظ التثنية
أو المفرد، فالأول ظاهر، والثانية باعتبار الجملة أو المجموع، وكل منهما بالفوقانية
أو التحتانية، وذلك من جهة أن سبحان الله تنزيه الله سبحانه، وهو يشمل السماوات
والأرض وما بينهما، وكل ذرة تدل على تنزهه من النقائص، والحمد لله اعتراف
بكمالاته ونعمه، والعالم مملوء بها وداٌّ عليها، ولا شك أن هذه الكلمات لو صدرت
من أحد بحقائقها أوجبت شهود صفات الله وأسمائه التي العالم مظاهرها، وأما التفوُّه
بمجرد الألفاظ فلا اعتداد به، ومع ذلك فضل الله واسع يعطي من يشاء ما يشاء.
وقوله: (والصلاة نور (١)) أي: منوِّر القلب لشهود الحق وظهور المعارف؛ لأن
أتم الأحوال والأوقات التي تُكشف للعارفين إذا كانوا في الصلاة، وأقربُ ما يكون
العبد من ربه إذا كان ساجداً، وحسبه قوله ◌َّه: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)(٢)،
والوجهِ لظهور سيماء الصلاح والعرفان، وتهدي إلى طريق الحق والصواب، وتنهى عن
(١) قال القاري: أَيْ: فِي الْقَبْرِ وَظُلْمَةِ الْقِيَامَة، ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٣٤٢).
(٢) أخرجه النسائي في ((السنن)) (٣٩٤٠)، وأحمد في ((مسنده)) (٣/ ١٢٨).
١١
(٣) كتاب الطهارة
وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ
يَغْدُو
الفحشاء والمنكر، أو سبب للنور يوم القيامة يسعى بين أيدي أهلها وبأيمانهم(١).
وقوله: (والصدقة برهان) أي: حجة لطالب الأجر؛ لأنها فرض يجازي الله به
عليه، أو دليل واضح قوي على صدق صاحبها في دعوى الإيمان إذا كان لوجه الله
سبحانه .
وقوله: (والصبر ضياء) الصبر هو الاستقامة على مقتضى الكتاب والسنة، وقد
يفسر بترجيح داعية الحق على داعية الهوى عند معارضتهما، أو المراد: الصبر على
البلايا والمصائب، ويحتمل أن يكون المراد الصوم بقرينة ذكر الصلاة والزكاة كما
يفسره به في قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، ولقد بالغ ◌َّ في
مدح الصبر بجعله ضياء وجعل الصلاة نوراً؛ لأن الضياء فرط الأنارة وفوقها، والنور
دونه كما يشير إليه قوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾ [يونس: ٥]
والأمر كذلك؛ لأنه ملاك الأمر والطاعات كلها من الصلاة وغيرها من أقسام الصبر
وأفرادها .
وقوله: (والقرآن حجة لك) إن عملتَ به وأدَّيت حقه ونصحت له (أو عليك)
إن لم تفعل ذلك.
ولما ذكر بعض أنواع العبادات والطاعات التي هي العمدة، ويستلزم ذلك ذكر
أضدادها أيضاً، أشار إلى تعميم الطاعات والمعاصي وأحوال الناس فيها فقال: و(كل
الناس يغدو) أي: يبكر ويصبح، والغدوة بالضم: البُكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع
الشمس .
(١) قال القاري: وَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ◌ََِّ، ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٣٤٢).
١٢
(٣) كتاب الطهارة
فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٣].
وَفِي رِوَايَةٍ: ((لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ تَمْلَآَنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)).
لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلاَ فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَلاَ فِي ((الْجَامِعِ))،
وَلَكِنْ ذَكَرَهَا الدَّارِمِيُّ بَدَلَ ((سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ)) .
٢٨٢ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَّهِ: ((أَلَا أَدُلُّكُمْ
عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟)) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ!
قَالَ:
وقوله: (فبائع نفسه) أي: صارف نفسه في عوض ما يتوجه إليه.
وقوله: (فمعتقها) إن كان ما يتوجه [إليه] طاعة، (أو موبقها) أي: مهلكها إن
كان معصية، وقيل: البائع هو المملِّك لغيره، والإنسان إذا أصبح فإما إن يملُّك زمام
نفسه للشرع فلا يرتكب محظور دينه فيكون معتقاً لنفسه، وإما إن يملك زمامها للشيطان
فيكون مهلكاً لها، وقيل: المراد بالبائع المشتري، أي: يشتري نفسه ويختار، وبعد
ذلك إما أن يعتقها أو يوبقها.
٢٨٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (على ما يمحو الله به الخطايا) محاه يمحوه
ويمحاه: أذهب أثره، ومحو الخطايا: غفرانها، أو محوها عن ديوانها، والمراد بها
الصغائر.
وقوله: (ويرفع به الدرجات) اعلم أنه قد يجيء في باب مواضع الصلاة أن
هذه كفارات، والدرجات: إطعام الطعام ولِين الكلام والصلاة بالليل والناس نيام،
ولا منافاة بين ما ذكرههنا وما ذكر هناك، إذ يمكن أن يكون فيها خاصيتان: كونُها كفارات
ودرجات؛ لكنه اقتصر هناك على أحد الوصفين وذكر في الدرجات صفاتٍ أخر، وفي
١٣
(٣) كتاب الطهارة
(إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ
بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ».
٢٨٣ - [٣] وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: (( فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)).
مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: ثَلَاثاً. [م: ٢٥١، ت: ٥٢].
الحقيقة كل طاعة موجب لرفع الدرجة.
وقوله: (إسباغ الوضوء) في (القاموس)(١): أسبغ الوضوء: أبلغه مواضعه،
ووَفَّى كل عضو حقه، انتهى. وأصل السبغ: الكمال والتمام، وحاصله: أن لا يترك
شيئاً من واجباته وسننه وآدابه.
وقوله: (على المكاره) جمع مكره بفتح الميم من الكره بالفتح والضم: الإباء
والمشقة، أو بالضم: ما أكرهت نفسك عليه، كذا في (القاموس)(٢).
وقوله: (وكثرة الخطى إلى المساجد) المراد الذهاب إليه من مكان بعيد،
ويحتمل أن يكون كناية عن المشي بالوقار والأناة، والمراد بانتظار الصلاة أن يجلس
في المسجد ينتظرها، أو إن خرج يكون قلبه متعلقاً بها .
٢٨٣ - [٣] (مالك بن أنس) قوله: (فذلكم الرباط) الظاهر أن الإشارة إلى
انتظار الصلاة، وأصل الرباط: ملازمة الثغور لمحاربة الكفار، ويحتمل أن يكون إشارة
إلى الكل؛ لأنها تسد طرق الشيطان على النفس، وتقهر عنها الهوى، وتمنعها عن
قبول الوسواس إشارة إلى أنها المُرابطة الحقيقية والجهاد الأكبر، والمستأهل أن يسمى
رباطاً، واسم الإشارة للبعد للتعظيم على وتيرة قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾ [البقرة: ٢]،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٢٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٥٢).
١٤
(٣) كتاب الطهارة
٢٨٤ - [٤] وعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ
الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِه)). مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٣٣، م: ٢٤٥].
٢٨٥ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا تَوَضَّأَ
الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ - أَوِ الْمُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا
بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاء مَعَ آخِرٍ قَطْرِ الْمَاءِ،
والتكرير للتأكيد والتقرير.
٢٨٤ - [٤] (عثمان) قوله: (فأحسن الوضوء) بضم الواو وقد يفتح، والحال
فيه كما في الطهور وهو في معنى أسبغه، والظاهر أن الإسباغ إكماله بإيصال الماء تماماً
وتثليث الغسل ونحوه، والإحسان برعاية السنن والآداب، والله أعلم.
وقوله: (من تحت أظفاره) ويحتمل أن يكون المراد: داخل الأظفار تحت الجلد،
ففيه مبالغة، وإن لم یکن محل وصول الماء، أو المراد بتحت الأظفار داخل رؤوس
الأظفار مما طالت، وهو الظاهر، والله أعلم.
وقوله: (متفق عليه) وفي بعض الشروح أنه من أفراد مسلم.
٢٨٥ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (نظر إليها) أي: إلى الخطيئة، أي: إلى ما تحصل
به الخطيئة كالعورة وما يحرم النظر إليه .
وقوله: (بعينيه) بلفظ التثنية، وفي بعض النسخ (بعينه) بالإفراد، خصص العين
بالذكر وإن كان الوجه مشتملاً على غيرها أيضاً؛ لأن أكثر ما تحصل به الخطيئة من
الوجه هي العين(١).
(١) وفي ((التقرير)): يشكل ذكر العين خاصة مع أن الوجه شامل للأنف وغيره، إلا أن يقال في =
١٥
(٣) كتاب الطهارة
فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ من يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ
آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ -، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاَهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ
مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٤].
٢٨٦ - [٦] وَعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا مِنِ امْرِئٍ
مُسْلِمٍ تَخْضُرُهُ صَلاَةٌ مَكْتُوبَةٌ .
وقوله: (أو مع آخر قطر الماء) الظاهر أنه شك من الراوي، وفي بعض الشروح
أنه ليس بشك من الراوي بل لأحد الأمرين، ولا يخلو عن خفاء بحسب المعنى، فافهم.
وقوله: (مشتها) بنزع الخافض، أي: مشت إليها، وقال الطيبي(١): يحتمل أن
يكون الضمير للمصدر، أي مشت المشية، وهذا كما ذكروا في قوله {وَيّ: (واجعله
الوارث منا) أن الضمير للمصدر على تأويل، وقد يجعل الضمير للمذكورات من
الأسماع والأبصار، ولا يخفى أن جعل الضمير للمصدر مما لا يذهب إليه الفهم أصلا
لكنهم ذكروا ذلك، ولا بد أنه فهموا ذلك من استعمال أهل اللسان.
٢٨٦ - [٦] (عثمان) قوله: (صلاة مكتوبة) أي مفروضة، في (القاموس)(٢):
= الجواب: إن لكل من الأنف والفم والأذن طهارة مخصوصةً من المضمضة والمسح، دون
العين فذكرها، قاله ابن حجر. أو ذكر العين على سبيل الغاية كما في الروايات الآتية: ((حتى
من تحت أشفارها))، أو ذكرها لدفع ما يمكن أن يوهم أن لا يخرج من العين لعدم غسل
ما تحتها. ويشكل أيضاً بأن هذه الرواية تدل على تطهر أعضاء الوضوء خاصة، والمتقدمة على
طهارة سائر الجسد. وجمع بأن الأول مع الإحسان، وهذه بدونه، أو بأن المراد من الجسد
في الأول هو هذه الأعضاء، أو المراد بالأعضاء ههنا الجسد كله.
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ١١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٣٢).
١٦
(٣) كتاب الطهارة
فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ
مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً،
كتبه: خطه، والكتاب: ما يكتب فيه والفرض والحكم والقدر.
وقوله: (وضوءها) وفي بعض النسخ (وضوءه)، وكذا في (خشوعها وركوعها)،
والخشوع يشتمل على رعاية آدابه الظاهرة والباطنة، وتخصيص الركوع بالذكر لأنه
من خصائص صلاة المسلمين، وليس في صلاة اليهود والنصارى ركوع، ولأنه أشد
من السجود لا يقدر على إكماله الضعفاء بخلاف السجود، ولأنه يدرك الركعة بدركه
فيكون إحسانه وإتمامه أهم، ولأن الركوع أول حالة يتميز بها المصلي.
وقوله: (ما لم يؤت) على بناء الفاعل من الإيتاء، هكذا الموجود في (صحيح
مسلم) وشرحه للنووي، وفي كتاب الحميدي، والذي يوجد في نسخ (المصابيح):
(لم يأت) من الإتيان وهو ظاهر المعنى؛ لأن إتيان الشيء بمعنى العمل به كثير، وأما
الإيتاء فإنما هو بمعنى الإعطاء، وتوجيه الإيتاء أن العالم يعطي العمل من نفسه، وقد
يروى: (يؤت) بلفظ المجهول إقامةً للمفعول الأول مقام الفاعل وترك الثاني منصوباً
بمعنى: لم تصبه الكبيرة، من قولهم: أُتي فلان في بدنه، أي: أصابته علَّةٌ، والمختار
بحسب الرواية (ما لم يؤت) من الإيتاء مبنياً للفاعل .
ثم الظاهر من قوله: (ما لم يؤت كبيرة) أن كفارة الذنوب مشروطة بعدم إتيان
الكبائر، فإن أتى الكبائر لم تكفَّر صغائره، وهو الظاهر من قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ
كَبَبِرَ مَا تُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] لكنهم قالوا: معناه: إن
الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر فإنها لا تغفر، فافهم. قال النووي(١): هذا هو المراد،
والأول وإن كان محتمل العبارة لكنه لم يذهب إليه أحد.
(١) ((شرح النووي)) (٣/ ١١٢).
١٧
(٣) كتاب الطهارة
وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٨].
٢٨٧ - [٧] وَعَنْهُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلاَئاً، ثُمَّ تَمَضْمَضَ
وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثَاً، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلاَثًاً، ثُمَّ
غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلاَثاً، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى
ثَلاَثًاً، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلاَثًاً، .
وقوله: (وذلك الدهر كله) أي: تكفِّر الصلاة المكتوبة على هذه الكيفية الصغائر
في الدهر كله، أي: لا يختص بفرض واحد بل فرائض الدهر تكفُّر صغائره، فالدهر
منصوب على الظرفية، و(كله) تأكيد له، فإن قلت: فما الحال إذا كانت كبائر أو لم
يكن صغائر ولا كبائر؟ قلنا: قال بعض العلماء: نرجو أن يخفف من الكبائر في الصورة
الأولى، وترفع الدرجات في الثانية.
٢٨٧ - [٧] (عثمان) قوله: (توضأ فأفرغ) من عطف البيان على المبيَّن والتفصيل
على الإجمال، وذلك كثير في الأحاديث، والإفراغ: الصب والإراقة (ثم تمضمض)
المضمضة: تحريك الماء في الفم، كذا في (القاموس)(١)، وفي (مجمع البحار)(٢):
هو وضع الماء في الفم وإدارته بالأصابع أو بقوة الفم ثم مجه، والاستئثار: استنشاق
الماء ثم استخراج ذلك بنفس الأنف، والنثرة: الخيشوم، (واستنثر) أي: استنشق
الماء ثم استخرج ما في الأنف، فظهر من هذا أن الاستنثار يتضمن ذكر الاستنشاق،
وليس أنه ترك ذكر الاستنشاق اعتماداً على ما ذكره في الرواية الأخرى، نعم قد يذكران
معاً، ويراد بالاستنثار هناك الاستخراج فقط، فذلك هو المحتاج إلى التوجيه والتأويل،
(١) ((القاموس)) (ص: ٦٠٣).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٦٠٦).
١٨
(٣) كتاب الطهارة
ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ
تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ، غُفِرَ
لَهُ مَا تقدم مِنْ ذَنْبِهِ». مُتَّفق عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ للْبُخَارِيّ. [خ: ١٥٩، ١٩٣٤،
م: ٢٢٦].
فافهم .
ثم الظاهر من هذا الحديث كون المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة لعدم
ذكر (ثم) كما في سائر الأعضاء، وسيجيء الكلام فيه في (باب سنن الوضوء) إن شاء
الله تعالی .
وقوله: (نحو وضوئي) في شرح مسلم: إنما قال: نحو، ولم يقل: مثل، لأن
حقيقة مماثلة وضوئه سير لا يقدر عليها غيره، انتهى. وهذا مبني على اعتبار وجه الشبه
في المماثلة من كل وجه، ولو لم يعتبر ذلك واكتفى بالمشاركة في جهة خاصة لكفى،
وهذا تأدب منه نظريته، وأما قوله وَله: (وضوئي) بترك حرف التشبيه فترغيب وحث على
كمال المبالغة، فافهم.
وقوله: (ثم يصلي ركعتين) ولو صلى أكثر لكان أفضل، يؤخذ فيه استحباب
الصلاة بعد الوضوء، وقال الطيبي(١): هي سنة مؤكدة لا تترك ولو في وقت مكروه،
ولو صلى فريضة أو راتبة لكفت، وأنكر الإمام الغزالي تسميتها بتحية الوضوء، وأما
التسمية بتحية المسجد فصحیح.
وقوله: (لا يحدث نفسه فيهما بشيء) أي: في أمور الدنيا، ولو عرضت الخواطر
فدفعها ولم يستقر لم يضر في هذه الفضيلة، وقيل: المراد الإخلاص، وقيل: عدم
العجب، والله أعلم.
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ١٤).
١٩
(٣) كتاب الطهارة
٢٨٨ - [٨] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا مِنْ
مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّيَقُومُ فَيُّصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلاً عَلَيْهِمَا بِقَلْيِهِ
وَوَجْهِهِ.
٢٨٨ - [٨] (عقبة بن عامر) قوله: (مقبلاً عليهما) وجد في أكثر الأصول بالرفع،
ووجهه أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو مقبل، والجملة حال، وفي بعضها بالنصب
وهو أظهر، ووجد في كثير من نسخ (المصابيح): يقبل بلفظ المضارع.
وقوله: (بقلبه ووجهه) أي: بباطنه وظاهره، والإقبال إنما هو على الله، ولما
كانت الصلاة وسيلة له نسب الإقبال إليها؛ لأنه إن لم يكن عليهما لا يحصل الإقبال
على الله تعالى.
قال الإمام الغزالي في (إحياء العلوم)(١): المعاني الباطنة التي تتم بها الصلاة
جملتها ست: حضور القلب، والتفهم، والتعظيم، والهيبة، والرجاء، والحياء،
الأول: حضور القلب ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابِس له ومتكلِّم به،
فيكون العلم بالفعل مقروناً بهما، ولا يكون الفكر جارياً في غيرهما، والفهم غير
الحضور، فربما يكون القلب حاضراً مع اللفظ، ولا يكون حاضراً مع معنى اللفظ،
فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو الذي أردناه بالتفهم، وهذا مقام يتفاوت
الناس فيه، إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن والتسبيحات، وكم من معانٍ
لطيفة يفهمها المصلي في أثناء صلاته ولم يكن قد خطر بقلبه ذلك [قبله]، ومن هذا
الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فإنها تفهِم أموراً تلك الأمور تمنع
عن الفحشاء لا محالة.
(١) ((إحياء علوم الدين)) (١ / ١٦٩).
٢٠
(٣) كتاب الطهارة
إِلَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٤].
﴿ّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:
٢٨٩ - [٩] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ
لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
وأما التعظيم فهو أمر وراء حضور القلب والتفهم، إذ الرجل يخاطب عبده بكلام
هو حاضر القلب فيه ومتفهم لمعناه ولا يكون معظِّماً له.
وأما الهيبة فزائد على التعظيم، بل هي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم؛ لأن من
لا يخاف لا يسمى هائباً، والمخافة من العقرب وسوء خلق العبد وما يجري مجراه
من الأسباب الخسيسة لا يسمى مهابة، بل الخوف من السلطان العظيم يسمى مهابة.
وأما الرجاء فلا شك أنه زائد، فكم من معظم ملكا من الملوك يهابه ويخاف
سطوته ولكن لا يرجو مثوبته، والعبد ينبغي أن يكون راجياً بصلاته ثواب الله كما أنه
خائف بتقصيره عقاب الله .
وأما الحياء فهو زائد على الجملة؛ لأن مستنده استشعار تقصير وتوهُمُ ذنب،
ويتصور التعظیم [والخوف] والرجاء من غیر حیاء حیث لا یکون توهم تقصير [وارتكاب
ذنب].
وقوله: (إلا وجبت له الجنة) الوجوب حيثما وقع [في] مقام ثواب الأعمال
فالمراد به التفضل عند أهل السنة والجماعة؛ فإنه لا يجب على الله شيء، ولكنه يفعل
بمقتضى وعده الكريم، ولا يخلف الوعد، ولا يتصور على الله غير هذا كما عرف في
أصول الكلام.
٢٨٩ - [٩] (عمر بن الخطاب) قوله: (ما منكم من أحد) قال الطيبي: (من)
الأولى بيانية، ولعله إنما ذهب إليها لأن (من أحد) عام، فلا يصح التبعيض، ويمكن